|
أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
جاء في كتاب فن التفاوض لوليام أوري ما نَصُّهُ: إنَّ الإنصات عظيم
الفائدة، فهو يفتح لك نافذة لترى ما يدور في عقل الطرف الآخر، كما يجعل
الطرف الآخر على استعداد للإنصات إليك. فلو أنَّ الطرف الآخر كان
غاضباً أو قلقاً، فلماذا لا تحاول أنْ تستمع إلى شكواه. لا تقاطعه حتى
لو شعرتَ أنه مخطئ، أو أنه يهينك. ويمكنك أنْ تُشْعره بإصغائك إليه عن
طريق تركيز نظرك عليه، أو هزّ رأسك من آنٍ لآخر، أو ترديد عبارات مثل:
نعم، نعم أو أنا أفهم ما تقصده" وعندما ينتهي من حديثه، اسْأَلْه بهدوء
إن كان لديه شيء آخر يريد أن يضيفه، وشجعه على أنْ يُفضي إليك بكل ما
يضايقه، بأن تقول لـه مثلاً: من فضلك استمر في حديثك أو ماذا حدث بعد
ذلك؟. وبمجرد أنْ تُنصت لما يريد الطرف الآخر أنْ يقوله، فغالباً ما
سيؤدي ذلك إلى تهدئته، ليصبح أكثر تعقَّلاً وأكثر استجابة بشأن حل
المشكلة، واستصدار القرار المطلوب، فليس من قبيل الصدفة أنَّ أفضل
المحاورين غالباً ما يستمعون أكثر مما يتكلمون
أولاً: مفهوم الأدب وفضله
الأدب لغةً هو الظَرْفُ وحُسْن التناول. يُقال: تأدّب الغلام في كلامه
مع أبيه؛ أي تحاشى الكلامَ الخارج عن حدود الأدب. وسُمّيَ الأدب أدباً
لأنه يُوجّه الناسَ إلى المحامد وينهاهم عن القبائح. وأصل الأدب
الدعاء، ومنه قيل للطعام الذي يُدعى إليه الناس مَدْعاة ومَأْدُبَة.
ومصطلح الأدب كما يرى ابن القيم يدل على معنى الاجتماع؛ فالأدب اجتماع
خصال الخير في العبد. ومنه المأدُبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس.
وعَرّف الجرجاني الأدب بأنه "عبارة عن معرفة ما يُحترز به عن جميع
أنواع الخطأ"[3]. ووَردَ عن عبد الله بن المبارك أنه عرّف الأدب بأنه
معرفة النفس ورعونتها، وتجنب تلك الرعونة.
ولا بد هنا من التمييز بين الأدب بمفهومه العام، وعلم الأدب بمفهومه
الخاص. فعلم الأدب هو "علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه،
وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الأخطاء والخلل. فهذا المفهوم كما يقول ابن
القيم هو "شعبة من الأدب العام.
والأدب الذي يعنينا في هذا البحث هو الأدب بمفهومه العام والذي أشرنا
إليه أولاً، وهو المختص بالجانب الخُلُقي والسلوكي لا بدلالات اللسان
ودلالات الألفاظ في حالاتها الإفرادية والتركيبية.
وبالنظر إلى أهمية الأدب وفضله في الإسلام، فإننا نجد أن الإسلام قد
وضع قواعد في التربية والتهذيب، ومبادئ للقيم والسلوك والأخلاق، ليقيم
عليها مجتمعاً نقيّ السريرة، عفّ اللسان، ذا أدبٍ وذوقٍ رفيع. فقد
عُنيَ الإسلام بموضوع الأدب بشكل عام. فقـد رُوي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: "ما نَحَلَ والدٌ ولدَه أفضل من أدبٍ حَسَن. وأنه
قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم.
ويشير عبد الله بن المبارك إلى حاجتنا إلى الأدب بقوله: نحن إلى قليل
من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. ويقول الإمام القرافي في كتابه
"الفروق" وهو يتحدث عن موقع الأدب من العمل وبيان أنه مُقدَّم في
الرتبة عليه: "واعلم أنّ قليلَ الأدب خير ٌمن كثير من العمل، ولذلك هلك
إبليس وضاع أكثر عمله بقلَّة أدبه. وقال الرجل الصالح لابنه: اجعل عملك
مِلحاً وأَدَبَك دقيقاً؛ أي ليكنْ استكثارُك من الأدب أكثر من استكثارك
من العمل؛ لكثرة جدواه ونفاسة معناه.
وقيل في بيان فضل الأدب: أربعةٌ يسود بها العبد: العلم، والأدب،
والفقه، والامانة. وقيل: من كَثُرَ أدبُه شرُفَ وإنْ كان وضيعاً، وسادَ
وإنْ كان غريباً، وكثُرت الحاجة إليه وإنْ كان فقيراً.
وإنْ كان الأدب خُلُقاً عاماً يتناول كثيراً من التصرفات والسلوكيات،
إلا أنه أفضل ما يكون في الكلام. رُوي في ذلك عن عبد الملك بن مروان
أنه قال: "ما الناسُ إلى شيءٍ مِنَ الأدب أحوجُ منهم إلى إقامة
ألسنـتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطَوْن البيان، ويتهادَوْن
الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها،
فإنّ الكلام قاضٍ يحكم بين الخصوم، وضياءٌ يجلو الظُلَم. حاجةُ الناسِ
إلى موادّه حاجُتُهم إلى موادّ الأغذية.
ثانياً: التصوّر القرآني لأدب التعامل مع الآخرين
الأصل في دين الإسلام أنه دينُ تجمّعٍ وألفة، لا دينَ عزلةٍ وفرارٍ من
تكاليف الحياة، ولم يأت القرآن ليدعو المسلمين إلى الانقطاع في دير، أو
العبادة في صومعة، بعيداً عن مشاكل الحياة ومتطلباتها. بل إنّ نزعة
التعرّف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليم هذا الدين. فقد بين
الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الفضل لمن خالط الآخرين وتعرَّف عليهم
ولم يتقوقع على نفسه، وذلك في قوله: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر
على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على
أذاهم....
والحقيقة أنَّ أدب التعامل مع الآخرين لـه مفهوم شامل، يتسع اتساع
العلاقات الإنسانية بين بني البشر. والروابط التي تجمع بين الناس
كثيرة، فمن رابطة الدم، إلى رابطة الفكرة والمبدأ، ورابطة العمل
والوظيفة، ورابطة الصداقة والصحبة، ورابطة الجنس والعرق، والرابطة
التجارية والاقتصادية، ورابطة العقيدة التي تُعدّ من أقوى الروابط
وأمتنها. ولكن قوّة رابطة العقيدة، لا تعني أنَّ أدب التعامل مع
الآخرين لا يدور إلا في نطاقها، ولا يشمل التعامل مع أصحاب العقائد
الأخرى من غير المسلمين، بل إنَّ أدب التعامل يتسع ليشمل الإنسانية
كلَّها.
ولا بدّ لنا في هذا السياق من التفريق بين أدب التعامل مع الآخرين
وبين الولاء لهم. فإن الولاء هو المحبة والنصرة وهذه لا تكون إلا بين
المسلمين. ولكن التبرؤ من أعداء الله لا يعني الإساءة في معاملتهم، أو
أكل حقوقهم، أو سبّهم والفحش معهم في القول، أو عدم ملاطفتهم. فالولاء
"هو سلوك الباطن، والمحبة القلبية، وما يترتب على ذلك من نصرة وإعانة.
أما التعامل الحسن؛ فهو سلوك الجوارح والعلاقة الظاهرية. والأول قد
حُصر على المسلمين، أما الثاني فهو مع المسلمين ومع غيرهم. ولعلّ ما
ورد في سورة الممتحنة، هو من أوضح الآيات التي تميز بين الولاء وبين
البرّ وحُسن التعامل، يقول تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن
دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ
وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن
يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
فقضية التعامل مع الآخرين هي قضية بالغة الأهمية والخطورة، وقد جعل
الإسلام الالتزام بالدين في قسمٍ كبيرٍ منه، متوقفٌ على الأدب وحسن
المعاملة. ومن منطلق هذه الأهمية، جاء القرآن الكريم ليضع لنا المناهج
القويمة والأسس السليمة للتعامل مع الآخرين باعتباره موضوعاً أساسياً
من موضوعات هذا الدين. فقد أصّل القرآن الكريم لأدب التعامل مع الآخرين
وأقامه على مجموعة من القواعد والفنون، التي نضمن من خلالها نتائج
إيجابية وحسنة في العلاقات الإنسانية، وهذه القواعد والفنون كثيرة
ومتنوعة، وليس من موضوعنا الحديث فيها، غير أنّ هناك قاعدة قرآنية
تُعدُّ أصلاً تتفرع عنه كل قواعد التعامل مع الآخرين، هذه القاعدة هي
"حُسْنُ الخُلُق"، إذْ لا نجاح ولا توفيق في التعامل مع الآخرين دون
هذا الأصل المتين. ومن هنا فقد مدح الله تعالى نبيه بهذه الصفة، فقال
عنه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
فحُسْنُ الخُلُق أصْلٌ في أدب التعامل، وتتفرع عنه سلوكيات كثيرة.
ويتحدث الإمام الغزالي عن أهم هذه السلوكيات المترتبة على حُسن
الخُلُق، فيقول بأن من صفات الشخص الذي يوصف بحسن الخُلُق أنه "يكون
كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الإصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام،
كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، بَرّاً وصولاً، وقوراً صبوراً،
شكوراً رضيّاً، حليماً رفيقاً، عفيفاً شفيقاً، لا لعَّاناً ولا
سبّاباً، ولا نمّاماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا بخيلاً
ولا حسوداً، بشّاشاً هشّاشاً، يحب في الله، ويبغض في الله، ويرضى في
الله، ويغضب في الله، فهذا هو حُسن الخلق.
ويُنبِّه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أهميَّة حُسْن الخُلُق في
التعامل مع الآخرين، فيقول: "إنَّكم لا تَسَعُونَ النَّاسَ بأموالِكم،
ولكنْ يَسَعُهُم منْكم بَسْطُ الوجْهِ وحُسْنُ الخُلُق. وفي هذا الحديث
الشريف عِظَةٌ نافعة وحِكمة بالغة، فإنَّ الإنسان مهما بَذَل من المال
لا يحظى برضى الناس، ثم إنَّ المال ليس في مقدور كلّ إنسان، ولكن في
مقدور كلِّ واحدٍ أنْ يُحسن خُلُقه، ويلين جانبه، ويخفض جناحه، ويبسط
وجهه. وهذا الأدب في التعامل مع الآخرين، خيرُ مُعينٍ على تذليل صعوبات
الحياة، وتخفيف آلامها، لأنه يبعث السرور في النفس، وبه تطيب المعاشرة
وتصفو المعيشة.
كما يشير القرآن الكريم إلى مبدأ مهم في التعامل مع الآخرين. فالدِّينُ
في المنظور القرآني ليس صلاةً وصياماً في جهة، وجلافةً وجَفَاءً في
التعامل مع الناس في الجهة الأخرى، بل هو وِحْدَةٌ متكاملة يرتبط فيها
الجانب الإيماني بالجانب العَملي في الحياة. قال تعالى: لَّيْسَ
الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ
أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
فهذه الآية تشير إلى ملامح الشخصية الإسلامية التي ترتكز على جانبين
اثنين: جانب الفكر والإيمان وأداء العبادات، وجانب الممارسة في السلوك
الذاتي وفي العلاقة مع الناس ومع المواقف الصعبة في الحياة. نلمح ذلك
من خلال تحديد طبيعة البِرّ الذي يعني التوسُّع في الخير والإحسان، كما
يذكر أهل اللغة[23]، لأنه يمثِّل سرّ الشخصيّة لدى المؤمن في آفاق
التصوّر وميدان التعامل. فبالإيمان والعمل تتكامل الشخصية وتنطلق.
الإصلاح بين القبول والرفض
الإصلاح ليس حاجة آنية لمجتمع مثل مجتمعنا بل منذ مدة تاريخية طويلة
وهو يعاني من التخلف والركود ،بل والتراجع لاسيما بعد سقوط الدولة
العباسية عام (656 هـ) على يد المغول ، وحتى قبل ذلك التاريخ ،حينما
دبت الصراعات بداية على السلطة وتحول الحكم الى ملك عضوض قائم على مبدأ
الشوكة والعزيمة ووجوب إطاعة ولي الأمرحتى وإن كان ظالماً ، فحسابه على
ربه، الأمر الذي ادى الى غياب النزعة الإصلاحية لمدة طويلة من الزمن.
الإصلاح ليس مجرد افكار او دعوات او شعارات بل هو متعلق بادراك
واستيعاب الصيرورة الاجتماعية للمجتمع. ارتبط الفكر الاصلاحي في اوربا
بظهور حركتين الاصلاح الديني والنزعة الانسانية مع لوثر و ارازموز الذي
سبق لوثر بالدعوة للإصلاح والذي انطلقت معه النزعة الانسانية عبر
مقولته الشهيرة " ان الانسان لا يولد انساناً لكنه يكتسب الانسانية.
الجزء الاول
ومثلما كان لحركة الاصلاح الديني لمارتن لوثر ايجابياتها فقد كان لها
سلبياتها ايضاً ، ومن ايجابياتها المعروفة هي تخليص المجتمع المسيحي من
هيمنة السلطة الكنسية والدعوة الى ان تكون العلاقة بين الفرد وربه
علاقة مباشرة لا تحتاج الى وساطة كما كان يريد لها رجال الدين ، اما
سلبياتها فقد كانت وما زالت وهي تقسيم المسيحية الى قسمين كاثوليك
وبروتستانت وشهدت حروبا ضارية اهماها المعروفة بحرب الثلاثين
(1618-1648) التي ارتكبت فيها الكثير من الفضاعات باسم الدين . اما اهم
ما قدمه الفكر الاصلاحي فهو مجموعة من المقولات اهمها:
1-التسامح
2-حرية الفكر
3-الإيمان بالتقدم
وباعتقادنا لايكون الفكر اصلاحياً اذا لم يعتمد على هذه المقولات
الثلاث.
مآخذ حول مفهوم الإصلاح
الاصلاح يحمل في طياته حكما مسبقاً على ان الاخرين بعيدون عنه وينزع
نزوعا ايديولوجيا نحو القناعة بالذات على انها القادرة وحدها على تغير
المجتمع ، ولايكون للاصلاح معنى باعتقادنا الا اذا اعترفت الذات التي
تنتهج هذا الطريق بانها انما تسعى الى بناء رؤية اصلاحية قائمة على نقد
الذات او نقد المجتمع والذات معا بوصفهما انا واحدة وليست متغايرة كي
يتخلص اصحابه عن نزعة الوصاية والابوية التي يتبناها عادة دعاة الفكر
الاصلاحي ، كذلك من الضروري ان يبتعد دعاة الاصلاح عن الاهتمام بالاسم
دون المسمى بمعنى تبني مفهوم الاصلاح شعاراً مبهراً من دون الاهتمام
بما يتطلبه هذا المفهوم في ضوء الواقع ومتغيراته وبلغة ارسطية ينبغي ان
يهتم دعاة الاصلاح بمادة الفكر لا بصورته بعيدا عن الصخب الايديولوجي
وان يحدد هؤلاء ماذا يعني الاصلاح ، هل هو اصلاح على جميع المستويات ؟
بمعنى هل هو اصلاح ثقافي ام ديني ام سياسي ام اجتماعي ام اقتصادي ام كل
هذه المستويات واذا كان على جميع المستويات فهذا يعني اننا نعترف ان
الفساد المقابل للاصلاح يحيط بالمجتمع بكل تنوعاته واذا كان ذلك كذلك
فمن هو المصلح ؟ وكيف يمكن ان يكون الاصلاح بيد فئات عاشت الفساد وعانت
التخريب وشاركت فيه وهذا يدفعنا الى ضرورة تبني الاصلاح في بنية تفكير
الفرد نفسه التي خربتها الانظمة الاستبدادية السابقة.
اعتقد ان المهمة صعبة وشاقة لاسيما في زمن قل فيه المصلحون ، فالاصلاح
بحد ذاته يحتاج الى نخبة تنويرية وفكرية والاحزاب الآن تفتقر الى هذه
النخبة فلم يعد لدينا الافغاني ومحمد عبده اللذان اسسا الحزب الوطني
ولم يعد لدينا عبد الفتاح ابراهيم وكامل الجادرجي اللذان اسسا جماعة
الاهالي ولم يعد لدينا حسين مردان وفهد اللذان اسسا الحزب الشيوعي ولم
يعد لدينا محمد باقر الصدر الذي اسس لنا حزب الدعوة ، وهذا يرجع
باعتقادنا الى عدة اسباب منها ان النخب الفكرية التنويرية ذات عقلية
اوسع من ان تؤطر في حزب ولم تعد تستوعبها الاطر الفكرية الضيقة التي
تتحرك داخلها الاحزاب ، فضلا عن اعتماد الاحزاب على العلاقات الشخصية
والنزوع الوصولي لدى الكثير من المنتمين لها لا ايماناً بمادئها او
اهدافها بقدر ما هو رغبة في الوصول الى المناصب والقفز الى اعلى السلم.
هناك ايضا سؤال يطرح امام دعاة الاصلاح وهو ماهي الضمانات التي يقدمها
هؤلاء حينما يصعدون الى السلطة بانهم سيستمرون بنزعة الاصلاح ؟! هل
لديهم القدرة على الاستمرار بالنزعة الاصلاحية او الدعوة للاصلاح في
حال اكتشافهم لفساد في السلطة او ادارة الدولة التي بايديهم زمام
امورها، ام ان هذه النزعة الاصلاحية تنتهي بمجرد وصولهم الى سدة الحكم
وتنقلب نزعة التجديد والاصلاح الى نزعة تقليد ومحافظة.
مفهوم الاصلاح ذو بعد اخلاقي لأنه يشتغل عادة على ما ينبغي ان يكون
وليس على ما هو كائن ، وبالتالي شئنا ام ابينا سيحمل هذا المفهوم رؤية
مثالية عن العالم ، والمثالية ليست سلبية بحد ذاتها لأن المثال هو
المتمنى الذي نسعى لتحقيقه وحينما يتحقق يصبح واقعا ، ولكن الخشية ان
يتحول هذا المفهوم الى مجرد رؤية نظرية عن العالم معزولة ومنفصلة عن
الواقع المعاش وضروراته واشكالاته ومقتضياته وممكنات الاصلاح فيه ،
فيكون بذلك المصلح كمن يغرد خارج السرب وخارج المعقول الواقعي ، لكن ان
اخذ المصلح الواقع بعين الاعتبار ومحاولته السعي الدؤوب عملا وفكراً
لتغييرهذا الواقع. هذا ما ينبغي عليه فعله عبر جعل الفكر منتجاً من
الواقع نفسه وليس بعيداً عنه مثلما هي رؤى الطوباويين الذين يبنون
تصوراتهم في الذهن ويحاولون تطبيقها على الواقع كما هي رؤى افلاطون في
جمهوريته والفارابي في مدينته الفاضلة واوغسطين في مدينة الله ،
فالمصلحون هم الذين يستطيعون تغير وجه العالم لا الذين يعيشون في
احلامهم ، فالانبياء مثلاً لم يغيروا العالم بالافكار الحالمة فقط بل
بالسعي العملي عبر التعامل مع الواقع ومحاولة تغييره وإن كانت افكارهم
مستمدة من السماء ، وغاندي مثلاً لم يكن يعنى بالرؤى النظرية على حساب
الواقع الهندي . هذا يدفعنا باتجاه طرح مجموعة من الاسئلة:
هل الاصلاح يشكل قطيعة مع المراد اصلاحه وتشكيل بداية جديدة ام يعني
الترميم ؟ هل يتناول الاصلاح العلاقة مع الغرب لاسيما ونحن اليوم في
العراق يشكل الغرب (الكولنيالي) الوجه الآخر للعملية السياسية في ما
يمكن تسميته بالعراق الجديد ،واذا عرفنا ان هذا الغرب الاستعماري
وللاسف يشكل بوابة الانفتاح نحو التعددية الحزبية وحرية الرأي التي
غيبتها الانظمة السابقة لصالح الاحادية والغاء الامة لصالح الطغمة.
ولذلك لابد لدعاة الاصلاح ان يضعوا امام اعينهم الكيفية او سبل التعامل
مع الغرب عامة والغرب الكولنيالي في العراق على وجه الخصوص.
دعاة الاصلاح يؤيدون وجود ازمة والا لما دعوا للاصلاح فلا بد اذن من
تحديد هذه الازمة وسبل حلها على كل المستويات.
الاصلاح يحمل دلالة ايجابية ايضاً كونه يفترض مجموعة واحدة ومحددة من
المبادرات التي يعتقد انها مطلوبة من اجل تحسين جزئي ومتدرج للاوضاع ،
بمعنى انه مضاد للثورة وان كان معنى الثورة يحمل نزوعاً اصلاحياً ، الا
انه يحمل في الوقت نفسه دلالة انقلابية جذرية تلغي القديم وتقيم قطيعة
معه ، بينما نجد الاصلاح يعيد انتاج وصياغة القديم ويضيف له ما استجد
او ما يتطلبه العصر في ضوء تطوره ، والاصلاح في الفكر العربي يعني
الجهد المتواصل الذي قامت به الحضارة العربية للتقريب بين معاييرها
وقيمها من جهة وواقعها الراهن من جهة آخرى ،ويعرف الإصلاح في المعاجم
العربية بانه ضد الإفساد وفي هذا الاطار نجد محمد عابد الجابري يربط
الاصلاح في القرآن بإزالة ما شاب العلاقات بين الناس من شوائب مثل قوله
تعالى (فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم) (الانفال/ 1) وقوله تعالى (وان
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما) (الحجرات /9). |