الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (1060) الثلاثاء  27 تموز 2010م/14 شعبان 1431هـ

مشـــاعل

من اقوال الشهيد الصدر

·        إنّ كلّ هذه المطالب العلميّة إنّما نتسلّح بها لأجل أن ننزل بها إلى ميدان الصراع والعراك مع أعداء الإسلام، وإلاّ مجرّد الاطّلاع والاستيعاب للمطالب الأُصوليّة أو الفقهيّة الدقيقة والتبحّر في هذه العلوم تبحّراً كاملاً لا يغيّر من وضع الإسلام شيئاً، ولا يحلّ من مشاكل المسلمين مشكلة

·        أخيرا فلنقف لحظة عند علم النفس, لنطل على ميدان جديد من ميادين الإبداع الإلهي, ولنلاحظ من قضايا النفس بصورة خاصة, قضية الغرائز التي تنير للحيوانات طريقها وتسددها في خطواتها, فإنها من آيات الوجدان , على إن تزويد الحيوان بتلك الغرائز, صنع مدبر حكيم, وليس صدفة عابرة. والا فمن علم النحل بناء الخلايا المسدسة الاشكال, وعلم كلب البحر بناء السدود على الانهار, وعلم النمل المدهشات في اقامة

·        إنّ أحد الأسلحة التي يجب أن نتسلّح بها في خدمة الإسلام هو فهم الإسلام في نفسه لأجل أن يكون هذا قوّة بأيدينا في مقام ترويج الإسلام وإعلاء كلمته وتبليغ أحكامه، والوقوف في وجه التيّارات الكافرة التي تكتنف حياة المسلمين وتغزو عالم الإسلام من كلّ جهة ومن كلّ صوب.

 

 

السيد محمد باقر الصدر كان امة في رجل

ابو ضحى الغزي

ولد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ـ قدس سره ـ في مدينة الكاظمية المقدسة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ، وكان والده العلامة المرحوم السيد حيدر الصدر ذا منزلة عظيمة، وقد حمل لواء التحقيق والتدقيق والفقه والأصول، وكان عابداً زاهداً عالماً عاملا، ومن علماء الاسلام البارزين. وكان جده لأبيه وهو السيد اسماعيل الصدر; زعيماً للطائفة، ومربياً للفقهاء، وفخراً للشيعة، زاهداً ورعاً ظالعاً بالفقه والأصول، وأحد المراجع العِظام للشيعة في العراق. أما والدته فهي الصالحة التقية بنت المرحوم آية الله الشيخ عبد الحسين آل ياسين، وهو من أعاظم علماء الشيعة ومفاخرها. بعد وفاة والده تربى السيد محمد باقر الصدر في كنف والدته وأخيه الأكبر، ومنذ أوائل صباه كانت علائم النبوغ والذكاء بادية عليه من خلال حركاته وسكناته.

دراسته وأساتذته:تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ. -بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية.

- في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد اسماعيل الصدر، وكان يعترض على صاحب المعالم، فقال له أخوه: إن هذه الاعتراضات هي نفسها التي اعترض بها صاحب كفاية الأصول على صاحب المعالم.

-في سنة 1365 هـ هاجر سيدنا الشهيد المفدى من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف; لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله تعالى عليه). أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي (رحمه الله). بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً; إلا أنها من حيث نوعية الدراسة تعدّ فترة طويلة جداً، لأن السيد كان خلال فترة اشتغاله بالدراسة منصرفاً بكلّه لتحصيل العلم، فكان منذ استيقاظه من النوم مبكراً وإلى حين ساعة منامه ليلا كان يتابع البحث والتفكير، حتى عند قيامه وجلوسه ومشيه.

تدريسه: بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادي الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتار يخ 12 / ربيع الأول / 1391، وشرع بتدريس الدروة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381وخلال هذه المدة استطاع سيدنا الأستاذ أن يربي طلاباً امتازوا ـ حقاً ـ عن الآخرين من حيث العلم والأخلاق والثقافة العامة، لأن تربية السيد الصدر لهم ليس منحصرة في الفقه والأصول، بل أنّه يلقي عليهم في أيام العطل والمناسبات الأخرى محاضراته في الأخلاق، وتحليل التأريخ، والفلسفة، والتفسير لذا أصبح طلابه معجبين بعلمه وأخلاقه، وكماله إلى مستوىً منقطع النظير، ولهذا حينما يجلس السيد بين طلابه يسود بينهم جو مليء بالصفاء والمعنوية.

1. حبه وعاطفته: ان من سمات شخصية المرجع الشهيد (رحمه الله) تلك العاطفة الحارة، والأحاسيس الصادقة، والشعور الأبوي تجاه كل أبناء الأمة، تراه يلتقيك بوجه طليق، تعلوه ابتسامة تشعرك بحب كبير وحنان عظيم، حتى يحسب الزائر أن السيد لا يحب غيره، وإن تحدث معه أصغى إليه باهتمام كبير ورعاية كاملة، وكان سماحته يقول: إذا كنا لا نسع الناس بأموالنا فلماذا لا نسعهم بأخلاقنا وقلوبنا وعواطفنا؟

2. زهده: لم يكن الشهيد الصدر زاهداً في حطام الدنيا، لأنه كان لا يملك شيئاً منها، أو لأنه فقد أسباب الرفاهية في حياته، فصار الزهد خياره القهري، بل زهد في الدنيا وهي مقبلة عليه، وزهد في الرفاه وهو في قبضة يمينه. وكأنه يقول (يا دنيا غري غيري): فقد كان زاهداً في ملبسه ومأكله لم يلبس عباءة يزيد سعرها عن خمسة دنانير (آنذاك)، في الوقت الذي كانت تصله أرقى أنواع الملابس والأقمشة ممن يحبونه ويودونه،لكنه كان يأمر بتوزيعها على طلابه.

3- عبادته: من الجوانب الرائعة في حياة السيد الصدر (رحمه الله) هو الجانب العبادي، ولا يستغرب إذا قلنا: إنه كان يهتم في هذا الجانب بالكيف دون الكم، فكان يقتصر على الواجبات والمهم من المستحبات. وكانت السمة التي تميّز تلك العبادات هي الانقطاع الكامل لله سبحانه وتعالى، والإخلاص والخشوع التامين، فقد كان لا يصلي ولا يدعو ولا يمارس أمثال هذه العبادات، إلا إذا حصل له توجه وانقطاع كاملين.

4- صبره وتسامحه: كان السيد الصدر أسوة في الصبر والتحمل والعفو عند المقدرة فقد كان يتلقى ما يوجه إليه بصبر تنوء منه الجبال، وكان يصفح عمن أساء إليه بروح محمديّة

5- نبوغه: كانت علائم النبوغ بادية على وجهه منذ طفولته، وعلى سبيل المثال نذكر هذه القصة التي حدثت في بداية الحياة الدراسية للسيد الصدر وكان السيد الصدر يدرس عند الشيخ محمد رضا آل ياسين، وحينما وصل الأستاذ في بحثه إلى مسألة أن الحيوان هل يتنجس بعين النجس، ويطهر بزوال العين، أو لا يتنجس بعين النجس؟ فذكر الشيخ آل ياسين أن الشيخ الأنصاري ذكر في كتاب الطهارة: أنه توجد ثمرة في الفرق بين القولين تظهر بالتأمل، ثم أضاف الشيخ آل ياسين: إن أستاذنا المرحوم السيد اسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة، طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين، ونحن بيّنا له ثمرة في ذلك، وأنا أطلب منكم أن تأتوا بالثمرة غداً بعد التفكير والتأمل. وفي اليوم التالي حضر السيد الصدر قبل الآخرين عند أستاذه، وقال له: إنّي جئت بثمرة الفرق بين القولين، فتعجب الشيخ آل ياسين من ذلك كثيراً، لأنه لم يكن يتصور أن حضور تلميذه إلى الدرس حضوراً اكتسابيا، وإنما هو حضور تفنني. فبين سيدنا الصدر ثمرة الفرق بين القولين، وحينما انتهى من بيانه دهش الأستاذ من حِدّة ذكاء تلميذه ونبوغه، وقال له: أعد بيان الثمرة حينما يحضر بقية الطلاب، وحينما حضر الطلاب سألهم الشيخ: هل جئتم بثمرة؟ فسكت الجميع ولم يتكلم أحد منهم، فقال الأستاذ: إن السيد محمد باقر قد أتى بها، وهي غير تلك التي بيّناها لأُستاذنا السيد اسماعيل الصدر. ثم بيّن السيد الشهيد الصدر ما توصل إليه من ثمرة الفرق بين القولين، وقد نفذ السيد بنبوغه هذا إلى صميم القلوب بصفته شخصية علمية وفكرية بارزة، وحاز على اعتراف فضلاء وعلماء الحوزة العلميّة.

أهداف، سعى الشهيد الصدر لتحقيقها:

1ـ كان السيد الصدر يعتقد بأهمية وضرورة إقامة حكومة إسلامية رشيدة، تحكم بما أنزل الله عزوجل، تعكس كل جوانب الإسلام المشرقة، وتبرهن على قدرته في بناء الحياة الانسانية النموذجية، بل وتثبت أن الإسلام هو النظام الوحيد القادر على ذلك، وقد أثبت كتبه (أقتصادنا، وفلسفتنا، البنك اللاربوي في الإسلام، وغيرها) ذلك على الصعيد النظري.

2ـ وكان يعتقد أن قيادة العمل الإسلامي يجب أن تكون للمرجعية الواعية العارفة بالظروف والأوضاع المتحسسة لهموم الأمة وآمالها وطموحاتها، والإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الإسلام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم، وهذا ما سماه السيد الشهيد بمشروع « المرجعية الصالحة ».

3ـ من الأمور التي كانت موضع اهتمام السيد الشهيد (رضوان الله عليه) وضع الحوزة العلمية، الذي لم يكن يتناسب مع تطور الأوضاع في العراق ـ على الأقل ـ لا كماً ولا كيفاً، وكانت أهم عمل في تلك الفترة هو جذب الطاقات الشابة المثقفة الواعية، وتطعيم الحوزة بها. والمسألة الأخرى التي اهتم بها السيد الشهيد هي تغيير المناهج الدراسية في الحوزة العلميّة، بالشكل الذي تتطلبه الأوضاع وحاجات المجتمع لأن المناهج القديمة لم تكن قادرة على بناء علماء في فترة زمنية معقولة، ولهذا كانت معظم مدن العراق تعاني من فراغ خطير في هذا الجانب، ومن هنا فكّر (رضوان الله عليه) بإعداد كتب دراسية، تكفل للطالب تلك الخصائص; فكتب حلقات (دروس في علم الأصول). أمّا المسألة الثالثة التي أولاها السيد اهتامه فهي استيعاب الساحة عن طريق إرسال العلماء والوكلاء في مختلف مناطق العراق، وكان له منهج خاص وأسلوب جديد، يختلف عما كان مألوفاً في طريقة توزيع الوكلاء، ويمكننا تلخيص أركان هذه السياسة بما يأتي:

أولا: حرص على إرسال خيرة العلماء والفضلاء ممن له خبرة بمتطلبات الحياة والمجتمع.

ثانياً: تكفل بتغطية نفقات الوكيل الماديّة كافة، ومنها المعاش والسكن.

ثالثاً: طلب من الوكلاء الامتناع عن قبول الهدايا والهبات التي تقدم من قبل أهالي المنطقة.

رابعاً: الوكيل وسيط بين المنطقة والمرجع في كل الأمور، ومنها الأمور الماليّة، وقد أُلغيت النسبة المئوية التي كانت تخصص للوكيل، والتي كانت متعارفة سابقاً.

اقوال العلماء فيه: قال فيه صاحب كتاب أعيان الشيعة: هو مؤسس مدرسة فكرية إسلامية أصيلة تماماً، اتسمت بالشمول من حيث المشكلات التي عنيت بها ميادين البحث، فكتبه عالجت البُنى الفكرية العليا للإسلام، وعنيت بطرح التصور الإسلامي لمشاكل الانسان المعاصر... مجموعة محاضراته حول (التفسير الموضوعي) للقرآن الكريم طرح فيها منهجاً جديداً في التفسير، يتسم بعبقريته وأصالته.

شهادته:بعد أن مضى عشرة اشهر في الإقامة الجبرية، تم اعتقاله في19/جمادي الأولى/1400هـ الموافق5/4/1980م. وبعد ثلاثة أيام من الاعتقال الأخير استشهد السيد الصدر بنحو فجيع مع أخته العلوية الطاهرة (بنت الهدى). وفي مساء يوم 9 / 4 / 1980 م (1400هـ)، وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً، قطعت السلطة البعثية التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف، وفي ظلام الليل الدامس تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى دار المرحوم حجة الاسلام السيد محمد صادق الصدر ـ أحد أقربائه ـ وطلبوا منه الحضور معهم إلى بناية محافظة النجف، وكان بانتظاره هناك المجرم مدير أمن النجف، فقال له: هذه جنازة الصدر وأخته، قد تم إعدامهما، وطلب منه أن يذهب معهم لدفنهما، فأمر مدير الأمن الجلاوزة بفتح التابوت، فشاهد السيد محمد صادق الشهيد الصدر (رضوان الله عليه). مضرجاً بدمائه، آثار التعذيب على كل مكان من وجهه، وكذلك كانت الشهيدة بنت الهدى (رحمهما الله). و تم دفنهما في مقبرة وادي السلام، المجاورة لمرقد الإمام علي (عليه السلام) في النجف الأشرف.

(فسلام عليك يوم ولدة ويوم أستشهدت ويوم تبعث حيا).

 

 

مذكرات سجينة...الشهيدة السعيدة أمل الربيعي: هذه المرة سيقتلونني، ولا أعتقد أنّي سأعود..الاعتقال والاتهام‏

كانت (أمل) ريحانة عطرة.. فجاءت الى‏ سجن الرشاد زهرة ذابلة،لما عانت من وحشيتهم في التعذيب المريع وقسوتهم في الحقد الدفين لنشاطها وعطائها..حيث كانت تُعبّى‏ء الناس وتستنهض الهمم(وهُدوا الى‏ الطيّب من القول...). سيّما وأنها كثيراً ما كانت تتفقّد عوائل الشهداء والمعتقلين وتحمل لهم ما يمكن أن يخفّض عنهم همّ الحاجة وضيق المعيشة، ف (ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدَّقته الأعمال).

كانت (أمل) تكتب وتوزّع - سرّاً - المنشورات الثورية التي تُدين جريمة النظام الكبرى‏ باعدام المرجع القائد المفكّر السيد محمد باقر الصدر1 وأخته الفاضلة العلوية وبشن الحرب الظالمة على‏ دولة الإسلام الفتيّة. كان ضابط التحقيق المجرم الجلّاد المقدّم مهدي الدليمي (أبو هبة) الذي ترك في مديرية أمن البصرة سجلّاً أسوداً بشعاً حافلاً بالإجرام وهتك الحُرمات.تم اعتقالها وخطيبها عام «1982م» من قبل أزلام (أمن) النظام في مدينة الثورة بتهمة الإنتماء الى‏ خط العميل الصدر على‏ حَدِّ قولهم. اعتقلوها ليلاً بعد أن داهموا البيت بهمجيةٍ بعثيةٍ مألوفة ! كما اعتقلوا معها أُختها المجاهدة (سُندس) والتي حُكِم عليها فيما بعد بالسجن المؤبد - إعدام مخفف - بيد أنها خرجت بالعفو الصادر عام «1991م» والذي يحمل القرار رقم «241»، حيث أُطلق سراحها يوم (1991/7/21م). - أعلن رأس النظام هذا العفو قبل احتلاله لدولة الكويت بأيام !

أمل.. وألم‏: تم تعذيب الصابرة المجاهدة (أمل) بكل الوسائل البشعة، كالتعليق بالسقف، والفلقة، والعصا الكهربائية، والكيبل.. كان المجرم يأمر بتعليقها ساعات طوال، فكانت قدماها تقاومان عشقهما للأرض حيث العصا التي لا ترحم جسدها الرقيق، وهي تئن وتعاني من الآلام الشديدة من نهش الكيبلات التي مزّقت جسدها.. لقد غيّر الجلاد مواقع حروف أسمها الجميل أثناء التعذيب الوحشي فصارت (أمل) كتلةً من (ألم). بقيت (أمل) في مديرية (أمن) الثورة فترة (6) أشهر.. ثم جي‏ء بها الى‏ (موقف) مديرية الأمن العام، بعدها ذهبوا بها الى‏ قاعة محكمة (الثورة) لإصدار حكم الاعدام الجائر والجاهز، وحسب المادة (156 - أ) ! تم نقلها من المحكمةِ مباشرةً الى‏ سجن الرشاد ببغداد - القسم السياسي - حيثُ بقيت (3) أشهر بانتظار تنفيذ الحكم..

بغداد.. حبيبتى‏: انتهت فترة الإنتظار في سجن الرشاد.. فها هي سيارة الاعدام تنتظر عند الباب الكبير لنقل (أمل) ورفيقاتها الى‏ سجن (أبو غريب) حيث تنفيذ حكم الاعدام الجائر. وهكذا ودّع سجن (الرشاد) الفراشة الوديعة.. ودّع (أمل) الحبيبة الإليفة.. استقرّت حمائم الإسلام في الصندوق الصدي‏ء.. إنطلقت السيارة تخترق العاصمة بغداد وهي تلوذُ بأطراف الشوارع، وكأنها لصٌّ يحاول الاختفاء ! عواطف ملتصقة بالنافذة الحديدية الصغيرة وسط الصندوق وبجانبها (أمل).. كانتا تهمسان مع بغداد - الذكريات - وكان الحديث لكُلِّ منهما ذا شجون.. فتعال معي - أيُّها القارى‏ء الكريم - لنطّلع على‏ الحديث الذي دار بين (أمل) وبغداد، والذي نقلته لنا - فيما بعد - بعد تأجيل الاعدام ورجوعها الى‏ سجن (الرشاد)..

تقول أمل : «عندما رأيت بغداد، خفقَ قلبي.. لقد امتزج الفرح والحزن معاً.. أحقاً هذه بغداد ؟ ! كنت أتطلّع الى‏ بغداد، وكل ذرّة في كياني تختلج.. كُدّتُ أسمع دقّات قلبي وهي تلفظ حروف «بغداد» بأيقاعٍ ثقيل.. هاهي بغداد، حيث طارت الذكريات صوب الوطن المطعون وبدأ شريط الذكريات والدموع.. بغداد.. اشتقتُ إليك.. اشتقت الى‏ قبابك الذهبية.. اشتقت الى‏ الأهل والخلّان..

على‏ مَنْ عتبي ؟ على‏ الأيام التي باعدتنا ؟ أم على‏ الأعداء الذين نهبوا أرضنا ؟ تُرى‏ هل يكون لنا لقاء آخر يابغداد ؟ هل أراك ثانية ؟ بغداد، كيف أنتِ الآن ؟ أما زالت صحارانا تشكو من دماء الأبرياء، والتي لو نطقت لطَلبتْ الى‏ بارئها الثأر لمن تحتها من الصالحين ؟ أما زال أنين الثكالى‏ أقوى‏ من صوت الأذان ؟! مسحتُ دموعي، ثم واصلت التفرّج على‏ معالِم بغداد المظلومة التي انسحب عنها النور وزحف إليها الظلام، رُغم أن حفيف سعفات النخيل الذي صاحبه زخّات من المطر كان أجمل موسيقى‏ أسمعها قبل ارتحالي عن هذه الدنيا.. إذن هاهي بغداد المفجوعة عند مرمى‏ بصري، ولا أخالها تتذوّق للشمس طعماً، بل انها تلعقُ طعم الفجيعة.. لا أخالها تُفرِّق بين ليلٍ ونهار، فكل أوقاتها أصبحت ليلاً كثيف العتمة وظلاماً ثقيل الظُلمة.. بغداد هل فتّتَ الأسى‏ والألم روحك ؟ هل مازال قلبك ينبض بالحياة ؟! أراكِ ترتدين ثوب الحداد الأسود.. منكوبة بغداد، فقد انغرستْ في لحمك أنياب وحوش البعث الضارية.. فالشوارع تنعق بأغاني القادسية الرخيصة وبموسيقى‏ الحرب الصاخبة، وكأن خريف الموت داهمكِ فجأةً، فأصبحتِ شبح مدينة تحتضر.. في آخر مرّةٍ خرجتُ من حُضْنُكِ الدافى‏ء والعيون غرقى‏.. لوّحتُ لكِ، وكأني قُلتُ وداعاً، لأنَّه الوداع القهري.. ولو كنتِ سامعةً قولي لانكسرَ قلبكِ يابغداد.. ولكن أنّى‏ لك ذلك، والضجيج المنبعث من فرقة الطبالين ومرتزقة الفن المَلكي حال بينك وبين أن تسمعي صوتي الخفيض المتخشِّع.. ولكن لا يابغداد.. لابدّ للشمس أن تعود، ولابدَّ للسحابة أن ترحل، إبتسمي ولا تيأسي.. سنعود يابغداد.. سنعود باسمٍ آخر وبشكل آخر.. سنعود مادام في رحمكِ أنصار (الصدر وبنت الهدى‏).. فاشعلي أنوارك، ولا تطفئي المصابيح.. وستخلعين ملابس الحداد على‏ أرواح الشهداء، وستشهدي اليوم الموعود حتماً، وسترفرف فوق هامتك أعلام النصر باذن اللَّه وسيُتلى‏ في أجوائك نشيد (اللَّه أكبر)، وسنغسل جدائلك بماء دجلة العذب، نغسلها ثم نزيّنها بمليون وردةٍ بيضاء، ومليون غُصنِ زيتونٍ أخضر».

ألاَ ثوروا على‏ المتجبّرينا

ولا تَخشَوا سِلاحَ الظالمينا

وخُطّوا من دم الشُهداء سِفْراً

يظلُّ الدَّهرَ سِفْرَ الخالدينا

فكم قاسَوا من الحُكّام ضَيْماً

وكانوا رُغم ذلك صابرينا..

وياليلَ المآسي كَمْ نُداري..

جُروحاً أحدَثتْ فِينا شُجونا..

وأحلامٌ العَذارى‏ كمْ تلاشَتْ..

وقد زُفَّتْ لكي تَلقْى‏ المَنوُنا..

ودَعْكم مِن مُسَاوَمةٍ فأنَّا..

أبيْنا أنْ نكونَ مُساومينا..

ويافَجر الشهّادةِ إنَّ شوقاً

الى‏ لُقيا الشَّهادةِ يَعترينا

خُمَينيون.. وحَّدنا شِعارُ

        على‏ نَهْج الألى‏ رَفعَوا الجَبينا

أمل : الموت مرّ أمامي‏

رافقت «أمل» الشهيدة «عواطف» في جميع محطات رحلة العذاب التي ذكرناها في الفصل السابق.. لقد تابعت فصول مهرجان الإعدام الجماعي ب (150) شهيداً.. ثم شاهدتْ بأم عينيها تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بالعلوية (فاطمة).. نعم، لقد شاهدت وعن قرب تلك الوجوه التي أرهقها عذاب الاعتقال.. رجال لِحاهُم طويلة، عيونهم غائرة، أجسادهم نحيلة، شفاههم لم تفتر لحظةً عن ذكر اللَّه.. وعن الدعاء، مشغولةً تتوسل السماء بالمغفرة، وتنطق بالشكر للخاتمة (ترى‏ أعيُنهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحقِّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين). - سورة المائدة : 83.

