|
في ذكرى رحيله محمود البريكان شاعر المصائر واسئلة الوجود
علي الامارة
اميل الى فكرة ان البريكان لم يكن صامتا بالمعنى الادبي او الشعري لهذه
المفردة وانما كان منعزلا ، وعزلته هي عزلة الشاعر المشغول بهم الوجود
والمسكون باسئلته الكونية العميقة ، وهذا الهم والانشغال يتطلب هذه
العزلة بمفهومها الاجتماعي او السياسي او كما كان يقول لنا البريكان
نفسه ان الشعر يحتاج الى حياة اوعمر خاص به .. وحتى مفهوم اجتماعية
الادب كاللقاءات والمهرجانات لا تضفي للنص الشعري بريقا اكثر من بريق
انتاجيته الاولى كنص مكتوب ومقروء .. هكذا راى البريكان الشعر والادب
بشكل عام .. نص يكتب ويقرا ولا شيء غير ذلك مما يضيع وقت الشاعر في
تفاعلات جانبية على هامش النص مهما كانت مظاهر هذه التفاعلات .. من
هنا كانت عزلة البريكان و لا اقول صمته عزلة منتجة وغزيرة متاتية
غزارتها من فن قيادة العزلة الانسانية المنتجة ابداعيا وهو اصعب
الفنون في ازمنة الفوضى المنظمة والبريق المخادع والتعامل الحذر والصعب
مع الاخرين الذين يقول عنهم سارتر ( الاخرون هم الجحيم ) .. لا شيء
اهم من النص فمن كتابته تبدا الحياة ومن قراءته تستعاد الحياة وتستمر
وتتوهج باسرارها الكونية والكينونية..
يقول فرانس كافكا : ( لا داعي ان تخرج من مسكنك .. امكث امام مكتبك ،
واكتف بالبقاء على انفراد صامتا .. فسياتي العالم اليك بنفسه ،ولن
يستطيع الا ان يكون رهن اشارتك ، وطوع قلمك .. ) ويقول الشافعي:
ما تذوقت لذة العيش حتى صرت للبيت والكتاب جليسا
من هذه الافكار وغيرها استوحى البريكان عزلته
وقد كان النقد في غالبيته لم يفصل معاينة ودراسة لشعر البريكان بعيدا
عن موضوعة الصمت لان صمت البريكان كان مدويا في تلك الاعوام فالصكر على
اهميته النقدية يركز في مقالته على جانب الصمت ويتخذه محورا اساسيا في
استنطاق نص ( حارس الفنار ) فيبدا مقاله ( كل عودة الى شعر محمود
البريكان ، تبدو اشبه بوقفة تذكارية او استعادة لنصوص يتكون منها ماضي
الشاعر .. واسترجاع شعر كف عن اداء الفاعلية بطارئ الصمت الذي يلي
النصوص ..) وبهكذا حكم يكون شعر البريكان اشبه بالعملة النقدية التي
تاتي في غير اوانها فتفقد فعاليتها ودورها .. ولكني ارى ان شعر
البريكان لا يخضع لهذه المعادلة لانه ليس شعر مناسبة او مواضيع آنية او
هموم يومية وانما هو شعر ذو مضامين فلسفية ورؤى فكرية شاملة وعميقة
للوجود والبحث الدائم عن مصائر الاشياء والكائنات وتلمس الحدث على حواف
الزمن وامتداداته والتامل في اسرار الوجود والعدم ، وهذه المواضيع ذات
خاصية ماسية لا تتلف او تفقد فاعليتها سواء ظهرت في حينها او بعد عقود
من كتابتها .. ولكن الاستاذ حاتم الصكر كما ارى يقصد الى ان حركة الشعر
وانعطافاته الفنية المستمرة وتطوره المتفاعل يتطلب مشاركة نصية لتسجيل
الحضور الآني سواء في النشر او أي طريقة تخرج النص من مخاضه الى مسرح
الضوء والتفاعل مع الاخر واخذ فرصته التفاعلية في حرارة ولادته.
ويبدو لنا من مطالعة بواكير البريكان الشعرية وتنوعها الايقاعي انه كان
مازوما بموضوعة الوجود واسئلته والاغتراب وعزلة الانسان وتصحره وقد ذكر
هذه الموضوعات في قصائده الاولى العمودية ، ولكنه سرعان ما ادرك ان
مواضيعه هذه لا تسعها قيود وزنية فكانت استجابته لانفتاح النص او تخفيف
قيوده استجابة سريعة توازي طموحه للحرية كشاعر صاحب نص مقيد بالوزن
ومنفتح بالرؤى وكانسان يريد ان يتحرر من الاخر انطلاقا الى فسحة الوجود
، لان المواضيع الشعرية التقليدية قد تتماهى مع غنائية الوزن الشعري -
القيد - او الايقاع الموسيقي ، اما مواضيع البريكان الابعد عن الغنائية
فتتماهى مع التمرد على الوزن وايقاعاته الجمالية الظاهرية .. فكانت
الجمالية الشعرية وفعاليتها عند البريكان تاتي من ايقاع الفكرة لا من
ايقاع الشكل لتتخذ او تبحث لها عن شكل اخر تصنعه الفكرة الشعرية ذاتها
.. ان قوته الشعرية ذات سحب داخلي للنص الشعري وذات موجه دلالي يسوغه
عمق مواضيعه واستجابة ذاته الشعرية لها واستجابة نصه لهذه الذات
المحلقة .. من هنا كانت الريادة في التمرد على الشكل التقليدي للقصيدة
اقرب الى نفسية البريكان وافكاره الشعرية او لنقل ان البريكان كان اقرب
الى الريادة مقارنة بالغنائية في شعر السياب مثلا التي تتناغم مع
الايقاع الموسيقي في الشعر وهذا ما يؤكده طهمازي ( انهمك البريكان في
موضوعات الاسطورة والمطولات قبل السياب .. وقد كان في تلك الفترة -
نهاية الاربعينات - من الشعراء المتطرفين في التجديد اكثر من غيره)..
يقول جان كوهن ( ان الشعرية ليست خصيصة في الاشياء ذاتها ، بل في تموضع
الاشياء في فضاء من العلاقات ) ثم يذهب الى ابعد من هذا في كتابه بنية
اللغة الشعرية ليقول عن الشاعر ( انه خالق كلمات وليس خالق افكار وترجع
عبقريته كلها الى الابداع اللغوي ) وهو بهذا يتماهى مع راي الشاعر
الفرنسي ميلارميه الذي يعول على اللغة كثيرا ولا يعول على الافكار بل
ان هذا الراي له مثيل في النقد العربي القديم مثل راي الجاحظ المعروف
بان ( المعاني مطروحة في الطريق وانما الشان بالنسيج والتصوير
والصياغة)..
ففي محور التكثيف نرصد الاقتصاد اللغوي في نص البريكان الحديث ..
والابتعاد عن الزهو اللغوي واثقال اللغة كقوله:
اجمل ما في العالم
مشهده العابر
ومباهجه الصغرى
هذا انموذج التكثيف والايجاز وشحذ المفردة والجملة الشعرية على الرغم
من انها تحمل رؤية كونية واسعة وعميقة ، كما يتجلى انموذج الاختزال
والتكثيف في المقطع
س الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة - ولا ندى السحر
خرافة - لكن يفيض مرقص البشر
بالعنف والويل..
باعتبار هذا المقطع يمثل - نسقا تركيبيا موحيا يستقي شعريته من تنامي
ثنائيات متضادة عبر حلقة واحدة هي حلقة النفي - وان الشاعر في هكذا
نصوص لا يميل الى صلة التداعي التي تؤدي غالبا الى تشظي الدلالة وفقدان
بلاغة التكثيف ونسقه الاختزالي..
اما التجريد فهو ظاهرة مميزة في طبيعة التعبير الشعري عند البريكان حيث
جاء البناء اللغوي لنصوصه تجريدا رمزيا ففي قصيدة ( دراسات في عمى
الالوان ) نقرا
اوبئة مجهولة
تفترس الارواح
نحن هنا اشباح
تنحت احلاما من الحجر
هذه التجريدية العالية اكسبت النص نسق الفاعلية الشعرية فالبريكان
يحاول ان يجرد الانسان من صفته الانسانية مثلما يحاول ان يجرد المكان
في نصوص اخرى بحيث لا تحده أي قيمة ملازمة لوجوده او سابقة عليه كقوله
في ختام هذه القصيدة:
ليس هنا حقيقة ، ليست هنا رموز
ليس هنا نفي ولا قبول
هنا مهب الريح
ومعرض الذبول
ومدفن الشمس المسافرة..
فهذه الـ ( هنا ) مكان مجرد من صفات المكان الاعتيادية ، مكان قابل
للتاويل المستمد فاعليته واتساع مساحته من التعرية النصية والدلالية في
آن واحد.. -كما ان العزلة هي مظهر من مظاهر الاغتراب الفكري عزلة
الانسان المبدع كما يقول فلوبير في كتابه ( الفن والمجتمع عبر التاريخ
) يقول : ( الحياة فظيعة الى حد ان المرء لا يستطيع ان يتحملها الا
بتجنبها ولا يمكن تجنبها الا بالعيش في عالم الفن).
اما عزلة نصوصه عن النشر فلم تكن عزلة تامة رغم قساوتها فقد كانت تخرج
بين الحين والاخر ملفات لنصوصه وخاصة في مجلة الاقلام ولكن بالطبع ليس
بمستوى انتاجه..
كما نرى مثلا لعزلة البريكان الفكرية ما جاء في المقطع الاخير من
قصيدة:
نوافذ وهو نافذة الشاعر:
يفتحها للنور والريح وعطر الارض
يهجم منها صخب العالم
يغلقها كانما لاخر الزمان
ومثلما يغلق تابوت الى الابد
هذه العزلة الداخلية القاسية التي يعيشها البريكان في نصه او في موقفه
من العالم .. عزلة الوجود يوضحها ايضا قوله في قصيدة ( قداس لروح شاعر
على حافة العالم: ووحده يموت في داخله الانسان
في العالم الباطن
في مركز السريرة الساكن
يموت في غيبوبة الذكرى
يموت في لحظة
يكابد القيامة الكبرى
ليعلن ان عزلة الشاعر هي بالتالي عزلة الانسان ازاء اللحظة الكونية
الكبرى..
على باب الأسئلة المتوالدة قراءة في شعر حبيب السامر
وجدان عبد العزيز
الشعر أسئلة متوالدة واذا جاز لي التعبير هو أسئلة وجودية في بحث مستمر
عن ما هو جميل في الحياة .. في شلالات الطبيعة ، في المساءات والصباحات
وكذلك في النفس ونزوعها نحو التألق والاشراق..
وانا المتلقي في حقيقة الامر كنت عبر طريق باضوية خافتة اتنصت وقع
اقدامي فقط ونجمة بهدوء عميق تلوح لي بين رماد الاسئلة ، لذا حملت نفسي
بكبرياء البحث عن الحب ودخلت اتملق صمت الفراغات عند الشاعر حبيب
السامر الذي احال الاسئلة الى رماد تذروها رياح الشعر ، غير انه بين
هذه الاسئلة ودون وعي منه تولدت اسئلة اخرى ابت الرضوخ امام عنفوان
اليأس والاحباط ، فانتصبت تتوالد من جديد في براهين لاتقبل غير النتيجة
التي قد نستخلصها من قلق الشاعر نفسه وارتعاشه امام الحبيبة حتى انه..
بخجله المعتاد
مازح الندى
شفاه الورد
هذا البحث المستمر والاستغراق في التفكر لايجاد الحلول اثار المتلقي في
سلسلة لانهائية الاسئلة وايضا جعلنا نتضامن مع الشاعر على الامارة
بقوله : (.. لا اطمئنان الى شكل شعري مادامت ذات الشاعر قد امتدت
بمجساتها الى حدود الزمن مستوحية هذا البحث الدائم من محاولة الانفلات
من سلطة المخاطب وان كان هذا المخاطب متلقيا يتفاعل مع النص ويحاول ان
يخلقه من جديد بالتحليق في فضائه)...
اقول ما العنونة التي اتى بها السامر الا اثارة اغبرة لتكدير الرؤية
ب(رماد الاسئلة) من اجل اسئلة اخرى..
نبوءاتهم
لاتجف
مثل سمرة الرغيف الاول
فهو يستعير اشياء المحيط ، ليصعد من لهجة البحث عن النقاء والحب
والجمال تراه يقول في موضع اخر:
انت
ثانية
وثالثة ... واخرى
قدماك واهنتان
تقودان خطاك نحوك
لكنك تحلم
تحط على شرفة الكلمات
اذن الاشكال والحل في خضم هذه الاسئلة هو (... شرفة الكلمات) والبحث عن
معنى المعنى كما يقول الجرجاني وضمن مسار الحياة يبقى السامر وفيا
لحبله السري وهو يطرز مشاعر الولاء لابيه بصور شعرية اختزلت حكاية
مكانها القص وهذه كما اسلفت في مقالات غير هذه هي عبور الحدود بين
الاجناس بتأشيرات حمل المعنى يقول الشاعر:
الداكير
-يا ابي-
تنوس
في صدغيه الفصول
من يحمل مطرقتك الآن؟
قالتها الشطآن
ونسجت جثة المدى
على
-ماء الحب-
صيوان في دوامة
خبأ ضحكته
الصفائح..
يا ابي
طوعتها .... رصفتها..
صيرتها مركبا
وهكذا يبقى الشاعر في دوامة البحث سواء لوحده ام في مركب ابيه يحمل
رسالة في ديوانه (رماد الاسئلة) قوامها علامة استفهام استفحلت على بياض
الورقة واحالته الى رماد من قلق مستمر..
ونحن
نتساءل
من سيفيق في الخط الاخير؟
ايها
الرأس
انت المترنح فوق رقبتي
خالقا حالة توتر باسئلة ضمنية ف(الكون في نعاس دائم) لكني (ادرك لحظاتي
فراغ الاسئلة) حتى انه يحاول تخفيف احباطاته وانخذالات الحرب بمراثي
البنفسج ويبقى هو كالجبل مهما تمرد عليه السفح لا يمكن النيل منه ...
بفلسفة امتاز بها الشاعر حبيب السامر في رؤيته للحياة فهو يقول:
وحده
الفراغ
استوعبني
ما الذي يطرق نافذة الفراغ؟
تبهرني
اللحظة
اسبقها
وكان الحلم قد استدرجني
حتى استدرجنا الشاعر في مشاركته الانسان الاخر على مستوى كل الاحاسيس
بما فيها حاسة الذوق وهي حالة تأملية بالاستغراق في توتر المتناقضات
المتجاورة..
قصة
نصف الساعة الثاني
فاضل سالم
الساعة تجاوزت نصفها الاول ... عقاربها الان في بداية نصفها الثاني أمر
طبيعي .. هكذا هو الحال في كل يوم . اشعر بالرعب كلما نظرت الى الساعة
و يتاعظم رعبي كلما وجدت عقاربها في النص الثاني ليس في ألامرغرابة أن
قلت انا الان في نصف عمري الثاني تماما كالساعة !!في بداية عمري كانت
المسافة التي تفصل بين رأسي وقدمي لاتتجاوزالاربعين سنتمتراً أو ربما
اقل والان لما دخلت نصف عمري الثاني اشعر ان المسافة بينهما صارت شاسعة
مترا وسبعين سنتمتراً (نعم) قد تزداد بمرور الايام أو ربما تتضائل أو
تبقى على ماهو عليه الان اشعر وكأنني دمية !! مثل تلك الدمى التي
اشاهدها في المسارح يحركها كف انسان .. ابتسامة عريضة أو حزن عميق لم
تتغير اطلاقا فوجه الدمية واحد لايمكنه الضحك ان كان حزينا كذلك لو حصل
العكس.
ماذا تشعر الان ؟ دمية!! الدمى لاتبتسم!! الدمى لاتحزن!!
الساعة مازالت في نصفها الثاني كلما تقدمت خطوة كانت أشعة الشمس تضيف
عرقا جديدا على عرق ملابسي القديم الاسفلت يذوب تحت قدميّ وما لرجل في
نصف عمره الثاني غير التجوال في الشوارع الملتهبة. لاادري لماذا
ينتابني شعور غريب عندما تدخل الساعة نصفها الثاني اشعر وكأن الشوارع
قد سأمت الانسان ليس الان بل منذ زمن بعيد قد تلقي به في المزابل.
ها!! من جديد إنه الصبي بقدميه العاريتين يقتلع الشارع من تحتهما وهو
يدخل الفرع المجاور للمقهى حيث وقفت نسوة عند عتبة دار احد البيوت
لأاسمع غير الصراخ الذي اعتدت سماعة منذأن كانت المسافة التي تفصل راسي
عن قدمي اربعين سنتمتراً.
حرارة الشمس اجبرت الصبي على أن يلوذ بظل والدته أما انا فقد دخلت
المقهى.
من جديد وبعد ان وضع كتابه جانبا وهو ينظر الي من وراء نظارته قائلا:
(لأول مرة في حديقة الحيوانات ولدي يراقب الناس )1 حافظت على صمتي لأني
لم اعرف مايقصده مكتفيا بايماءة لاتعني شيئا لعلها تعني له شيئا من
الغباء, لم اتبين المسافة التي تفصل بين رأسه وقدميه الا ان كلامه يدل
على انها متوقفة منذ زمن بعيد...هذا لايعني علمي بالهندسة لكنها
التجربة فعندما جئت لهذه الدنيا كانت المسافة بين راسي وقدمي لاتتجاوز
الاربعين سنتمترً صارت بمرور السنين تتسع وصلت حتى هذه الساعة الى 170
سنتمتراً قضيت منها 40 سنتمتراً في الجيش وهي نفس قياسات يوم ولادتي!!
40 سنتمتراً من الدمار والخوف.
بدأت الكتل البشرية بالذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة تاركة ثغرة لمحت
من خلالها صاحب المقهى وهو في فورة غضب تزداد كلما حاول احدهم تهدئته.
وسخ ! قذر! اهمال ! فوضى ! غير معقول!.
صاح صاحب المقهى باعلى صوته وهو يجر اذن الصانع بينما توسطهما أحد
الزبائن محاولاً اعادة المقهى الى هدوئه المعهود.
بدأت القدور المملوءة بالماء بالفوران مثل صاحب المقهى وراحت تطلق
العنان لبخارها الذي تصاعد مفرقا مستعمرات العناكب التي تنعم بالراحة
وسط شباكها الرمادية عند سقف المقهى (القواري) بدأت ايضا بعويلها وهي
تنفث بخارها على زجاج نافذة المقهى.
فاجأ صاحب المقهى الجميع وراح يصفع الصانع صفعات عنيفة تردد صداها في
فضاء المقهى..
هنالك عويل تناهى الى سمعي مصدره النسوة والاطفال..
الطاولة التي امامي استقطبت الذباب من كل مكان وهو يتراقص على اثار
اقداح الشاي الدائرية اثارتني المسافة التي لمحتها على عجل المسافة
الفاصلة بين راس الصبي وقدميه مسافة رائعة .. بريئة من السذاجة
المقارنة بين المسافة التي تفصل بين رأس الذبابة وقدميها وبين المسافة
بين قدم ورأس الانسان , لااعلم تماما كم يبلغ معدل حياة الذبابة وقد
اصدر حكما خاطئا لكني لااخطئ ابدا عندما انظر الى أي انسان (ببساطة )
لايفهم الانسان من حياته شئ وسط صراع الحضارات والصراعات الازلية بين
البشر الحروب , الدمار صراع دائري يتعاظم بسرعة فائقة..
اثناء قراءة والدة لوليتا لمذكرات زوجها الذي كان مغرما بلوليتا ذات
المسافة ( ؟ ) امتدت يد صاحب المقهى مبددة احلام الجندي وهي تغلق
التلفاز..
بأي طريقة اعاقبك .. مهزلة .. قذارة ..كل شئ قذر . اخرج!..
مع هذه الكلمات خرج الصانع وهو يقول:
انتهت المهزلة!!..
ايقنت ان شيئا ما سيحدث فكرت بالخروج انا ايضا بعد انتهاء المهزلة..
نظر اليّ من جديد وهو يمسح نظارته بمنديل واضعا كتابه على فخذه وقال:
استسلمت صف الاسنان هو .. هو الابتسامة لا:
خرجت في الحال مع ايماءة من رأسي قد تعني شيئا هذه المرة بالنسبة له
إلا انها لاتعني لي شيئا.
من جديد خرجت الى الشوارع الملتهبة حيث جلس الصانع عند عتبة المقهى
يلعن حظه ودموعه تتساقط ممزوجة بعرق جبينه نظرت نحوه فخرجت من فمي
كلمات لاارادية:
كم تبلغ المسافة بين رأسك وقدميك ؟ نظر الي بوجه باك وقال:
انها مهزلة!!
بدأت الشمس باعطاء الايعاز للعرق للخروج من مسامات جسمي بعد ان تمتع
باستراحة قصيرة . فكرت بطرح السؤال من جديد لكن الصانع ابتسم بوجهي
وكأنها كانت جوابا مقنعا . اول خطوة خطوتها بلغت اربعين سنتمتراً.
نظرت الى ساعتي آ... انها متوقفة عند نصفها الثاني.
ذاكرةُ الأشياء
محمد عبد السلام
الظُّلْمَةُ مُبْصِرَةٌ
تَبْسُطُ أجْنِحَةً مِنْ غَبَشٍ شَفّافٍ
تَحْمِلُنا بهُدُوءٍ
مِن بَيْنِ الأنْفاسِ اللاّهِثَةِ الدُّنْيا
في النَّفَقِ الأعْمَى
الظُّلْمَةُ خاتِمَةُ الأسْفارِ
وفاتِحَةُ الصَّمْتِ، سَرِيرُ الأبَدِيَّةْ
يَنْطَفِئُ النّاسُ جَمِيعاً في يَدِها
تمَحُو مِنْ ذاكِرَةِ الجَسَدِ الرَّغْبَةَ
تَمْحُو ذاكِرَةَ الأشْياءْ
تَتَلأْلأُ في قُبَّتِها الأقْمارُ
تَفِيضُ عَلَيْنا عَدَماً رَقْراقاً
تَرْمِينا في الغَيْبِ المُمْتَدِّ بلا وَعْيٍ
خَدَرٌ جَذّابٌ لَيْسَ لَهُ عُمْقٌ
لَيْسَ لَهُ شُطْآنٌ
لا نَسْمَعُ فِيهِ أنِيناً مِنْ جُوعٍ
أَو لاغِيَةً مِنْ كَرْبٍ
كَسَلٌ فَيّاضٌ يَمْتَصُّ النَّفْسَ
يُطَهِّرُها مِنْ دَنَسِ الشَّهَوات
وإذْلالِ السُّلْطانِ
خُمُولٌ لا نَعْرِفُ فِيهِ الخَوْف
لا يُشْعِرُنا بأمانٍ
يَتَمادَى مَصْلُوبَ الوَقْتِ بلا جِهَةٍ
لا نَتَذَوَّقُ فِيهِ مَدامِعَنا
لا تتَذَوَّقُنا الأوْهامُ
فَراغٌ مَسْفُوحٌ في النِّسْيانِ الدّامِسِ
يَنْسانا فِيهِ الحِرْمانُ
ونَنْسَى:
الشّارِعَ مُكْتَظّاً بالسَّيّاراتِ
وأيْدي الشَّحّاتِينَ
الأحْياءَ المَزْكُومَةَ
رائِحَةَ المَكْرِ الفاقِعِ خَلْفَ عُيُوْنِ النّاسِ
المُدُنَ المَعْمُوْرَةَ بالصَّمْتِ
المَسْعُوْرَةَ مِنْ آهاتِ الفُقَراءِ
الأمْراضَ، الأعْداءَ، الحُسّادَ، البَغْضاءَ
لُهاثَ الأيّامِ الظَّمْأى
خارِطَةَ العُمْرِ المَثْقُوبَةَ
بالأطْفالِ المَحْرُومِينَ
سَرابَ كُهُولَتِنا
المَلَلَ الطّاعِنَ في الرُّوحِ
ونَنْسَى
نَنْسَى حَتّى يَنْسانا النِّسْيان
ولكِنْ لا تَنْسانا الأحْزانُ
عُيُونٌ
تتَفَتَّحُ مِنْ أعْماقِ الظُّلْمَةِ
تُفْلِتُ مِنْ قَبْضَتِها
تَكْتُمُ صَوْتَ الدِّيكِ
تُدِيرُ الفَلَكَ المَكّارَ
يَدُورُ
ويَنْسَكِبُ الصُّبْحُ على مَهَلٍ
تُورِقُ بالضَّوْءِ نَوافِذُنا
الأيّامُ تُعِيدُ مَسِيرَتَها الأُولى
شَيْخٌ يَفْرُكُ ذاكِرَةَ الإيْمانِ، يُصَلّي
الدَّمْعُ أسِيرٌ
الجُنْدِيُّ تَصَبَّبَ جُوعاً
صاح: اللهُ، الوطنُ، الثورةُ
تَنْسَلُّ فَتاةٌ في زِيْنَتِها
تَتَهَجَّى، تَحْتَ الشَّرْشَفِ إفْطاراً وحَلِيباً
تَرْجُو لأبِيها المَوْتَ
وتَمْضي أدْراجَ الرِّيحِ
وكَلْبٌ يَنْبَحُ |