رئيس التحرير
 حسن السعيد
جريدة الدعوة : جريدة سياسية يومية تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية  تنظيم العراق
الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الأئمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

 

الجريدة

جريدة

الدعوة

 
 
الصفحة الأولى
السياسية
سياسة دولية
محليات
تحقيقات
الثقافية
المنبر الحر
دراسات
مشاعل
نافذة
الرياضة
الأخيرة
  العدد (761) الثلاثاء 3 جمادى الاولى 1430هـ - 28 نيسان 2009م    
 

 

 

   

فـكــر و ديـن

 

نشأة التشيع والشيعة

محمد باقر الصدر

الاعداد الفكري والتربوي لعلي ( عليه السلام)

المبحث الاول : الاعداد الفكري والتربوي لعلي ( عليه السلام)

نستطيع القول بكل تأكيد أن الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، قد قام بعملية الاعداد الرسالي ( التربوي والفكري ) لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) منذ صدع بالوحي ، وكان صلوات الله عليه يضع الخطوات العملية من أجل بلوغ الغاية المتوخاة من ذلك ، وهي تولي علي للمهمة القيادة ( الاجتماعية والسياسية ) بعده مباشرة.

ويظهر لنا من سير الاحداث ، وما تناقلته كتب السيرة والتواريخ ، وما نقله الرواة الثقاة ، أن ذلك تم عن طريقين :

الاول : تعهد الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) نفسه بكفالة علي ( عليه السلام ) منذ صغره ، وتولي تربيته ورعايته ، والحرص البالغ على أن لا يفارقه إلا لضرورة .

والثاني : إفراد علي ( عليه السلام ) من بين سائر الصحابة. بمقامات وعلوم ومواقف ترتبط بوجود الاسلام وبمستقبله.

فاما اولا : فإن كتب السيرة والرواية قد تكفلت ببيان تفصيلات وافية في هذا الصدد ، حتى أن أمر تعهد الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) لعلي بكفالته منذ صغره ، وتربيته في بيته من أوضح ما تؤخر به سيرته الشريفة ( 1 ) ، ويكفي أن نورد ما بينه الامام علي ( عليه السلام ) نفسه في خطبته الشهيرة بالقاصعة إذ يقول : ( وقد علمتم موضعي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالقرابة القربية ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه . وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . . . ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر امه ، يرفع لي في كل يوم ن أخلافه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري(ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة .

إن هذه الصورة التي ينقلها لنا الامام علي ( عليه السلام ) نفسه عن كيفية وطريقة التعامل التي كان يتبعها النبي معه ، تكشف لنا عن حقيقة وأبعاد الهدف الاعظم من ذلك.

إن هذه التربية المخصوصة لعلي ( عليه السلام ) ، والرعاية القائقة ، والحرص على أن يكون علي قريبا جدا من أنوار الوحي ، وأن يكون متعرضا لنفحات النبوة ، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي ، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الاولى والتوجيهات النبوية المباشرة فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي ( فلا يسجد لصنم قط ) ولا يخالط عقله لحظة شرك ، وينعكس على سلوكه ( فلا كذبة في قوله ، ولا خطلة في فعل . ان هذا ليكشف عن إعداد تربوى خاص بلا أدني شك.

ومما يلاحظ في هذا الصدد أن تعهد الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) لعلي بالرعاية والعناية الخاصتين لم يقتصر على فترة الطفولة والصبا ، ولم يتوقف عند مرحلة معينة لاننا نجد أن الرسول القائد كان حريصا على أن يكون علي إلى جانبه دائما لا يفارقه ليلا ولانهار ، كما ورد عن علي ( عليه السلام ) قال : ( كان لي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) مدخلان ، مدخل بالليل ، ومدخل بالنهار . . بل نجد الرسول القائد لا يفارق عليا ولا يتركه إلا لضرورة تتصل تحفظ حياة الرسول نفسه أو بحفظ الدعوة الاسلامية وحمايتها من أخطار محتملة ونذكر على كل حالة مثالا واحدا لتاكيد المطلب.

أ - المورد الاول الذي يتصل بحفظ حياد الرسول القائد نفسه ، وهو عندما ترك رسول الله عليا ليبيت في فراشه ليلة هجرته ( 5 ) المباركة إلى المدينة ، إيهاما لقريش المترصدين ، وإنجاء لنفسه صلوات الله عليه وآله وسلم من مؤامرتهم لقتله ( 6 ) . وقد نزل في ذلك قوله تعالى : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله . . )

ب - المورد الاخر الذي يتصل بحفظ الرسالة وحمايتها ، وهو عندما أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يخرج إلى بعض مغازيه قيل تبوك - ترك عليا في المدينة خليفة عنه ، لان ابن أبي بن سلول رأس المنافقين كان قد تخلف في المدينة فاقتضى الموقف أن يترك علي لمواجهة أي تطور غير محسوب قد يهدد دولة الرسول القائد في المدينة ، ذكر الطبري أنه لما سار رسول الله - إلى - تبوك - تخلف عنه عبد الله بن ابي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب - وكان عبد الله بن ابي إخا بني عوف بن الخزج - وعبد الله بن نبتل أخا بني عمرو بن عوف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع.

كانوا - أي المذكورن - من عظماء المنافقين ، وكانوا ممن يكيد الاسلامي وأهله

 

 

 

 

 

 

 

 

القـــرآن بين الواقع والمفروض

محسن زواد

كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟ وكيف استطاع المسلم الأول الوصول إلى القمة من خلال القرآن؟ وما الفرق بينه وبين المسلم في الحاضر! مع أنهما ينهلان من نفس الثقافة الواحدة؟

إن المشكلة تكمن في مستوى العلاقة بالمنهج الرباني حيث كان المسلم الأول يتعامل مع القرآن على أساس أنه منهج للسلوك والبناء الحضاري وبالتالي فإن التعامل يؤثر على علاقته بالقرآن والتمسك الواعي بمفاهيمه المقدسة، بخلاف المسلم في هذا العصر الذي يتعامل مع القرآن على أساس الفهم الخاطئ: حيث يعتقد أن هذا الكتاب المقدس يجب أن تقتصر العلاقة معه على أساس القراءة للبركة والاستشفاء بعيداً عن كونه منهجاً لتفكير الانسان في الحياة حيث أنه لا يصح للانسان أن يتعدى هذه الصور السلبية من التعامل. مع أن الله تعالى يقول في كتابه: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) القمر/ 17.

(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين) الإسراء/ 9.

وبالتالي فإن هذا التعامل يؤثر على الحالة الشعورية والانفعالية تجاه آيات القرآن ويتم الانفصال عن المنهج الرباني (فصل المنهج عن السلوك)، بحيث تكون تصرفات الانسان ومواقفه بعيدة عن قيم القرآن ومفاهيمه بخلاف العلاقة الحقيقية المطلوبة في التعامل مع هذا المنهج المقدس حيث أن العلاقة الايجابية تكون لها آثارها الايجابية في بناء الانسان الفرد والانسان المجتمع (وهو سر تقدم المسلمين وانتصاراتهم وتحقيقهم لذلك الكيان الحضاري الذي تنعمت به حتى غير البلاد الاسلامية).

(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) المائدة/ 83.

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال/ 24.

وحتى تكون الصورة واضحة نلقي الضوء ونسلطه على كيفية تعاملنا مع القرآن وما هي العلاقة السليمة المطلوبة حتى نتمكن من العودة إلى الاسلام الأصيل والمناهج الحضارية الكفيلة بسيادة الرخاء والأمن للإنسان.

أولاً ـ الصور السلبية للتعامل مع القرآن:

1 ـ الإهمال المعرفي: ويتمثل في القراءة المجردة الخالية من المعارف العلمية والتأملات التي تكشف عن جوهر هذا الكتاب المقدس هذه القراءة التي وجّه النبي الأكرم (ص) المسلمين إليها حتى تكون العلاقة بين الانسان المسلم والقرآن علاقة ـ تفاعل وإلتزام بما يأمر به القرآن أو ينهى.

وقد جاء في الحديث عن الرسول (ص): (في قوله تعالى، ورتل القرآن ترتيلاً)، قال (ص): بيّنه تبياناً، ولا تنثره نثر الرمل، ولا تهزّه هزّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هَمّ أحدكم آخر السورة.

وقد أكد القرآن على هذه الحقيقة بقوله: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد/ 24.

ولأسف أصبحت العلاقة القشرية مع القرآن هي العلاقة الحاكمة فتحولت الاهتمامات العلمية إلى اهتمامات بسيطة لا تحدث أثراً علمياً أو عملياً يحقق الفائدة، ومن أمثال هذه الاهتمامات القشرية: ما هي عدد حروف القرآن ما هي طول عصى موسى ما نوع الفاكهة التي أكلها آدم.. الخ.

متناسين أن التوجيه الاسلامي هو أن تكون العلاقة علاقة معرفية، يقول الرسول (ص): حين رتل من الآيات: (ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها).

فحينما تمر على مسامعنا هذه الآية الكريمة (بلى قادرين على أن نسوّي بنانه) القيامة/ 4، فقد لا نستوحي منها شيئاً ولكن الذين تأملوا خفاياها توصلوا بعد التجارب: إلى علم البصمات حيث استحالة التشابه في البصمات بين البشر وبالتالي فإن هذا الكشف يوصلنا إلى دقة خلق الانسان وقدرة الإله على إعادة الانسان كما خلق أول مرة (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) الكهف/ 48.

2 ـ الإهمال التطبيقي:

إن القراءة المجردة لا تحدث كبير أثر على سلوك الأفراد، فهب أنك تقرأ القرآن كل يوم ولكنك تهمل أهم بُعدٍ في هذه القراءة وهو التفاعل القلبي والسلوكي مع آيات الكتاب فإن المحصّلة النهائية هي أنك لا تتحول إلى تلميذ قرآني ولا يتحول سلوكك إلى سلوك رباني.

يقول الرسول (ص): رُبّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه.

ويقول (ص): اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه.

مثال: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات/ 12.

تتناول هذه الآية الكريمة ثلاثة أمراض اجتماعية هي:

1 ـ الظن: هو أن يظن بأهل الخير سوءاً.

2 ـ التجسس: هو تتبع عثرات المؤمنين.

3 ـ الغيبة: وهي ذكر العيب بظهر الغيب.

ويظهر في الآية الارتباط والتسلسل في تفاقم هذه الأمراض وآثارها السلبية على أفراد المجتمع المؤمن. فالظن يبعث على التجسس وهو (التجسس) باعث على تتبع وكشف عثرات المؤمنين وبالتالي الحديث عنها (الغيبة).

ومع ورود النهي القرآني عن هذه الرذائل إلا أن هناك فجوة بين هذا التوجيه الإلهي وبين السلوك البشري.

وإليك بعض الروايات التي تمقت بشدة أصحاب هذه الرذائل.

1 ـ الظن: قال الرسول (ص): (إياكم والظن فإن الظن أكذب الكذب).

ويقول (ص): مَن أساء الظن بأخيه فقد أساء بربه، إن الله تعالى يقول: (اجتنبوا كثيراً من الظن).

ويقول علي (ع) موجهاً للخير: لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سواءً وأنت تجد لها في الخير محتملاً.

2 ـ التجسس: يقول الرسول (ص): (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا)، ويقول: (إني لم أؤمر أن انقّب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).

عن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبي عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه ثم انسلّ.

فقال النبي (ص): اطلبوه فاقتلوه، فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه فنفلني إياه.

3 ـ الغيبة: قال علي (ع): لا تعوّد نفسك الغيبة فإن معتادها عظيم الجرم.

وعن جابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله (ص): الغيبة أشد من الزنا.

ويقول الصادق (ع): إياك والغيبة فإنها إدام كلاب النار.

ولا شك أن إهمال القرآن وتعاليمه يؤدي إلى تخلف الأمة ويجعلها تعيش الفقر والحرمان. وهو نتيجة طبيعية لحالة الرفض العملي وعدم الالتزام السلوكي بثقافة القرآن تلك الثقافة المسؤولة القادرة على البناء.

ولا يكتفي أفراد الأمة بالإهمال التطبيقي للقرآن ولكن القضية تتحول إلى توجيه سلبي لثقافة القرآن حسب الأهواء والمصالح من أجل الابتعاد عن كل المسؤوليات الاسلامية الملقاة على عاتق أفراد الأمة، فيعملون جاهدين لتحريف القرآن تحريفاً معنوياً (لا لفظياً) معتقدين أن ذلك يكفل لهم الحياة الفارهة متغافلين أن ذلك أدى إلى أن تتحمل الأمة الاسلامية كل تلك الويلات والمصائب من قبل الأعداء الذين ساهموا مساهمة كبيرة في توجيه الثقافة القرآنية خلاف ما أراد الله سبحانه وتعالى.

يقول تعالى: (ومَن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) طه/ 124-126.

ومن أهم القضايا التي تخلت عنها الأمة هي قضية تحمل المسؤوليات من أجل الحفاظ على الاسلام والدفاع عن الأمة ومقدساتها حيث بررت الأمة تقاعسها مستدلة بكتاب الله (التوجيه السلبي للقرآن).

ـ (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة): بمعنى الجمود وعدم التحرك والدفاع عن الاسلام وقيمه.

ـ (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم) تبرير التقاعس والكسل عن المسؤوليات الاجتماعية فلا يسعى الفرد للاصلاح تحت غطاء المسؤولية الشخصية(إن الفرد مسؤول عن إصلاح نفسه فقط).

جاء أحدهم إلى ابن سيرين وأخبره أنه رأى في المنام خسرانه للدنيا والآخرة فما معنى ذلك؟ فأخبره ابن سيرين هل أضعت قرآناً؟ فأجاب: نعم منذ عدة أيام وأنا أبحث عن قرآن لي ضائع، فقال له: إن تضييعك للقرآن هو تضييع للدنيا والآخرة، فالحياة الآمنة المطمئنة تحتاج إلى قرآن وكذا الآخرة فهي مكان الراحة والهدوء بفضل نعمة القرآن، وما إن مضت سويعات حتى جاء شخص آخر، وقال: يا ابن سيرين رأيت في المنام أن الدنيا والآخرة أضحت من نصيبي، فقال له ابن سيرين: لقد عثرت على قرآن فهو لهذا الشخص فأعطه إياه.

قال تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً) آل عمران/ 187.

إن الطريق الصحيح للاستفادة من القرآن يكمن في العلاقة السليمة الكفيلة بعودة الرخاء والأمن والسعادة للأمة الاسلامية وذلك عبر ما يلي:

ثانياً ـ التعامل الإيجابي مع القرآن:

ولكن ما هي صور التعامل السليمة مع القرآن؟

1 ـ المعرفة العلمية للقرآن: لكي نرتقي بالقرآن علينا أن نتعامل معه على أساس أنه منهج إلهي علمي يتناول كل القضايا بأسلوب علمي دقيق، ولا شك أن العلمية هي الطريق السليم لعلاج كل المشكلات التي تواجه الانسان سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية كما أنه المنهج العلمي القادر على بناء الفرد بناءً سليماً وذلك من خلال معالجة كل الأمراض العالقة والمترسبة فيه، وكذلك فإنه قادر على بناء المجتمع النقي البعيد عن كل القيم المادية والعلاقات الجاهلية التي تكون سبباً وراء تخلف أفراد المجتمع ووحشيته.

يقول تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) يونس/ 57، (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإنكانوا من قبل لفي ضلال مبين)، (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

ولا شك أن هذه الآيات تتناول الأساليب العلمية لبناء المجتمع الصالح من خلال:

المنهج القادر على التغلغل في أعماق الانسان وتنقية الشوائب النفسية والسلوكية والاجتماعية العالقة به.

قدرة الهدم والبناء التي تعني القدرة على رفع القيود التي تكبل الفرد من أنظمة وقوانين جاهلة تعيق حركة الانسان نحو البناء وبالتالي فإن عملية البناء تبدأ على أرضية صلبة قابلة للنظام الإلهي الجديد الذي يقود نحو السعادة.

إن المعرفة العلمية للقرآن تمكنه من معرفة أسباب المشكلات وأساليب العلاج وطرقه، فالفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي المؤدي إلى دمار المجتمع يعالجه الاسلام من خلال كتابه المقدس عبر تسليط الضوء على الأسباب الحقيقية وراء تلك الأمراض والمشكلات.

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طرق وأساليب التربية في الإسلام

يحتوي المنهج التربوي الإسلامي على طرق وأساليب عديدة في التربية، كلها تهدف إلى تهيئة الإنسان للتخلي عما يحمل من مفاهيم وأفكار لا تتناسب مع القيم الإسلامية، ولملئ الشخصية المسلمة بمجموعة من القيم التي يصبح بها الإنسان مسلماً مجسدا يسير في عدة طرق، ومن هذه الطرق:

1- طريقة القدوة

الهدف من هذه الطريقة تحويل المنهج النظري إلى واقع عملي متجسد أمام الجميع، يتحرك على الأرض فإذا كان ذلك كذلك انفتح باب واسع للتأثير على السلوكيات المراد تغييرها، فالحق تبارك وتعالى أراد لمنهجه هذه الطريقة، فكان محمد (ص) التطبيق الصادق والحقيقي لهذا المنهج، فأصبح طريقا للآخرين كي يصلوا إلى المراد: (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة).

فالطفل والشاب والكبير لديه استعداد كبير لمحاكاة الغير وتقليده بمجرد أن يتأثر به، فإن كان هذا الغير خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، ومن هنا ركز الإسلام على نصب القدوة، وحث الأب على أن يكون قدوة لأولاده، ولهذا قيل: "إن القدوة هي دائما قيمة موجبة، يحذف بإزائها قدر مساو من الجهد الذي يجب بذله".

فالأب والمعلم لا بد أن يكونا قدوة للأبناء والمتعلمين، ولا يكونان كذلك إلا أن يتمثلا بالمنهج الإسلامي الحق.

وتدخل الصحبة للطفل في هذه الطريقة، فقد دلت الدراسات على أن لها أثرا بالغا في نمو الطفل النفسي والاجتماعي، فهي تؤثر في قيمه وعاداته واتجاهاته.

وقال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهدئهم اقتده قل لآ أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعلمين).

وقال أيضا: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبرهيم والذين معه).

فالإنسان له قدرة على محاكاة الآخرين، مما يسهل عملية التعلم بهذه الطريقة ما دام الإعجاب باقيا، ولا يحتاج إلى كثير جهد، فهي طريقة عملية ناجعة تفوق التعلم النظري للقيم، بالإضافة إلى الاستفادة من دافع الغيرة في الإنسان على تطبيق ما وصل إليه الآخرين من مدارج سلوكية وعملية.

2- طريقة الوعظ والإرشاد

قال تعالى: (يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور).

وقال تعالى: (إن الله نعما يعظكم به).

وطرق الموعظة تختلف، تارة تأتي من الكبير إلى الصغير: (وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).

وقد تأتي من الصغير إلى الكبير، كما في موعظة إبراهيم لأبيه، قال تعالى: (وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى أرئك وقومك فى ضلل مبين).

وقد تأتي من الحق تبارك وتعالى للجميع كما في موعظة الله لنوح، قال تعالى: (قال ينوح إنه, ليس من أهلك إنه, عمل غير صلح).

وأما مادة الموعظة فتستند إلى الإيمان بالله، وعدم الشرك به، الذي هي أهم القضايا، كما هو الحال في موعظة لقمان لابنه.

فالوعظ يحدث تأثيره إذا ما كان الواعظ أقرب إلى قلب المتعظ سواء كان أبا أو معلما أو صديقا.

3- طريقة القصة

هذه من أحب الطرق إلى قلوب الأطفال، بل والكبار أيضا، وأعطاها الحق تبارك وتعالى مساحة واسعة في كتابه العزيز؛ لما لها من إثارة لمشاعر القارئ وجدانيا، بحيث يتصور نفسه أحد رجالها، فتارة يدخل فيها كلاعب أساسي، وأخرى متفرج يريد أن يعرف النتيجة، وبكلتا الحالتين يصبح السلوك متأثرا بشكل أو ب آخر بمجرد تفاعله مع القصة، فالقصة لها محاكاة مع الوجدان والمشاعر والانفعالات، تؤثر في الإنسان بقدر تفاعله معها، فاستخدم القرآن القصص القرآنية بعناصرها المختلفة: الشخصيات، الأحداث، الزمان والمكان، طبيعة الحوار.

ولم تكن القصص القرآنية وسيلة للسرد واللهو بقدر ما هي طريقة للوعظ والإرشاد، والمتأمل في القصص القرآنية كقصة يونس، موسى، عيسى، نوح، ويوسف وغيرهما من القصص يجد أن عناصر القصة تركز على جوانب أخلاقية من العفة والعدالة والإحسان والصبر والأخلاق والصدق، ولعل هذه الطريقة تحتاج إلى دراسات متكاملة لبيان مناهج القصص في القرآن، وأساليب السرد وطريقة العرض، وأنواع هذه القصص، وكيفية التركيز على العناصر اللاعبة والأساسية في القصة القرآنية، والأهداف الكثيرة التي رمى إليها القرآن في هذه الطريقة، بحيث أعطاها هذه المساحة الواسعة في كتابه العزيز، ولعل هذا هو الطموح الذي نحمله في سبيل دراسة القصة القرآنية، ونتمنى أن يمنحنا الله القوة للنظر في كتابه واستخلاص العبر والدروس منه.

4- طريقة الأشباه والنظائر والأمثال

من الطرق الأساسية التي ركز عليها علماء التربية، هي طريقة إلفات النظر إلى العواقب والنتائج، واتخاذ مواقف سلوكية أو عقلية أو وجدانية منها، وهذه الطريقة كانت مرجوة ومقصودة من خلال ضرب المثل في القرآن الكريم؛ لأن المثل يهدف إلى تركيز وإلفات سامعه إلى النتائج والعواقب التي تؤدي إليها السلوكيات المتبعة في المثل، فمثلا عندما نقف أمام أي مثل من أمثال القرآن نجد أن هناك تركيز واضح على العلاقة بين عناصر المثل ونتائجه المترتبة على السلوكيات المتبعة فيه.

قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطن فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعنه بها ولكنه, أخلد إلى الأرض واتبع هوئه فمثله, كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بئايتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).

فالتربية هنا قامت على أساس إثارة دافع غريزي وهو التنفير من هذه الصفة المذمومة للإنسان التي هي نتيجة للتكذيب ب آيات الله، ومن خلال استقباح هذه الصفة من قبل الإنسان بشكل شعوري أو غير شعوري يؤدي إلى استقباح الفعل المؤدي إليها.

ولم تقف طريقة التربية بالمثل عند هذا الحد، بل سعت إلى تحقيق أهداف كثيرة من خلال صور وسلوكيات أدت إلى نتائج سواء كانت على مستوى العقيدة أو على مستوى التحديد السلوكي المطلوب، عباديا كان هذا السلوك أو غير عبادي، فمثلا على مستوى العقيدة أزال القرآن الكريم الشك باليوم الآخر من خلال صورة لحدث معين أريد لها أن تكون مثلا للجميع.

قال تعالى: (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه, قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له, قال أعلم أن الله على كل شىء قدير).

وأما ما يتصل بالسلوك في بعض جوانبه حاول القرآن الكريم أن يزهد الإنسان بالدنيا، من خلال جعل قيمها قيم زائلة زائفة يجب أن لا تكون هدفا وغاية بل هي وسيلة فقط.

قال تعالى: (اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو

 

 
   

***********

   
     
     
 

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة  - تصدر عن حزب الدعوة الإسلامية   تنظيم العراق