ثُلّة منهم تقرأ ما حفظت من كتاب اللَّه.. وأخرى‏ تُصلي وتقرأ الزيارة، وثالثة التصقت بالجدران تكتب أشياء، ورابعة انضمَّت لقراءة نشيد الخلود (يحسين بضمايرنه).. دويٌّ كدويّ النَحل يعبد الخالق ويشكوه ظلم الطغاة وما فعلوا بهم وهو أعلم بما يفعلون. كان يوماً فريداً لا أظن انه سيمحى من ذاكرة الشهيدة (أمل) حتى‏ لو انتقلت الى‏ بساتين الجنة..

قتلوهم كى لا يأتي الفجر

كانت الشمس الموشكة على‏ الغروب تلقي بأشعتها الواهنة على‏ جدران سجن (أبو غريب) الكبير، وكان السجن في تلك الفترة باباً من أبواب جهنم، يصرخ وينادي هل من مزيد ! لقد شاهدت (أمل) جثث الشهداء، تلك الأجساد الغضّة بالشباب والمبادى‏ء، وقد أمسوا فريسة الذئاب والخنازير، حيث لا تسمع لهم صوتاً ولا حركة.. فهي تنظر الى‏ داخل القاعة، غير مصدِّقة ماترى‏ ! لقد طحنتها الصدمة، فهي تارةً تُغمض عينيها لأن المشهد يفُتّ القلب، وأُخرى‏ تمسح دموعها وتُعاود النظر بذهول. نعم أُختاه.. إنّهُ نظام حُكم العُصابة اللاإنسانية التي جثمت على‏ صدر عراقنا الحبيب.. وحوش ذات قلوب مقفلة عشعش فيها الظلام والحقد الأسود، بل هؤلاء أبشع من الوحوش ! فالوحوش تترفّع حينما تشبع، ولا تَفتُك حتى‏ تجوع. وانَّ الطُغاة على‏ مرِّ التاريخ لا يرتاحون للصالحين الواعين فتراهم يذوقونهم سوء العذاب بينما يرفُل الهمج الرُعاع في النعيم.. يحتَّلون المناصب والادارات (فاستخفَّ قومه فأطاعوه). مائة وخمسون فارساً أعدمهم الفرعون، ولم يعدم من الزمن سوى‏ ساعة فقط.. أجساد تساقطت فوق بعضها تباعاً كأوراق الخريف.. كانت التُهم جاهزة، وعنوانها الرئيسي (خُمينيّون في خط العميل الصدر) ! قتلوهم في المساء، قتلوهم حتى‏ لا يأتي الفجر.. ما أعجزهم حين يقتلون، والقتل كُلَّ ما يستطيعون.. وهكذا انتهى‏ خصام الوحوش باعدامهم جميعاً.. بعدها نقلوهم ليدفنوهم في مقابر مجهولة، وأعطوا للبعض من أهاليهم أوراق (صفراء) تُنبى‏ء بقتلهم.

 

 

قراءة في سمات المدرسة الفكرية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)

بقلم أد عادل زايرالكعبي

علينا تقديم الحركة الفكرية الإسلامية التحررية بعقل متنور ليصحّ قولنا إنّنا جزء منها ،فالشباب المسلم الواعي بحاجة إلى قطاف جديد لشجرة طيبة عرفناها منذ أمد بعيد ؛وهي متجددة الأغصان بفضل فكر العالم الرباني والقائد الرسالي السيد محمد باقر الصدر الذي توّج ميزان الفكر الإسلامي بدمه الزاكي ودفع شبهات تشويه المظهر الإسلامي من خلال تقديم الحلول المنطقية للازمات الإنسانية والوقوف بوجه التيارات المعادية التي اتفقت على ضرب الإسلام في الصميم ،وحارب السيد الشهيد الصدر مؤسساتها الثلاث: مؤسسة الحكّام الظلمة وأتباعهم؛ومؤسسة الصليب التي دفعت بالفكر إلى اتجاهات إلحادية؛وسخّرت الإنسان لصالح تنفيذ غاياتها؛والمؤسسة اليهودية المتمثلة بالسنهدريم التي سعت إلى تشويه الحقائق ومحاربة الإسلام بوسائل شتّى. لذلك كان الخطاب الرسالي للسيد الصدر موجهاً إلى العالم لحلّ أزمته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية ،وكان من خصائص مدرسته الجمع بين المنهج المنطقي والوجدان الإنساني ليحصل الاطمئنان النفسي بالفكرة في ضوء المعطيات البرهانية المتطابقة مع الوجدان ويتمثّل ذلك بنقل رسالة الحوزة الدينية من مخاطبة الجماهير عن طريق الوكلاء إلى الخطاب المباشر فضلاً عن المؤلفات في اختصاصات مختلفة وأعلن السيد محمد باقر الصدرأنّ حزبه هو حزب الشباب المسلم الواعي على نظرية أبي الأحرار الإمام الحسين بن علي -عليه السلام-(علمت اعمل) ورأى أنّ تغيير للواقع الظالم لايتمّ إلّا من خلال الشعوب ؛والديمقراطية عنده لاتعني استعارة النموذج الغربي وإنّما هي إعطاء دور للشعب في اختيار نظام الحكم والثورة على الطواغيت ورفض التعامل معهم وتوجيه النصح لهم. أمّا التجديد في البحث الفقهي فقد أخرج السيد الصدر الزكاة والخمس من قسم العبادات عندما كتب الفتاوى الواضحة وجعلها مفتاحاً لتقويم السلوك الاجتماعي والديني لأنّ طريق الحلال بيّن وطريق الحرام بيّن؛فأراد تجنيب الناس العمل بالاستثناءات دفعاً للشبهات. وأنكرت مدرسته في الدراسة اللغوية أن يكون المجاز استعمالاّ في غير ماوضع له من المعنى بحسب القانون اللغوي؛وإنّما عدّته من باب الاستعمال في المعنى الحقيقي ،فانتقد بلاغة السكّاكي ،لكنّه لم يقنعنا بالبديل الذي جاء به لعدم اكتمال بحثه أو تقريراته في ذلك؛لعدم وصولنا إليها ؛لكنّ المستفاد من ذلك أنّه أراد تطابق الوجدان مع المنطق البرهاني لأنّ الإنسان يستطيع الرؤية بوضوح عندما تطمئنّ نفسه؛وهذا ما يطلبه السيد الصدر من السياسي ليقرر بمسؤولية وضمير حي؛على وفق نظرة كلية للواقع بلا تجزيء واختيار الطريقة المناسبة من الواقع المعاش للاستدلال في أيّ موضوع؛ويرى أنّ على السياسي أن يقرأ الواقع العراقي بمعزل عن تراث التجربة البشرية ليكوّن رأياً واضحاً يتخذ من خلاله قراراً لايضيّع به حقّ الرساليين والمظلومين،وقد التزم هذا المنهج في تفسيره الموضوعي للقرآن الكريم وخالف المفسّرين بقوله: إنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي بالقرآن لأنّه يبحث في أسباب النزول ويعتقد أنّ فهم الخاص يؤدي إلى مفاتيح فهم العموم.

موضوع السنن التاريخية

اختار السيد الصدر موضوع ، وعرض أسئلة فقال : هل التاريخ البشري سنن في مفهوم القرآن الكريم ؟ هل له قوانين تتحكم في مسيرته وفي حركته وفي تطوره ؟ ما هذه السنن التي تتحكم بالتاريخ البشري ؟ كيف بدأ التاريخ البشري ؟ كيف نما ؟ كيف تطور العوامل الأساسية في نظرية التاريخ ؟ ما اثر الإنسان في التاريخ ما موقع السماء أو النبوة على الساحة البشرية؟ هذا كله سوف ندرسه تحت ها العنوان ، عنوان سنن التاريخ في القرآن الكريم وهذا الجانب من القرآن الكريم قد بحث الجزء الأعظم من مواده ومفرداته القرآنية لكن من زوايا مختلفة ، فمثلا قصص الأنبياء عليهم السلام التي تمثل الجزء الأعظم من هذه المادة القرآنية فحصت قصص الأنبياء من زاوية تاريخية تناولها المؤرخون واستعرضوا الحوادث والوقائع التي تكلم عنها القرآن الكريم وحينما لاحظوا الفراغات التي تركها هذا الكتاب العزيز حاولوا أن يملأوا هذه الفراغات بالروايات والأحاديث أو بما هو المأثور عن أديان سابقة ؛ أو بالأساطير والخرافات فتكونت سجلات ذات طابع تاريخي لتنظيم هذه المادة القرآنية . نحن نريد أن نتناول هذه المادة القرآنية من زاوية هي زاوية مقدار ما تلقى هذه المادة من أضواء على سنن التاريخ. وقال :إنّ الساحة التاريخية كأية ساحة أخرى زاخرة بمجموعة من الظواهر وان الساحة الفلكية ،و الساحة الفيزيائية ، الساحة النباتية ، زاخرة بمجموعه من الظواهر كذلك الساحة التاريخية زاخرة بمجموعه من الظواهر وان الظواهر في كل ساحة من الساحات لها سنن ولها نواميس ، من حقنا أن نتساءل : هل إن الظواهر التي تزخر بها الساحة التاريخية ، هل هذه الظواهر أيضاً ذات سنن ونواميس ؟ وما موقف القرآن الكريم من هذه السنن والنواميس ؟ وما عطاؤه في مقام تأكيد هذا المفهوم إيجاباً أو سلباً؛ إجمالاً أو تفصيلاً ؟ وقد يخيل إلى بعض الأشخاص أننا لا ينبغي أن نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث عن سنن التأريخ لأنّ البحث في سنن التاريخ بحث علمي كالبحث في سنن الطبيعة والذرة والنبات ، والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكتشاف بل كتاب هواية ؛ هذا الكتاب نزل على الرسول محمد (صلى الله عليه واله) كي يخرج الناس من الظلمات إلى النور فهو كتاب هداية وتغير وليس كتاب اكتشاف .

أساليب عرض موضوع السنن

يرى السيد الصدر أنّ ثمة أساليب عرض لموضوع السنن منها : عرض الفكرة الكلية : هذه الفكرة القرآنية عن سنن التأريخ بلورت في عدد كثير من الآيات بأشكال مختلفة والسنة متعددة ، في بعض هذه الآيات أعطيت الفكرة بصيغتها الكلية ، وفي بعض الآيات أعطيت على مستوى التطبيق على مصاديق ونماذج ، وفي بعض الآيات وقع الحث على الاستقراء وعلى الفحص الاستقرائي للشواهد التاريخية من اجل الوصول إلى السنة التاريخية . هناك عدد كثير من الآيات الكريمة استعرضت هذه الفكرة بشكل وآخر . فمن الآيات التي أعطيت فيها الفكرة الكلية فكرة أن التاريخ له سنن وله ضوابط ما يأتي (( لكل امة اجل فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )). ((لكل امة اجل فإذا جاء اجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)). فلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أنّ الأجل أضيف إلى الأمة إلى الوجود المجموعي للناس لا إلى هذا الفرد بالذات أو هذا الفرد بالذات ، إذن هناك ولاء لأجل المحدد المحتوم لكل إنسان بوصفه الفردي هناك اجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد ، للأمة بوصفها مجتمعا ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات ، هذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالأمة ، هذا له اجل له موت ، له حياة ، له حركة وان الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت كذلك الأمة تكون حية ثم تموت وكما ان موت الفرد يخضع لأجل ولقانون الناموس وكذلك الأمم لها آجالها المضبوطة وهناك نواميس تحدد لكل امة هذا الأجل إذن هاتان الآيتان الكريمتان فيهما عطاء واضح للفكرة الكلية ، فكرة أنّ التاريخ له سنن تتحكم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد بهوياتهم الشخصية . (( وما أهلكنا من قرية إلاّ ولها كتابٌ معلوم ما تسبق من امة اجلها وما يستأخرون). ((وما تسبق من امة اجلها وما يستأخرون)). في المعنى العام - ظاهر الآية الكريمة أنّ الأجل الذي يقترب أن يكون قريبا أو يهدد هؤلاء بان يكون قريبا هو الأجل الجماعي لا الأجل الفردي لأنّ قوماً في مجموعهم لا يمتّون عادة في وقت واحد وإنما الجماعة بوجدها المعنوي الكلي هو الذي يمكن أن يكون قد اقترب اجله . أما صلتها في المنظور الاجتماعي - فالأجل الجماعي هنا يعبر عن حالة قائمة بالجماعة لاعن حالة قائمة لفرد معين لان الناس عادة تختلف آجالها حينما ننظر إليهم بالمنظار الفردي لكن حينما ننظر إليهم بالمنظار الاجتماعي بوصفهم مجموعه واحدة متفاعلة في ظلها وعدلها في سرائها وضرائها ، حينئذ يكون لها اجل واحد فهذا الأجل الجماعي المشار إليه إنما هو اجل الأمة وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة ((وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)).   ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى فإذا جاء اجلهم فان الله كان بعباده بصيرا )). في هاتين الآيتين الكريمتين تحدث القرآن الكريم عن انه لو كان الله يريد ان يؤاخذ الناس بظلمهم وبما كسبوا لما ترك على ساحة الناس من دابة يعني لأهلك الناس جميعا. وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوير هذا المفهوم القرآني إذ إنّ الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة ، فيهم الأنبياء ، فيهم الأوصياء فيهم الأئمة هل يشمل الهلاك الأنبياء والأئمة العدول من المؤمنين ؟ حتى إن بعض الناس استغل هاتين الآيتين لإنكار عصمة الأنبياء (عليهم السلام). والحقيقة أنّ هاتين الآيتين تتحدثان عن عقاب دنيوي لا عن عقاب أخروي ، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه امة عن طريق الظلم والطغيان ، هذه النتيجة الطبيعية لا تخص حينئذ بخصوص الظالمين من أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم.

الفرق بين الاتجاه الموضوعي والاتجاه اللاهوتي الغيبي في دراسة السنن

يقول السيد الصدر قد يتوهم بعضهم أنّ هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للتاريخ وللسنن التاريخية يبعد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد من المفكرين المسيحيين اللاهوتيين حيث فسروا تفسيرا إلهياً قد يخلط هذا الاتجاه القرآني بذلك التفسير الإلهي الذي اتجه إليه (اغسطين) وغيره من المفكرين اللاهوتيين فيقال بأنّ إسباغ هذا الطابع الغيبي على السنة التاريخية يحول المسألة إلى مسألة غيبية وعقائدية ويخرج التاريخ عن إطاره العلمي الموضوعي ، لكن الحقيقة أنّّّّ هناك فرقاً أساساً بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب في إسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية ويبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت هناك فرق كبير بين هذين الاتجاهين وهاتين النزعتين وحاصل هذا الفرق هو أن الاتجاه اللاهوتي للتفسير الإلهي للتاريخ يتناول الحادثة نفسها ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعا صلتها وروابطها مع بقية الحوادث بدلاً عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخية التي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة . بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء ، لا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية بل انه يربط السنة التاريخية بالله ويربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله فهو يقرر أوّلاً ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبر عن حكمة الله سبحانه وتعالى-حسن تقديره وبنائه التكويني للساحة التاريخية ، و القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية لا يريد أن يتجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ لكنه يريد أن يؤكد أنّ هذه السنن ليست هي خارجة ومن وراء قدرة الله سبحانه وتعالى إنما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله فهي كلماته وإرادته وحكمته في الكون كي يبقى الإنسان دائما مشدوداً الى الله لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان فهو في الوقت نفسه الذي نظر فيه إلى هذه السنن نظرة علمية نظر إليها نظرة إيمانية.

 

 

الشهيدة و القدوة بنت الهدى..الكلمة الخالدة

لا يخفى ما للبيئة من آثار على الشخصية و أدوار بالغة في صياغة الإنسان كما أنعاملب الوراثة هو الآخر يمتلك حصةمهمة و فعالة و لعل المناهج الجديدة في تراجم العظماء و ذوي الشان يستنطقون ضالتهم من دراسة معقمة و شاملة لكلاالافقين ... البيئة و الوراثة !! و الشهيدة السعيدة حباها الله تعالى طيب البعدين وأريج المضمارين ، فهي بنت بيت علم تواصلت فيه أسبابه أباً عن جد دون أنقطاع أو توقفه و هي سليلة أعز الله و سادة أهل الخافقين !! فما تراك أن تقول في هذا النتاج الذي يمثل عصارة عهد السماءمع الأرض على ضفاف الحقيقة الربانية الخالدة ... و هكذا كانت آمنة الصدر بنتا للهدى ... كي تغذي الهدى فتيات الجيل بنفحات الرسالة المحمدية .أخلاق أبائها البررة ، فما أعظمها من مهمة و ما أروعها نم مسؤولية !! و قد كانت فار سميدانها العظيم فأنتجت مشاعل نيرة قل نظيرها في التاريخ ، وهل أدل على ذلك من شهادة المشانق الصدامية ، فعلى أعوادها الجامدة و خشبها القاسية تجد أسماء الطاهرات تحرك الأموات من الأجداث ، وفي أقبية لاسجون البعثية تخيف أصواتهن أرباب الغدر والخيانة و هم خلف جدران القصر الجمهوري ... تحرسهم جنود غلاظ قست قلوبهم و تبدلت مشاعرهم ، فلا يعرفون غير هؤلاء الأرباب غاية و هدفاً و وسيلة .ولدت في الكاظمية المشرفة عام 1937م ، وسميت «آمنة « و ما أحلى أن ينطبق المفهوم على المصداق ،وينفني العنوان في المعنون ، وهل ينكر أحد أن الشهادة صارت أماناص للمئات بل الآلاف من بنات جيلها ،فعلى يديها و جدن طريقهن إلى الله ، ولا أبالغ إذا قلت أن الشهيد الصدر كان «لهم» و هي كانت « لهن « و لولا هذه الرعاية الربانية في تكامل بعدي الدليل،وشارتي الهدى لتعثرث المسيرة ، و تقهقرت عن شأوها الذي وصلت إليه ... و لك أن تدرك العناية الإلهيةبهذا البيت الشامخ عندما يكون ملتقى كل موجبات الطريق ،ومحط السبب و المقتضى وعدم المانع لغاية تجسد إرادة الله في الحياة ، علومها ... أفكارها ... نظرتها ... كل ذلك تلقته من أصفياء بشارة المصطفى إسماعيل و محمد ، بل نم قدر الله لمحطة التجديد في مائة القرن العشرين ، فهل يملكنا عجب أذا سطرت أناملها المشربة بدم الشهادة تلكم الأسفار التي تنفث بانفاسها علي و الحسين !! سيدتي :عذري أن اللغة صناعة وأنت الحقيقةالتي يخجل علياؤها البهي من ينام عن شواردها، عذري أني قريب من تراب أحاول خلاله اكتشاف هبة الأزل و شر لاخلود ، فلا أنال إلا ضلال نور جاء من عمق سحيق ، فماذا عساني أصيب و ماذا عساني أقول ... حيرة تأخذني و أخرى تردني . يا أمنا هل ننسى تلك المهمة التي تهد الجبال ؟... تقطعين المسافات الطوال و تتجشمين قارص البرد و قائض الحر ، و تبذلين الوقت و الجهد و المال ... لماذا ...؟ لأن ف يانتظارك طالبات هدى فلا تضنين عليهن ب» غال « و لا «رخيص» . من النجفإلى بغداد ... بين مدرسة الزهراء و غيرها مع البراعم و الأغصان ... حركة دائبة لا تعرف الكلل لأنها بعين الله و لا يصيبها الملل لأنها تتصل بامداد يقين بعد الممات !! و لم تكن قصائدك و لن تكن أمجاد باغ في ترصيف الكلمات ، و أنما ستبقى مشعل طريق و شموع درب حتى نصر الله المؤزر على يد بقية الله الأعظم الإمام المهدي ( أروحنا لتراب مقدمه الفداء ) .

        قسماً و أن ملي الطريق

                                        بمــا يعيق السيــر قدمــا

        قسماً و أن جهد الزمان

                                        لكــي  يثبط  فـــيّ عزما

        أو حاول الدهر الخؤون

                                        بــأن يريـش إلي سهمـاً 

        لــن أنثنــي عمـــا أروم

                                وأن غدت قدماي تدمـى

        كــلا ولــن أدع الجــهاد

                                فغــايتي أعلى و أسمـى

هذه المعاني صنعت على طريق ذات الشوكة أفذاذ نم بنات الإسلام ، وهن اليوم يحملن رسالة أمهن مهما كلف الثمن من تضحيات جسام. وها هي» الفضيلة تنتصر « و «الباحثة عن الحقيقة « و « صراع» و « لقاء في المستشفى « و «أمرأتانو رجل « و الخالة الضائعة « و» ليتني كنت أعلم « و « مذكرات الحج « و « كلمة و دعوة» ... ها هي كتبك تعمل ليل نهار على صناعة النماذج الحية ذخراص لمستقبل كنت تعملين من أجله يا أبنة الأماجد الأحرار .و كرامة من الله تعالى لهذه «الأمرة « . المثال قيض لها فرصة تجسيد لموضوعة « زينب بعد مئات السنين « أجل فيوم أمتدت يد الإجرام لتنال من حسين عصره ، رعدت كالأعصار تهتف «الظليمة ... الظليمة ... « فكانت صيحتها كالصاعق ف يأوداج الجلاوزة و الأقزام حركت الجماهير ن أقصى العراق إلى أقصاه ، فاضطر الطغاة للإفراج عن أسد الإسلام و مشعل الدين العظيم صدر الأباة _ رحمة الله عليه _ و شاء الله أن تكون جسر اللقاء بين الحسن و أخته ، فأدت كلمتها و أعطت دمها و بذلك  ..فوز ما بعده فوز و رضوان دونه كل رضوان.

 

 

قبسات من ذاكرة الشهادة.. الشهيد ابو حسن السبتي في سطور

بقلم/ كاظم يوسف التميمي/اريزونا /امريكا

ولد المفكر الاسلامي الداعية المخضرم المهندس محمد هادي السبتي في مدينة الكاظمية عام 1930 ولده الكاتب الاسلامي العلامة الشيخ عبد الله السبتي جده لامه هو المجتهد والباحث المعروف السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي اللبناني ،انها كلية الهندسة في بغداد فرع الكهرباء وشغل وظيفة رئيس مهندسين في محطة كهرباء بغداد خلال الستينات نشط في العمل الاسلامي المنظم في الخمسينات ايام الحكم الملكي في العراق اعتقلته سلطة نوري سعيد بسبب نشاطه الاسلامي واودعه معتقل في نقرة السلمان لعدة اشهربعد قيام ثورة 14 تموز 1958 التقى مع نخبة من العلماء المتحسسين لسوء اوضاع الامة الاسلامية واخرين من اصحاب التجربة في العمل الاسلامي حيث اسس الجميع حركة الدعوة الاسلامية التي خرجت من النور عام 1959 م .وفي عام 1966 سافر الى امريكا في بعثة دراسية لمدة 6 اشهر كان من خلالها ينشر مقالاته الفكرية باسم ابو سلام في جريدة سياسية الكويتية التي كانت في ذلك الحين اسلامية التوجه ويراس تحريرها الاستاذ عبد الرحمن الولايتي . في عام 1973 اقتحمت منزله في شارع فلسطين في بغداد مدرعة عسكرية مع مجموعة من الامن البعثي لاعتقاله الا انه كان اثنائها في سوريا عائدا في طريقه من لبنان الى العراق حيث نصح بالبقاء في لبنان فلبث في هذه الفترة انتقل بعدها من الاردن واستقر في مدينة الزرقاء وعمل مديرا لمحطة الطاقة الحرارية في الزرقاء تم اعتقاله من قبل السلطات الاردنية وبتاريخ 1981 بطلب من المخابرات العراقية التي طالبت بتسليمه اليها بعد ان قدم برزان التكريتي مديرا للمخابرات في وقتها الى الاردن لهذا الغرض وهو يحمل رسالة خاصة من المقبور صدام تحركت اوساط اسلامية وشخصيات عديدة من خارج الاردن لثني الحكومة الاردنية عن قرارها بتسليم ابي حسن الا انها اصرت على تسليمه الى السلطة العراقية.. بعد انهيار سلطة البعث تبين من خلال العثور على بعض السجلات في مديرية الامن العامة ان ابا حسن قد استشهد عام 1988 ودفن جثمانه في ابي غريب وقد ثبت في موقع الدفن لوحة تحمل رقم 177 . يعتبر الشهيد ابو حسن السبيتي المنظر الفكري والسياسي الرئيسي للدعوة الاسلامية ففي الاردن صدر كتاب مقالات اسلامية وبيع في الاردن وهو يتضمن المواضيع الفكرية التي اصدرتها الدعوة في العراق كما كتب في الاردن صوت الدعوة من العدد 20 الى العدد 32 وكانت تطبع في لبنان كما كتب في الاردن كذلك سلسلة ابحاث اضواء على المسيرة تحت عنوان مقدمة معالم المسيرة الحضارية في الاسلام ودراسة الوقت والعمل وغيرها وفي عام 1400 هـ كتب حديث الدعوة الى جميع الناس في الاقليم العراقي وبحث القراءة الكونية ودروس من عالم النبات ورسالة المسجد بصورة عملية من القران والمهاجرون والراق في مهب الرياح دولية والهزات الاجتماعية والعملي السياسي والثقافة السياسية اضافة الى مواضيع وابحاث عديدة اخرى. كما سبق ان اثرى الحركة الاسلامية عندما كان في العراق في الكثير من الانتاج الفكري الذي طبع اغلبه في كتاب ثقافة الدعوة في اربعة اجزاء من القطع الكبير ففقد الباقي بسبب ظروف المحنة التي مرت بها الدعوة في العراق وبعد اعتقاله في الاردن وجدت بين اوراقه مسودة موضوع اوراق حمراء وهو اخر ما كتبه ولم يطبع ..

 

 

خادم رسول الله (ص)..حبيب بن مظاهر الأسدي (رضوان الله عليه)

هو حبيب بن مُظهر (أو مظاهر) بن رئاب الأسدي الكِنْدي، ثمَّ الفقعسي، ويُكنَّى بـ(أبي القاسم)، و يقال له : سيِّد القُرَّاء. وكان ذو جَمال وكمال، وفي وقعة كربلاء كان عمره 75 سنة، وكان يحفظ القرآن الكريم كلّه، وكان يختمه في كلِّ ليلةٍ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.

أهم ما يميز هذا الشهيد العظيم أنه قام في الأيام الأخيرة بمحاولة لتجنيد بعض رجال بني أسد الذين كانوا يقطنون في منطقة قريبة من ساحة المعركة المرتقبة أملاً في أن يدعموا النهضة المباركة للإمام الحسين (عليه السلام).

صحبته : رَوى صاحب كتاب (مجالس المؤمنين) : إنَّه تشرَّف بخدمة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وسمع منه أحاديث، وكان معزَّزاً مكرَّماً بملازمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقال صاحب (مجالس المؤمنين): حبيب بن مظاهر الأسدي محسوب من أكابر التابعين. فنزل حبيب (رضوان الله عليه) الكوفة، وصحبَ علياً (عليه السلام) في جميع حروبه، فكان من خاصَّته، ومن أصفياءِ أصحابه وحَمَلة علومه. وجاء في المعين على معجم رجال الحديث : وزاد البرقي : ومن شرطة خَمِيسِه. فإنَّ أقل درجاته أنه من شرطة الخميس، وهي وحدها تكفي لإثبات جلالته ووثاقته. فثبت أنه (رضوان الله عليه) من أصحاب الأئمّة علي والحسنين (عليهم السلام)، وروى عنهم، وهو من الرجال السبعين الذين نصروا الإمام الحسين (عليه السلام)، ولقوا آلاف الرجال بأنوفهم الحميَّة، واستقبلوا الرماح بصدورهم المفعمة بالإيمان، وجابهوا السيوف بوجوههم المشرقة. فكانت تُعرَض عليهم الأموالُ والأمانُ فيأبون و يقولون : لا عذرَ لنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إنْ قُتِل الحسين ومنَّا عين تطرف. حتى قُتلوا جميعاً بين يديه، يذبُّون عنه بكربلاء التضحية والفداء، في اليوم العاشر من المحرَّم الحرام، من سنة (61 هـ).

بين حبيب وميثم ورشيد (رضوان الله عليهم) : قال الكشِّي في حبيب بن مظاهر : جبرائيل بن أحمد [ يرفع الحديث إلى فُضيل بن الزبير ] : مرَّ ميثم التمَّار على فرس له، فاستقبل حَبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد، فتحدَّثا حتَّى اختلفَتْ أعناق فرسيهما. ثمَّ قال حبيب : لكأنِّي بشيخ أصلع، ضخم البطن، يبيع البطِّيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حُبِّ أهل بيت نبيِّه (عليهم السلام)، يُبقر بطنه على الخشبة، فقال ميثم : و إنِّي لأعرف رجلاً أحمر، له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيِّه (صلى الله عليه وآله)، فيُقتل، ويُجال برأسه في الكوفة. ثمَّ افترقا، فقال أهلُ المجلس : ما رأينا أحداً أكذبُ من هذين. فلم يفترق أهل المجلس حتَّى أقبل رشيد الهجري فطلبهما، فسأل أهل المجلس عنهما، فقالوا : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا. فقال رشيد الهجري : رحم الله ميثماً، ونسي (ويُزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مِائة درهم)، ثمَّ أدبر. فقال القوم : هذا والله أكذبهم. فقال القوم : والله ما ذهبت الأيَّام والليالي، حتى رأينا مَيثماً مصلوباً على دار عمرو بن حُريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر قد قُتل مع الإمام الحسين (عليه السلام)، ورأينا كُلَّ ما قالوا. من مواقفه المشرِّفة : قال أهل السير : جعلَ حبيب ومسلم ابن عوسجة يأخذان البيعة للإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة، حتَّى إذا دخلها عُبيد الله بن زياد وخذَّل أهلها عن مسلم بن عقيل، وتفرَّق أنصاره، حبسهما عشائرهما وأخفياهما. فلمَّا ورد الإمام الحسين (عليه السلام) كربلاء خرجا إليه مختفيين يسيران الليل ويكمنان النهار حتَّى وصلا إليه. وروى الطبري : ثمَّ دعا عمر بن سعد قرَّة بن قيس الحنظلي، فقال له : وَيْحك يا قرَّة، القِ حسيناً فسله ما جاء به، وماذا يريد ؟ فأتاه قرَّة بن قبس، فلمَّا رآه الإمام الحسين (عليه السلام) مقبلاً، قال : (أتَعْرِفُونَ هَذَا ؟). فقال حبيب بن مظاهر : نعم، هذا رجل من بني حنظلة، تميمي، وهو ابن أختنا، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد. فجاء حتى سَلَّم على الإمام الحسين (عليه السلام)، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال الإمام الحسين (عليه السلام) : (كَتَبَ إليَّ أهلُ مِصْرِكُم هذا أن أقدِمَ، فأمَّا إذا كَرِهُوني فَأنَا أنْصَرِفُ عَنْهُم). ثمَّ قال حبيب بن مظاهر : وَيْحَكَ يا قرَّة بن قيس، إنَّما ترجع إلى القوم الظالمين، أُنصُر هذا الرجل الذي بآبائه أيَّدك الله بالكرامة وإيَّانا معك. فقال له قرَّة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي.

شهادته : خرج حبيب بن مظاهر الأسدي (رضوان الله عليه) يوم الطفِّ وهو يضحك، فقال له برير بن حصين الهمداني - وكان يقال له : سيِّد القُرَّاء - : يا أخي، ليس هذا ساعة ضحك. فقال له حبيب : وأيُّ موضِعٍ أحقُّ من هذا بالسرور ؟! والله ما هذا إلاَّ أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانِقُ الحور العين. ولمَّا أصبح الإمام الحسين (عليه السلام) يوم العاشر من المحرَّم الحرام، سنة (61 هـ)، عبَّأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، فجعلَ زُهَير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطَى رايتَه العبَّاسَ أخَاهُ (عليه السلام). ولمَّا رمَى عمر بن سعد بسهمٍ نحو الإمام الحسين (عليه السلام)، ارتَمَى الناس وبدأ القتال، وحينما صُرع مسلم بن عوسجة الأسدي، مشى إليه الإمام الحسين (عليه السلام) وحبيب بن مظاهر الأسدي، فَدَنا منه حبيب فقال : عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشِرْ بالجنَّة. فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشَّرَكَ الله بخير. فقال له حبيب : لولا أنِّي أعلم أنِّي في أثرك، لاحِقٌ بك من ساعتي هذه، لأحببتُ أن توصيَني بكلِّ همِّك حتَّى أحفظك في كلِّ ذلك. فقال له مسلم : بل أنا أوصِيكَ بِهَذا رحمَكَ الله - وأهوى بيده إلى الإمام الحسين (عليه السلام) - أن تموتَ دونه. فقال له حبيب : أفعلُ ورَبُّ الكعبة. وقاتل حَبيب قتالاً شديداً، فحمل عليه بديل بن صريم العقفاني، من بني عقفان من خزاعه، فضربه حبيب بالسيف فقتله. وحمل عليه آبر من بني تميم فطعنه، فوقع حبيب (رضوان الله عليه)، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف، فوقع ونزل إليه التميمي آبر فاحتزَّ رأسه. روى أبو مخنف : حدَّثني محمد بن قيس قال : لمَّا قُتل حبيب بن مظاهر هَدَّ ذلك حسيناً، وقال : (عِنْدَ الله أحْتَسِبُ نَفْسي وحُمَاة أصْحَابِي). وفي بعض المقاتل : (للهِ دَرُّكَ يَا حَبِيْب، لَقَدْ كُنْتَ فَاضِلاً، تَخْتُم القرآنَ في لَيلْةٍ واحِدَة). أهم ما يميز هذا الشهيد العظيم أنه قام في الأيام الأخيرة بمحاولة لتجنيد بعض رجال بني أسد الذين كانوا يقطنون في منطقة قريبة من ساحة المعركة المرتقبة أملاً في أن يدعموا النهضة المباركة للإمام الحسين (عليه السلام) فاستأذن الإمام في ذلك وحيث أذن له الإمام خرج إليهم حبيب ابن مظاهر الأسدي وبعد أن عرَّفهم بنفسه على أساس أنه سيد قبيلة بني أسد وزعيم كبير من زعمائهم تصور الجميع انه سوف يستنهضهم بمنطق الصراع القبلي والمفاخرات العشائرية ويلهب فيهم روحاً تواقة للحرب إلا أنه لم يفعل ذلك بل قام فيهم خطيباً وأوضح لهم أهمية الرسالة التي من اجلها جاء ويكشف لهم عن أهمية الإسهام في الثورة الحسينية لنصرة السبط الأعظم لخاتم الأنبياء والمرسلين قال: (إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه أبداً.. وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته، تناولا بها شرف الدنيا والآخرة، فإني أقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عليين فنهض عبد الله بن بشر الأسدي، كأول من استجاب وقال: (أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة). كانت له مواقف ممتازة جداً في نصرة مسلم بن عقيل، وأخذ البيعة للإمام الحسين (عليه السلام) أما عندما قتل مسلم وهاني بن عروة اختفى في بيته وبين عشائره فراراً من السلطة الغاشمة. لكن ما أن ورد إليه رسول الحسين يخبره بنزول الإمام في كربلاء خرج ومعه غلامه متخفياً حتى وصل كربلاء قبل اليوم العاشر من المحرم فكانت له بين يديه مواقف بطولية وتركت أثراً واضحاً في نفس الإمام الحسين (عليه السلام) خصوصاً بعد استشهاده. وعلى حد تعبير المؤرخين: (لما قتل حبيب هد مقتله الحسين ((عليه السلام))) وما أروع الخطاب التأبيني لسيد الشهداء في حقه قال: (احتسب نفسي وحماة أصحابي، ثم قال لك ردك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة). وفور وصول حبيب إلى كربلاء اتجه إلى خيمة الحسين (عليه السلام) واستقبله الحسين (عليه السلام) وخرج بقدومه، وظل حبيب قريباً من الإمام (عليه السلام) إلى آخر لحظة. وعندما حان موعد صلاة الظهر طلب الإمام الحسين (عليه السلام) من الأعداء الكف عن القتال لأداء الصلاة، وفي أثناء استعداد الإمام (عليه السلام) لأداء الصلاة نادى أحد قادة عسكر ابن زياد المدعو الحصين بن نمير فناداه الحصين ابن نمير ـ عليه اللعنة ـ قائلاً: صلّ يا حسين ما بدا لك فإن الله لا يقبل صلاتك. فأجابه حبيب بن مظاهر: ثكلتك أمك، ابن رسول الله صلاته لا تقبل وصلاتك تقبل يا خمّار؟! فقال الحسين لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدّما أمامي حتى أصلّي الظهر. فتقدّما أمامه في نحو نصفٍ من أصحابه حتى صلّى بهم صلاة الخوف، وسعيد تقدّم أمام الحسين فاستهدف لهم فجعلوا يرمونه بالنبال كلّما أخذ الحسين يميناً وشمالاً قام بين يديه فما زال يرمى إليه حتى سقط على الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود، اللهم أبلغ نبيّك عني السلام. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنني أردت بذلك نصرة ذرّية نبيّك ثم مات رحمه الله.

 

 

الشهيد السعيد سعدون الربيعي

في يوم 19/11/1979م ، و بينما كان الشهيد يلقي دروسه التعليمية في إحدى مدارس بغداد الثانوية حيث كان يعمل كمدرس للغة الإنجليزية ، وبعد يوم واحد فقط من رجوعه من بيت الله الحرام القي جلاوزة البعث المرعوبون القبض عليه و اقتادوه إلى مديرية الأمن العامة في بغداد . هناك اتهموه بتفجير أحدى القنابل و الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية المباركة ، ولكي يرغموه على الاعتراف بما يطلبون منه بدأوا بتعذيبه عذاباً شديداً قاسياً تجاوز حدود الإنسانية و همجية ، و أعاد صورة التعذيب الوحشي في القرون الوسطى ، و لم يكن ذلك جديداً على الشهيد السعيد ، بل كان يتوقع من أزلام البعث المجرم أكثر من ذلك و خاصة و أنه من الذين سلكوا درب الدعوة الإسلامية ، طريق ذات الشوكة الصعب العسير الطويل . 30يوماً في زنزانات البعث الظالم ن قضاها الشهيد تحت التعذيب حرقوه بالكهرباء ، وكسروا مفاصله و قلعوا عينيه و علق في المروحة الكهربائية و ضرب حتى الإعياء . تحمل كل هذا و صبر لئلا ينال إخوانه المجاهدين في خارج السجن الصغير الذين يعملون بكل شجاعة و صبر و حذر أي سوء أو مكروه ز وليس غريباً على أبن الحركة الإسلامية المجاهدة أن يتحمل مثل هذا ، فلقد علمته السنين الجهاد الطويلة كثيراً من دروس الثبات و التضحية و الفداء ، في سبيل عقيدته و مبادئه العظيمة الخالدة .  

الزيارة المستعجلة : في يوم 17/12/1979م ن اتصل أعوان السلطة البعثية الجائرة بزوجة الشهيد و طلبوا منها الحضور لمقابلة زوجها في أبي غريب المركزي للأحكام الثقيلة ، ولم تكن المغلوبة على أمرها تعلم شيئاً خلال فترة اعتقال زوجها البطل ، فلقد اعتاد جلاوزة البعث أن يكتموا أي اخبر عن المعتقلين في سجونهم الرهيبة ، مخالفين بذلك كل قوانين العالم المعاصر و كل أعراف الإنسانية . و استجابت زوجته ، و أخذت معها أطفالها الثلاثة ( إحسان و زينب و شيما ) و حين دخلت عليه و جدته من وراء القضبان فرحاً مستبشراً وباسماً كأنه في فردوس متحدياً بذلك كل آلام الدهر و همومه ، وطاوياً كل تحديات المتفرعنين الأوباش و مستهزئاً بكل عنترياتهم الجوفاء و بأفكارهم المنخورة . اندهشت زوجته حين شمت رائحة عطرة تنبع ثمن زوجها الطاهر ، و تعجبت من هالة الوقار و الهيبة الذي يحيط بوجهه ، و هو الراض بقضاء ربه المستسلم لقدرة ، لقد كان مشهداّ مثيراً لم تعتد المرأة أن ترى زوجها فيه ، رغم طول مكوثها معه تلك السنين الطوال . و أجابها الشهيد بكل صبر و اطمئنان:

 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون

و أضاف رحمة الله عليه :  لولا الجلاوزة على رأسي ، يرقبون تحركاتي ، لكبرت بأعلى صوتي  من شدة فرحتي بلقاء ربي و أنا صائم ، و في الجنة التي وعد بها المتقون التقي مع الشهداء و الصديقين بإذن الله .

لقد كان الشهيد صائماً لثلاثة أيام ، وقد أقسم أن يستمر في صومه حتى ينفذ حكم الإعدام الجائر فيه و في إخوانه المجاهدين الذين حكموا معه ظلماً و جوراً ، لقد أسم أن يرحل ن إلى ربه صائماً صابرا. و استرسل الشهيد السعيد يوصي زوجته العزيزة ، و رفيقة دربه ، التي تحملت بدورها مصاعب الجهاد و هي مقبلة على تأدية دور زينبي في مجتمعها ، الوصية الأخيرة و يودعها الوداع الأخير ، أوصاها : بأن لا رهبانية في الإسلام ، و أن تكمل المسيرة الجهادية في حياتها الدنيا ، لتلتقي به يوم القيامة ، إن هذا طريق الجهاد و أن الجنة مأوانا ، و أني لا أحب أن يدب اليأس في نفوسكم . و وسط أجواء الفرحة بقرب لقاء الله و الحزن و الألم على فقد الأحبة ، ووسط الدموع و الآهات و الحسرات ، انتهى زمن المقابلة ، و رجعت زوجته إلى دنياها الفانية و رحل الشهيد السعيد إلى دنياه السرمدية الخالدة في جوار العزيز المكين .

و في نفس يوم المقابلة المصادف 19/112/1979م ، نفذ جلاوزة البعث الذين لا يعلمون علام يقاتلون أولياء الله و أحباءه ، و الذين تعودوا أن ينفذوا ما يؤمرون به طوعية و كرها ، نفذوا حكم الإعدام به و بإخوانه المجاهدين الأبطال ، و كان الشهيد السعيد يردد كلام الله المجيد : الجثمان الطاهر : بعد تنفيذ الحكم الجائر في يوم 19/12/1979م ، حين نال الشهيد أمنيته السامية التي لا ينالها إلا ذو حظ عظيم ، ألا و هي الشهادة الرفيعة ، لم يسلم جثمانه الطاهر إلا بعد ثمانية أيام من تاريخ استشهاده ، و بالضبط في يوم 27/12/1979م ، ثم حجزت أمواله المنقولة و غير المنقولة و اعتقلت زوجته و أطفاله ، و قسم من عائلته المفجوعة بولدها ، و مكثوا في مديرية الأمن العامة فترة من الزمن ثم أطلق سراحهم ، و ماهي إلا أشهر معدودة ، حتى تم تهجيرهم قسراً إلى إيران ، لقد رحل الشهيد تاركاً زوجته و أطفاله الثلاثة اليتامى ، ليبقوا أثراً يشار إليه بالبنان ، بأنهم أبناء من تحدى الطاغوت و صمد في وجه فرعون العراق المقبور و أزلامه البعثيين الطغاة .و قد كل شيء حتى دمه الزكي فداء لعقيدته و إسلامه العزيز ، وأرسى في طريق ذات الشوكة دعامة قوية يسير عليها المجاهدون ، حتى يبلغوا الهدف المنشود ، ألا و هو ألا و هو رضى الله تعالى.

 

 

الشهيدة أمل خزعل حسن محمد الحمزاوي البلداوي

تاريخ الولادة: 1950 م

المستوى الدراسي: ربة بيت

تاريخ الاستشهاد: 1983 م

سبب الاستشهاد: لإعتقال جميع أفراد عائلتها

لم يترك نظام البعث باباً من أبواب العراقيين الشرفاء الرافضين لسياسته الدموية إلا طرقها وزرع الرعب والخوف والجوع بين أبناءها، سنين المأساة التي عاشتها المرأة العراقية والبلداوية بشكل خاص حيث الأبن والأخ يساق الى ساحات القتنال والأب يعتقل ومعه الأطفال وبدون سبب بعض الأحيان، وبساتين جرفت وبيوت هدمت وأموال سرقت وطائرات تقصف البيوت الآمنة هل عرف العراقيين القصف بالطائرات للبيوت الآمنة وبدون إعلام، والتسمم لشبابنا بشراب البيبسي، هذه ما جرى على مدينة بــلــد بأشهر معدودة في ثمانينات القرن الماضي ولم تكن شهيدة الغربة أمل خزعل بنت الشهيد خزعل وأخت الشهيد مالك والشهيد الأستاذ عبد الحسين والشهيد مظفر إلا واحدة من نساء الله اللاتي تم إعتقالهن وإيداعها معتقل الخوف والموت والرعب معتقل (الشيحات) في السماوة ألقي عليها القبض مع أفراد عائلتها في ليلة 14 / 7 / 1982 وهي تصارع المرض المزمن تمثلت حياتها بالبساطة والتواضع، قليلة الكلام، محبة للخير لأنها من عائلة عرفت بالجود والكرم وعاشت بين أخوانها وكلهم من المثقفين ومحبي العلم. حل شتاء 1983 البرد على أشده ولا وجود لغطاء يحميهم ولا وسائل تدفئة البيوت التي يسكنوها شبابيكها مغطاة بقطع من الكارتون التي سرعان ما تتطاير إثناء هبوب العواصف الرملية، التغذية السيئة جداً والتي لا تتعدى سوى المعلبات التي إنتهى تاريخ إستعمالها.. إجتمعت العوامل المساعدة للتعجيل بالموت على هذه الشهيدة إضافة لمرضها المزمن، توفيت في الصحراء وتولت مديرية بلدية السماوة (أمر دفنها في منطقة البصية) وتم إبلاغ النسوة المعتقلات أنهم أرسلوها الى قضاء بـــلـــد وهذه ميزة البعثيين الخراصون. رحلت شهيدة الغربة أمل عنا وهي تعاني عذاب المرض والغربة والجوع وبين جلاوزة أمن النظام الذين لم يعرفوا معنى كلمة إنسان / سود الله وجوههم في الدنيا وسود الله وجوههم في الآخرة يوم تبيض وجوه المؤمنين الذين وعدوا بجنات الخلود فسلام من الله عليك ياشهيدة الغربة أمل يوم ولد ويوم إستشهدت مظلومة ويوم تبعثين مع الأحياء..

