|
فضاءات ثقافية
قصيدة النثر العربية بدائل إيقاعية المصطلح والنشأة
عامر الجابري
لعل شكلاً كتابياً لم يمثل إشكالية ثقافية ولغوية وتجنيسية كما هو
الحال في قصيدة النثر العربية، التي كلما تقدم بها الزمن نحو الأمام،
كلما اتسعت بها دائرة البحث عن المصطلح وعن الجنس والبداية في البحوث
والدراسات الخاصة بهذا المجال.
في حين نجد المصطلح - بهذا الاسم- قد فتح باب الجدل على مصراعية بدلاً
من غلقه، وهذا الجدل في حقيقة الأمر - قائم على طبيعة التناقض الموجود
في القصيدة فهو أصل موجود فيها أسست له وتبنت دعائمه (سوزان برنار) إذ
تقول: ((وقصيدة النثر في الواقع مبنية على إتحاد المتناقضات ليس في
الشكل فقط، وإنما في جوهرها كذلك، شعر ونثر، حرية وقيد، فوضوية هدامة
وفن منظم)).
فالمعترضون كثيرون على هذا المسمى ويرون أنه يحمل التناقض في بنيته،
فكيف يكون قصيدة ونثراً في الوقت عينه!وهذا مؤسس وفقاً للموروث الثقافي
العربي، إذ لا بدّ أن تؤلف القصيدة على أوزان وإيقاعات، أي وفقاً
لتعريف قدامة بن جعفر إذ يقول: (( وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ
ولا أوجز مع تمام الدلالة من أنه:- قول موزون مقفى ويدل على معنى))،
ووفق هذه الرؤيا فان قصيدة النثر تتعارض أيما تعارض معها، لأنها جاءت
لتنسف مما تنسفه لما هو مألوف من ذلك الأساس الإيقاعي والوزني الذي (ظل
على الدوام ركناً من أركان الشعرية الذي لا يُزعزع)، فهذه الناقدة
العراقية (نازك الملائكة) لها موقف تجاه هذه القصيدة إذ تقول: ((ولقد
سموا النثر الذي يكتبونه على هذا الشكل باسم (قصيدة النثر) إن القصيدة
إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثراً..... فما معنى قولهم
(قصيدة نثر) أذن؟))، فهي ترى أن الشعر قائم على الوزن فلا شعر بدون
وزن، متناسية إن الشعرية تخلق وزن النص، ولا يخلق الوزن بالضرورة شعرية
النص.
نحن نرى إن المصطلح إذا كان قد تعرض للأشكال في ذاته، فأن مما قاده إلى
هذا الأشكال وهو الخلط بينه وبين غيره من المصطلحات التي واكبت قصيدة
النثر العربية وحملت الدارسين على ذلك الخلط، ففي زمن وجيز تجمعت
مجموعة من المصطلحات على صلة بموضوعة (قصيدة النثر) من مثل: (( الشعر
المنثور، القصيدة المنثورة، الشعر المرسل، الشعر المنطلق، النثيرة ،
النثر بالشعر......الخ))، فالمتأمل لهذه الأنواع سيلاحظ الفوضى السائدة
بسبب عدم تدقيق وتوحيد المصطلح ضمن ما يتناسب والنسق الثقافي
العربي.أما ونحن نقف إزاء هذا المصطلح الذي نعده ضحية الترجمة الحرفية
للمصطلح الغربي لا بد من نحدد موقفنا من هذا المصطلح نحن نرى بان قصيدة
النثر هي جنس مغاير لا هو شعري ولا هو نثري يأخذ من الشعر كما يأخذ من
النثر ما دمنا قد سلمنا بأن القصيدة غربية المنشأ وغير عربية فهم لم
ينشروا تحت هذا المسمّى قصائدهم إلا إذا اعترف أصحابها بأنها قصيدة
نثر، وفي هذه دلالة على أن هذه القصيدة كانت موجودة وكان موجود معها
الكثير من الأجناس الأخرى.أما فيما يخص النشأة فالإتفاق يكاد يكون
مطلقاً في أن قصيدة النثر العربية لون من الألوان الكتابية الشعرية
(وعنوان درج تحته شعراء مجلة (شعر) اللبنانية تجاربهم وإبداعاتهم
الكتابية)، (كل من أدونيس، يوسف الخال، خليل الحاوي، نذير عظمه... هم
الشعراء الأساس الذين شكلوا نواة تجمع شعر في البداية)، لحق بهم إنضمام
أسعد رزوق، إنسي الحاج، خالدة سعيد، كنقاد شباب لهذه الجماعة الأدبية،
ثم إستطاعت مجلتهم ـ شعر ـ أن تستقطب في أوقات متباينة مجموعة أخرى من
الشعراء الشباب نحو هذا التجمع وأبرزهم: (فؤاد رفقة, محمد الماغوط،
منير بشور، شوقي أبو شقرا، عصام محمود).
هؤلاء هم من بشروا بلون من الكتابة جديد، مع عدم التطرق إلى تسمية
محددة له، كون المصطلح كان ولما يزل غائما في أذهان الجماعة شأنه شأن
كل جديد إلى أن أنجزت الباحثة (سوزان برنار)، أطروحتها للدكتوراه في
قصيدة النثر الفرنسية والموسومة تحت عنوانقصيدة النثر من بودلير إلى
ايامنا)، الأمر الذي حدا برواد كتابة هذا اللون إلى تناول المصطلح
وبدأوا يسمون به كتاباتهم ونتاجاتهم النثرية فيما بعد.
فقد سارع أعضاء من جماعة ـ شعر ـ الأدبية إلى ترجمة كتاب (سوزان برنار)
ـ ملخصاًـ وتبني المبادئ الواردة فيه، وكان أول من يسعى إلى ذلك هو
أدونيس في مقالته التي كتبها (في قصيدة النثر) التي نشرها عام 1960 في
المجلة عينها، تلاها إصدار لأنسي الحاج بكر مجاميعه تحت عنوان (لن)،
ليصبح أول ديوان خاص في قصيدة النثر العربية متلائما مع ما وضعوه من
قواعد وأصول للكتابة بهذا اللون الأدبي.
لذا فإننا لا نبالغ إذا ما عددنا أدونيس، يوسف الخال، إنسي الحاج هم
الأسماء التي دعت إلى كتابة قصيدة النثر العربية وتبنيها نمطاً شعرياً،
وأبرزاها في الوطن العربي لما قدموه من نتاجات غزيرة، فضلاً عن سبقهم
الزمني والتوسع في تبني مفهومات سوزان برنار بعد أن نقلوها إلى
العربية.
أما فيما يخص إنتشار هذا اللون من الكتابة وتحت عنوان قصيدة النثر في
الوطن العربي فقد كان المناخ مهيئاً - إلى حد ما- لإستقبال هذا اللون
الكتابي نتيجة لإنتشار حركة الترجمة والبعثات العربية الى الدول
الاوربية والاطلاع على ما عند الاخرين من آداب، فقد كان لظهور مجلة
(الكلمة) عام 1968م في العراق لصاحبها حميد المطبعي خطوة أخرى للكتابة
بهذا اللون من الشعر والتي قام بها شعراء شباب من العراق هم: سركون
بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي) وغيرهم من الشعراء، ثم توالت هذه
المحاولات في مناطق أخر من الوطن العربي لنشر هذا النسيج الأدبي الذي
أقتحم الساحة العربية وفرض هيمنته الفعلية في بداية وأواخر السبعينيات
وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم في سوريا ومصر والسودان والمغرب
وغيرها من الدول العربية
تقنية كتابة الرواية
ضمد كاظم وسمي
لعل القارئ المعاصر يعاني من الصعوبة في اكتشاف جوهر الرواية التي
يطالعها .. لان ((الرواية ليست شريحة من الحياة . بل إنها قطعة من الفن
لها نظائر )) .. فالرواية قصة طويلة .. تسرد حكاية / قصة واحدة أو أكثر
.. وقد تكون قصة إثارة بحتة كالرواية البوليسية .. أو الرواية
الفنطازية . أو قصص الخيال العلمي .. أو الرواية التي تهتم بالشخصيات.
ليست ثمة حدود توقف الرواية .. لقد وصفها هـ . ج . ويلز. بـ ((
الكيس))حيث يقول : (( يمكنك أن تضع فيه ما يعجبك )) .. لأنه يمكنك أن
تكتب عن أحداث تعود لقرون خلت .. وباستطاعتك أن تكتب عما يحدث في
المستقبل .. والذي قد لايرى النور أبدا .. لك أن تكتب عن إنسان يصل أي
كوكب تشاء ويحيا فيه ويعاشر أهله .. أو أن تجعل كائنات من تلك الكواكب
تغزو الأرض وتجعل أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ! .. لكن الرواية تبقى
طريقة للكتابة عن الشؤون الحياتية المعاشة وعن الإنسان الحاضر بغض
النظر عن توظيف الماضي والمستقبل والمتخيل فيها.
لابد للرواية من بداية تدعو إلى إثارة الاهتمام من خلال شخوص متميزين
.. وأحداث تمغنط القارئ .. الرواية البارعة هي التي تجعل القارئ لايغذ
السير بها بأقل من إيماءة مذهلة .. عندما يحيط الروائي بالخطوط العامة
لروايته، وإنضاجها على نار هادئة في تنور ذهنه .. وليس جيداً أن يمتلك
التفاصيل منذ البداية .. لان الروائي يعد (( القارئ الأول )) لروايته
.. وكأي قارئ آخر .. حاجته ماسة إلى الاستمتاع والدهشة.
أن كتابة الرواية ليست بالضرورة مجرد حكايات تسرد عن الناس .. ما لم
تضمخ تلك السرود بالعبق الإنساني وتسربل تلك الحكايات بأثواب تركيبية
فنية ، والشخصية ليست مجرد كائن يتحرك كما الناس العاديين .. مالم تشكل
بعداً فكرياً أحيانا . أو تتشح بسربال يمثل وجهة نظر ما . بتعبير اخر
أن الروائي قد يلتقط شخصية حقيقية .. ويجري عليها المزيد من التعديل
والتحوير ، لكنه يبقي على العنصر الأساسي فيها .. (( أن الشخصية مزيج
من الابتكار والحقيقة )) .. وله أن يلصق بها نتفاً من كائنات بشرية
أخرى .. مثلما يضيف لها من نفسه بوعي أو بدون وعي .. (( قد تكون
الرواية 00 جزء من تجربة تكشف حياة المؤلف .. وتثري إحساسنا بها)).
عندما يراد التخلص من الحضور الدائم للمؤلف في الرواية في كتابته لها
بصيغة الشخص المتكلم .. أو عند الإذعان لمعرفته كل شيء يتعلق بالرواية
.. يصار الى القول (( المؤلف شخص يتحدث الى قارئه من خارج القصة )) ..
لكن من أية وجهة نظر يرويها .. وأين سيكون ابتدأ يرتب كل شيء ثم يتوارى
بذكاء خلف مشاهد روايته ؟ .. فالروائي ليس اكثر غرابة من الآخرين لكن
عادات عمله ربما يشوبها شيء من الغرابة .. لانه يعمل لوحده .. وان عمله
يتطلب تركيزاً عالياً .. وإلا أصيب بالخيبة.
كانت اللغة الشعرية هي لغة الروايات القديمة .. فضلاً عن كونها اقرب
الى مذكرات شخصية منها الى رواية عصرية .. لذلك كان يكتنفها الملل
وربما ضاق المؤلف بها ذرعاً فأهملها ولم يتمها .. لكن الرواية العصرية
لاتخلو من اوشال القرون السالفة .. (( ولما كانت الرواية هي نتاج عصر
الحكايات الخيالية فقد جاءت مفتقرة الى شيء من نور الأحكام الأكاديمية
وأنا اعتقد بأنها مازالت تجد مبرراً للأسف على ما فاتها)).
قد يمتطي الروائي سرداً ما للتعبير عن أفكاره .. التي يجعلها كجسر
للاتصال بالقراء .. بتعبير آخر أن جسره هذا هو موضوع الرواية .. ويسمى
في أعراف الأدب (( الثيمة)) .. التي تختلف عن الحبكة – فعل القصة - ،
يمكن التعبير عن الثيمة بكلمة أو عبارة .. بينما الحبكة بحاجة الى
الكثير من التعابير لتلخيصها .. قد يعبر عن الثيمة بكلمة محبطة .. لكن
لايعني ذلك ابداً بان الرواية تميل الى التجهم .. لان الرواية لايمكنها
أن توجد بدون مشكلة .. وبدون صراع .. لاجل وضع الحبكة في حركتها ،
سلسلة الاحداث مهما كانت مشوقة لايمكنها أن تكون رواية .. والتصوير
الفوتغرافي للواقع هو الاخر لاينتج رواية بمعناها الفني .. لابد من
اختيار ثيمة ما تشكل هاجساً يؤرق الكاتب لفترة طويلة .. لها صدى في
المجتمع ايضاً .. لان التمكن من الصنعة بمعزل عن الثيمة لايلد الا
رواية جوفاء.
عندما يشرع الكاتب بفصول روايته .. انما يتحرك باتجاه بقاع جديدة ..
ثمة تغيير مستمر يجريه الكاتب أو يفرض عليه .. وتطور في الشخصيات
بالنسبة الى الكاتب على الاقل .. يغوص الكاتب بجرأة في ذلك العالم
الجديد .. يتلمسه ويتحسسه .. (( من هنا تشغلك اهمية الثيمة حتى نقطة
الاستغراق )) .. فالثيمات العظيمة .. لاتنتمي الى عصر بعينه ولاتحيى في
مكان محدد .. انها تاريخية وكونية .. (( انها اسطورة كل العصور يحكيها
الكاتب)).
يعد رسم شخصية وهمية .. جوهر الكتابة الروائية .. ينبغي أن يستقي
الكاتب ذلك مما يعرفه عن نفسه .. (( كتاب القصة هم اناس ذوو اوجه
متعددة )) .. وعن الناس الذين قابلهم .. فامكانات هذا الابتكار لاتنضب
.. الشخصية يجب أن تفصح عن نفسها رويداً رويداً .. كما الناس .. مظهرها
وصوتها وسلوكها ثم مواقفها .. حتى الوصول الى جوانبها العميقة .. التي
لابد من الاشارة اليها منذ البدء ولوضمناً.
يمكن أن تكون شخصية ما في الرواية مملة .. من دون أن يكون الحوار مملاً
.. الدعابة مطلوبة وكذلك الصراع داخل الحوار .. وان كان ذلك ليس
ميسوراً لكل كاتب! (( لم أكتب في حياتي شيئا اصعب من تلك الاحاديث
الملآى بالتفاهات )) .. كما يقول فلوبير ، كل شخصية في الحوار لها
اختيارها الفردي للكلمات .. وتميزها في صياغة الملاحظات ، ربما يستغرق
الحوار ثلث الرواية وهو الانسب وفق قاعدة الاحاديث القصيرة ذات
الدلالات الكبيرة والحوار بطبيعته يميل الى مواراة الحقيقة اكثر من
البوح بها .. كعادة البشر .. كما أن للناس اسلوبهم في الكلام ولغتهم
حسب مستوياتهم الثقافية والاجتماعية.
من الاجدى أن تبدأ الرواية امام مشهد كبير باقل ما يمكن من الشخصيات
وان لا يشوش المتلقي .. اذ البداية هي الفيصل في أن تأسر الرواية
قارئها أو يودعها الى الابد .. فالروائي قد يتوحد مع شخصياته .. الامر
الذي يفرع وقد يورق تلك الخاصية والتي تجعل المتلقي يشعر كما لو انه
يعيش صيرورة الرواية .. فيواضب على قراءتها حتى النهاية .. يمكن اختيار
الشخصيات والحالات في الرواية من عجلة ماكنة الحبكة : ( أمير مترف
يلتقي راعية أبل .. لم ير منها سوى بصيص عينين متواريتين وراء مسوح
سوداء .. في جبال كردستان).. وبين هذه الاطراف المتباعدة .. هناك تنوع
ليس له حدود : (( الحبكة ايضاً سرد الاحداث – كالقصة – ولكن التأكيد
ينصب على السببية )) كما يقول أي . أيم . فورستر.
يجب أن تقوم بنية الرواية على اساس التركيز والتأكيد والاضاءة .. يقول
الفريد هتشكوك: (( الدراما هي مثل الحياة الحقيقية وقد حذفت منها
الادوار المملة )) .. كما لها أن تعتمد الانتقاء والحذر من الاغواء في
تضمين الرواية مشاهد لها مساس هام وشخصي بالنسبة للكاتب .. أو نشر
اراءه الشخصية .. أو تضمينها خطباً وعظية .. بل والابتعاد عن اطلاق
الاحكام وتفادي تقويم المتلقي .. لان غاية الرواية المتعة والتسلية
والتعارف.
يستطيع الكاتب أن يعطي قارئه دائماً اكثر مما يتوقعه .. وليس له أن
يعطيه اقل من المتوقع .. من خلال التوازنات بين الازمات والطمأنينات ،
والتي تلاعب القارئ على ضوء تنوع الامزجة وتقدم ذرى الدراما التي تكون
بينها تأثيرات هادئة .. فالكاتب يبحث عن الحالات غير المتوقعـة تماما
للحاجة الماسة للادهاش .. بيد انه يجب أن يمهد الطريق لتكون النتيجة
مقنعة.
لكل كاتب اسلوبه الخاص .. كل اناء ينضح بالذي فيه .. وهو فريد ومتميز
مثل بصمات الاصابع .. (( اعرف قاعدة واحدة : الاسلوب لايمكن أن يكون
واضحاً جداً ، بسيطاً جداً )) . اذن فليس مطلوباً من الاسلوب أن يكون
عصيا مغلقا.. لكن ليس له أن يكون رخيصاً مبتذلاً احيانا يختار الكاتب
متفرجه عن طريق غير مخططة .. دون أن يسلك في ذلك اسلوباً ثابتاً . يعطي
الكاتب اهمية لاستهلاله في المشهد المكاني .. لما له من تأثير واضح على
الجو المثار .. اذ أن ذلك يسبغ على القارئ حساً ما بحسب الجو المرسوم
.. كالرعب ، الغموض ، الهدوء ، العنف ، الترقب ، الحزن ، الفرح .. الخ
. كل ذلك يتأتى من اختيار الكاتب للمشهد .. شريطة أن يكون ملماً بالبلد
أو المكان الذي يحتوي المشهد .. اذ لابد للكاتب من أن يكون قادراً على
رؤية المكان في عين ذهنه.
كذلك التخطيط لكتابة رواية .. فالمسألة تبدو ذات طابع شخصي .. بعض
الكتاب لايعيرون اهمية كبيرة لذلك .. ويبدأون الكتابة على الفور أو على
رسلهم .. بعضهم الاخر يكتب ملاحظات قبل الشروع بالرواية .. والقسم
الثالث يخطط في ذهنه فقط .. بيد : (( اننا جميعاً نمتلك مصادر مختلفة
من الالهام ولكني اظن أن من الخطأ الاعتماد على الذاكرة لحفظ
الافكار)).
ليس شكل الرواية شيئاً مرسوماً ومحدداً وواضحاً وانما هو تيار متدفق من
الانطباعات .. يندفع في خيط رفيع.. يراه المتلقي رؤية ذهنية في صفحات
الرواية .. وحده القارئ البارع بمقدوره الامساك بذاك الخيط من خلال ((
القراءة الخلاقة )) حسب عبارة امرسون !.. انه دأب مستمر يتطلب الدربة
والخبرة والمعرفة من اجل اعادة خلق الرواية لاكسابها افضل شكل ..
بالضبط هذا ما يفعله الكاتب قبلاً في روايته .. التي هي اعادة خلق
الحياة .. معززاً اقانيم تفتقدها الحياة كالحرية والكمال .. (( أن شكل
الكتاب يعتمد على مايريد الكاتب قوله وحتى تتم معرفة ذلك فليس ثمة شيء
يمكن أن يقال عن الشكل)).
قد تنتهي الرواية بومضة امل .. لكن الكثير من الروايات البارعة تنتهي
بملاحظة عن اليأس .. رغم أن النهاية تعتمد بالضرورة موقف الروائي من
ثيمته ومن شخوصه .. (( هل انتهيت بذلك المقطع من الحياة الذي يرتبط
بثيمتك ؟ ان كان الامر كذلك فقد آن الاوان للاستعداد للصفحات
الاخيرة)).
أن الروائي يجب أن يتناول حواشي فصول روايته ومتونها .. رتابتها
وتفردها .. والظلال الشفيفة للشخصيات .. يجب أن يفعل كل ذلك ببراعة
الإشراق .. وبريق الإحداق .. ودقة الألاق .. قد يدخل الكاتب من أوسع
الأبواب إلى عالم روايته .. أو ينظر إليه من خلال ثقوب المفاتيح .. وهو
يرى إلى معنى الرواية الذي يكمن في العلاقة بين بطل الأقدار – الروائي
– والقوى – البيئة – التي يحلم بأنه يوجهها .. من خلال التجربة
الإنسانية الفظيعة .. لكن تبقى الرواية تدور حول جزء من ذواتنا الذي
يعامل العالم كونه امتداداً لحياتنا بصيرورتها التاريخية والكونية
والمستقبلية.
قصة قصيرة
فـــي المــــــنــزل
زهرة رحمة الله
- يجب ألا تتحدث بهذه الأمور..تقو ل زوجتي وهي تشيح بوجهها إلى الجهه
الأخرى إذا رأيت منكرا غض الطرف .. أنها الطريقة المثلى للتعاملة مع
الأمور .أن تلك المرأة ترفع الضغط والسكر في دمي أثقب وجهها بعيوني
..بعدم التصديق والغضب أصرخ فيها أقول لك بأنني رأيت زوجة المدير مع
موظف في الشركة في وقت غير مناسب ووضع غير مناسب تقولين غض الطرف ماذا
كانت النتيجة حين حدثت المدير بالموضوع ؟؟ تسأل بالتهكم وهي تفترسني
بعينيها الحادتين زوجة المدير ذهبت إلى القاهرة في رحلة صيف والموظف
لازال هناك يتقفز مثل الحمار بين المكاتب وأنت أأأنت ..؟تسأل بإصرار
أنا هنا في المنزل في إجازة إجبارية وبدون مرتب اقول بإنكسار وعدم
الحيلة في الشارع أقول لأبي علاء صاحبي بأنني رأيت حارس الشركة يسرق
بضاعة من الشركة..فذهبت وبلغت المدير فسألني المدير ماذا كنت تفعل هناك
في ساعة متأخرة من الليل أجبت ؟؟ سألني أبو علاء بفضول وهو يوسع عينيه
على الأخر لاشىء ..... ..أحسست بالذهول و بأن شيئا ما ضربني على رأسي
بعنف كرر المدير السؤال حاولت أن أبحث عن الإجابة لكنني فقدت ذاكرتي
...كان رأسي كالنفق المظلم يعمه الدخان..ووجدت نفسي في مركز
الشرطة...في الزنزانة بين السكارى والمخبولين أحسست بفراغ هائل.. أين
حواسي أين أفكاري أين هويتي يقترب ابو علا مني ويهمس في اذني إذا رأيت
منكرأ غض الطرف أنك تتحدث مثلها ..أقول بحزن لماذا أنا ارى والناس
...يقاطعني صاحبي الكل يرى ولكن يتكيفون أنظر إليه مصعوقا كانني أكتشفه
من جديد صديقي منذ أيام الدراسة لم نفترق إلا قليلا أمورا كثيرة كانت
تجمعنا واليوم كأنني أراه أول مرة هزيلا هرما وجهه الآسمر محروق من
كثرة تجواله تحت الشمس بدون هدف..اليوم يحاول الأيفهمني أتركه وأدفن
نفسي في الزحمة في الطريق الحرارة والغبار والصراخ وأبواق السيارات
والناس من حولي عائمة في ألية وفتور أحس بضغط دمي يهدر في صدغي ورأسي
يغلي كالمرجل.. أبحث عن مقعد أجمع جسدي وشتات أفكاري وروحي الحائرة في
مقهى قريب القيت نفسي على مقعد و حاولت أن أبحث عن الهدؤ في تلك الفوضى
المنفلته دون جدوى هل اعود إلى المنزل حيث زوجتي ولغتها المنشارية تكوي
روحي..تلك المرأة الجميلة الرقيقة غدت شرسة قاسية ..هل أذهب الى الشركة
من سيستقبلني هناك الزملاء لا يكادون يلقون التحية أو يسالون عني
بالهاتف ..لا أحد في الشركة يرحب بي أو ينظر في وجهي ..كنت أشعر بإرهاق
شديد..لم انم ليلة البارحة الزنزانة كانت ضيقة مكتظة ورائحتها عفنة
..مكان غريب يطبق على أنفاس اؤلئك البشر بسحناتهم الغاضبة القاسية..
الكالحة وقفت على قدمي وفكرت في العودة إلى المنزل أنه وقت القيلولة
والزوجة في غرفتها نائمة ..سأتسلل إلى غرفة الجلوس و أحظي بقسط من
الراحة وضعت رأسي على الأريكة و غبت في نوم ثقيل .لا أدري كم مر من
الوقت حين فتحت عيني كان الظلام دامسا والجو حارا والأشياء من حولي
غامضة الملامح والصمت ثقيل أين ستكون زوجتي ..؟؟فكرت ثم أحجمت عن
التفكير فيها وفتحت الباب وتسللت إلى الخارج..في الخارج كان كل شيء
يكتم أنفاسه والجو خانق لا نسمة هواء تهز أوراق الأشجار في الرصيف
المقابل ... والسيارات تعبر الطريق مسرعة.. هاربة في الإتجاه الأخر
...قدماي قادتني إلى بوابة الشركة شيء ما هزني بعنف تلبستني يقظة
فجائية إضاءة مبهرة وأفراد مجهولون منتشرون كالنمل وبسرعة فائقة يفتحون
الطوابق الصفيحية للشركة والحيطان ويطوونها وبلمحة البرق يلقونهما في
الشاحنات..استدرت إلى الخلف ورحت أعدو بشدة أسابق الريح اقتحمت غرفتها
ورحت اصرخ بجنون انهم يسرقون الشركة ..يطونها يسرقون .لقد ر أيتهم
..قذفتني بنظرة متهكمة غاضبة لسعت وجهي وعادت للنوم يجب أن أبلغ المدير
أبلغ الشرطة أقدم بلاغا للحكومة..فالوضع خطير..أٌقول لنفسي رحت أركض
إلى خارج المنزل مندفعا بغير هدى .. لا أدري كم ركضت وأين ..لكنني حين
وقفت كان ضؤ النهار يلامس الأشياء ويهبهاا الحياة و الصفاء كنت دوما
أعشق لحظات انبلاج النور وأستقبلها دوما بحب ونشوة.. كل شىء ينتفض
بالحياة من حولي ..لكنني لا أعي شيئا الإرهاق يقتلني ..وقدماي لاتكاد
تحملني واسمع صرخات خلفي التفت إلى الوراء وأنا أغالب غيمة سوداء تخترق
رأسي رأيت خلفي صبيان يحملون الحجارة والعلب الفارغة ويهتفون ..المخبول
المخبول
امرأة من حنين الشجر
علي جعفر العلاق
(1)
يتقدّمني نحوها حُلُمٌ
تسابقني الريحُ دهماءَ
صافيةً
محفوفةً بالحببْ
وأُهاجرُ كلّي
إلى كلّها
أتأملُها من عَلٍ
تتماوجُ نائحةً
في دمائيَ
صاعدةً
من عصور التعَبْ
(2)
يتقدّمني صوبها
الحنْدقوق، ورعدُ الخريفِ
الجميلُ، وهذا الأخُ السيْسبانْ
أتخيّلها تتكسّرُ
ثم تنسلُّ
في غفلةٍ
من أصابعيَ العشرِ
ريّانةً كالدخانْ
(3)
دافئاً كالخرافةِ
يقتادني الفجرُ
أو كالحاً مثلما غيمةٌ
من شعيرْ
نمرُّ على حلْمنا
ونخيِّمُ بينَ يديهِ
نقيمُ لنا منزلاً ممطراً
أو ربيعاً صغيرْ
أمرُّ على
أبويَّ اليتيمينِ
يقتسمان الأسى
والبشاشة وارفةً
والسريرْ
(4)
ذاكَ تنّورنا
يتعافى من النومِ
يبدأ سيرتَهُ
حين تحضنُ أمّيَ
نيرانهُ
المرهفةْ
حافلاً
بالحنينِ
وبالأرغفةْ
(5)
أتصاعدُ
ملءَ جناحيَّ ضوءٌ
يهبُّ من الروحِ
يقتادني الطفلُ
مندفعاً
من شقوق الهواءِ، ومن
قشرة الليلِ
يخطفه السيلُ من حلْمهِ
حيث ينكسر النومُ
والنائمونْ
آه يا ماءُ
يا أيّهذا العصيُّ، الحنونْ
لغةً كنتَ لي
حينما اخشوشنَ
الآخرونْ
(6)
يتهادى بيَ النومُ
حواءُ تمضي
إلى النضجِ حافيةً
وفتىً
كان يصغي إلى ضجّةِ
النارِ في حلمهِ
لا مرايا، ولا خيمةً
كان حتى الحصى يتشققُّ
من غِلْمةٍ
كان حتى العراءْ
كلّ شيءٍ يُجنُّ
الخيولُ
الحقولُ
الدماءْ
آدمٌ
يتخطّى طفولتَهُ
فيسيلُ الحصى
عسلاً
دافئاً
ونساءْ
(7)
ربما الوهمُ يبتكرُ امرأةً
من حنينِ الشجَرْ
ربما القَشُّ، لا وابلٌ
من مطرْ
ربما واسطٌ
تتموّجُ، فيَّ، كما الأمّهاتُ
يغنّينَ للشيبِ
أو للقلوب الحجَرْ |