|
فدك في التاريخ
الحلقة الخامسة
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
طريق الثورة:
لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا ، لأن البيت الذي انبعث منه
شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام ، بالطبع الذي كان يصطلح
عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة ، وهو جار المسجد
لا يفصل بينهما سوى جدار.
واحد ، فلعلها دخلته من الباب المتصل به ، والمؤدي إليه من دارها
مباشرة ، كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام . ولا يهمنا تعيين أحد
الطريقين ، وإن كنت ارجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية
التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة الدفاعية يشعر بهذا ، فإن دخولها من
الباب الخاص لا يكلفها سيرا في نفس المسجد ، ولا اجتياز طريق بينه وبين
بيتها ، فمن أين للراوي أن يصف مشيها ، وينعته بأنه لا يخرم مشية رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع ولو تصورنا أنها
سارت في نفس المسجد ، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة ، وإنما
يبتدي بذلك ، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه ، وإن سار
في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها ، وهذا
وغيره يكون قرينة على ما استقريناه.
النسوة: وتدلنا الرواية على أن على الزهراء كانت تصحب معها نسوة من
قومها وحفدتها كما سبق ذكره ، ومرد هذه الصحبة وذلك الاختيار للباب
العام إلى أمر واحد ، وهو تنبيه الناس ، وكسب التفاتهم باجتيازها في
الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد ، ويتهافتوا حيث ينتهي بها
السير بقصد التعرف
على ما تريده ، وتعزم عليه من قول أو فعل ، وبهذا تكون المحاكمة علنية
تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب.
ظاهرة: سبق أن الرواية التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم
في مشيتها مشية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم .
ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق ، فلعله كان طبيعة قد جرت
عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص ، ولى هذا ببعيد فإنها (
صلوات الله عليها ) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر أفعالها
وأقوالها ، ويحتمل أن يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت
الحوراء قد عمدت في موقفها يو مذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات
وقصد فأحكمت التمثيل ، وأجادت المحاكاة ، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، وأرادت بهذا أن تستولي على
المشاعر وإحساس الناس ، وعواطف الجمهور بهذا التقليد البا هر الذي يدفع
بأفكار هم إلى سفر تصير ، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة
المقدس ، والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله
عليه وآله وسلم فيكون في إرهاف هذه الأحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما
يمهد للزهراء الشروع في مقصودها ، ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة ،
واستجابة استنقاذها الحزين ، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة.
ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضا من حيث يشعر أو لا
يشعر ، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة.
الفاطمية: صرخة باركتها الزهراء ، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها
محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح ، والمحاولة اليائسة التي شاعت
حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير ، ويأس ثابت ،
واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يو مذاك .
ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات
الاخرى بقدر ما كانت تهدف إلى تثبيت الثورة لذاتها ، وتسجيلها فيما
يسجله التاريخ في سطوره البارزة ، فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي
الغرض كاملا غير منقوص ، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها
وإن فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب.
فدك بمعناها الحقيقي والرمزي بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته
السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين . ( قرين الزهراء )
أمير المؤمنين عليه السلام ( نهج البلاغة / تنظيم صبحي الصالح:
فدك : قرية في الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، وهي
أرض يهودية في مطع تاريخها المأثور.
وكان يسكنها طائفة من اليهود ، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة
حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم على النصف من فدك وروي أنه صالحهم عليها كلها وابتدأ بذلك
تاريخها الأسلامي ، فكانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ثم قدمها لابنته الزهراء ،
وبقيت عندها حتى توفي أبوها صلى الله عليه وآله وسلم فانتزعها الخليفة
الأول رضى عنه الله - على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة - وأصبحت من
مصادر المالية العامة وموارد ثروة الدولة يو مذاك ، حتى تولى عمر
الخلافة فدفع فدكا إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقيت
فدك عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تولى الخلافة عثمان بن
عفان فأقطعها مروان بن الحكم على ما قيل ، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد
عثمان فلا يصرح عنها بشئ . ولكن الشئ الثابت هو أن أمير المؤمنين عليا
انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان - كسائر ما نهبه
بنو امية في أيام خليفتهم.
(في عهد أمير المؤمنين): وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة
فدك أن عليا لم يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر ، فلو
كان يعلم بصواب الزهراء وصحة دعواها ما انتهج ذلك المنهج . ولا اريد أن
أفتح الجواب بحث التقية على مصراعيه واوجه بها.
عمل أمير المؤمنين ، وإنما أمنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قد
سار على طريقة الصديق ، فإن التاريخ لم يصرح بشئ من ذلك ، بل صرح بأن
أمير المؤمنين كان يرى فدك لأهل البيت ، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في
رسالته إلى عثمان بن حنيف كما سيأتي .
فمن الممكن أنه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك ،
وليس في هذا التخصيص ما يوجب إشاعة الخبر ، لأن المال كان عنده وأهله
الشرعيون هو وأولاده .
كما يحتمل أنه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن أولاده
عليهم الصلاة والسلام ، بل لعلهم أو قفوها وجعلو ها من الصدقات
العامة.
عصمة الأنبياء بين القرآن والفلسفة
الطباطبائي
إن العصمة على ثلاثة أقسام: العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي، والعصمة عن
الخطأ في التبليغ والرسالة، والعصمة عن المعصية وهي ما فيه هتك حرمة
العبودية ومخالفة مولوية، ويرجع بالآخرة إلى قول أو فعل ينافي العبودية
منافاة ما، ونعني بالعصمة وجود أمر في الانسان المعصوم يصونه عن الوقوع
فيما لا يجوز من الخطأ أو المعصية. وأما الخطأ في غير باب المعصية
وتلقي الوحي والتبليغ، وبعبارة أخرى في غير باب أخذ الوحي وتبليغه
والعمل به كالخطأ في الأمور الخارجية نظير الأغلاط الواقعة للانسان في
الحواس وادراكاتها أو الاعتباريات من العلوم، ونظير الخطأ في تشخيص
الأمور التكوينية من حيث الصلاح والفساد والنفع والضرر ونحوها فالكلام
فيها خارج عن هذا المبحث. وكيف كان، فالقرآن يدل على عصمتهم (ع) في
جميع الجهات الثلاث:
أما العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة: فيدل عليه قوله
تعالى في الآية: (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب
بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه
من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما
اختلفوا فيه من الحق بإذنه) فإنه ظاهر في أن الله سبحانه إنما بعثهم
بالتبشير والإنذار وإنزال الكتاب (وهذا هو الوحي) ليبينوا للناس الحق
في الاعتقاد والحق في العمل، وبعبارة أخرى لهداية الناس إلى حق
الاعتقاد وحق العمل، وهذا هو غرضه سبحانه في بعثهم، وقد قال تعالى: (لا
يضل ربي ولا ينسى) طه/ 52، فبيّن أنه لا يضل في فعله ولا يخطئ في شأنه،
فإذا أراد شيئاً فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ، وإذا
سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه، وكيف لا وبيده الخلق والأمر وله
الملك والحكم، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم معارف الدين
ولابد أن يكون، وبالرسالة لتبليغها للناس ولابد أن يكون! وقال تعالى
أيضاً: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً) الطلاق/ 3، وقال
أيضاً: (والله غالب على أمره) يوسف/ 21.
ويدل على العصمة عن الخطأ أيضاً قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على
غيبه أحداً إلا مَن ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه
رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء
عدداً) الجن/ 28، فظاهره أنه سبحانه يختص رسله بالوحي فيظهرهم ويؤيدهم
على الغيب بمراقبة ما بين أيديهم وما خلفهم، والإحاطة بما لديهم لحفظ
الوحي عن الزوال والتغير بتغيير الشياطين وكل مغير غيرهم، ليتحقق
إبلاغهم رسالات ربهم، ونظيره قوله تعالى حكاية عن قول ملائكة الوحي:
(وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما
كان ربك نسياً) مريم/ 64، دلت الآيات على أن الوحي من حين شروعه في
النزول إلى بلوغه النبي إلى تبليغه للناس محفوظ مصون عن تغيير أي مغير
يغيره.
وهذان الوجهان من الاستدلال وإن كانا ناهضين على عصمة الأنبياء (ع) في
تلقي الوحي وتبليغ الرسالة فقط دون العصمة عن المعصية في العمل على ما
قررنا، لكن يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضاً بأن الفعل
دال كالقول عند العقلاء، فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسناً
جائزاً كما لو قال: إن الفعل الفلاني حسن جائز فلو تحققت معصية من
النبي وهو يأمر بخلافها لكان ذلك تناقضاً منه، فإن فعله يناقض حينئذ
قوله فيكون حينئذ مبلغاً لكلا المتناقضين وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ
للحق، فإن المخبر بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلاً
للآخر، فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا تتم لا مع عصمته عن المعصية
وصونه عن المخالفة كما لا يخفى.
ويدل على عصمتهم مطلقاً قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده) الأنعام/ 90، فجميعهم (ع) كتب عليهم الهداية، وقد قال تعالى:
(ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل) الزمر/ 37.
وقال تعالى: (من يهد الله فهو المهتد) الكهف/ 17، فنفى عن المهتدين
بهدايته كل مضل يؤثر فيهم بضلال، فلا يوجد فيهم ضلال، وكل معصية ضلال
كما يشير إليه قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا
الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم
جِبلاً كثيراً) يس/ 62، فعد كل معصية ضلالاً حاصلاً بإضلال الشيطان
بعدما عدها عبادة للشيطان، فإثبات هدايته تعالى في حق الأنبياء (ع)، ثم
نفى الضلال عمن اهتدى بهداه، ثم عد كل معصية ضلالاً تبرئة منه تعالى
لساحة أنبيائه عن صدور المعصية منهم وكذا عن وقوع الخطأ في فهمهم الوحي
وإبلاغهم إياه.
ويدل عليها أيضاً قوله تعالى: (ومَن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين
أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك
رفيقاً) النساء/ 68، وقال أيضاً: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) الحمد/ 7، فوصف هؤلاء
الذين أنعم عليهم من النبيين بأنهم ليسوا بضالين، ولو صدر عنهم معصية
لكانوا بذلك ضالين، وكذا لو صدر عنهم خطأ في الفهم أو التبليغ، ويؤيد
هذا المعنى قوله تعالى فيما يصف به الأنبياء: (أولئك الذين أنعم الله
عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وممن
هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً فخلف من
بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وسوف يلقون غياً) مريم/ 59،
فجمع في الأنبياء أولاً الخصلتين: أعني الإنعام والهداية حيث أتى بمن
البيانية في قوله وممن هدينا واجتبينا بعد قوله: أنعم الله عليهم،
ووصفهم بما فيه غاية التذلل في العبودية، ثم وصف الخلف بما وصف من
أوصاف الذم، والفريق الثاني غير الأول لأن الفريق الأول رجال ممدوحون
مشكورون دون الثاني، وإذ وصف الفريق الثاني وعرفهم بأنهم اتبعوا
الشهوات وسوف يلقون غياً فالفريق الأول وهم الأنبياء ما كانوا يتبعون
الشهوات ولا يلحقهم غي، ومن البديهي أن مَن كان هذا شأنه لم يجز صدور
المعصية عنه حتى أنهم لو كانوا قبل نبوتهم ممن يتبع الشهوات لكانوا
بذلك ممن يلحقهم الغي لمكان الاطلاق في قوله: (أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات وسوف يلقون غياً).
وهذا الوجه قريب من قول مَن استدل على عصمة الأنبياء من طريق العقل بأن
إرسال الرسل وإجراء المعجزات على أيديهم تصديق لقولهم. فلا يصدر عنهم
كذب وكذا تصديق لأهليتهم للتبليغ، والعقل لا يعد انساناً يصدر منه
المعاصي والأفعال المنافية لمرام ومقصد كيف كان أهلاً للدعوة إلى ذلك
المرام، فإجراء المعجزات على أيديهم يتضمن تصديق عدم خطأهم في تلقي
الوحي وفي تبليغ الرسالة وفي امتثالهم للتكاليف المتوجهة إليهم
بالطاعة.
ولا يرد عليه: ان الناس وهم عقلاء يتسببون في أنواع تبليغاتهم وأقسام
أغراضهم الاجتماعية بالتبليغ ممن لا يخلو عن بعض القصور والتقصير في
التبليغ، فإن ذلك منهم لأحد أمرين لا يجوز فيما نحن فيه، إما لمكان
المسامحة منهم في اليسير من القصور والتقصير وإما لأن مقصودهم هو
البلوغ إلى ما تيسر من الأمر المطلوب، والقبض على اليسير والغض عن
الكثير وشيء من الأمرين لا يليق بساحته تعالى.
ولا يرد عليه أيضاً: ظاهر قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
التوبة/ 123، فإن الآية وإن كانت في حق العامة من المسلمين ممن ليس
بمعصوم لكنه أذن لهم في تبليغ ما تعلموا من الدين وتفقهوا فيه، لا
تصديق لهم فيما أنذروا به وجعل حجية لقولهم على الناس والمحذور إنما هو
في الثاني دون الأول.
ومما يدل على عصمتهم (ع) قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع
بإذن الله) النساء/ 64، حيث جعل كون الرسول مطاعاً غاية للإرسال، وقصر
الغاية فيه، وذلك يستدعي بالملازمة البينة تعلق إرادته تعالى بكل ما
يطاع فيه الرسول وهو قوله أو فعله لأن كلاً منهما وسيلة معمولة متداولة
في التبليغ، فلو تحقق من الرسول خطأ في فهم الوحي أو في التبليغ كان
ذلك إرادة منه تعالى للباطل والله سبحانه لا يريد إلا الحق.
وكذا لو صدر عن الرسول معصية قولاً أو فعلاً والمعصية مبغوضة منهي عنها
لكان بعينه متعلق إرادته تعالى فيكون بعينه طاعة محبوبة فيكون تعالى
مريداً غير مريد، آمراً وناهياً، محباً ومبغضاً بالنسبة إلى فعل واحد
بعينه تعالى عن تناقض الصفات والأفعال علواً كبيراً وهو باطل وإن قلنا
بجواز تكليف ما لا يطاق على ما قال به بعضهم، فإن تكليف ما لا يطاق
تكليف بالمحال وما نحن فيه تكليف نفسه محال، لأنه تكليف ولا تكليف،
وإرادة ولا إرادة، وحب ولا حب، ومدح وذم بالنسبة إلى فعل واحد!
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء/ 164، فإن الآية ظاهرة في أن
الله سبحانه يريد قطع عذر الناس في ما فيه المخالفة والمعصية وأن لا
قاطع للعذر إلى الرسل (ع)، ومن المعلوم أن قطع الرسل عذر الناس ورفعهم
لحجتهم إنما يصح إذا لم يتحقق في ناحيتهم ما لا يوافق إرادة الله
ورضاه: من قول أو فعل، وخطأ أو معصية، وإلا كان للناس أن يتمسكوا به
ويحتجوا على ربهم سبحانه وهو نقض لغرضه تعالى.
فإن قلت: الذي يدل عليه ما مر من الآيات الكريمة هو أن الأنبياء (ع) لا
يقع منهم خطأ ولا يصدر عنهم معصية وليس ذلك من العصمة في شيء، فإن
العصمة على ما ذكره القوم قوة تمنع الانسان عن الوقوع في الخطأ، وتردعه
عن فعل المعصية واقتراف الخطيئة، وليست القوة مجرد صدور الفعل أو عدم
صدوره وإنما هي مبدأ نفساني تصدر عنه الفعل كما تصدر الأفعال عن
الملكات النفسانية.
قلت: نعم لكن الذي يحتاج إليه في الأبحاث السابقة هو عدم تحقق الخطأ
والمعصية من النبي (ص) ولا يضر في ذلك عدم ثبوت قوة تصدر عنها الفعل
صواباً أو طاعة وهو ظاهر.
ومع ذلك يمكن الاستدلال على كون العصمة مستندة إلى قوة رادعة بما مر في
البحث عن الإعجاز من دلالة قوله تعالى: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله
لكل شيء قدراً) الطلاق/ 3، وكذا قوله تعالى: (إن ربي على صراط مستقيم)
هود/ 56، على أن كلاً من الحوادث يحتاج إلى مبدأ يصدر عنه وسبب يتحقق
به، فهذه الأفعال الصادرة عن النبي (ص) على وتيرة واحدة صواباً وطاعة
تنتهي إلى سبب مع النبي (ص) وفي نفسه وهي القوة الرادعة، وتوضيحه: أن
أفعال النبي المفروض صدورها طاعة أفعال اختيارية من نوع الأفعال
الاختيارية الصادرة عنا التي بعضها طاعة وبعضها معصية، ولا شك أن الفعل
الاختياري إنما هو اختياري بصدوره عن العلم والمشيئة، وإنما يختلف
الفعل طاعة ومعصية باختلاف الصورة العلمية التي يصدر عنها، فإن كان
المقصود هو الجري على العبودية بامتثال الأمر مثلاً تحققت الطاعة، وإن
كان المطلوب ـ أعني الصورة العلمية التي يضاف إليها المشيئة ـ اتباع
الهوى واقتراف ما يصدر عنه الفعل، ولو دام أحد العلمين أعني الحكم
بوجوب الجري على العبودية وامتثال الأمر الإلهي لما صدر إلا الطاعة،
ولو دام العلم الآخر الصادر عنه المعصية (والعياذ بالله) لم يتحقق إلا
المعصية، وعلى هذا فصدور الأفعال عن النبي (ص) بوصف الطاعة دائماً ليس
إلا لأن العلم الذي يصدر عنه فعل بالمشيئة صورة علمية صالحة غير
متغيرة، وهو الإذعان بوجوب العبودية دائماً، ومن المعلوم أن الصورة
العلمية والهيئة النفسانية الراسخة غير الزائلة هي الملكة النفسانية
كملكة العفة والشجاعة والعدالة ونحوها، ففي النبي ملكة نفسانية يصدر
عنها أفعاله على الطاعة والانقياد وهي القوة الرادعة عن المعصية.
ومن جهة أخرى النبي لا يخطئ في تلقي الوحي ولا في تبليغ الرسالة ففيه
هيئة نفسانية لا تخطئ في تلقي المعارف وتبليغها ولا تعصي في العمل ولو
فرضنا أن هذه الأفعال وهي على وتيرة واحدة ليس فيها إلا الصواب والطاعة
تحققت منه من غير توسط سبب من الأسباب يكون معه، ولا انضمام من شيء إلى
نفس النبي كان معنى ذلك أن تصدر أفعاله الاختيارية على تلك الصفة
بإرادة من الله سبحانه من غير دخالة للنبي (ص) فه، ولازم ذلك إبطال علم
النبي (ص) وإرادته في تأثيرها في أفعاله وفي ذلك خروج الأفعال
الاختيارية عن كونها اختيارية، وهو ينافي افتراض كونه فرداً من أفراد
الانسان الفاعل بالعلم والإرادة، فالعصمة من الله سبحانه إنما هي
بإيجاد سبب في الانسان النبي يصدر عنه أفعاله الاختيارية صواباً وطاعة
وهو نوع من العلم الراسخ وهو الملكة كما مر.
التعرية الاركيولوجية/ نقد لافكار اركون
علي حرب
يصرح أركون مراراً وتكراراً بأنه يستعمل أمضى الأسلحة الفكرية وأكثرها
فاعلية. أولاً لانه يستخدم أحدث الأدوات المنهجية والتقنيات العقلية؛
ثانياً لأنه لا يعتمد على منهجية واحدة، بل يتبنى استراتيجية منهجية
"تداخلية متعددة الاختصاصات"، مستفيداً من كل الانجازات المعرفية التي
تحققت في العقود الأخيرة، وهي فترة شهدت فيها الفلسفة وعلوم الانسان
"طفرة" أدت إلى تغيير خارطة الفكر وقلب الرؤية إلى العالم.
وهو يعتمد بشكل خاص على المنهجية الحفرية الأركيولوجية. ولا شك أن لهذه
المنهجية ميزتها قياساً، مثلاً، على المنهجية الابستمولوجية
الباشلاردية التي يعتمدها محمد عابد الجابري. ففي المنهجية الأخيرة
يُقيّم النتاج المعرفي على أساس الفصل الحاسم بين الخطأ والصواب، أو
بين العلمي والخرافي، أو بين المعقول واللامعقول... أما المنهجية
الحفرية فإنها تتعدى هذا المستوى للبحث عن آليات الخطاب في تشكيل
المعنى أو عن ألاعيبه في إنتاج الحقيقة. بحسب منهجية الجابري ثمة أنظمة
معرفية عقلانية وأخرى غير عقلانية، ثمة خطابات تتسم بالمعقولية وأخرى
تفتقر إلى المعقولية، ثمة فرق ومذاهب تمثل أهل العقل وأخرى تمثل أهل
النقل واللاعقل. من هنا يُدرج الجابري أهل التصوف والتشيع في خانة
الغنوص والأسطورة والخيمياء وسواها من مظاهر اللامعقول. في المنهجية
الحفرية التي يتبعها أركون تجري الأمور بصورة مختلفة. إذ هنا يمكن أن
نضع السنة والشيعة على قدم المساواة، ذلك أن التحليل الحفري يبين أن
الفرقتين، بالرغم مما بينهما من تضاد عقائدي أو فقهي، تستخدمان في
خطاباتهما نفس المبادىء والقواعد والآليات، بمعنى أننا نجد عندهما نفس
النظام المعرفي، ونفس العقلية الدوغمائية، ونفس المفهوم الأحادي
للحقيقة، ونفس استراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى
(تاريخية ص 150). هذه هي ميزة المنهجية الحفرية. بها نتجاوز منطوق
الخطاب للبحث عن مضمراته والكشف عن آليات اشتغاله. ولهذا فإن هذه
المنهجية تفتح آفاقاً جديدة أمام التفكير وتقدم أدوات مفهومية تتيح
قراءة ما لم يُقرأ في النصوص.
ومع ذلك فإن أركون لا يتابع حفرياته حتى النهاية. فهو يقرأ نصوصاً بعين
حفرية، بينما يقرأ نصوصاً أخرى بعين ابستمولوجية. من هذا القبيل قراءته
للتراث الصوفي والاشراقي. إنه يستبعد هذا التراث من دائرة العقل
والتفلسف. ذلك أن أركون، كناقد للعقل، يميز على نحو حاسم بين العقل
واللاعقل على طريقة ديكارت، معتبراً اللاعقل هو نقيض العقل. وهذا ما لا
يُسلم به النقد المعاصر الذي يبيّن أن لا خطاب من دون استراتيجية عقلية
ظاهرة أو باطنة، ولا نص من دون شكل من أشكال العقلانية أياً كان منطوقه
اللاعقلاني. ولهذا فأنا لا آخذ مثلاً بما يقوله ابن عربي عن خطابه.
فالنص اللامعقول في منطوقه قد ينكشف عند الحفر والتنقيب عن عقلانية
واسعة من حيث بنيته وأجهزته المفهومية. ولو أخذنا صدر الدين الشيرازي،
مثالاً آخر، نجد في خطابه انصهاراً لمختلف أنواع العقلانية، المشائية
والإشراقية والعرفانية فضلاً عن النبوية. فهل نستبعده من دائرة التفكير
الفلسفي؟ تقديري أن أركون لم يطلع على "الحكمة المتعالية" الكتاب
الأبرز عند الشيرازي. أعرف أنه يعترض على كلامي بقوله إن الموقف
الفلسفي يختلف عن الموقف الصوفي والاشراقي، من حيث كونه موقفاً نقدياً
ورهاناً عقلانياً. ولكن ما العقل وما العقلانية؟ من الذي يفكر ويعقل
ويشرع؟ أليس الموقف العقلاني نوعاً من الوهم مؤداه تطابق العقل
والواقع؟ إننا نعرف اليوم أن الحديث عن ذات عاقلة تتصور العالم وتقبض
عليه هو موضع للمساءلة والنقد. فالأنا أفكر هذه المقولة لم تعد بداهة
من البداهات. وها إن فيلسوفاً كفوكو يعتبر أن التفكير فعل يشبه رمي
النرد. حقاً إن المرء يتساءل: من يفكر في النهاية؟ أو بمعنى أدق، ما هو
هذا الشيء الذي يفكر؟ أياً يكن إن الفلسفة هي انفتاح على العالم وقراءة
للتجارب. قد تكون التجارب باطنية عرفانية. لا يهم ذلك، وإنما المهم أن
تصاغ بلغة مفهومية تكشف عن علاقة بالوجود والحقيقة. لا يهم الموقف الذي
نصرح به. وإنما المهم قدرتنا على الخلق والابتكار. فما هي المفاهيم
التي يبتكرها أركون وما هي الحقول التي يفتتحها في قراءته للفكر
الاسلامي؟. |