 

 

الشهيد عبدالامير شنيشل حسين

تاريخ الولادة: 1956 م

المستوى الدراسي: -

تاريخ الاستشهاد: -

سبب الاستشهاد: الالتزام الديني

قبسات من حياة الشهيد:

الشهيد البطل عبدالامير شنيشل حسين وهو ملاحظ في نفط ميسان في نفط ميسان حيث كان ملتزم دينيأ ونتيجة القاءات والمحاظرات في النجف الاشرف على يد العالم الديني العروبه كان الشهيد الكبير الشهيد محمد باقر الصدر رض حيث حصل عى جز من علومه ومعرفته وبعد المراقبه الشديده من قبل مديرية امن ميسان حيث تم لقا ء القبض عليه في شركة نفط ميسان و اعدم فتره وجيزه في سنة  1981 فقد عم هذا الحدث على عائلته حيث تم استدعائهم عده مرات في مديريه امن ميسان علما لم يعثر لحد الان على جثة لكن الله سبحانه وتعالى ذكر الشهداء في القران الكريم(ولا تحسبن الذين قتلو في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون) صدق الله العلي العظيم

الشهيد المجهول….؟

مكان الميلاد: أي مكان من عراقنا المظلوم.

• زمان الميلاد: أي لحظة حب امتدت فيها الأيدي الحنونة لتتلقف الوليد الجديد، وأي لحظة تطاولت فيها أصابع لتحاصر هذه الضحية بالخوف والقسوة.

• طلاب من شتى المراحل الدراسية حتى من رياض الأطفال.

• نساء كريمات من شتى الأعمار.

• شباب ضلوعهم متفتحة لنسمات الأمل ورجال مليئون بالعزم والقوة.

• شيوخ وعجائز مترعون بالتقى والطهر والحب.

أفواجا أفواجا يدخلون الزنازين، لماذا؟ لأن حيواناً متوحشاً قذراً اسمه صدام أراد ذلك... سلبوا من أحضان أحبابهم بصمت...ادخلوا السجون البعثية بصمت. حوكموا بكلمات بذيئة وانتهاك لكل المقدسات، دقائق وينتهي كل شيء. صلاة ودعاء ومشنقة وطلقة وترتفع الأرواح الطاهرة إلى الفردوس الأعلى.... مجزرة رهيبة نفّذها البعثيون بصمت ودون إعلان. من يدري؟ الدلالة الوحيدة هي تسليم الجثة الي ذوي الشهيد، و لكن أذا لم تسلم الجثة فمن يدري؟ من يدري؟ والسؤال، مجرد السؤال عن المعتقل « يؤدي إلى اعتقال السائل. والجثث لا تسلم إلى الأهل والأحباب. فمن يدري؟ كلهم اعدموا، دون إعلان، ولم تسلم جثثهم الي أهلهم، فمن يدري؟ شهداء الكُرد في الأنفال، وشباب الكُرد الفيلية في قلعة السلمان، قانون إعدام الدعاة، شهداء آل الحكيم، وأحرار الحزب الشيوعي الذين قضوا في معتقلات البعث.. لم تسلم جثث هؤلاء، فمن يدري؟ ربما كانت المصادفة عاملاً على اكتشاف بعض المقابر الجماعية في أطراف بغداد والبصرة والناصرية وغيرها من المدن العراقية، كانت إحدى هذه المقابر الجماعية تضم خمسين جثة مقطّعة الرؤوس... في حين حوت مقبرة المحاويل في بابل أكثر من خمسة عشر ألف جثة، بعضها لأطفال ونساء وشيوخ.. أتدرون ماذا حوت أيضا.. أكثر من عشرين راكباً في سيارة من نوع (كوستر) دفنوا مع سيارتهم !! فمن يدري ؟ كل واحد من هؤلاء شهيد مجهول يستصرخ قادة العراق الجديد أما آن الأوان أن تكشفوا عن القتلة الذين وقفوا مع الطاغية المقبور، أما آن الأوان بمحاكمة هؤلاء، أما آن الأوان بتنفيذ حكم الإعدام بمن ساهم بانشاء هذه المقابر الجماعية !! إنا وإياكم منتظرون !!

 

 

الشهيد السعيد عبد الحميد ثامر عيدان

الشهادة نعمة عظيمة لا ينالها إلا الذين بلغوا مرتبة عالية من الإيمان ن و تحقق في أنفسهم الإخلاص الكامل لرسالتهم و الولاء المطلق لعقيدتهم ، فالشهيد حر لأنه استطاع أن يحطم القيود التي وضعها الطاغوت على يديه ، و كسر الأغلال و الأصر التي على قلبه ، فانطلق متحرراً نحو خالقه تعالى . و الشهيد أشجع الناس ، لأن غاية الجود هي بذل أعز ما يملك الإنسان و أغلى شيء في الوجود عند الإنسان نفسه ، و الشهيد جاد بنفسه و أراق دمه لأجل رسالته و لم ينثن أو يكب أو يتردد أنملة . لقد سقت لحركة الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي مسيرتها بالدماء الغزيرة ، و هي لا تبخل يوماً بأن تجود بخيرة أبنائها البررة في طريق ذات الشوكة ، في صراعها مع قوى البغي و الضلال و التكفير و الإرهاب . و شهيدنا الغالي أبو عمار واحد من أولئك الأفذاذ في ارض الرافدين ، الذين صعدوا إلى القمة ، ونالوا الفوز الأكبر في عملهم في سبيل الله الذي تكلل بالشهادة و الظفر . لقد كان الشهيد أبو عمار من القلائل الذين استولى على ساعات يومهم العمل في سبيل الله ، وليس لهم غاية سوى مرضاة الله ، و كل خطواتهم في طاعة الله .نعم لقد هذا حاله ( رحمة الله عليه ) في كل مكان حل فيه ، و في أي وقت كان يشاهد فيه ن لقد رايته يوماً يقطع طريقاً طويلاً مشياً على أقدامه مع ثلته من إخوانه ، ذاهباً إلى قرية نائية من القرى الجنوبية ، التي تراكم عليها الإهمال و النسيان طيلة عشرات السنين ، و بعد أن يصلها يبدأ يتحرك بين أهلها من خلال بعض إخوانه فيها ، ثم يتفاعل مع أهلها و يقيم بين ظهرانيهم ، و يكرر الزيارات لكي ينشر الهدى و النور بينهم و يحولهم إلى قاعدة للإيمان و الهدى .و هكذا كان هذا دينه و حاله ، فمرة يسافر إلى الناصرية ليتوجه نحو بعض القرى البعيدة فيها ، و مرة إلى الديوانية ، و مرة إلى الحلة و غيرها .أنه كان يعيش في كل أيامه مع المحرومين من أبناء عراقنا الجريح ، ووسط المستضعفين لأنه احدهم ، حيث ولد في أحدى قرى مدينة غماس عام1952م ، و تربى في أحضان جده لأبيه الحاج عمران ( رحمه الله ) الذي كان أحد أولئك المجاهدين الذين جاهدوا الإنجليز المستكبرين حين احتلوا العراق ، و أحد أبطال ثورة العشرين التي قادها علماء الدين في العراق .

و بعد أن أنهى دراسته الابتدائية و المتوسطة في غماس ، انتقل إلى إعدادية الزراعة في مدينة الديوانية ، و برز في بداية السبعينيات عاملا فعالا في سبيل الله ن و كان قد انخرط في صفوف حزب الدعوة الإسلامية المباركة في تلك الأيام و طيلة ثلاث سنوات أمضاها هناك ،كان إمام جماعة في مسجد المدرسة ن حيث كان يعقد الندوات الإسلامية في مصلى المدرسة ، حيث كان يعقد الندوات الإسلامية في مصلى المدرسة و يحاضر فيها ، و يجيب على مختلف الأسئلة . و كان مهتماً في تدريس إخوانه فكر المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر ( رحمة الله عليه ) و بالأخص كتاب « اقتصادنا « حتى أصبح معروفاً في وسط المدرسة أن مدرس مادة الاقتصاد و كان متخرجاً من إحدى البلدان الاشتراكية إذا دخل الصف ، لا يستطيع أن يدرس ما يريد ، و إنما يقف صاغراً أمام ما يطرحه الشهيد أبو عمار في نقد النظرية الماركسية و تزيفها ، و استطاع شهيدنا الغالي أن يحصن إخوانه من الطلاب من كل الشبهات الفكرية ، التي يثيرها الماركسيون و البعثيون، وكل المتأثرين بالفكر الغربي المناهض للإسلام ، حتى أن الطلبة المؤمنين كانوا هم الأقوى مركزاً و الأكثر نشاطاً ، و الأكبر عداداً و الأصلب موقفاً في المدرسة . وبفضل الجهود المباركة لشهيدنا العزيز و إخوانه ،تخرج من إعدادية زراعة الديوانية عدد كبير من المؤمنين ، توظفوا في مختلف المشاريع الزراعية في العراق ، و كان لهم امتداد واسع في الوسط الفلاحي .

 

 

فنارات..الفيلية...تأريخ من الألم

علي الخياط

توزع الاكراد في الكثير من دول العالم، ولكن اكثر عدد منهم تجمع في تركيا وايران والعراق وسوريا ، وكان الكرد يعيشون في هذه البلاد تحت نير الظلم والاضطهاد ، ومنذ بداية القرن العشرين تصاعد المد القومي للاكراد ، ففي تركيا اصدر (كمال اتاتورك) قرارا بحضر اللغة الكردية ، وقمعت خلالها العديد من الانتفاضات الشعبية بوحشية وعنف ، اما في العراق وبعد عقد من الكفاح المسلح بحثا عن الحكم الذاتي تعهدت الحكومة العراقية -عام 1971- بمنح تمثيل سياسي للاكراد مقابل وقف اطلاق النار ..لكن هذا التعهد لم يجد طريقة الى حيز التنفيذ . تعرض الكرد وخاصة (الفيلية) الى سياسة التطهير العرقي من قبل النظام الدكتاتوري البعثي ، وفق خطة مدروسة وضعتها المخابرات الصدامية لتستهدف بالدرجة الاساس الكرد الشيعة (الفيلية) وصدرت العديد من القرارات الجائرة بحقهم، حيث صودرت مساكنهم واراضيهم وممتلكاتهم بقسوة وعنف شديدين، وعاش الفيلية في كابوس مرعب ومرير، من ظلم واضطهاد وتشريد وتهجير واشد انواع التطهير العرقي في التاريخ الحديث ، اليوم وبعد ما يقرب من سبع سنين على سقوط حكم الدكتاتورية البغيضة ... عادت مئات العوائل الفيلية من المنفى الى احضان الوطن ، تاركة خلفها ذكريات انهم تعرضوا للقسوة اكثر من غيرهم ابان حكم المقبور صدام وعصابته ، فاتحين قلوبهم لنسائم بلادهم ،ولكنهم صدموا بالحواجز والعراقيل التي تمنع عودة حقهم السليب وتضع العصا في عجلة اندماجهم بوطنهم من خلال قرارات جائرة وروتين ممل ووصل الامر الى اتهامهم من قبل البعض (الطائفيين) بانهم ليسوا عراقيين ، وهذا هو الظلم بعينه ،ان الكرد الفيلية عراقيون ابا عن جد والشعب مؤمن بذلك واضحى لا يود سماع هذه المصطلحات الغريبة العجيبة التي تخرق وحدته وتشق صفوف مواطنيه ، فالحقيقة التاريخية التي لا يستطيع احد انكارها ان العراق لكل القوميات والطوائف وهذه حقيقة لا يمكن جهلها او انكارها. ولايسعني هنا الا ان اذكر ماكتبه صديقي واخي الكاتب المشاكس(سليم سوزة)عن معاناة العوائل الفيلية وهذه قصة من المئات من قصص المعاناة التي تواجهها العوائل العائدة الى الوطن (( القصة تبدأ من عائلة قريبة(كما يقول سوزة)، التقيت بها قبل ايام في احدى بيوتات الفيليين،. ليُطلعوني على مرارة احساسهم بالغبن والتمييز بينهم وبين آخرين .. فقد سجن البعثيون هذه العائلة برجالها ونسائها واطفالها في نكرة سلمان، مدة سبع سنوات لكونهم لا يمتلكون شهادة جنسية البعث، تؤيد عراقيتهم، رغم انهم من حملة الجنسية العراقية قبل ان تلد (صبحة) بطل حواسم الحفر والمغارات .. حتى اُطلِق سراحهم عام 1989بقرار رئاسي، وقد جُرّدوا حينها من كل اوراقهم الثبوتية، ليكون كل ما في جعبتهم ورقة صغيرة، مُثبّت عليها هاتف ضابط استخبارات، يتصلون به في حال طلبت اي دورية عسكرية او امنية هوية ً شخصية لهم آنئذ. الغريب ان افراد العائلة وبعد خروجهم من سجن (النكرة) سيء الصيت، قد اُجبروا على دخول الجيش حينها، واكملوا خدمتهم الالزامية، لكن ذلك لم يشفع لهم في نظر السلطة ولم يجعل منهم عراقيين من الدرجة الاولى .. فقد ظلّ شبح التبعية الايرانية يطاردهم حتى في منامهم وظلّت قوات الامن ترسل في طلبهم وتعتقلهم كلما تذكّرتهم .. ولم تنتهِ هذه الحالة حتى عام 2003 اي عام سقوط ابن العوجة وجوقة طبّاليه، حيث تنفسوا ومعهم عموم العراقيين الصعداء بذلك السقوط واستبشروا مع الشرفاء خيراً بالعهد الجديد عسى ان يعوّضهم عن ما قاسوه ويُعيد لهم كرامتهم المُستباحة. المُحزن في الامر، بأن اللجنة التي شكّلها السيد رئيس الوزراء نوري المالكي والمؤلّفة من عدد من المستشارين مع قضاة وممثلين لمؤسسة السجناء السياسيين، لم تعتبر هذه العائلة المنكوبة بزلزال الارهاب الصدامي وبمقياس 9 حسب ريختر البعث، من السجناء السياسيين، بل سمّتهم (محجوزين سياسيين)، لانهم حسب ما تقول اللجنة اُوقِفوا بالحجز ولم يُسجَنوا سجناً كما البقية، وهذا يعني بانهم لا يستطيعون العودة الى دوائرهم تحت هذا العنوان، وليس لهم الحق بالمُطالبة بحقوقهم وامتيازاتهم، لانهم وحسب اللجنة (محجوزون سياسيون) وليسوا (سجناء سياسيين).

 

 

المدخل للفكر الأقتصادي..عند الشهيد محمد باقر الصدر...!!

جواد كاظم اسماعيل

قبل الولوج في الفكر الأقتصادي للشهيد محمد باقر الصدر لابد من لمحة سريعة عن نشأته وتأريخه العلمي حتى يتسنى لنا معرفة الركائز الأساسية التي أعتمد عليها هذا المفكر النادر،...ومن هنا نلج الى عالمه وبيئته التي أحتظنته وأثر هذه البيئة على هذا الينبوع المتدفق عطاءا وثراءا وعلى  كل المستويات..! ففي بداية العقد الرابع من القرن الميلادي بصر النور في سماء (الكاظمية) الضاحية الغربية لعاصمة العراق بغداد.... أنحدر من أسرة علمية عريقة، عرفت بنبوغها في مجالات العلوم الأسلامية المتنوعة . وقد تلقى مبادىء العلم في محيط أسرته. هذه الأسرة التي فقدت عميدها ولازال الأبن (محمد باقر الصدر) صبيا لم يستوف عقده الأول. فكان الفقر حظ هذه الأسرة. هذا الحظ الذي لم يثن السيد الشهيد الصدر من مواصلة سعيه في طلب العلم . ليحظى بما حظي به الأفذاذ في تأريخ البشرية . كان خياره من مجالات المعرفة  خيار سلفه من الأباء والأجداد فأتجه صوب مدينة النجف الأشرف، حيث كانت جامعتها مركز الثقل لكل حوزات العلوم الأسلامية في العالم أنذاك . تتلمذ بشكل أساس في مجالات الفقه وأصوله على يد السيد أبو القاسم الخوئي (قدس )  أما في  المجالات الأخرى فلم يعرف له أستاذ سوى (الفلسفة ) حيث ألتقى الشيخ (صدر البادكوبي) أحد أساتذة كتاب ( الأسفار الأربعة) لصدر الدين الشيرازي.. وقرأ معه هذا الكتاب . بدأ الشهيد الصدر في الأنتاج الفكري مبكرا فقبل سن الرشد كتب دراسة نقدية لمنطق أرسطو، لم يشأ نشرها . وفي نهاية العقد الثاني من عمره كانت له رسالة في علم أصول الفقه وظهرت له في هذه الفترة دراسة تأريخية حول (فدك). وفي نهاية عقده الثالث أخرج كتاب (فلسفتنا) ثم جاء بعده كتابه المشهور (أقتصادنا)، ف(البنك اللاربوي في الأسلام ) وكان عقده الرابع حكرا على كتاب ( الأسس المنطقية للأستقراء ) . الذي أخرجته المطابع بعد أستشهاده ...ثم توالت بحوثه في علم أصول الفقه والفقه في الظهور، هذه البحوث التي حرر جلها في عقده الثالث ثم أخذ بألقائها على طلاب العلوم الأسلامية في حوزة النجف الأشرف .  لكن أغلب مؤلفاته جاءت بأقلام تلامذته ولم تطبع جميعا تحت أشرافه . بل قدر لأغلب أبحاث علم أصول الفقه أن تطبع بعد رحيله . ..... وكان أخر محاولاته مجموعة محاضرات في فلسفة التاريخ التي ألقاها في أيامه الأخيرة ومجموعة كراسات تمثل تخطيطا عاما لنظام الحكم. أشبه ماتكون بمواد الدساتير وهناك محاولة في دراسة موسعة تكاد تكون تأسيسية في مجال دراسة العقيدة الأسلامية . هذه المحاولة التي كتب منها الشيء الكثير...  قد فقدت من ترائه أثر مصادرة النظام الصدامي المقبور لكل ممتلكاته التي لم تكن الأ كتبا وأوراقا وأثاثا منزليا باليا لاغير .ومن خلال ما تقدم فنحن أمام نتاج غزير في علم أصول الفقه والفقه،وأمام دراسات عميقة في مجال الأقتصاد الأسلامي التي يمثلها بشكل أساس  كتاب مؤلف( أقتصادنا).... والبنك اللاربوي في الأسلام وفي مجال الفلسفة والمنطق فأمامنا كتاباه( فلسفتنا) و(الأسس المنطقية للأستقراء) . ومن هنا نلحظ أن السيد الشهيد كان يسير بسياسة مستنيرة ومجددة تساير وتداري النهج التقليدي المسيطر على حوزة النجف الأشرف العلمية. متربصا الفرصة لكي يفجر الفكر الأسلامي في مجالاته الفسيحة الأخرى . لكنها كانت الخسارة .فقد أختطفته مطحنة الجلادين وهو في ذروة نضجه ولم تمهله الأقدار لكي يضع حجر الأساس لمشروعه السياسي في ميدان الدرس الفقهي عامة . هذا الطموح الذي تتطلع اليه الأجيال مع الأسف. وبعد هذه الأطلاله القصية لمسيرة الفكر المعطاء لدى الشهيد الصدر..يمكننا وبكل تواضع أن نلقي ولو بشكل يسير نظرة أستشراقية للفكر الأقتصادي عند الشهيد الصدر (قدس) وأبتداءا نقف عند كتابه (أقتصادنا) الذي صدر في عقد الستينيات، الكتاب  الرئيس الذي يجمع أفكار الشهيد الصدر الأقتصادية وأراءه ومنذ ذلك الوقت أعتبر هذا الكتاب مرجعا هاما للباحثين في الأقتصاد الأسلامي بالرغم من وصف الشهيد الصدر نفسه لكتابه هذا بالمحاولة البدائية مهما أوتي من النجاح وعناصر الأبتكار . .. أقتصادنا... يمثل محاولة تأسيسية قصد منها الشهيد الصدر تقديم صورة نظرية متكاملة للأقتصاد، منتظرا من العلماء والباحثين دراستها وتطويرها . وهي محاولة تأسيسية للأعتبارات الزمنية والعلمية معا . فمن حيث الأعتبار الزمني الزمني كانت المحاولة الأقدم من نوعها . أذ لم يسبق أحد الشهيد الصدر في هذا المضمار وتقديم صورة متكاملة ومتجانسة للمذهب الأقتصادي في الأسلام . أما على صعيد الواقع العلمي فهي حركة تأسيسية نظرا لتوفر عناصر الأبداع والأبتكار، مع الأحتفاظ بعنصر الأصالة الفقهية . وكان قد نبه عدد غير قليل من الباحثين الأسلاميين على هاتين الحقيقتين تحديدا . .. حيث كتب الدكتور محمد المبارك: تعتبر محاولة العلامة محمد باقر الصدر في رأيي محاولة جريئة من هذا النوع فهي خطت خطوات عظيمة وكانت دراسة علمية رائدة نأمل أن يقدم لنا الأخصائيون في الأقتصاد رأيهم فيها . كما يمكن أن يسهم الفقهاء الراسخون والمفكرون الأقتصاديون لاسيما الأسلاميون منهم في بحثها بأعتبارها مشروعا ناضجا يقدمه مفكر وفقيه كبير من علماء الأسلام المعاصرين) .. وكتب أيضا: أقتصادنا  للبحاثة الأسلامي المفكر السيد محمد باقر الصدر، وهو أول محاولة علمية فريدة من نوعها لأستخراج نظرية أقتصادية من وجهة نظر أسلامية من خلال الشريعة التي أستعرضها أستعراضا تفصيليا بطريقة جمع فيها بين الأصالة الفقهية ومفاهيم علم الأقتصاد ومصطلحاته . كما كتب أقبال أساريا مقالا في تحليل ونقد كتاب (الأقتصاد في الأسلام ) للبروفسور سيد نواب نقوي جاء فيه : يمثل أقتصادنا أولى المحاولات لعرض أطار نظري محكم للنظام الأقتصادي في الأسلام قائم على أساس جمع وتنسيق مختلف الأحكام الأسلامية ذات الأرتباط بتنظيم الحياة الأقتصادية ..هذه المحاولة التأسيسية التي قدمت رصيدا ضخما للباحثين في مجال أكتشاف المذهب الأقتصادي الأسلامي. ورغم مضي مايقرب على أكثر من ربع قرن على أنجازها،لاتزال أحداث الدراسات متواصلة في هذا المجال. لقد كان لصدور ( أقتصادنا ) منعطفا تأريخيا في طبيعة الصراع بين النظام الأسلامي والنظام الماركسي، أذ لم تكن الكتابات والبحوث التي سبقت أقتصادنا سوى أبواق للتشهير بالماركسية والنظام الأشتراكي في الأتحاد السوفيتي السابق . وتردد ماتدعيه الرأسمالية الغربية ... فقد حرك أقتصادنا طبيعة هذا الصراع الموهوم الذي يظهر فيه علماء الأسلام وكأنهم واجهات أعلامية للرأسمالية الغربية، ونقله الى الصراع الفكري الحضاري والموضوعي في أن واحد. وقد كانت هذه النافذة الأقتصادية نقلة نوعية في مجال الدراسات الأقتصادية الأسلامية . وذلك يعود الى أجتماع عناصر الأصالة الفقهية _ بأعتبارها أول محاولة ينجزها فقيه كبير من فقهاء الأسلام _ ومفاهيم علم الأقتصاد ومصطلحاته . كما تميزت هذه المحاولة بالعمق والشمولية كما هو المعتاد في  دراسة الشهيد الصدر وأبحاثه العلمية . مضافا الى بروز مظهر الأبتكار والأبداع في كتاب ( أقتصادنا) والذي مازالت تفتقر اليه معظم الدراسات الاسلامية في مجال الأقتصاد الأسلامي.

 

 

عاش كشمعة تتوقد وتشتعل وتنصر في بحور العلم والرسالة المحمدية

كان الامام الهادي يحمل الرمز الهاشمي العلوي ويمثل محوراً دينياً لا يمكن تجاوزه لد الإمام الهادي في نواحي المدينة المنورة، في قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر تسمى: صرّيا.وطبقا لروايات الشيعة فقد بشر رسول الله بولادة الإمام الهادي بقوله: (... وأن الله ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارة مباركة، طيبة طاهرة، سقاها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم وكل سرٍ مكتوم، من لقيه وفي صدره شيء أنبأه به وحذّره من عدوه...).وقد اختلف المحدثون في تاريخ ولادته: فقيل: وُلد في شهر رجب، ويؤيد هذا القول، الدعاء المروي عن الإمام الثاني عشر(اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب: محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب..).وذكر بان عياش إن ولادته كانت في الثاني من شهر رجب، أو الخامس منه، وقيل: (في الليلة الثالثة عشرة منه، سنة 214هـ، وقيل: 212هـ.وقيل: كانت ولادته في النصف من ذي الحجة، أو السابع والعشرين منه. 

منزلة الإمام في المدينة: تسلّم الإمام الهادي (ع) شؤون الإمامة فعلياً في عام 220ه وله من العمر حوالى ست سنوات. وقد مارس دوره التوجيهي كواحد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى وفي طليعة أهل العلم للتوجيه السياسي ومصدراً لقلق السلطة العباسية وقتذاك، فكان (ع): «خير أهل الأرض وأفضل من برأه الله تعالى في عصره» كما يقول أحد العلماء المعاصرين له. ولذلك تسالم علماء عصره وفقهاءه على الرجوع إلى رأيه في المسائل المعقّدة والغامضة من أحكام الشريعة الإسلامية. مما جعل من مدرسته الفكرية في مسجد الرسول (ص) في المدينة محجّة للعلماء وقبلة يتوجه إليها طلاب العلم والمعرفة انذاك وقد نقلت عن لسانه الشريف الكثير من الاراء الفقهية والعقائدية والكلامية والفلسفية من خلال أسئلة أصحابه والمناظرات التي كان يجيب فيها على تساؤلات المشكّكين والملحدين بالحجة والمنطق... وبذلك احتل مكانة محترمة في قلوب الناس مما أزعج السلطة العباسية أن يكون للإمام هذا الدور وهذه الموقعية والتأثير فأحاطوه بالرقابة وعناصر التجسس لمعرفة أخباره ومتابعة تحركاته.

الإمام (ع) والسلطة: والجدير بالذكر أن الدولة العباسية شهدت انذاك نوعاً من الضعف والوهن السياسي والإداري وتسلّط الأتراك وتحكّم الوزراء وضعف شخصية الخلفاء طيلة عهود المعتصم والواثق العباسيين مما سمح بهذا المناخ الفكري الخصب والتحرك الواسع للإمام الهادي (ع)، ولكن الأمور تغيّرت في عهد المتوكل العباسي الذي كان يحقد حقداً شديداً على ال البيت(ع) فكان يحاول الحط من سمعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) والاستهانة به. كما قام بفعلته الشنيعة بحق الحائر الحسيني المقدّس فأمر بهدمه والتنكيل بزواره. وقد عانى منه العلويون شتى ألوان الأذى والاضطهاد، وأخيراً كان الإمام الهادي يحمل الرمز الهاشمي العلوي ويمثل محوراً دينياً لا يستهان به في البلاد الإسلامية انذاك. لذلك استعمل المتوكل على المدينة أحد أشد أعوانه وأخبثهم عبد الله بن محمد فكان يتحيّن الفرص للإساءة الى الإمام ويعمل على أذيته ويرسل التقارير والوشايات للإيقاع به، فكانت تصل إلى المتوكل أخبار الإمام مشحونة بالتفاف الجماهير حوله وورود الأموال الطائلة إليه من مختلف اقطار العالم الاسلامي مما يشكّل خطراً على الدولة، وإتماماً لهذه المؤامرة المدبّرة يرسل المتوكل إلى المدينة أحد أعوانه «يحيى بن هرثمة» بهدف إحضار الإمام الهادي (ع) إلى سامراء والتحرّي عن صحّة نيّة الإمام مناهضة السلطة. واستهدف المتوكل من هذا الإجراء:

     أولاً: فصل الإمام عن قاعدته الشعبية الواسعة والموالية. الأمر الذي كان يقلق السلطة لذلك عندما يصل يحيى بن هرثمة إلى المدينة يقول: «فلما دخلتها ضجّ أهلها وعجّوا عجيجاً ما سمعت مثله فجعلت أسكنهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه».

     ثانياً: إدانة الإمام مباشرة. ولذلك قام يحيى بن هرثمة بتفتيش دار الإمام (ع) تفتيشاً دقيقاً فلم يجد شيئاً سوى المصاحف وكتب الأدعية.

     ثالثاً: وضع الإمام تحت المراقبة المباشرة. ولذلك أكره على مغادرة المدينة والحضور إلى سامراء بصحبة أفراد عائلته حيث خضع للإقامة الجبرية عشرين عاماً وعدّة أشهر كان الإمام فيها مكرّماً في ظاهر حاله، يجتهد المتوكل في إيقاع حيلة به للحط من مكانة الإمام (ع) في قلوب الناس». ومن ذلك أنه عند دخول الإمام (ع) سامراء احتجب المتوكل عنه ولم يعيّن داراً لنزوله (ع) حتى اضطر الإمام إلى النزول في خان يقال له «خان الصعاليك» وهو محل نزول الفقراء من الغرباء. ومن ذلك أنه كان يوجّه إليه الأتراك فيداهمون منزله ويحضرونه ليلاً إلى مجلس المتوكل العامر بالخمر والمجون. ولكن هذه السياسة لم تثمر شيئاً بل كانت ترفع من مكانة الإمام ومقامه واستطاع بذلك أن يكسب ولاء عدد من حاشية المتوكل إلى درجة أن والدة المتوكل كانت تنذر باسمه النذور. وأمام هذا الواقع قرّر المتوكّل التخلص من الإمام فسجنه مقدمة لقتله. ولكن إرادة الله حالت دون ذلك فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى هجم عليه الأتراك في قصره وقتلوه شر قتلة. ولم تنته محنة الإمام الهادي (ع) بهلاك الطاغية المتوكل، فقد بقي تحت مراقبة السلطة باعتباره موضع تقدير الأمة وتقديسها.

وثقل على المعتز العباسي ما يراه من تبجيل الناس للإمام وحديثهم عن ماثره وعلومه وتقواه فسوّلت له نفسه اقتراف أخطر جريمة في الإسلام حيث دسّ له السم القاتل في طعامه. فاستشهد الإمام (ع) في سنة 254ه من شهر ذي الحجة عن عمر يناهز الواحد والأربعين سنة.

الامام الهادي (ع) في مجلس المتوكل:

جاء في «مروج الذهب» إن المتوكل العباسي أمر بمداهمة بيت الامام الهادي (ع) واحضاره على الحال الذي هو عليها. فلما أحضروه الى المجلس، وكان المتوكل على مائدة الخمر وفي يده كأس فناولها للامام (ع) ليشرب فقال له (ع): والله ما خامر لحمي ودمي.

فقال له المتوكل: أنشدني شعراً استحسنه. فاعتذر الامام (ع) وقال:

إني لقليل الرواية للشعر.

ولما ألح عليه ولم يقبل عذره، أنشده (ع):

باتوا على قلل الأجيال تحرسهم

        غلب الرجال فما اغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم

        فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخٌ من بعد ما قُبروا

        أين الأسرة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمةً

        من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

        تلك الوجوه عليها الدود ينتقل

قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا

        فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

وهكذا استمر الامام بانشاده شعراً من هذا النوع حتى رمى المتوكل الكأس من يده وأخذ يبكي بكاءً عالياً حتى بلّت دموعه لحيته وبكى الحاضرون لبكائه ثم أمر برفع الشراب من مجلسه.

زوجاته وأولاده (ع):خلف الامام الهادي (ع) من بعده إبنه الحسن بن علي العسكري (ع) وأمه يقال لها حديثة، ومحمد وجعفر وعائشة.

شهادته (ع): على الرغم من وضعه تحت الاقامة الجبرية والمراقبة اليومية إلا أن تبجيل الناس له والتفافهم حوله أثار في المعتز العباسي المخاوف والهواجس ففضل أن يتخلص منه، وهكذا سوّلت له نفسه، فدس له السم فاستشهد على ما استشهد عليه اباؤه الكرام سلام الله عليهم أجمعين وله من العمر ما يناهز الواحد والأربعين سنة.

 

 

اعدام مريض

بقلم : احمد عبد الحسين/  المانيا

في يوم بارد من شتاء عام 1985 وبالتحديد 21.01.1985 هاجمت مجموعة من رجال الامن بيتي والقوا القبض على والدي بعد ان عاثوا بالبيت وخربوا كل شيئ رغم ان والدي لم يبدي اي مقاومة حيث كان مريضا بمرض الجلطة الدماغية ولم يقوى على الحركة لاكثر من 7 اشهر , كان عمري حينها 11 عام وكانت لي اخت تكبرني بستة سنين وثلاث اخوة اصغر مني , بعد ان اخذوا والدي بساعة تقريبا جاءت نساء الجيران يلملمن جراحاتنا و يصبرن والدتي المفجوعة , حاولت ان افهم سبب ماجرى من خلال حديث والدتي مع قريبتها فلم افلح غير ان الكلمات التي سمعتها من والدتي هي كالاتي (لا مو الدكتور يمكن المضمد كتب تقرير , بس ابيناتنه ابو فاضل ماكال غير « لو مو الحرب ماجان هذا حال المرضى , كلشي نقلتوه الى الجبهه «) اذن الجملة التي سببت اعدام والدي هي الاتي (لو مو الحرب ماجان هذا حال المرضى , كل شيء نقل الى الجبهة)...نعم بعد اسبوعين سلموا والدتي جنازة والدي المعدوم بعد ان اخذوا منها تعهد بعدم اقامة مراسيم العزاء واستحصلوا منها مبلغ 38 دينار وهي ثمن الاطلاقات النارية التي اعدموا بها والدي. في اليوم التالي وبعد ان تم الدفن جاءت نسوة الجيران وبعض الاقارب لتعزية والدتي وفي اليوم الثالث عاد رجال الامن والقوا القبض على والدتي وكان بصحبتهم المختار وعضوا المنظمة الحزبية المسؤول على منطقتنا. بقينا نحن الاولاد برعاية اختنا وكانت طالبة في الصف السادس العلمي بعد ان تركت المدرسة وتفرغت للبيت , كان يتردد علينا الاخوال الا انهم لم يجرؤوا البقاء معنا للضرورات الامنية , وفي يوم 12 من شهر اب 1985 قام اثنين من اخوتي الصغار بأشعال النار في غرفة الطابق العلوي صعدت اختي لاجل اخراج اخوتي فأخرجت الاول وبقيت هي واخي الثاني تلتهب فيهما النيران الى ان تفحما هرعت الى الجيران لكن للاسف لم يفلح احد بأخراجهم فماتا في ذلك اليوم من صيف عام 1985. اتفق الاقارب على ارسال امرأه عجوز تقوم برعايتنا الى حين خروج والدتي من السجن , وفي احدى المرات التي ذهبت فيها الى مواجهة والدتي في السجن وبالتحديد في شهر ايلول من عام 1989 اخبرتني والدتي بأن سبب اعتقالها , انها اقامت مجلس العزاء على والدي فكتب علينا مسؤول المنطقة الحزبية تقريرا بأنها خالفت اوامر الامن بعدم نصب مجلس العزاء فحكم عليها بسبعة سنين سجن في ابو غريب وبعد الانتفاضة الشعبانية خرجت والدتي بعفو رئاسي الا انها لم تجدني حيث كنت معتقلا في سجن الرضوانية بسبب الانتفاضة ووجدت اخواني الاثنين في بيت خالي الاكبر لان بيتنا كان قد صودر بأمر المحكمة ولم يبقى لنا غير سيارة الحمل التي لم تكن بأسم والدي وبقي السائق يعمل فيها ويأتي بوارد عملة يسلمه لخالي الاكبر فيصرفه علينا. المهم بعد ان خرجت من الرضوانية وبالتحديد يوم 27 من شهر حزيران عام 1992 اجتمعنا انا واخوتي الاثنين ووالدتي وقررنا الهرب الى ايران او سوريا وفعلا ذهبنا الى السليمانية بطريق التهريب ونزلنا في بيت احد اصدقاء والدي وقام مشكورا بضيافتنا وتهيئة لوازم الهرب الى ايران وفي يوم 26 من شهر اب توفيت والدتي في السليمانية فقمنا بدفنها هناك واقام لها الاخوة الاكراد مراسيم الفاتحة وحتى عزاء النساء لثلاثة ايام وبعدها قمنا بالهرب الى تركيا من دون المرور بأيران , وبعد رحلة طويلة في التهريب وصلنا الى اليونان وبعدها الى ايطاليا ثم المانيا ونحن الان في المانيا نعيش الغربة وعذابات الماضي التي لم تفارقنا ابدا.

 

 

طلاق.. بعثي !!

باملاء/ ساجدة حيران الفيلي

لم نكن مؤيدين فكرة زواج اخي من ابنت احد البعثيين من سكنة محلتنا , الا ان الهوى والعشق حال دون رغبتنا واسقطنا في ما كنا نحذره , فحصل ان تزوج اخي الاكبر من ابنة امين سر منظمة حزبية تابعة لفرقة سعد بن ابي وقاص لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد وبعد اتمام الزواج وانتهاء الضجيج صار والد زوجة اخي كثير الزيارة والتعلل عندنا في البيت وبما ان العوائل سرها واحد وكما هي تربيتنا في العراق كان صاحبنا يستدرجنا الى احاديث الثورة الايرانية والامام الخميني وكنا نصرح بأراءنا بكل وضوح وكذلك استنكارنا الشديد لاعدام مفجر الثورة العراقية الشهيد السعيد محمد باقر الصدر رض وهكذا كان ضيفنا يسجل كل كبيرة وصغيرة كنا نتكلم بها , وبعد ثلاثة اشهر من زواج اخي اختلق نسيبنا البعثي مشكلة وعلى اثرها اعاد ابنته الى بيته مع انها كانت رافضة لتصرفات والدها وبعد ذلك بأقل من اسبوع جاء الامن الى بيتنا وامرنا بالتهيئ للرحيل خارج الحدود العراقية وبالتحديد الى ايران لاننا نخالف توجهات الحزب والثورة وفي تلك الليلة من يوم 17 / 11 / 1980 حملونا في سيارة حمل ورمونا على حدود مدينة (بنجوين) بين الجبال والوديان وصوت المدافع وصواريخ القتال سرنا برحلة مع مجموعة من العوائل يقدر عددنا جميعا ب (182) فرد بين طفل وامرأه وشيخ كبير وطبعا فصلوا عنا 53 شاب وكان اخوتي الاربعة من ضمن من بقي في العراق محجوزا في زنازين البعث العربي الاشتراكي. سرنا بين الجبال والوديان وبكاء الاطفال لم يهدأ من شدة الجوع حيث لم يكن مسموح لنا جلب اطعمة وقد جردونا مما كنا نحمله من مصوغات ذهبية واموال وحتى الاغطية التي جلبناها للوقاية من البرد قد اخذوها منا وفي تلك الليلة الشديدة الظلام لم نكن نعلم الاتجاه المناسب لسيرنا فمنا فضل المكوث في مكانه الى ان يطلع الفجر ومنا من فضل السير لاجل ان يتخلص من البرد بحرارة المسير وكنا قد فضلنا المكوث الى الصباح وما ان طلع علينا الفجر بدأت السماء تمطر مطرا لم نشهده في كل حياتنا وتحولت الوديان الى بحيرات استمر المطر الى الظهيرة وبعد ان هدأ المطر بدأنا نسير بأتجاه المخافر الايرانية واثناء الطريق وجدنا الحاج رمضان حميد عبود ميتا وقد تخشب جسمه فتوقفنا لتجهيزه ودفنه في تلك الجبال غريبا وبعد ان تقدمنا مسافة اقل من 300 متر وجدنا الحاجة بهية كريم غضبان وهي في اخر انفاسها حاولنا ان نعينها فلم نستطع وضعت رأسها في حجري وانا ابكي وهي لا تستطيع الكلام فقط ارى دموعها تنزل من عيونها وهي تلفظ انفاسها الاخيرة وبعد اقل من نصف ساعة تكلمت بثلاث كلمات قالت (هما كاس علي كوي) اي (اين انت ياوحيدي ياعلي) وتقصد بذلك ولدها الذي تركته محجوزا في العراق وعرجت روحها الى السماء فقمنا بدفنها في ذلك المكان الموحش ثم سمعنا صراخ طفل من منطقة قريبة منا فهلعنا اليه فرأينا السيدة زكية طالب مشهدي ميتة بسبب سقوطها الى الخلف على حجرة وقد تهشم رأسها وولدها بين يديها يصرخ....الله يشهد على كل كلمة دونتها بهذه الورقة لم ازد شيئا الا اني تركت الكثير من التفاصيل التي تدمي القلوب الرحيمة قمنا بنزع ولدها من بين يديها بقوة حيث تجمدت يديها حول ولدها الرضيع وايضا قمنا بدفنها فأقبل الليل علينا ونحن مشغولين بدفن الاموات فسرنا على عجل لكي نصل الى المخفر الايراني وطول الطريق كنا نسمع صراخ من جهات مختلفة ورغم بحثنا عن اماكن الصراخ الا انا لم نعثر على احد وبشروق الشمس من اليوم التالي اقتربنا من المخفر الايراني , رأينا الجنود الايرانيين يصيحون علينا ويشيرون علينا بالسير الى جهة اخرى الا انا لم نكن نفهمهم اقتربنا اكثر فأكثر والايرانيين يزيدون من صراخهم الى ان انفجر لغم تحت اقدام الحاج سليم عساف داوود فقطعت اقدامه الاثنين وقتلت الشابة منى جليل سوادي وجرحت الحاجة جليلة باران محي حيث اصيبت بيدها , عندها عرفنا سبب صراخ الايرانيين الذين لم نكن نفهم لغتهم الفارسية فلملمنا جراحاتنا وحملنا الجرحى وجثة الشابة واتجهنا الى حيث اشار علينا الايرانيون فوصلنا اليهم وكانوا قد جهزوا لنا غرف خاصة في المخفر وقاموا بعلاج الجرحى الى ان جلبوا لنا سيارات عسكرية نقلتنا الى مدينة مريوان وهناك تم تعداد من وصل منا فكان العدد (169) فرد اي ان من مات في الطريق او ظل عن القافلة هو 13 شخص وبعدها تم ترحيلنا الى مدينة باختران وتم توزيعنا على مخيمات اللاجئين وقدمت لنا المساعدات الطبية وغيرها من وسائل تعيننا على مقاومت البرد اضافة الى الملابس والطعام كنا نعيش في تلك المخيمات ونتجرع سموم الغربة وآلامها كل غروب للشمس كنا ننظر بأتجاه العراق ونرسل السلام على من تركنا من الاحباب ونتجرع غصص الفراق وننتظر اخبار الوطن ونتلمسها من كل زائر يدخل المخيم او مسفر جديد قادم من العراق حتى الطائرات التي كانت تأتي للقصف كنا ننظر اليها بحرقة والم لا بسبب ماتحمله من متفجرات وقنابل بل بسبب انها تحمل رائحت العراق الحبيب ضلت والدتي تأن لفراق اولادها الاربعة الذين لم نعثر على اثر يدلنا عليهم الى هذه الساعة واما زوجة اخي فقد حرقت نفسها منتحرة عندما تأكدت من ان والدها كان سبب التقرير الذي تسبب بتسفيرنا الى ايران كما اخبرتنا والدتها والى هذه الساعة توجد مئات العوائل العراقية المسفرة في مخيمات اللجوء الايرانية لم يصالحها احد ولم يزرها من المسؤولين الحكوميين على مدى ثلاث حكومات في العهد الجديد بعد سقوط الجرذ صدام.

 

 

الإمام الخميني..وهموم الإصلاح في الحوزة العلمية

الشيخ حيدر حب اللّه

عندما نتحدث عن الإمام الخميني (رض) والمؤسسة الدينية، فنحن نتناول موضوعا شائكا غير عادي في حد نفسه لأن المؤسسة الدينية ليست مجرد مؤسسة عادية في المجتمع الديني، كما إن الإمام الخميني ليس شخصية عادية في هذه المؤسسة، وفي مشروع الإصلاح عموما.

1. من خلال تشابك الأمر، نلاحظ أن الشخصيات الكبيرة كثيرا ما يجري تسليط الضوء على جوانب منها دون أخرى، وكثيرا ما يكون ذلك بسبب الحاجة التي يراها الباحث فيلتمس من احد أبعاد الشخصية ما يرفد تصوراته، أو يقوم أحياناً بإسقاط أفكاره عليها بغية توظيفها والاستفادة منها، وهو خطا يجدر بالباحث الحصيف تجاوزه وتخطيه، وثمة عينات من هذا الأسلوب في التعامل مع الشخصيات الكبيرة، ومن ذلك في رأينا تغييب البعد الإصلاحي أو بعض الأبعاد الإصلاحية في شخصية الإمام الخميني على صعيد الحوزات الدينية، وهو ما سنسلط الضوء عليه هنا، رغم عدم القدرة في هذه العجالة على استشراف تمام مفاصل هذا البعد من هنا ستكون هذه الإطلالة إضاءة على القليل من المغيب مؤخرا في بعض الأوساط الحوزوية حول رؤية الخميني لهذا الموضوع، وإفصاحاً عن المسكوت عنه في هذا الجانب.

2- أول عناصر الإصلاح الخمينوي في الحوزة العلمية هو استحضار الواقع ووعي الزمان فالإمام الخميني لا يرى من المسموح بعد اليوم أن يكون المرجع غير معنى بالحياة السياسية والاجتماعية للناس، ينزه نفسه عن الدخول في اليوميات على أساس انه كلي وعام، ولا يحضر في واقع الحياة على أساس انه يؤتى ولا يأتي. لم تقف القضية عند هذا الحد، بل طور الخمينى من هذا الموضوع أواخر حياته، عندما رأى أن الزمان والمكان يلعبان دورا في الاجتهاد، وفي سياق نصه الشهير هذا يركز على ملاحظة الموضوعات في ظل التعقيدات الحالية للحياة السياسية والاجتماعية (صحيفة نور 21:98)، وهذا يعني أن الصورة البدوية الأولية التي يرسمها فقيه ما عن موضوع الحكم لم يعد يمكن الاعتماد عليها دوما، بل أن ما يترائى لنا اليوم انه موضوع للحكم الفلاني، ربما لو اطلع الفقيه على تعقيدات الحياة الاجتماعية والسياسية الجديدة لرأى انه لم يعد هذا المورد موضوعا لهذا الحكم، بل موضوع لحكم آخر، إذا فهناك رابط وثيق بين الحضور المعرفي للفقيه في مجال تغيرات الحياة وبين رؤيته الفقهية التي اصدر الحكم على ضوئها، ولا يصح من الفقيه أن يكتفي بالأجوبة التعليقية التي تستبطنها بعض الفتاوى× لان الموضوعات التي يلزم منها لو ألقيت إلى الآحاد من الناس الهرج والمرج تغدو من شؤون من يملك الإشراف على الشأن العام ومنهم الفقيه نفسه، بوصفه حاكما شرعيا، ومن ثم لا يمكن له التنحي عن تحمل مسؤولياته في هذا المجال من هذه الزاوية، وان كانت وظيفته بوصفه مفتيا لا بوصفه مرجعا عاما للمسلمين× للفرق بين الإفتاء والمرجعية أن يضع الحكم الكلي على موضوعه الكلي.

3- ومن خلال هذا المنطلق، يحدد السيد الخميني رؤية أكثر جذرية للتفكير الذي ينبغي للفقيه حمله إزاء قضايا الدين، وتبدأ ترتسم في ذهنه صورة عن مدرستين داخل الحوزة العلمية: مدرسة التحجر والقشرية، التي ينتقدها في بعض نصوصه بشدة، ومدرسة الصورة الكلية الشمولية للإسلام، التي لا تغرق في ملاحقة المفردات الفقهية، مقتطعة كل جزء منها عن الجزء الآخر، لهذا نجده على الصعيد الثاني يركز على ذوبان المفردات الفقهية في النظرة الحكومية للإسلام، فعندما يفهم الإمام الخميني الفقه صورة واحدة مترابطة الأجزاء تعد الدولة مختبرها كما تعد مظهرها وموطن تجليها فهو يصير الإسلام والشريعة كلية، أي ينظر إليهما بوصفهما كلا واحدا ذا أجزاء، انه يرى درجة من الترابط بين الأجزاء، لا انه يفترضه ويوكله إلى العلم الإلهي فحسب، ومن ثم هل يصح بعد اليوم بحث موضوع الحج مثلا بمعزل عن رؤية شمولية للتصور الفقهي الإسلامي للحياة ؟! إما على الصعيد الأول، أي مدرسة القشرية والتحجر، فللإمام الخميني موقف قاطع وواضح وصريح وجري في الوقت عينه، انه يقول في رسالته الجوابية لآية اللّه محمد حسن قديري، بعد أن يتأسف وينتقد التفكير الفقهي الموجب لاندثار المدنية الحاضرة وعودة البشرية إلى عصر الأكواخ وزمن البدائية، أو عيشهم في إطراف الصحاري على حد تعبيره هو نفسه ؟ يقول : «.. لكنني أنصحكم نصيحة أبوية أن تسعى لملاحظة اللّه وحده، وان لا تقع تحت تأثير المتظاهرين بالقداسة ورجال الدين الأميين ذلك انه إذا كان إعلان حكم اللّه ونشره يلحق الضرر بمكانتنا عند أولئك المتظاهرين بالقداسة الحمقى والمشايخ الجاهلين، فليكن، وليزدد الضرر اللاحق بنا نتيجته‏» (صحيفة إمام 21: 150 152). إن الإمام الخميني كان يتكلم في هذه الرسالة جوابا عن أولئك الذين حملوا عليه بالنقد والتشهير في الحوزات العلمية لما تحدث عن فتواه الجديدة في الشطرنج، ولم يكن يقصد سوى ذلك التيار الذي نعته هنا بأشد النعوت، وهو أدرى بما قال واعلم، ولم يكن الخميني هادفا تجريح احد كما لم يكن رجلا سيء الخلق مع العلماء، لكن مثل هذه المواقف إنما تكشف عن عمق الهوة، وهو يرسل هذه الرسالة قبل قرابة العام من وفاته، في إشارة نراها ضرورية لدراسة شخصية الإمام الخميني عموما، وهو تطوره في تكوين رؤاه بمرور الزمان وخوضه التجارب. كان الإمام الخميني قد عانى منذ زمن بعيد من تكفير بعضهم له وتنجيسهم لابنه مصطفى بالتبعية، كما يصرح هو نفسه بذلك في رسالته الشهيرة إلى علماء الدين قبل أشهر بسيطة من وفاته ؟، ففي الوقت الذي بدا فيه رسالته هذه بكل المديح والإطراء للمؤسسة الدينية، إطراء مذهل لا مثيل له ربما (صحيفة إمام 21: 273 275)، شن واحدة من اعنف انتقاداته‏ ضد بعض تياراتهم التي وسمها بالمتحجرة، انه يقول: «واليوم هناك جماعة ممن تلبس بلباس التقدس يضرب أساس الدين والثورة والنظام حتى كأنه لا عمل لهم غير ذلك، إن خطر المتحجرين والمتظاهرين بالقداسة الحمقى ليس قليلا في الحوزات ‏العلمية، وعلى الطلاب الأعزاء أن لا يقصروا ولو للحظة في التفكير بأمر هذه الأفاعي الرقطاء، أنهم يروجون الإسلام ‏الأمريكي، وهم أعداء رسول اللّه...»، ثم يقول: «.. إن ما عاناه أبوكم الشيخ العجوز من هذه الفئة المتحجرة لم يره من أي ضغوط أو مصاعب من الآخرين..» (صحيفة إمام 21: 278). وفي نص لطالما ارق مفهومه الكثيرين من المتصدين للعمل الإسلامي، يقول الإمام الخميني: «يزعم بعضهم أن علماء الدين يغدون محلا للاحترام والتكريم عندما يغرقون من رأسهم إلى أخمص قدميهم في السذاجة والحماقة، أما العالم الديني العامل والسائس والنشط والفاهم فأمره مريب!.. كانوا يعدون دراسة اللغة الأجنبية كفرا ! ودراسة الفلسفة والعرفان ذنبا وشركا!... لا شك عندي أن الأمور لو سارت على هذا المنوال فان وضع علماء الدين والحوزات كان سيؤول إلى حال الكنائس في القرون الوسط‏ى‏» (صحيفة إمام 21: 278 آ279). وبالفعل، فهذه مشكلة حقيقية إذ تجد المفاهيم مقلوبة أحيانا فكلما انزوى عالم الدين وظهرت عليه آثار عدم العلم بالحياة وبالمشاهد الثقافية والاجتماعية والسياسية، كان أكثر قداسة، وكلما تصدى للفعل السياسي والثقافي والاجتماعي.. كان محل شك وتساؤل، حتى أن الأول وهو لم يقدم على فعل شي يذكر أحيانا للإسلام والمسلمين يحق له أن يقيّم دين وإيمان وعلم الثاني الذي ربما صنع أجيالا من المتدينين، بل وعلماء الدين أنفسهم، فالموضوع ليس موضوع نوايا أو أخلاقيات، فلا يجدر التجني على احد، أنما موضوع ثقافة، وطريقة تفكير، ورؤية خاصة.

5- وفي سياق إصلاح الفقيه والحوزات، يرى إن التفكير الذي يسود بعض الأوساط العلمية في الحوزات الدينية إزاء طبيعة اهتمامات عالم الدين هو تفكير خاطئ بل قاتل، إذ مازال بعضهم يتصور إن عرض العضلات العلمية وشحذ الذهن في مطالب لا نفع منها أو تندر الفائدة فيها هو معيار قوة الاجتهاد وبراعة الاستنباط، وهذا ما يركزه بعضهم دوما مع الأسف الشديد في أذهان طلاب العلوم الدينية، حتى انك لتجد تبارياً في هذا الموضوع، وكلما غدوت عرفيا في فهمك للكتاب والسنة زادت التهمة بالسطحية ضدك، خلطا بين الأوراق، وتغافلا عن بعض الأمور. يقول الإمام الخميني معلقا على تركه الخوض في مباحث دليل الانسداد: والمرجو من طلاب العلم وعلما الأصول أيدهم اللّه ان يضنوا على أوقاتهم وأعمارهم الشريفة، ويتركوا ما لا فائدة فقهية فيه من المباحث، ويصرفوا همهم العالي في المباحث المفيدة الناتجة، ولا يتوهم متوهم إن في تلك المباحث فوائد علمية، فان ذلك فاسد ضرورة إن علم الأصول علم آلي لاستنتاج الفقه، فإذا لم يترتب عليه هذه النتيجة فأية فائدة علمية فيه؟! والعلم ما يكشف لك حقيقة من الحقائق دينية أو دنيوية وإلا فالاشتغال به اشتغال بما لا يعني.. (أنوار الهداية 1: 317). ويقول : «إن كثرة اشتغال بعض طلبة الأصول والنظر إليه استقلالاً، وتوهم انه علم برأسه، وتحصيله كمال النفس، وصرف العمر في المباحث الغير المحتاج إليها في الفقه لهذا التوهم، في طرف ‏التفريط، والعذر بان الاشتغال بتلك المباحث يوجب تشحيذ الذهن والأنس بدقائق الفن، غير وجيه‏» (الاجتهاد والتقليد: 11 12). فالمطلوب إذا، بنا صورة أنموذجية أخرى في ذهن طلاب الحوزات العلمية كي يقتدوا بها، ويحددوا على وفقها الفقيه المنشود من غيره، فالخطأ في تحديد الهدف يوقع في كوارث، فإذا كنا اليوم ‏نؤمن بالمشروع الإسلامي الكبير الذي قدمه الإمام الخميني فعلينا أن نخدم هذا المشروع، فكم هي حاجات الفقه المعاصر اليوم وضرورات الدولة الإسلامية، ولوازم الحركة الإسلامية عموما، حتى نستجيب لها، بدل الانشغال وشغل طلاب العلوم الدينية بموضوعات لا تحتاجها الثورة، ولا الدولة، ولا الحركة، ولا النهضة، ولا المشروع، إلا نادرا، لا اقل من ضرورة إعادة رسم الأولويات في هذا الموضوع.

6 وفي الختام، يوجه الكلام لأنصار خط الإمام الخميني أن لا ينسوا هذه المفاهيم، ولا يعيدوا أولئك الذين لطالما سعى الإمام الخميني لمواجهتهم بالكلمة والفكر والموقف والأخلاق، فينحروا بذلك ومن داخل المؤسسة الدينية نفسها مشروع الإمام الخميني، وعليهم أن يعوا جيدا خطورة هذه الملفات، وصعوبة هذه المواقف، وان يدركوا أن مثل هذه الأخطاء ستكلف غاليا في المستقبل، فالموضوع ليس والعياذ باللّه موضوع حرب أو مواجهة غير أخلاقية، بل نحن ننشد المرجع النموذجي، والفقيه القدوة، والمفكر الأمثل، والحوزة النابضة، دون أن يعني ذلك وهذا أمر حساس وهام أي تجريح أو إهانة أو تسقيط لأي رمز أو تيار آخر فتعدد الرأي مفخرة للحوزات العلمية، وسيظل كذلك إن شاء اللّه سبحانه، إنما المسالة مسالة وظيفة فيما نفعله، فعلى كل منا أن يقوم بما يراه حجة بينه وبين ربه جل ذكره، وهذا ما يجعل إيماننا بأفكارنا رهينا بالانسجام معها عمليا لنخرج من هذه الازدواجية، ومن اللّه نستمد العون، وهو خير ناصر ومعين. الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان اللّه [آل عمران: 173 174].

 

 

ابن اول شهيد وشهيدة في الاسلام..عمار بن ياسر: الثبات في الموقف

اعداد/ محرر الصفحة

ولد في مكة ونشأ فيها بين حلفائه بني مخزوم، قدم أباه ياسراً من اليمن إلى مكة مع أخويه مالك والحارث في طلب أخ رابع لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم فزوجه أبو حذيفة أمته سمية بنت خياط فولدت له عماراً وعبد الله ومن هنا صار حليفاً لبني مخزوم». وقيل إن أبا حذيفة أعتقه فكان مولاه...»، وسرى هذا الحلف إلى ولديه عبد الله وعمّار، أما سميّة، فهي مولاة مملوكة لأبي حذيفة.

مع رسول الله: كانت ولادة عمّار في عام الفيل على نحو التقريب كما يستفاد ذلك من قوله: «كنت ترباً لرسول الله» ولم يكن أحد أقرب سناً إلى النبي(ص) منه. صاحب عمّار محمداً في شبابه، وكان أميناً على شؤونه الخاصة، ومؤتمن سره، وكان لا يألو جهداً في إرضائه، ووصل به الأمر إلى أن يكون الوسيط في زواجه من السيدة خديجة (ع). كانت أحاديث النبي وكلماته توقظ الجانب الإيماني في نفس عمّار، ما يلهب في نفسه الشعور بضرورة العمل في سبيل إنقاذ ذلك المجتمع الغارق في بحر الظلام. وواكب عمّار الرسول(ص) في دعوته منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها إلى كلمة لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى الإيمان بالله جلّ وعلا، وإلى التصديق بنبوته.

وقد أسر النبي(ص) بدعوته إلى اثنين هما ألصق الناس به، خديجة وعلي(ع)، ولم يلبث أن أطلع النبي(ص) بعض الخواص من أصحابه الذين يركن لأمانتهم وإخلاصهم ومنهم عمار بن ياسر وصهيب الرومي وغيرهما. بعد ذلك أمر الله تعالى نبيه بإظهار الأمر، وأن يبدأ بالخاصة من أقاربه وعشيرته إذ خاطبه تعالى بقوله:{وأنذر عشيرتك الأقربين} فاستدعى علياً للقيام بمهمة جمع العشيرة، وكان هذا أول عمل يستعين به الرسول(ص) بابن عمه علي(ع) فجمع هاشم في دار الحارث بن عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلاً أو يزيدون. ولكن أبا لهب اتهمه بالسحر وانقسم بنو هاشم بين مؤيد ورافض للدعوة، فطالب فريق بالوقوف إلى جانبه ونصرته ومنهم أبو طالب، وآخر رأى أن يصده عن دعوته وعلى رأسهم أبو لهب... ثم نزلت الآية الكريمة {وأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}. فوقف(ص) على الصفا ونادى: واصباحاه. فاجتمعت إليه قريش، فقالوا ما لك؟ قال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقوني» قالوا: «بلى»، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تباً لك: ألهذا دعوتنا وجمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل: {تبت يدا أبي لهب وتب...}. وتنوعت أساليب قريش في صد النبي(ص)، بين الترغيب والترهيب، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، فعمدت نهاية الأمر إلى استعمال القوة والعنف منزلة أبشع ألوان، التعذيب النفسي والجسدي باتباع محمد(ص) سيما الضعفاء منهم، «فوثبت» كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، كعمار وأبويه ياسر وسمية، وبلال وحباب بن الأرث، وأبو فكيهة وغيرهم. ولم يقتصر الأمر على الرجال فقط، بل شمل النساء حتى العواجز منهن، فكانت سمية أم عمّار وهي أول شهيدة سقطت في الإسلام، وزنيّرة، ولبيبة، وكذلك أم عبيس، والنهدية وأضرابهن ممن واجهن المحنة في سبيل الإسلام. وقد نال عمار من تلك المعاناة الحصة الكبرى والحظ الأوفر، حيث لم يترك المشركون وسيلة من وسائل القهر والتعذيب إلاّ واستعملوها معه، فكانوا يسحبونه على الرمضاء المحرقة مجرداً من ثيابه، ثم يضعون صخرة كبيرة على صدره، فإن يئسوا منه لجأوا إلى تغريقه بالماء بغمس وجهه ورأسه حتى يختنق أو يشرف على الموت، فكان لا يدي بما يقول!. ويمر سول الله(ص) بتلك الكوكبة من طلائع المسلمين وهم يواجهون المحنة، فيمسح جراحهم ويلملم أحزانهم معزياً ومسلياً وينظر الكل إليه بعين الأمل، فيرون فيه المنقذ، وينظر إليهم(ص) ثم يصافحهم مقوياً من عزائمهم شاداً على أيديهم، ولكن المشهد كان يختلف حينما يمر على عائلة ياسر فينظر إليهم برحمة وشفقة ثم ما يلبث أن يقول: «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»، ثم يقبل على عمار فيعزيه ويسليه، ويجهش عمّار بالبكاء وهو يبث إلى رسول الله همومه وأحزانه فيقول: «يا رسول الله، بلغ منّا العذاب كل مبلغ» فيقول(ص): «صبرا يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحداً من آل ياسر بالنار». ولشدة ما عذّب اضطر أخيراً إلى النيل من رسول الله(ص) وهو في حالة غيبوبة أو شبه غيبوبة، قال»: شرُّ يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك يا رسول الله، وذكرت آلهتهم بخير»، قال: فكيف تجد قلبك»؟ قال: «مطمئن بالإيمان». قال: «فإن عادوا عُدْ». وفي ذلك نزلت الآية الكريمة:{إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}.

الهجرة إلى الحبشة: واشتدت قريش في محاربة المسلمين أملاً في فتنتهم عن دينهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من رسول الله(ص) فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، لأن «بها ملكاً لا يُظلم أحد عنده، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه». وهكذا خرج المسلمون قاصدين تلك الأرض مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فلاحقتهم قريش ولكن سفينة كانت ترسو على الشاطئ نقلتهم إلى الحبشة وكانوا اثني عشر رجلاً من بينهم عمّار بن ياسر.

مسجد المدينة: على أثر الاضطهادات التي لحقت بالمسلمين في مكة، شكل الانتقال منها إلى المدينة نقلة نوعية في حركة المسلمين نقلتهم إلى مرحلة الدولة، وكان هذا يفترض وضع الأسس لبناء تلك الدولة، فكان بناء المسجد الخطوة الأولى في هذا المجال، وكان عمار قد شارك في بنائه، وقد بارك الرسول(ص) عمله وجعل ينفض التراب عن رأس عمّار، ويقول:»ويحك يا عمّار تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار» وكان يرتجز وفي ذات يوم اشتكى عمّار من علة ألمت به فقال بعض القوم، ليموتن عمّار اليوم، فسمعهم رسول الله(ص) وكان بيده لبنة فنفضها من يده وقال: «ويحك يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية». وكان عمّار بن ياسر ممن شهد مع رسول الله (ص) بدراً وأبلى فيها بلاء حسناً كما ساهم في حرب «الخندق» وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسناً، بل «وشهد المشاهد كلها مع رسول الله(ص)». كما أنه شارك في حرب الردة مشاركة فعالة وقد شوهد وهو يحفز المسلمين على القتال من منطلق إيماني ويدعوهم إلى الثبات للفوز بالجنة. وفي صفين كان عمّار يمثل قطباً من أقطاب تلك الحرب، فكان بالإضافة إلى حملاته يشجع الأبطال ويحثهم على الجد في الحرب وعلى التقدم باللواء محاولاً كسب المعركة في أقرب وقت، وقد جاء في وصف نصر بن مزاحم لبعض مواقفه في هذه الموقعة المهولة «وخرجت الخيول إلى القتال واصطفت بعضها لبعض، وتزاحف الناس، وعلى عمّار درع بيضاء وهو يقول: «أيها الناس، الرواح إلى الجنة، فقاتل القوم قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بمثله وكثرت القتلى حتى كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله».

موقف عمّار من الخلافة: لقد كان موقف عمّار في هذا المجال متأثراً بخطوات علي(ع) حتى يكاد أن لا يبرم أمراً دون مشورته وأخذ النصيحة منه، ومرد ذلك يرجع إلى أمرين أساسيين، الأول: وصاية النبي(ص) لعلي بالخلافة، وذلك في حديث الموالاة، وغيرها من الأحاديث. والأمر الثاني: حديثه لعمار عن علي(ع) يقول فيه: «يا عمّار إن علياً لا يردك عن هدى، ولا يدلك على روى! يا عمّار، طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله عز وجل»! وقد جسد عمّار نظرته إلى المجريات في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ المسلمين، حيث أبعد علي(ع) عن موقعه الطبيعي في المسجد وقال: «يا معشر قريش ويا معشر المسلمين، إن كنتم علمتم، وإلاّ فاعلموا أن أهل بيت نبيّكم أولى به وأحق بإرثه وأقوم بأمور الدين، وأأمن على المؤمنين، وأحفظ لملّته وأنصح لأمّته، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شتاتكم، وتعظم الفتنة بكم، وتختلفون فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم، وعلي(ع) أقرب إلى نبيّكم وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سدّ النبي(ص) أبوابكم التي كانت في المسجد كلها غير بابه، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم وقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومن أراد الحكمة فليأتها من أبوابها، وانه مرجعكم جميعاً فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه، وهو مستغن عن كل أحد منكم إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم، فما لكم تحيدون عنه، وتبترون علياً حقه، وتؤثرون الحياة الدنيا في الآخرة... أعطوه ما جعله له الله ولا تولوا عنه مدبرين ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين». وقد مهد عمّار بعد ذلك في ثلة من الصحابة أن يرجعوا الأمر شورى بين المسلمين ولكنهم لم يفلحوا في ذلك.

خلافة الإمام علي(ع): كان الإمام علي(ع) بالرغم من أحقيته بالخلافة، يرفض البيعة لنفسه، معلناً أنه لا حاجة له في هذا الأمر وأنه سيقف إلى جانب من يختاره الناس، وبقي على موقفه هذا، حتى جاءه قوم من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير، فرفض بادئ الأمر، ولكنهم كانوا قد أصروا على مبايعته، وقد تمت بيعته شكلاً ومضموناً بأسلوب مغاير لما كانت تتم فيه البيعة من قبل، ويصف الإمام(ع) ذلك المشهد بقوله:» فما راعني إلاّ والناس كعُرف الضبع إليّ، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم..»، وقد كان عمّار من أبرز الوجوه التي ناصرت علياً وفي كل المراحل، متسماً في تعاطيه بالجدية والنظرة الواعية للأمور.

بين عمّار وأبي موسى الأشعري: وكان أبو موسى الأشعري والياً على الكوفة من قبل علي(ع)، ولكنه على ما يبدو كان لا يرغب في الخروج مع علي، فحينما دخل الحسن وعمّار الكوفة وجعلا يستنفران الناس لنصرة الإمام قام أبو موسى ليعارضهم في ذلك، فغضب عمّار بن ياسر منه وأسكته.

في موقعة الجمل: وفي يوم الجمل حاول عمّار أن يفض النزاع بالوسائل السلمية، فوقف بين الصفين فقال: «أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الجذور، وأبرزتم عقيلته للسيوف». موضحاً أهداف التحرك المضاد،ولكن القوم رموه بالسهام ورأى أن لا سبيل إلى إيقاف الحرب عندها دعا إليها. وقد دنا عمّار من عائشة وهي على جمل في هودج، ونادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان. فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها لناس، إنكم لتعلمون أيّنا الممالئ في قتل عثمان».

المحنة الكبرى في صفين: إن حرب الجمل بالرغم من شراستها وما تركت من مآس وآلام في نفوس المسلمين، تبقى المحنة الأمل والأهون بالقياس لما حدث بعدها من حروب، لا سيما حرب صفين التي استهدفت أكبر قوة بشرية وعسكرية ومادية على الساحة الإسلامية في ذلك الوقت، وأمضت فيها نزفاً وتمزيقاً.وقد كان لعمار في هذه الموقعة موقف ورأي، وكعادته كان يفضل الحلول السلمية، وهذا ما تجلى بقوله: «يا أمير المؤمنين، إن استطعت إلاّ تقيم يوماً واحداً فافعل من قبل استعار نار الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة وادعهم إلى حظهم ورشدهم، فإن قبلوا سعداء وإن أبوا إلاّ حربنا، فوالله إن سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وكرامة منه».

 

 

عوائل مجزرة النجف الاشرف (عام 1991 يبحثون عن جثامين موتاهم)

النجف الاشرف /فاضل العتابي

بالرغم من اكتشاف المئات من المقابر الجماعية في مختلف محافظات العراق. الاأن الناس يبحثون عن شهدائهم التى لاتزال مقابرهم مفقودة الى الان. و المجازرالجماعية أخفت الكثير الكثير من المقابر. وهي نتيجة حتمية لسياسات النظام السابق التى مارسها ضد ابناء الشعب  طيلة سنوات حكمه الظالم. وكانت ذروة الحكم تمتد من عام1979-2003 1991 ضد ابناء, في اغلب محافظات العراق من الفرات الى الجنوب عموما و النجف خاصة , حيث قام النظام بقمع رجال الانتفاضة بشتى انواع الاسلحة ومنها اطلاق صواريخ ارض ارض عام1991 على مناطق المدينة الامنة. وكانت حصيلة النجف ثلاث صواريخ نوع ارض ارض في مناطق حنون و الجمهورية وشارع المدينة بجانب القنصلية الايرانية السابقة حيث سقط اكثر من250شهيد  بين شيخ كبير و أمراة عجوز وطفل رضيع لقد ابتلى العراقيون بحكم سلطة نهجت أسلوبا قمعيا شديدا وهذا النهج يقوم بقتل المواطن بمجرد الشك في ولائة ويتم شطب اسمه من سجلات الامن والكثير تم اعدامهم على الضن والشبهة ان في عام1991سجلت ارقاما قياسية في اعمال الايادة الجماعية عقب الانتفاضة الشعبانية التى قادها ابناء الشعب العراقي ضد النظام.وتم تصفية عشرات الالاف من العراقيين وتم دفنهم في مقابر جماعية تجاوزت 250مقبرة تمتد من الشمال الى الجنوب.وهناك مئات من عوائل الشهداء المنكوبين لم يعرفواو لم يعثروا على جثث ذويهم ومن بين هولاء كان لنا هذا اللقاء مع السيدعدنان باصي خضير سيد سلمان العوادي الذي فقد تسعة من افراد عائلته في مجزرة النجف شارع المدينة عام 1991.ويروى لنا ذكرياته المؤلمة لحضات انفجار الصاروخ على داره عند قيام الانتفاضة الشعبانيةالمباركة اصبحت مدينة النجف الاشرف مقرا استشاريا لجميع المشاركين من كافة المحافظات. وبدأت العوائل النجفية تجتمع يوميا لسماع جديد الاخبار والتطورات السياسية في العراق ومايقوم به ابناء الانتفاضة وكان من وجهة نظر الطاغية صدام القضاء على هذه الثورة الشعبية واخمادها بكافة الاسلحة وانواعها الفتاكة وبشتى الوسائل والطرق من اجل البقاء على كرسي الرئاسة وفعلا استخدم مختلف الاسلحة الثقيلة والكمياوية وكانت الحصة الكبرى لمحافظة النجف الاشرف اذ استخدم انواع الاسلحة الخفيفة والثقيلة و المدمرة للقضاء على الانتفاضة حيث بدا بضرب قبة الامام علي عليه السلام واستخدم صواريخ ارض ارض ومنها مجزرة القنصلية الايرانية في شارع المدينة حيث سقط اكثر من مئة وخمسون شهيد ومن بينهم افراد عائلتي التسعة في يوم 14/2/1991 بدات العوائل تخرج من المدينة الى المناطق الريفية بعدما قام الجيش بقصف المناطق بالدبابات و المدرعات وبعد دقائق قلت لزوجتى (شعاعة ابراهيم سيد سلمان العوادى) علوية اسرعي بتحضير الاطفال والملابس وانا ذاهب لجلب سيارتي من الكراج فعند ابتعادي عن الدار مئة وخمسون متر سمعت صاروخ انفجر واصابتنى شضايا منها في راسي واخرى في جسمي وشاهت الناس تهرع الى داري ولم اعلم شئ وعندها فقدت الوعى يومين وبعد ذالك علمت ان جميع افراد عالتي استشهدوا الا ابنتي الصغيرة التي كانت معي حينها وذهبنا عند اقاربنا في المنطقة الريفية خشية من جلاوزة النظام وعندعودتي الى البيت في النجف فلم اجدالا انقاض بيوت متهدمة في منطقتنا بعد سقوط الصاروخ واضطررت الى السكن في غير منطقة وبدات المأساة واخذت افتش واتذكر زوجتي وابنائي وبناتي حيث كانت زوجتي المرحومة شعاعة تولد1953 التي كانت تستقبلني عند عودتي من العمل بالتحيةوالسلام والكلام الجميل و ابنتي شروق عدنان تولد1971 واحسان تولد1974 كان يقول ابي سوف اكمل دراستي واكون موظفا واساعدك واجعلك ترتاح وكان ابني حافظ تولد1976 يقبلني ويقول ابي انت لابديوما ان تستريح من العمل ونحن نساعدك وقحطان تولد1977 وعدي تولد1980وفيحاء تولد1982والاء تولد1983ونداء تولد1984 وبداء السيدعدنان يتذكر أفراد عائلته واحدا تلو الاخر ويبكي وينتحب وابكاني ولم استطع السيطرة على دموعي لهذه المأساة المؤلمة المحزنة فعند ذلكاخذت اكثر من تدخين السكائر وغيرت الحديث حتى اخفف بعض الشئ عن السيد عدنان باصي العوادى ما اعاد ذاكرته لاكثرمن تسعة عشر عام وبعدة دقائق شربنا الشاي وسأ لته:

(س) هل هناك تعاون من قبل دوائر الدولة مع عوائل الشهداء ؟

(ج)لايوجد أي تعاون مع عوائل الشهداء بسبب وجود البعثيين الى الان في جميع دوائر الدولة

(س) هل حصلتم على راتب تقاعدي او قطعة ارض؟     

(ج) نعم حصلت على راتب تقاعدي عن جميع افراد عائلتي الشهداء مجموعه480الف دينار وقطعة ارض واحدة فقط

(س) من زاركم من المسئولين بعد سقوط النظام الى الان وماذا قدمو لكم ؟

(ج) لم يزرنا أي مسؤول لاسابقا ولا حاليا واشكرهم لانهم دائما يقولون نحن نتذكر عوائل الشهداء في قلوبنا وانا اقول دعو اهذا الهراء والكلام امام الشاشات والكاميرات واخيرا اشكر جريدتكم الدعوة وكادرها المجاهد الطيب واتمنى لكم التوفيق.. واعتذر لعدم بقاء اي صورة او اثار للمنزل

 

 

الشهيد علي كاظم حسون آل كمونة الأسدي

جاسم الكلابي

في حقبة سوداء اختطفت العديد من الشباب المجاهد الصابر الذي كان همه العيش بكرامة وحرية لهذا العراق الجريح حيث اخذوا مأخذا واحدا ألا وهو الجهاد في سبيل الخلاص من الظلم والجور من هذه السياسات الخاطئة التي لعبت بمقدرات الشعب العراقي ليجعلوا أغنى بلد في العالم شعبة أفقر شعب في العالم ولم يكتفوا بذلك بل ذهبوا إلى خطة أموية لتشويه واستبدال أخلاق الإسلام مما دفع الشباب المجاهد من الوقوف بوجه هذه السياسات وكان منهم علي كاظم حسون آل كمونة الأسدي من مواليد كربلاء 1953 تركت آثار الحياة الصعبة بصمتها على سلوكه فانخرط بالأعمال الحرة كان يعمل حدادا في منطقة الحي الصناعي متزوج ولديه طفلين تنظم في إحدى التيارات الإسلامية المناهضة للسلطة حتى أصبحت تحركاته محسوبة عليه من قبل جلاوزة النظام حتى هاجمه رجال وأخذوه من مكان عمله ولم يعد بعدها أبدا وكانت زوجته حاملا بابنه الأخير محمد علي الذي ولد يتيما ولم يرى والده قط،ولم يكتف النظام باعتقاله بل ذهبوا إلى مضايقة عائلته بين الحين والآخر والتحقيق معهم ولم تسلم حتى أملاكه حيث صودر بيته الذي بناه بعد 42 يوما من اكتمال بنائه أعدموه بعد خمسة أشهر من اعتقاله عام 1982 فترك الدنيا شهيدا صابرا محتسبا متأسيا بسيد الشهداء الإمام الحسين (ع)..

 

 

رمز الشموخ..الشهيد السعيد السيد مهدي طالب أبو العيس

 إن المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. ولد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) في ناحية الإمام في محافظة بابل عام 1950م ، في بيت محافظ وعائلة بسيطة تعيش الإسلام بفطرتها و سلوكها العام .كان منذ نعومة أظافره و فترة صباه متميزاً بين أقرانه و أصحابه بتمرده وعصيانه لواقع الهون الذي تعيشه نفوس أهل ناحيته و انكسارهم أمام عمال الحكومات المختلفة و عدم محاباتهم و التملق لهم . نشأ على هذه السجية في حياته فكان لممارستها فضل كبير في تنمية روح القيادة المخلصة في نفسه و تفجير قابلية استقطاب أبناء الأمة لوعي حالها و البحث عن خلاصها.. فلقد كان الشهيد و هو أبن الابتدائية يشكل فريق الرياضة على المستوى المدرسي بالتعاون مع بعض المعلمين و يسخر ذلك و ينطلق لتحقيقه في حياته. شبّ ( رحمة الله عليه ) على هذا النمط من السلوك فنال بذلك إعجاب أهل بلدته و تقديرهم له و التفاف الشباب المتدين حوله و استرشادهم بتوجيهاته. و شاء الله تعالى أن تنتقل عائلته إلى الكاظمية المقدسة ثم إلى منطقة حي السلام و هو في السادسة عشر من عمره فما ترك منطقته إلا بعد أن ترك فيها من السباب الواعي ما يديم حيوية العمل للإسلام و استثمر لقاؤهم به شكل دوري و مستمر. و في منطقته الجديدة تعرف على بعض المؤمنين الذين التقى بهم ف يجامع المنطقة و خلال لقاءاتهم المتكررة كانوا يطرحون هموم الأمة و مشاكلها و يعرضون الحلول المناسبة لعلاجها حتى أنه كان يعرف أحد المتدينين المنتمين لجماعة إخوان المسلمين و كان عازماً على مصارحته بطلب الانتماء إلى إليهم لولا أن تم لقاؤه و الإخوة المؤمنين في المنطقة بمن يفاتحهم للانتماء لحزب الدعوة الإسلامية و كان ذلك عام 1968م، حيث بدأت حياته الرسالية تتبلور و تصاغ صياغة أصيلة و بدأت على ثقافة الإسلامية بالنمو و الصقل فكان ذلك نقطة تحول و انعطاف في حياته و مشعل نور في منطقته حيث تم بالتعاون مع عالم المنطقة ( الشهيد السعيد الشيخ عبد الجبار البصري ) تنسيق أمور المنطقة و تهيئة الأجواء   

 

 

الشهيد (حسن هادي سبتي)

جاسم الكلابي

استشهد بتاريخ1991/3/13م كان الشهيد يقاتل مع الأبطال في الانتفاضة الشعبانية قتال الأبطال حتى انفكت عليهم أنياب الطغاة من كل جانب وبعد ذلك رجع إلى البيت وهو يحمل لوعة القتال وأصحابه الذين استشهدوا في المعركة فعند وصوله للبيت أخذته أم الحنان (الوالدة) بالأحضان واخذ يقص عليها ما رآه واخبرها بان الجيش قد طوق كربلاء وقد ضربوا قبة الإمام العباس (ع) وكان يردد ياليتني أمت ولم أرى ضرب قبة الإمام وما بقى إلا ليلة واحدة فأتى الجيش وطرق بيت الشهيد وأخذوه وكانت والدته تنظر بحسرة وتنادي اتركوا ولدي فاصعدوه في سيارة نوع (ايفه) تابعة للجيش واتجهوا به نحو منطقة الرزازة وهنا لم يستطع حنان الأم أن يتوقف فذهبت وهي تسال كل من تلاقيه أين أخذوه فاخبروها بأنه قد أرسلوه إلى الرزازة فذهبت مشيا على الأقدام إلى أن وصلت فوجدت جمع من الجيش وأسرابا من السيارات تحمل الشباب والشيبة والأطفال وهم ينزلون بهم من السيارة تلو السيارة ليضعوا بأيديهم السلاسل وماهي إلا أن وصلت فوجدت ابنها في آخر سيارة فلما رآها قال لها بعبارة (شجابج يمه) فإجابته أمه الملهوفة :(اجيت عليك يايمه) فسألته عن حاله قال: لا نعرف مصيرنا وأنا لا احمل أي نقود معي وكانت تحمل آنذاك (100) دينار فأعطته إياه ولم يبقى في جيبها أي مبلغ من المال وصرخ بوجهها من أزلام النظام ارجعي وإلا جعلناك معهم فرجعت وهي تجر معها لوعات الفراق على ولدها إلى أن وصلت بيتها مشيا على الأقدام أماً قد تركت لب قلبها وتعرف إنهم سوف يعدموه فأي لوعة وأي قلب تحمل الأمهات لتلتحق بركب العقيلة وتصبر نفسها بصبر العقيلة التي أعطت للنساء درسا بالصبر ولم تعرف أخباره إلا بعد سقوط الطاغية فعرفت انه قد اعدم في منطقة الرزازة فأي جراحات وأي دموع وهي تتكلم لتشرح قصتها وما فارقتها الدموع وهي تقول:لا استطيع أن أنسى إلا عندما يأويني التراب. فصبرا يا أمهات الشهداء الله (عز وجل) لا ينسى صبركن الجميل التي ضحت بطيور ترفرف في سماء الشهادة ليخلدهم التاريخ ويجعل من آفاق التاريخ شهادة الأبطال

 

 

الكاتب العربي أكرم زعيتر:(فلسفتنا)..لـ محمد باقر الصدر غنى فلسفي وروحي في عالم طغت عليه المادية

عرض الكاتب العربي الكبير «أ»اكرم ازعيتر لكتاب فلسفتنا فكتب فيه ما يلي:] (فلسفتنا) هذا كتابٌ قرأته في تأمّل، بل درسته دراسةً في كدحِ ذهنٍ وجهد فكر.. وتساءلتُ حين شرعتُ قراءته بل دراسته عن مؤلّفه: من (محمّد باقر الصدر)؟ وعلى من يعود ضمير الجمع المتكلّم في (فلسفتنا)؟ وانتهيت من الكتاب إلى اليقين بأنّ السيّد محمّد باقر الصدر علاّمة مدركة غزير الاطّلاع، يجيد الكرّ على الخصم ويحسن الدفاع. وقد حملني كتابه على أنّ أصفه في صفّ الفلاسفة الإسلاميّين وفي أئمّة المتكلّمين، وعلى الاعتقاد أنّه بوفرة علمه ووجاهة فكره وقوّة حجّته ينزل المنزلة التي تجيز له أن يجعل عنوان كتابه (فلسفتنا). وقد وددتُ لو أستطيع التمهيد للحديث عن هذا الكتاب بكلمةٍ وجيزةٍ عن مؤلِّفه العلاّمة، ولكنّ جهلي شيئاً عنه حال دون ذلك، ولعلّ أحد عارفيه يتفضّل علينا معشر [قارئيه] بكلمة عنه تذهب بجهلنا الذي نأسف عليه ونعتذر عنه. وكتاب (فلسفتنا) إنّما يُدرَسُ دراسةً دقيقةً ولا يُطالَعُ مطالعةً عابرة، ولا بدّ لقارئه من بعض إلمام بالمذاهب الفلسفيّة ومصطلحاتها، ومن أن يكون ذا صبر على الغوص في الفلسفة وذا جلدٍ على تفهّم دقائقها وتتبّع الفروق من مناحيها. ومعنى هذا أنّ هذا الكتاب يستعصي فهمه على القارئ العادي. ومع أنّ هذا هو شأن كلّ كتاب فلسفي، فقد كنتُ أرجو أن يحرص الأستاذ باقر جهده على التبسيط أكثر ممّا فعل، وأن يجعل التيسير ذاته هدفاً مهمّاً وغاية مقصودة، وحيث إنّ الأستاذ لا يكتفي من بحوثه بعرض المذاهب الفلسفيّة عرضاً ولا بذكر متناقضاتها ولا [بتفنيد] ما يستأهل [التفنيد] منها، ولكنّه يبدو صاحب رسالة وربّ فكرة، فإنّ الوضوح إلى المدى الأبعد عنصرٌ أساسيٌّ مهمٌّ لا يمكن تجاوزه.   وحيث إنّ المؤلّف المفضال يعدنا بإتحافنا بكتاب يستكمل فيه بحوثه وعلاجاته لمختلف مشاكل الحياة باسم (مجتمعنا)، فإنّنا نرجوه الحرص على التبسيط جهد الطاقة. وبعد، فإنّ كتاب (فلسفتنا) هو دراسة موضوعيّة في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيّارات الفلسفيّة، وخاصّةً بين الفلسفة الإسلاميّة والماديّة الديالكتيّة الماركسيّة. وهذه الدراسة تتّسم بالدفاع المنطقي الحار عن الميتافيزية أو الإلهيّة، حتّى يمكن القول إنّ الكتاب هو جهدٌ فلسفيٌّ منطقيٌّ موفّق لنسف الأسس الفلسفيّة للإلحاد، وإنّني أعتقد أنّ الماديّة الديالكتيّة الماركسيّة لم [تجابه] بمناقشات فلسفيّة واعية فاهمة ولم تقرع بردود علميّة من قبل كتّاب العرب المتفلسفين كما [جوبهت] وكما قرعت بهذا الكتاب... أجل إنّه لم ينازلها فلسفيّاً منازلٌ عربيٌّ أو مسلمٌ عنيدٌ حسب اطّلاعي مثل محمّد باقر الصدر. إنّ المؤلّف يعرض في كتابه المفاهيم الفلسفيّة المتصارعة في الميدان وحدودها ويقدّم الإيضاحات الضروريّة عنها، حتّى إذا تناول المذاهب الماديّة الديالكتيّة الحديثة درسها دراسة موضوعيّة مفصّلة بكلّ خطوطها العريضة التي رسمها هيجل وكارل ماركس، وناقشها، واعتمد في ذلك كلّه على الطريقة العقليّة في التفكير، لأنّ العقل بما يملك من معارف ضروريّة فوق التجربة هو المقياس الأوّل في التفكير البشري. وحتّى التجربة التي يزعم [التجريبيّون] أنّها المقياس الأوّل ليست في الحقيقة إلاّ أداة لتطبيق المقياس العقلي. وقد عني المؤلّف عناية خاصّة بدرس مبدأ العليّة (السببيّة) وقوانينها التي تسيطر على العالم وما تقدّمه لنا من تفسير فلسفي شامل، كما بدّد عدّة شكوك فلسفيّة نشأت في ضوء التطوّرات العلميّة الحديثة. وإذا ما بلغ المرحلة النهائيّة من مراحل الصراع بين الماديّة والإلهيّة (المادة أو الله) صاغ في بلاغة وإحكام المفهوم الإلهي للعالم في ضوء القوانين الفلسفيّة وفي ضوء مختلف العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة. هذه نظرة إجماليّة للكتاب، وإذا أردنا مزيداً من التفصيل قسّمنا الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الأوّل وهو تمهيد مهمٌّ بين يدي البحوث، والثاني يدور حول نظريّة المعرفة، والثالث يتحدّث عن المفهوم الفلسفي للعالم. ففي التمهيد يستعرض صاحبنا أهمّ المذاهب الاجتماعيّة التي يقوم بينها الصراع، فيذكر النظام الديموقراطي الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام الشيوعي والنظام الإسلامي. وكلٌّ من النظامين الأوّلين يملك كياناً سياسيّاً يحميه في صراعه مع الآخر. أمّا النظام الشيوعي فلم يجرّب تجربة كاملة، إذ عجزت قيادته عن تطبيقه فلاذت بالنظام الاشتراكي كخطوة نحوه وظلّ وجوده بالفعل فكريّاً خالصاً. وأمّا النظام الإسلامي فمرَّ بتجربة ناجحة ثمّ عصفت به العواصف بعد أن خلا من القادة المبدئيّين وظلّ فكرة أو أملاً في ذهن الأمّة الإسلاميّة. ويفصل المؤلّف نظام الديموقراطيّة الرأسماليّة التي تجعل مصالح المجتمع منوطة بمصالح الفرد (والدولة الصالحة هي الجهاز الذي يسخّر لخدمة الفرد وحسابه.. وهذا النظام مشبعٌ بالروح الماديّة الطاغية من دون أن يبني على فلسفة ماديّة واضحة الخطوط للحياة..)، ثمّ يعرج على النظام الشيوعي وطابعه العام (إفناء الفرد في المجتمع وجعله آلة مسخّرة لتحقيق الموازين العامّة التي يفترضها..). ولا أنكر أنّ أستاذنا الصدر في استعراضه مآسي النظامين رغم حرصه الشديد على النزاهة وعلى الموضوعيّة لم يستطع أن يتخلّى عن نظّارته السوداء التي تبرز قتامة المذهبين، ثمّ يتحدّث عن معالجة المشكلة ويرى أنّ أمام العالم سبيلين إلى دفع الخطر: أحدهما أن يبدّل الإنسان غير الإنسان وتخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحّي بمصالحه الخاصّة وبمكاسب حياته الماديّة المحدودة في سبيل المجتمع ومصالحه مع إيمانه بأنّه لا قيم إلاّ قيم تلك المصالح الماديّة، وهذا السبيل هو الذي يحلم أقطاب الشيوعيّة بتحقيقه ويرون أن توكل قيادة العالم إليهم. وأمّا السبيل الثاني فهو الذي سلكه الإسلام (فلم يبتدر إلى مبدأ الملكيّة الخاصّة ليبطله وإنما غزا المفهوم المادي عن الحياة ووضع مفهوماً جديداً وأقام على أساسه نظاماً لم يجعل فيه الفرد آلة ميكانيكيّة في الجهاز الاجتماعي، ولا المجتمع هيئة قائمة لحساب الفرد، بل وضع لكلٍّ منهما حقوقه وكفل للفرد كرامته المعنويّة والماديّة معاً..)، وجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلق للكمال ونصب له مقياساً خلقيّاً جديداً في كلّ خطواته وأدواره وهو رضاء الله تعالى.. فليس كلُّ ما تفرضه المصلحة الشخصيّة فهو جائز ولا كلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصيّة فهو حماقة.. وإنّما المقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأفعال هو مقدار ما يحصل عليه من الرضا الإلهي، (فالدين يربط بين المقياس الخلقي الذي يضعه للإنسان، حبّ الذات المتركّز في فطرته..). والخطُّ العريض في هذا النظام هو اعتبار الفرد والمجتمع معاً وتأمين الحياة الفرديّة والاجتماعيّة بشكل متوازن، فليس الفرد هو القاعدة المركزيّة في التشريع والحكم وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرّع لحسابه. أمّا القسم الثاني للكتاب وموضوعه نظريّة المعروفة، فإنّه يتحدّث عن المصدر الأساسي للمعرفة ويتكلّم في هذا الباب عن نظريّة الاستذكار الأفلاطونيّة والنظريّة العقليّة والنظريّة الحسيّة ونظريّة الانتزاع، حتّى إذا تحدّث عن الخيوط الأوليّة التي نسجت منها الأحكام والعلوم، والمبدأ الذي تنتهي إليه المعارف البشريّة في التعليل، ويعتبر مقياساً أوّليّاً عامّاً لتمييز الحقيقة عن غيرها، تناول بالدرس المذهب العقلي الذي ترتكز عليه الفلسفة الإسلاميّة والمذهب التجريبي السائد في المدرسة الماركسيّة. وقد فنّد هذا الأخير في تفصيل وقوّة حجّة، غير منكر في الحين ذاته فضل التجربة على الإنسانيّة ومدى خدمتها في ميادين العلم. ولكن ما حرص على توكيده وإثباته هو كونها ليست المقياس الأوّل والمنبع الأساسي للأفكار والمعارف الإنسانيّة، بل المقياس الأوّل والمنبع الأساسي هو المعلومات الأوليّة العقليّة التي تكتسب على ضوئها جميع المعلومات والحقائق الأخرى، حتّى أنّ التجربة ذاتها محتاجة إلى ذلك المقياس العقلي. ثمّ تناول قيمة المعرفة ومدى إمكان كشفها عن الحقيقة، فاستعرض آراء اليونان وفلسفة ديكارت اليقينيّة وفلسفة جون لوك الممثّل الأساسي للنظرية الحسيّة والتجريبيّة، ثم تحدّث عن دور المثاليّة في نظريّة المعرفة الإنسانيّة، فتناول بالدرس الاتّجاهات المهمّة للمثاليّة الفلسفيّة والمثاليّة الفيزيائيّة والمثاليّة الفيزيولوجيّة. ثمّ تطرّق إلى فلسفة الشك الحديثة ومذهب النسبيّة وحدودها في العلوم البشريّة، وعن اتّجاهيها الرئيسيّين، أي نسبيّة (كانت) والنسبيّة الذاتيّة التي مهّدت للنسبيّة التطوريّة التي تنادي بها الديالكتيكيّة. وقد أفاض المؤلّف في نقضها مبرهناً على أنّ الحقيقة مطلقة وغير متطوّرة (وإن كان الواقع متطوّراً ومتحرّكاً على الدوام)، كما برهن على أنّ الحقيقة تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الخطأ، وعلى أنّ إجراء الديالكتيك الماركسي على الحقيقة والمعرفة يحتّم علينا الشكَّ المطلق في كلّ حقيقة ما دامت في تغيّر وتحرّك مستمر، (بل يحكم على نفسه بالإعدام والتغيّر أيضاً لأنّه بذاته مدَّ تلك الحقائق التي يجب أن تتغيّر بحكم منطقه التطوري الخاص). أمّا القسم الثالث من الكتاب، فقد خصّصه المؤلّف للمفهوم الفلسفي للعالم، فاستعرض في تفصيل وعمق في مدارك الماركسيّة وألوان استدلالها على تطوّر الحقيقة والمعرفة، وأسهب في بيان مغالطاتها الفلسفيّة وعلى الأخصّ ما حاولته من اعتبار العلوم الطبيعيّة في تطوّرها الرائع على مرّ الزمن، ونشاطها المتضاعف وقفزاتها الجبّارة مصداقاً للحركة التطوريّة في الحقائق والمعارف، مع أنّ تطوّر العلوم في تاريخها الطويل لا صلة له بتطوّر الحقيقة والمعرفة بمعناه الفلسفي الذي تحاوله الماركسيّة، (فالعلوم تتطوّر لا بمعنى أنّ حقائقها تنمو وتتكامل، بل بمعنى أنّ حقائقها تزداد وتتكاثر وأخطاءها تقلّ وتتقلّص...). وامتاز هذا القسم بما أورد المؤلّف من تصحيح لأخطاء شائعة، مثل محاولة اعتبار الصراع بين الإلهيّة والماديّة مظهراً من مظاهر التعارض بين المثاليّة والواقعيّة، (فالواقعيّة ليست وقفاً على المفهوم المادي، كما أنّ المثاليّة ليست الشيء الوحيد الذي يعارض المفهوم المادي على الصعيد الفلسفي، بل يوجد مفهوم آخر للواقعيّة هو المفهوم الواقعي الإلهي الذي يعتقد بواقع خارجي للعالم والطبيعة ويرجع الروح المادة معاً إلى سبب أعمق فوقهما جميعاً)، ويصحّح أيضاً الخطأ القائل بأنّ المفهوم الإلهي يجمّد مبدأ العليّة (السببيّة) في دنيا الطبيعة. وبعد ما استعرض المؤلّف أخطاء المفهوم المثالي تناول دراسة المفهوم المادي واتّجاهيه الآلي والديالكتيكي ونقد الديالكتيك كمنطق عام وكشف عن الأخطاء الرئيسيّة التي يرتكز عليها وبرهن على عجزه عن حلِّ مشكلة العالم. وكان المؤلّف موفّقاً في درسه مشكلة الإدراك، وهي هدف صراع فلسفي عنيف بين الماديّة والميتافيزيّة، وفي معالجتها على ضوء مختلف العلوم ذات الصلة بالموضوع من طبيعية وفسيولوجيّة وسيكولوجيّة.

 

 

شاهد على جرائم البعث..قرية قدمت 64 شهيداً

شفيق البصري

الزمان : 10/3/1991

المكان : قرية المزيدية

الوقت : الساعة السادسة صباحا

أنها قرية المزيدية والتي تقع جنوب محافظة بابل حيث تتبع إداريا إلى ناحية المدحتية – قضاء الهاشمية هذه القرية الصغيرة في مساحتها وعدد سكانها كانت أمنة مستقرة بسكانها الذين لا يتجاوزون (250) نسمة عام 1991. وكما هو حال مناطق العراق جميعا لم تخلو هذه القرية الصغيرة من بعض من باعوا ضمائرهم إلى أراذل البعث العفلقي الكافر وساقهم طغيانهم إلى ظلم أبناء جلدتهم ارضاءا للشيطان وازلامة الطغاة، جريمة اقترفها البعثيون بحق ثلة مؤمنه من شباب قرية المزيدية قادها المجرم (طالع خليل الدوري) والذي عاث فسادا في مدينة الحلة واقضيتها ونواحيها وكل شارع وزقاق صغير لم يسلم من التخريب والفساد والظلم. أكثر من ربع سكان القرية معتقلون

قوات من جيش النظام ألبعثي البائد والأمن وأجهزة حزب البعث الكافر تداهم قرية المزيدية وتعتقل كافة الشباب في القرية كل فرد بين عمر (16 – 60) عام يعتقل وبدون ذنب أو جرم اقترفه إلا إن شباب القرية أبت إلا إن تدافع عن الأطفال والنساء والشيوخ فقاوموا زحف الدبابات والعجلات العسكرية ودارت معركة لم يستطع المقاومون الصبر كثيرا لان المجرم (طالع خليل الدوري) أمر باستخدام المدافع وطائرات الهليكوبتر في قصف القرية والقرى المجاورة لها، وأدت قلة الذخيرة لدى المقاومون إلى الانسحاب داخل البساتين المجاورة. وانجلى الأمر عن استشهاد بعض الشباب من القرية والقرى المجاورة والقي القبض على آخرين واقتيدوا إلى معسكر المحاويل (حيث لم يعلم احد عن مصيرهم شيء) وتمكن المجرمون من القرية الصغيرة فجرفوا البساتين واقتلعوا النخيل ولم يكفهم ذلك فقاموا باعتقال كل من يرونه أمامهم تنفيذا لأمر الطغاة الشياطين. ومضت الأعوام بصبر وألم فكل بيت في هذه القرية أعطى شهيدا أو أكثر حتى جاء أمر الله (عز وجل) فزلزل عروش الظالمين وزال حكم الصنم، واكتشف أهالي بابل الجريمة الكبرى بحق الأبرياء في مقابر توزعت بإطراف المحافظة ووجد أهالي قرية المزيدية شهدائهم في مقبرة المحاويل الجماعية. واليوم كل من يمر على القرية يقول (هذه قرية الشهداء).......

 

 

مواويل حزينة!!ا

حسين العراقي

بو عبد السوداني رجل من جنوب العراق، ولد عند القصب والبردي والطيور والاسماك حيث تاريخ العراق والاهات المنبعثة من الاكواخ، ما ان تسمع  بمواويل تلك الوجوه المملوحة بصبر الهور والمعجونة ببيوت الطين ،حتى تسبر غور تلك الالام النازفة من جروح تراكمت منذ زمن بعيد، قصصهم دواوينهم اشعارهم غناؤهم احزانهم افراحهم جل ابتساماتهم لاتخرج من اطار زي الالم الذي حمل ضمير الوطن على اكف سمراء ما لها ان تكف او تستريح ما دامت الدمعة شاخصة في عيون اطفال وامهات العراق.  غادر مدينته وتجشم اعباء السفر والغربة قاصدا بغداد بحثا عن لقمة العيش وسد الرمق وحط به المقام متطوعا في صنوف القوات المسلحة منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي.  بعد خمسين عام من الغربة  في متاهات العاصمة ، لم يعرف ابو عبد غير الثكنة حيث العمل  وبيته الذي عاش... والحسينية التي صلى ودعا وبكى مناجيا ربه فيها،رزقه الله العديد من الاولاد والبنات  ليتفرغ ويفرغ ما بقي من سني عمره لأجلهم، علمهم الحرص على الوطن والاخلاص لله في الدين والعمل اما حب اهل البيت فلم يجهد نفسه او يشغل باله ، فان العرق نابض والدم كفيل بنقل ما توراثه عن ابائه واجداده ليستقر كما هو معلوم في صميم قلب وجسد ابنائه واحفاده من بعده لذا فانهم ولدوا وترعرعوا على لحن نشيد الحرية الكربلائية الخالد فكانوا جلهم حسينيي الهوى.  تحت هذا العنوان الكبير تالق ونما عبد الجبار احد اعز ابنائه ودخل كلية الهندسة وكان املا كبيرا يكبر ويتشيد بين جوانح والديه ، لكن الطاغوت ابى الا ان يجهز على المشروع ، وتم اعتقال عبد الجبار في الايام الاولى من الحرب الصدامية ضد الجارة ايران وفي اوج مراحل الدكتاتورية البغيضة التي (دشنها) صدام بالحرب على الاسلام وتعهد لأسياده من خلالها باستئصال الدعاة - ويأبى الله ورسوله والمؤمنون له ذلك -. مرت اكثر من ثلاثة وعشرين عاما على اعتقال عبد الجبار من دون العثور على أي بارقة اثر، والده لم ييأس من العثور برغم كل المؤشرات الدالة والمعروفة عن ضحايا البعث، ظل يبحث ما امكن ذلك... وسهر حتى ابيضت عيناه واشتد سمار وجنتيه بفعل لهيب نار البعث. عندما انتشرت اخبار الحشود العسكرية للاطاحة بنظام الطاغية كان ابو عبد الاشد حماسا لسماع اخبارها ومتابعة لتطوراتها والاكثر تفاؤلا بنتائجها، لم يغادر العاصمة كما فعل غيره، ولم يابه بارهاب من أسموهم بفدائيي الطاغية الذين اخذوا يبثون الرعب في النفوس ولا باصوات القذائف والانفجارات التي كان يصفها بزغاريد البشارة، سنينوه الثمانين لم تشكل عائقا او تحد من حركته، كان يراوده حلم كبير ويحدوه الامل بسقوط الصنم وانفراج محنة المؤمنين، ولعله يشم ريح عبد الجبار في ماتبقى من ايامه. عند حلول التاسع من نيسان 2003 كادت الشمس تشرق من تجعدات خارطة الزمن التي رسمت ولصقت على جبين ابن الجنوب وغريب بغداد - حسب ما اطلق على نفسه -الذي قضى فيها اكثر من ثلاثة ارباع عمره ولم يحفظ عن ظهر غيب الا مصلاه ومرقد الكاظمين الطاهرين(ع) حيث اسعد اوقاته في الزيارة والعبادة والشكوى والدعاء على الظالمين .  الفرحة لم تدم طويلا برغم اتساع حدودها التي شارفت ما بين رمال الارض حتى ابعد نجم في متاهات السماء، لأن الاوراق التي وجدت بين الملفات الامنية كتب باحداها - التي لصقت فيما بعد على الجدران - (المهندس عبد الجبار اعدم عام 1981 لأرتباطه بصفوف حزب الدعوة الاسلامية) . بكى طويلا عندما طالع الجدار الذي زينت مساحاته عشرات الصور المعبرة والشاكية لأرواح زهقت ظلما وعدوانا على ايدي سفاح العصر.  بعد مدة ليست طويلة شوهد ابو عبد  يتكأ على جدار احدى البنايات  المطلة على الشارع العام، وقد تغير اساه عما عرف عنه وكأنه رضا بما كتب الله وايقن بالفوز والشهادة لولده... والنار والعار لقاتليه، كان يقف حاسر الراس وقد وضع عقاله وكوفيته تحت ابط يده التي تعكز فيها، فيما كانت يده الاخرى تلطم راسه وتمسح دموعه وهو في منتهى الانسجام والتفاعل التام مع المسيرة الحاشدة للمواكب الحسينية التي كانت تطوف في منطقته بمناسبة وفاة الزهراء (ع)، وهو يردد مع الجموع:

لاتلمني في ولائي للبتول

*    *    *

مذ ولدت حتى ايام الكهول

*    *    *

انها اخر اصحاب الكساء

*    *    *

انها صرخت كل الشرفاء

كان يمشي خلف الحشود الراجلة وظل يردد ألوع وأروع مما يرددون، صحيح ان صوته كان خافتا بمستوى انحناءات ظهره الا ان السماء كانت تسمعه وتعي ما يقول وذلك غاية مراده ومناه. المسيرة توقفت عند نقطة محددة سلفا والمسافة التي قطعتها المواكب تكاد تكون طويلة ومرهقة على رجل تجاوز الثمانين ودنا كثيرا وقريبا من وادي الغري  الذي كان قد قطع  موعد معه، لكنها نفس المسافة التي شيع بها المؤمنون جثمان المرحوم المظلوم ابي عبد بعد ايام قليلة من ارتشافه رحيق الحرية  وتنسمه عبير المحبة والولاء بعيدا عن اعين الجواسيس والطواغيت لتبقى راية الحق خفاقة برغم طول المسيرة  ومشقة الطريق وقساوة الرحيل.

 

 

أكثر من الصلاة على محمد وآل محمد

أحد الصّالحين ذهب إلى عيادة مريض في آخر أيّام حياته..

فلمّا حضر عنده وجده في حالة الاحتضار..

قال له : كيف تجد مرارة نزع الروح؟

قال المريض: إنّي لاأجد أيّْ مرارة بل أحسُّ بطعم حلو في فمي...

تعجَّب الرَّجل الصّالح من كلام المؤمن..

لأنَّه من المتعارف عند الجميع أنَّ نزع الرّوح من الأمور الشّاقَّة والمُرَّة...

الّتي يواجهها كل إنسان ساعة خروج روحِه من هذه الدُّنيا...

فلمّا رأى المريض حالة التَّعجُّب والحيرة في وجه الرَّجل...

قال له: يا هذا لا تتعجَّب، إنّي سمعت حديثاً عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلَّم <من أكثر من الصَّلاة عليَّ سوف لايجد السّوء والأذى ساعة الاحتضار> وإنّي منذ مدَّة طويلة أُكثِر من الصَّلاة على محمَّد وآل محمَّد، لهذا أجد من جرّاء ذلك دوام السَّعادة والخير وخصوصاً هذه السّاعة (فلنرفع أصواتنا بالصَّلاة على محمَّد وآل محمَّد) أدِم الصَّلاة على النَّبيِّ محمَّد فقبولها حتماً بغير ت  ردُّد أعمالنا بين القبول و ردِّه ا إلّا الصَّلاة على النَّبيِّ محمَّد

 

 

احمد الله.. دائما وابدا

أراد رجل أن يبيع بيته وينتقل إلى بيت أفضل فذهب إلى أحد أصدقائه وهو رجل أعمال وخبير في أعمال التسويق ، وطلب منه أن يساعده في كتابه إعلان لبيع البيت وكان الخبير يعرف البيت جيداً فكتب وصفاً مفصلاً له أشاد فيه بالموقع الجميل والمساحة الكبيرة ووصف التصميم الهندسي الرائع ، ثم تحدث عن الحديقة وحمام السباحة.. الخ !وقرأ كلمات الإعلان علي صاحب المنزل الذي أصغى إليه في اهتمام شديد وقال: أرجوك أعد قراءة الإعلان وحين أعاد الكاتب القراءة صاح الرجل يا له من بيت رائع ! لقد ظللت طول عمري أحلم باقتناء مثل هذا البيت ولم أكن أعلم إنني أعيش فيه إلي أن سمعتك تصفه ثم أبتسم قائلاً من فضلك لا تنشر الإعلان فبيتي غير معروض للبيع ! لحظة من فضلك الرسالة لم تنتهي بعد هناك مقولة قديمه تقول: أحصي البركات التي أعطاها الله لك واكتبها واحدة واحدة وستجد نفسك أكثر سعادة مما قبل... إننا ننسى أن نشكر الله تعالى لأننا لا نتأمل في البركات ولا نحسب ما لدينا ولأننا نرى المتاعب فنتذمر ولا نرى البركات. قال أحدهم: إننا نشكو.. لأن الله جعل تحت الورود أشواك.. وكان الأجدر بنا أن نشكره.. لأنه جعل فوق الشوك ورداً !! ويقول آخر: تألمت كثيراً.. عندما وجدت نفسي حافي القدمين.. ولكنني شكرت الله كثيرا.. حينما وجدت آخر ليس له قدمين ! أسألك ب  الله كم شخص.. تمنى لو انه يملك مثل.. سيارتك , بيتك , جوالك , شهادتك , وظيفتك.. إلخ ؟ كم من الناس.. يمشون حفاة وأنت تقود سيارة ؟ كم من الناس.. ينامون في الخلاء وأنت في بيتك ؟ كم شخص.. يتمنى فرصة للتعليم وأنت تملك شهادة ؟ كم عاطل.. عن العمل وأنت موظف ؟ كم.. وكم.. وكم.. وكم.. ؟! ألم يحن الوقت لأن تقول: يا رب لك الحمد والشكر الابدي ياباعث النعم يادافع النقم يانور المستوحشين في الظلم ياعلما لا يعلم صلي على محمد وال محمد واسمع نجواي واستجب دعاي وبلغني مناي ولاتقطع منك رجائي في الدنيا والاخرة.

 

 

بئر زمزم

قال أحد الأطباء في عام 1971م إن ماء زمزم غير صالح للشرب استناداً إلى أن موقع الكعبة المشرفة منخفض عن سطح البحر ويوجد في منتصف مكة المكرمة ، فلا بد أن مياه الصرف الصحي  تتجمع في بئر زمزم ما أن وصل ذلك إلى علم الملك فيصل رحمه الله حتى أصدر أوامره بالتحقيق في هذا الموضوع  وتقرر إرسال عينات من ماء زمزم  إلى معامل أوروبية لإثبات مدى صلاحيته للشرب ويقول المهندس الكيميائي معين الدين أحمد  الذي كان يعمل لدى وزارة الزراعة والموارد المائية السعودية في ذلك الحين  أنه تم اختياره لجمع تلك العينات كانت تلك أول مرة تقع فيها عيناه على البئر  التي تنبع منها تلك المياه وعندما رآها  لم يكن من السهل عليه أي يصدق أن بركة مياه صغيرة لا يتجاوز طولها 18 قدما وعرضها 14 قدماً  توفر ملايين الجالونات من المياه كل سنة للحجاج منذ حفرت في عهد إبراهيم عليه السلام وبدأ معين الدين عمله بقياس أبعاد البئر ثم طلب من أن يريه عمق المياه فبادر رجل بالاغتسال ، ثم نزل إلى البركة ليصل ارتفاع المياه إلى كتفيه وأخذ يتنقل من ناحية لأخرى في البركة بحثاً عن أي مدخل تأتي منه المياه إلى البركة غير أنه لم يجد شيئاً وهنا خطرت لمعين الدين فكرة يمكن أن تساعد في معرفة مصدر المياه وهي شفط المياه بسرعة باستخدام مضخة ضخمة كانت موجودة في الموقع لنقل مياه زمزم إلى الخزانات بحيث ينخفض مستوى المياه بما يتيح له رؤية مصدرها غير أنه لم يتمكن من ملاحظة شيء خلال فترة الشفط فطلب من مساعده أن ينزل إلى الماء مرة أخرى وهنا شعر الرجل بالرمال تتحرك تحت قدميه في جميع أنحاء البئر أثناء شفط المياه فيما تنبع منها مياه جديدة لتحلها وكانت تلك المياه تنبع بنفس معدل سحب المياه الذي تحدثه المضخة بحيث أن مستوى الماء في البئر لم يتأثر إطلاقاً بالمضخة وهنا قام معين الدين بأخذ العينات التي سيتم إرسالها إلى المعامل الأوروبية وقبل مغادرته مكة استفسر من السلطات عن الآبار الأخرى المحيطة بمدينة مكة المكرمة فأخبروه بأن معظمها جافة وجاءت نتائج التحاليل التي أجريت في المعامل الأوروبية ومعامل وزارة الزراعة والموارد المائية السعودية متطابقة فالفارق بين مياه زمزم وغيرها من مياه مدينة مكة كان في نسبة أملاح الكالسيوم والمغنسيوم ولعل هذا و السبب في أن مياه زمزم تنعش الحجاج المنهكين ولكن الأهم من ذلك هو أن مياه زمزم تحتوي على مركبات الفلور التي تعمل على إبادة الجراثيم وأفادت نتائج التحاليل التي أجريت في المعامل الأوروبية أن المياه صالحة للشرب ويجدر بنا أن نشير أيضاً إلى أن بئر زمزم لم تجف أبداً منذ مئات السنين وأنها دائما ما كانت توفي بالكميات المطلوبة من المياه للحجاج، وأن صلاحيتها للشرب تعتبر أمراً معترفاً به على مستوى العالم نظراً لقيام الحجاج من مختلف أنحاء العالم على مدى مئات السنين بشرب تلك المياه المنعشة والاستمتاع بها وهذه المياه طبيعية تماماً ولا يتم معالجتها أو إضافة الكلور إليها كما أنه عادة ما تنمو الفطريات والنباتات في الآبار مما يسبب اختلاف طعم المياه ورائحتها.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق