الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(870) الاحد 22 شوال 1430 هـ/11 تشرين الاول 2009

الثقافية

فضاءات ثقافية

الجواهري ومـحنـة الـــوطن

وائل المرعب

الجواهري.. هذا النموذج الأغرب والأكثر إثارة في عالم الشعر العربي خلال تأريخه.. والقامه المديدة التي افترش ظلها أديم الإبداع العراقي والعربي قرابة قرن من الزمان.. والنافذة الفسيحة المشرعة والمطلة على رياض القصيدة العربية التي ملأ القاريء العربي رئتيه من خلالها بنسائم بحور الخليل.. والاسم المدوي الذي اقض مضاجع الطغاة وهز عروش الملوك الفاسدين.. والذي قاد مسيرة النضال بحدوه المجلجل الصخاب عبر المسالك والشعاب الوعرة والناتئه لدروب الكفاح من اجل الحرية ودحر الشر وإشاعة النور..

أقول اخذ الجواهري الكبير استحقاقه كاملاً من محبة شعبه بمختلف مشاربه حتى أضحى رمزاً إبداعيا ووطنياً ومحط مباهاتهم وفخرهم.. وكان هو يعلم ذلك جيداً.. اذ قال يوماً:

وأنا لسان الشعب كل بليةٍ / تأتيه احمل ثقلها وأصور

وإذا تفطر من فؤادي جانب / حدبت عليه قلوبهم تتفطر

ولكن هل أخذ استحقاقه الكامل بما ينسجم وثقله الإبداعي الخلاق من نقاد الأدب والشعر رغم عشرات الكتب والمقالات التي كتبت عن تجربته الشعرية على امتداد الوطن العربي؟

أنا أشك في ذلك..

علينا أن نتذكر أسماء.. عبد الكريم الدجيلي.. د. علي جواد الطاهر.. هادي العلوي.. حسن العلوي.. د. زاهد محمد زهدي.. د. محمد حسين الأعرجي.. د.مهدي السعيد.. صادق زلزله.. فاروق البقيلي.. صباح المندلاوي.. غالي شكري، وأسماء أخرى عديدة كتبوا عن الشاعر، المؤلف والمقالة. المذكرات.. كما انه نال جائزة (اللوتس) وربما منح جائزة (عويس) الأدبية لست على يقين من ذلك.. ولكن هل هذا هو استحقاق الجواهري؟..

في أواسط السبعينيات أجرت الإذاعة العراقية لقاءً مع حسن العلوي، وكانت ضمن الأسئلة ما يتعلق بولعه الشديد بالشاعر قال: لو إن قصيدة الجواهري (يوم الشهيد) تترجم الى اللغات العالمية الأخرى بصورة تحمل نفس الجرس الموسيقي ونفس البلاغة وغرابة المفردة والصورة والإيحاء وتقع على مسامع ومدارك الناس هناك بنفس التأثير الذي يحدثه وقعها على مسامعنا، لاستحقت لوحدها جائزة نوبل، وكان محقاً في ذلك..

إن الموروث الجيني الذي حمله الشاعر عن عائلته التي تمتهن الشعر والبلاغة والفقه كون نواة خليته النادرة الأولى، وتربة النجف الرملية الساخنة كست بشرتة بسحنتهاالسمراء، وبرودة سراديب بيوتها وفرت له استراحات للوعي والمراجعة، وتوهج القبة الذهبية الشاهقة وسط المدينة رسمت في عينيه التماعات النبوغ والتواصل مع الإرث الفكري الثر للأمام علي، وهديل حمام المنائر وحفيف سعفات النخيل رمزت في ذاكرته النوتات الأولى للإيقاع الشعري، والنواح الذي يحمل جنائز الموتى القادمة من كل إرجاء الدنيا صوب مدينته ودموع المنابر الحسينية ومواكب العزاء طبعت في مخياله بصمات الحزن والهم الجماعي،  وانتشار محلات النجف الأربع على تخوم الصحراء فتحت إمامه افقآ لا حدود له للتأمل، ومرور قوافل الجمال أمامه وهي تمخر كثبات الرمل وتتبع خطى الحادي صبغت حنجرته ببحة محببة كانت تنغم طريقته المنبرية عند النظم، وعيون النسوة التي تتلصص من وراء العباءات التي تشف أحيانا عن ما تخفيه عجلت في انتباها ته العذرية الأولى، وقسوة التقاليد وزحمة المحرمات زرعت في صلبه بذور التمرد والتطلع نحو الأنعتاق مخلفاً وراءه لعنات وأسباب وشتائم جمهرة المحافظين، وقراءاته المبكرة وهو لم يكمل سن الرشد المفروضة عليه حفظها عن ظهر قلب لأربعة مؤلفات ضخمة.. الامالي لأبي العلا القالي..الكامل للمبرد.. نهج البلاغة.. ديوان المتنبي إضافة إلى المعين الذي لا ينضب التي كانت توفره الدواوين العائلية ومكتبات البيوتات العلمية في النجف من أمهات الكتب..كل هذه القراءات أصبحت ذخيرته فيما بعد وسلحته بأدوات الشاعر ومكنته من إن يطأ بقدمه الواثقة أرض القصيدة ويجازف بالنشر...

كل هذه الظروف والعوامل والصور كونت اللبنات الى للإنسان النابغة الذي تلبس شخصاً دعي محمد مهدي الجواهري..!!

إذن لا يمكن إن يكون الجواهري الاعراقياً ونجفياً من هذه العائلة تحديداً، وإذا افترضنا (وهنا الافتراض محال) انه كان مصرياً لأصبح هرماً رابعاً من أهرام الجيزة، ولأنبرى مئات الكتاب والنقاد المصريين والعرب في تأليف الكتب والمجلدات عن شعره وحياته، ولسخرت الماكنة الإعلامية المصرية الضخمة لتصنع منه رمزاً مقدساً تنحر له القرابين، ولرشح لنيل جائزة نوبل قبل عشرات السنين من منحها لنجيب محفوظ ولحازها بكل استحقاق، ولأصبحت أسماء مثل احمد شوقي وحافظ إبراهيم منزوية خجلة ترفل بالظل.

إذن ماذا نقول للعراق؟ بلد الحضارات الأولى في السفر الإنساني وبلد العبقريات المفردة.. ماذا نقول وقد أشبعتنا أرضه النبية تقتيلاً وتشريداً عبر تاريخه الطويل؟.. يسفح دمنا على ترابه ونزداد عشقاً لقسوته وعذاباته.. يبعدنا خارج حدوده وتظل أعيننا مسمرة صوب نهريه ونخيله وابداننا ترنو إلى شمسه اللاهبة. كيف غرس فينا كل هذا الوله والصبابة وهو بهذا الصدود والنكران؟ لماذا لم يكن وفياً على اقل تقدير لرموزه الشامخة كالجواهري العظيم وقد غناه مائة عام..

أنا العراق لساني قلبه ودمي/ فراته وكياني منه أشطار

أسئلة تكاد تحيل أقلامنا إلى سكالين تجرح وجه الورق الأبيض من فرط ماينبجس من وجداننا من حنق على القدر الذي يخطئ أحيانا في توقيتات الصدف وتحديد المواضع والأمكنة.. ونحن جميعاً ضحايا هذا الخطأ.

 

 

حدس اللحظة ولحظة الحدس في التعبير واللغة

محمد الأسعد

من السهل أن يدرك الإنسان تمثيله للواقع باللغة والرموز والإشارات، ولكن من الصعب أن يدرك الواقع ذاته، أي: من الصعب أن يدرك الأرض/ التجربة، بأغوارها المكانية والزمانية المتموجة والمتعرجة. الأسهل أن يأخذ المفاهيم والرموز والألفاظ مأخذ الواقع، وهكذا يختلط عليه أمر الخريطة والأرض، ويغيب الفارق بينهما في الحس الإبداعي والنقدي على حد سواء. اللغة ملساء. بينما التجربة تضاريس، نتوءات ومنخفضات. والمهم في أي عمل فني تجربة الواقع، أي التضاريس مباشرة، تجربة تتجاوز عالم المفاهيم والحس الشائع ذاته، والمضي بعيداً إلى التعبير عما يظل عصياً على التعبير. القصيدة القصيرة الوامضة، التي بدأ يتجه إليها عدد كبير من الشعراء، وأنموذجها “الهايكو” اليابانية، نموذج فني يتخطى فيها التعبير بالكلمات إلى التعبير بالصورة، كأصفى أنموذج يمنحنا حدساً مفاجئاً وإدراكاً يعلو على ضروب التعليل والتفكير الذهني. ويحتاج هذا النمط إلى نقد جديد لا يحاول استخلاص أفكار الشاعر ومشاعره و”ألعابه اللغوية والنفسية”، كما جرت العادة، بل الوصول إلى حدسه وإدراكه المباشر.

يحاول الناقد معرفة القصيدة، تكوين فكرة عنها؛ بينما المطلوب تجربتها مجدداً، الوصول إلى الإدراك الذي وصله الشاعر. كلا الاثنين، الناقد والشاعر، لا يتصلان ببعضهما إذا ظل كلاهما يعيش في مستوى وجود لا يتطابق مع مستوى وجود الآخر، لا يدانيه، لا يشتبك معه. كيف يمكن الدخول في تجربة التماعة برق بالتحليل الذهني؟ يعبر الناقد المقيم في مستوى وجوده الذهني، مستوى رسام الخرائط، من رؤية الالتماعة إلى الحديث عن القوانين الطبيعية التي تنتجها، عن سحابة تقترب من الأرض وتفرغ شحنتها الكهربائية. بينما الالتماعة شيء آخر تماماً. هي ليست السحابة ولا الشحنة ولا سطح الأرض الذي تلقاه، بل هي كينونة أدركها شاعر أو رسمها. بهذه الطريقة النقدية لا يمكن إدراك البروق والصواعق، ناهيك عن تجربتها. والنقد، كما القراءة، تجربة أيضاً. إنه بحاجة إلى طريقة نقدية موازية، إلى نقد حدسي، لا نقد فكري. ولهذا السبب يظل هذا الضرب من الشعر، شعر الصورة الذي يرسم الفضاء أو يشير إليه، بعيداً عن الإدراك النقدي المألوف. النقد المألوف هذا شكّل ذائقة وطرائق تلقّي الجمهور الرديئة، ونقل فيه النقاد رداءة تلقيهم إلى القارئ، أخذوه إلى مستواهم، أفقدوه بداهة التلقي الأولى، أبعدوه عن مستويات الوجود الممكنة الأخرى، لتصبح طرائقهم في القراءة والتفكير مساراً إجبارياً يسلكه القارئ، وهكذا تتشكَّل بيئة غير مواتية لنمو وعي سليم بالشعر.

في الكتابات الشائعة ترد أحياناً إشارات ضمنية إلى أن قصيدة من القصائد هي أكبر من مجموع ألفاظها. ولكن من النادر أن يمضي أحد إلى متضمنات هذا، إلى ما يترتب عليه، إلى القول أن كلية القصيدة أكبر من كل ألفاظها وهوياتها الفردية، هي هوية متميزة وجديدة كلياً، لا يمكن التعرف عليها بالعودة الى المعجم، لا يمكن إدراكها بمنطق اللغة. تشير القصيدة إلى القمر، ولكن عادات التلقي الرديئة تدفع الناقد، والقارئ في ما بعد، إلى التوقف عند عتبة الألفاظ، بدل الانشغال بالقمر. ومن هو ذلك الذي يحتاج إلى كل هذا الفيض من الكلام عن الألفاظ والأوزان والتشبيهات والاستعارات حين يكون مسعاه نحو القمر كما هو مسعى الشاعر؟ حين نصطاد الأسماك بالسلال والشباك ما هي حاجتنا إلى السلال والشباك؟.

النقد العربي في أكثر تجلياته حضوراً مشغول بالإصبع التي تشير إلى القمر، بالسلال والشباك، لا بالأسماك. هذه حالة متدنية من حالات الوعي النقدي لا تتجاوز التقسيم والتصنيف والتفكير بماذا أراد الشاعر أن يقول، بماذا يعني. غاية الشاعر ليس أن يقول أو يعني، بل أن يدرك، أن يحدس، أن يصل إلى لحظة الاستنارة، ويجسد هذا في شكل فني فريد. لحظات متعالية مثل هذه تقع في مستويات فوق الوعي المتوسط لا تفيد الألفاظ في القبض عليها. قد تفيد في ملاحقتها أحياناً، كما يلاحق فلكي مسار نجم أو شهاب، ولكنها لن تتجاوز الحديث عن مسار نجم أو شهاب.

أسوأ النقاد من يذهب إلى القراءة محتشداً بالأفكار والمفاهيم والنظريات، بما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال، فيكتب عما يريد ويعرف، لا عما يرى. يكرر أدوات تحليله ذاتها أمام أي نص يتناوله، فيقول ما يعرف، لا ما يكتشف. هذا النمط ليس مهيئاً لتلقي ضرب من الوعي العالي، بل تلقي ضرب أدنى، ضرب جزئي، لا يستطيع الوصول إلى الكل، كل تجربة الفنان، أو الشاعر. وضروب الوعي الجزئية تجسدها أشكال وافرة من القصائد، وتحتل مساحة يرتع فيها شعراء مع نقادهم وقرائهم بلا حساب.

عليّ أن أقول -إذن- إن الفن ضرب من الحدس يعلو على ضروب التفكير الأخرى، التفكير بالخبر والتحليل والمعلومات والتعليل، يحتاج تلقيه إلى استعداد نفسي وعقلي مختلف. لهذا السبب ربما يفشل الكلام النقدي أمام "الصورة"، ويجد نفسه مرتاحاً في الحديث عن الصورة، لأن طبيعتها ليست من طبيعته، ولأن غايتها ليست من غاياته. وليس من المبالغة القول أن هذا سبب مهم من أسباب خلو المكتبة العربية من النصوص النقدية المبصرة في الفن التشكيلي، فن الصورة، لا فن الكلام، وخلوها من النصوص النقدية ذات القيمة في الفن الموسيقي، ذلك الفن الخالص الذي لا يمكن أن تكون اللغة طريقاً إليه، مثلما لا يمكن أن تكون خطوط رسام الخرائط طريقاً إلى التضاريس الأرضية بمنحنياتها وأغوارها. النقد المزدهر هو النقد المشغول بفنون الكتابة وفي حسبانه أنها تمثيل أمين للواقع؛ والسبب بسيط، وهو أن للكلمة أصلاً في المعجم وفي الكلام اليومي الشائع، بينما لا يوجد في الطبيعة أصل أو مرجع لخطوط وألوان اللوحة، ولا مرجع لموسيقى قطعة، إلا تمثيلاً وتشبيهاً واستعارة وتوهماً، أي أن المفردات في القصيدة، مثلاً، حين تصبح أكبر من مجموع ألفاظها، وتستقل بهوية متمايزة عن هوية كل مفردة على حدة، يختفي جانبها الدلالي المعجمي ومعه جانبها النفعي، وتخلق خلقاً جديداً. ومن هنا يتعكز النقاد باللغة، بوجوه استخدامها المألوفة، آملين أن يتسلقوا سلالمها إلى القصيدة بما أنها تستخدم ما يبدو أنه الأداة نفسها، أي اللغة. الغائب عن الوعي هنا أن الشاعر أو الفنان حين يستخدم اللغة يحولها إلى مجال آخر لا تعود فيه هوية اللغة هي ذاتها كما كانت في معاجمنا وأحاديثنا.

الضرب الحدسي هذا، الذي هو ممارسة فنية، ينتج حيث يخرس العقل ويتوقف الفكر والتحليل والتعليل، وعياً خارقاً غير مسبوق، لا سابقة له، وتجرب الأشياء مباشرة، بلا توسط حتى من لغة ولون وصوت؛ لأن مثل هذا الوعي ينتج كلية جديدة أو كينونة جديدة. ويكون عقل الفنان في هذه الحالة مرآة للسماء والأرض، أي: مرآة كل الأشياء دفعة واحدة. ولهذا لاحظ بعض النقاد أن الكلمات أحياناً تقف حاجزاً أمام التجربة الشعرية، تجربة الحدس في أصفى حالاتها. ويتهيب كثير من الشعراء من هذه الحالة، فيثقلون نصوصهم البرقية والتماعاتها بالتفسير والشرح؛ إحساسا منهم بأنها قد لا تكون مفهومة، أو أنهم يخشون من ألاَّ يكونوا هم أنفسهم على وعي كافٍ بمتضمنات هذه الالتماعات.

هذا التوحد بالمحيط والأشياء خاصية حالة تأملية يتوقف فيها كل شكل من أشكال التشظي، ويتلاشى في وحدة لا اختلاف فيها، في لحظة استنارة. ولكن هذه الحالة لا تعني أن عقل الفنان يتم تنويمه، بل هي حالة نشاط استثنائي يكون فيها العقل يقظاً يقظة تامة، مفتوحاً على كل الأصوات والمشاهد والإنطباعات المحيطة به، بالإضافة إلى إدراكه غير الحسي للواقع. إنه لا يأخذ الأصوات والمشاهد والإنطباعات من أجل تحليلها وتفسيرها وشرحها، فهي من غير المسموح لها أن تشتت الانتباه، بل من أجل الوصول إلى استبصار روحي أعلى. أما النقاد فينشغلون، ويشغلون معهم عامة القراء، بهذه الأصوات والإنطباعات والمشاهد الحسية، غافلين عن الهدف النهائي من هذه التجربة التأملية العميقة وما ينتج عنها. فيتشتتون، ويشتتون القارئ معهم. إنهم يظلون في الأجزاء والشظايا، ويبحثون عن مرجعية اجتماعية أو سياسية أو عاطفية، ولا يصلون إلى الموقف الذي يتلاشى فيه كل هذا، إلى لحظة التنوير التي لا مرجع لها إلا اللحظة ذاتها. ما يعنيه هذا هو أن الكلمات الشعرية إشارات إلى تضاريس أرض ما، قد لا تكون حتى مما ارتسم على الأرض بعد. وينشغل النقد العربي الشائع في المؤتمرات والندوات وصفحات الصحف بالحديث عن الكلمات/ الإشارات، غافلاً عن التضاريس ذاتها، تلك التي لا يمكن الوصول إليها عبر الكلمات، بل عبر وعي استثنائي أيضاً، عبر مزيد من الوعي بأن "ما وراء الكلمات"، بأن "الإيحاء"، بأن ما "يفيض عن الكلام"، أو "معنى المعنى" الذي كشف عن وجوده عبد القاهر الجرجاني، وتلاه في العصور الحديثة وليم أمبسون، هو موضع النظر والتلقي. وقد لا يكون هذا الـ"ما وراء" مما يمكن تلقطه من هذا الكتاب أو ذاك، أو من هذه المرجعية أو تلك.

ليس مطلوباً من النقد أن يفسر ما هو غير لغوي بطبيعته (تجربة الواقع مباشرة) باللغة، بل أن يقارب هذا الحدس واعياً أنه ليس مما يمكن ترجمته إلى لغة (يقال أحياناً في إشارة إلى هذا إن شرح القصيدة لا يقف بديلاً لها) وهذا صحيح، ولكن بمتضمناته الأبعد من مجرد هذه الإشارة، بما يعنيه من استكشاف لمنطق جديد مختلف لا يكون فيه ناتج جمع واحد وواحد اثنين دائماً. وليس مطلوباً أن ينقل الناقد لنا النص ذاته، فهذا محال، بل أن يهيئ أذهاننا لتلقي مثل هذا الحدس. بالطبع، عليه أن يكون هو ذاته قد تهيأ واستعد وجرّب الوصول إلى هذا الضرب من الوعي الحدسي، أي: طرح عنه ثياب التقليد، وبدأ يتلقى التجربة بشروطها، وألغى المقاربات المعتادة (اللجوء إلى المعجم أو سجلات القبائل الشعرية والنقدية)، ومحاولات محاكاة حالة التأمل العميقة الفريدة التي أنتجت القصيدة. التجربة الفنية هي تجربة مباشرة للواقع تعلو على مجالي التفكير واللغة والسوابق، ولهذا يظل النقد، أو ما يقال عن هذا الضرب من التجارب صادقاً صدقاً جزئياً. فرضية النقد المعتاد (الأكاديمي والصحفي) هي أن كل شيء يمكن توصيله باللغة، ولكن طبيعة تجربة الفنان الداخلية، وتجربة كل إنسان في الحقيقة، تتجاوز الألسنيات. ومن الوهم الاعتقاد بأن صفحات المعاجم رموز تفسر تجارب الماضي والحاضر والمستقبل، أو تكافئها. هذه مفارقة لا يمكن التغلب عليها بتسوية تضاريس التجارب أو غرابتها كي تتمكن اللغة من القبض عليها وتغطيتها وتمثيلها، بل بتحول النقد عن طريقه التقليدي والشك بمقولاته التي يستند إليها، والارتفاع إلى مستوى يمكن للغة النقد فيه أن تشير، أن تنظر في التجربة الداخلية بشروطها التي تبدو "غير معقولة" في ضوء ما نعرفه وما نريده من اللغة، لا أن تظل تزعم أن وظيفتها الفهم والإفهام والتوصيل. الغامض والملتبس بطبيعته، أي كأصل وسبب لكل العمليات الخلاقة في النفس والطبيعة، لا يمكن فهمه وتوصيله ببساطة كما يؤخذ جذع شجرة لصناعة مقاعد وأسرّة مريحة. أنت هنا تكسب مقعداً وسريراً، ولكنك تفقد الشجرة. الغامض والملتبس ليسا حالتين مؤقتتين، بل هما حالتان أصليتان، هما لب الوجود، وهما منبع تجليات الوضوح الذي لا تنتهي أشكاله، ولن يتوقف الغموض عن غموضه ولا الالتباس عن التباسه مرة واحدة وإلى الأبد.

ما هو غير لغوي (ضرب الوعي الحدسي) لا يمكن التعبير عنه باللغة. ومعنى هذا أن الفن في أعلى مستوياته لا يمكن قراءته ونقده بالطرائق التقليدية، تماماً كما لا يمكن للعين التقليدية، التي تبحث في اللوحة عما يماثل أو يناظر أو يطابق ما هو قائم في عالمها الطبيعي، أن تقرأ أو تقترب من اللوحة ذاتها ولذاتها.

حين يتكشف الفن عن ضرب من ضروب هذا النوع من الوعي الحدسي، الذي يعلو على الوصف والتقرير والإخبار بالواقعات أو عرض الأحوال، سيجد المتلقي نفسه ضائعاً. هو مجبر على اكتشاف أن لغته المعتادة في الحديث عن الفن وتداوله والنظر إليه عاجزة، غير صالحة للتلقي والتداول والحديث عن هذا الواقع الفني، الذي انكشف عن وجه جديد له.

 

 

قصة قصيرة

الـــنـــمـــط

صالح جبار محمد

أيقن ألان إن لا مجال له في إن يحيا على ذات النمط الذي ألفه فقد كان يخشى على حياته..

الكثير من الأمور قد تغيرت ولم يعد احد يرغب في رويته لأنه دائما يذكرهم بالماسي التي مرت بهم..

إما هو فكان يتلذذ بتلك الصور المرعبة بل انه كان مندفعا لأجل إن ينجزها على أكمل وجه..

أصبح ألان سجين داره ولم يعد يزوره احد..

لم يعد احد معه سوى زوجته التي صارت تعامله بخشونة ..

فكر وهو يتطلع في بمرآة غرفة نومه حين كانت النساء يأتين لأجل التوسل به لإنجاز أمورهن المستعصية أو لدفع ضرر ما..

كانت أمورا تافهة لأنه بحكم موقعه كان يستطيع إن ينجز الكثير لكنه لم يبال لمشاكلهم العديدة..

لم يعد يسيطر على احد ألان لقد اختفت مظاهر سلطانه ولا غير هذه الزوجة القميئة التي لم تعد تصغي إليه..

جال بخاطره وهو يمضي بين غرف الدار التي أصبحت سجنه..

كيف إن الوقت يسحقه ببطء والملل يتسرب الى زوايا روحه..

لم يكن هناك ما يملي به الساعات الطوال وهو جالس في غرفة نومه يواجه خزانة الملابس التي تحتوي بدلاته العديدة..

حاول إن يتذكر متى كانت أخر مرة ارتدى فيها ( بدلته الزيتونية ) ؟ لم تسعفه الذاكرة تألم كثيرا , أحس إن ذاكرته تخونه وانه لن يستطيع بعد ألان تذكر ماضيه الذي يجتره طوال فترة الخواء التي يعيش فيها ؟!

وفي الليل لا يؤنسه شيء سوى التلفاز وهذا الجهاز الغريب الذي ينقل له صور الدنيا لكنه ابدا لم يعر برغبة المسامرة في هذه الآلة.

فالصور التي يراها ألان تختلف عن تلك التي أدمن عليها لأعوام عديدة..

لم تكن مجرد صور تبث على آلة جامدة..

أنها بالنسبة له حياة كاملة تتفاعل مع وجدانه المستمر مع هذه المشاهد..

التي تطل وهو يرى بطله الذي يفتعل الضحكات المتشنجة..

ومع مرور الوقت كانت تلك الجلسات الطويلة جزءا من تكوين نسيجه..

فقام بتسجيلها على اقراص مدمجة وحين انتبه نهض نحو خزانة الملابس راح يبحث بلهفة عن اقراصه المخباة بين طيات الثياب.. وحين لم يعثر عليها صرخ بغضب :- اين هي .. ؟! وقفت المراة التي ذبل وجهها من فرط المعاناة .. لتقول له: ما الذي تبحث عنه .. ؟

احتاج الى ان يتنفس بعمق , كاد ان يغمى عليه من فرط غضبه ليسالها: اين الاقراص ؟ وقبل ان يكمل اجابت , لقد وضعتها فوق الخزانة.

احتاج الى ان يكلمها بهدوء..وحزم تعلمهما جيدا من ماضيه المندثر: لماذا فعلت ذلك .. ؟؟ ألا تخافين أن يأتي أ حدهم ويعثر عليها .. ماذا سيكون موقفنا ... ألم تفكري أن الامور , ستزداد سوءا .. ثم لم تخبريني بهذا الامر ؟؟!! كان يبدوا أنه يمارس سلطته التي يفتقدها كثيرا , أنها جزء من تكوينه الخاص , الذي حرص لفترة طويلة أن يحافظ عليها..

نظرت أليه , المرأة القميئة ,بعد أن وضعت كرسيا ,أمام الخزنة لتطل على سطحها , لأجل جلب الاقراص التي خبئت هناك , قائلة وهي تمسك برزمة منها: هذه أقراصك العزيزة .. ولا داعي لأن تكلمني , بمثل هذا الحذر والخوف .. لقد مضى زمان بطلك اللعين , وأردفت وهي تهبط من الكرسي لقد تغير كل شيء..

أمسك الاقراص بلهفة وكأنه لم يسمع ما قالته زوجته .. وضع القرص الفضي في جهاز التسجيل وأنتظر محدقا في الشاشة الملونة أمامه .. وبعد لحظة ظهر بطله , وقد أحاط به رجال غلاظ .. أحس براحة عميقة , تسري في بدنه وأحتاج , الى أن يشعل لفافة تبغ , وهو يتابع الصور المتحركة أمامه ... ونسى نفسه منغمسا في ملكوته .. كان الوقت يمضي وهو لايزال يقبع مكانه كمومياء..

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق