|
فدك في التاريخ
الحلقة السادسة
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
الفصل الثاني
فدك بمعناها الحقيقي والرمزي
* بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم
وسخت عنها نفوس آخرين . ( قرين الزهراء ) أمير المؤمنين عليه السلام (
نهج البلاغة / تنظيم صبحي الصالح :
فدك : قرية في الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، وهي
أرض يهودية في مطع تاريخها المأثور
وكان يسكنها طائفة من اليهود ، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة
حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم على النصف من فدك وروي أنه صالحهم عليها كلها .
(فدك في أدوارها الاولى):
وابتدأ بذلك تاريخها الأسلامي ، فكانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ثم قدمها لابنته
الزهراء ، وبقيت عندها حتى توفي أبوها صلى الله عليه وآله وسلم
فانتزعها الخليفة الأول رضى عنه الله - على حد تعبير صاحب الصواعق
المحرقة - وأصبحت من مصادر المالية العامة وموارد ثروة الدولة يو مذاك
، حتى تولى عمر الخلافة فدفع فدكا إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم وبقيت فدك عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تولى
الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن الحكم على ما قيل ، ثم يهمل
التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشئ . ولكن الشئ الثابت هو أن
أمير المؤمنين عليا انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة
عثمان - كسائر ما نهبه بنو امية في أيام خليفتهم.
(في عهد أمير المؤمنين)
وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة فدك أن عليا لم يدفعها عن
المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر ، فلو كان يعلم بصواب الزهراء وصحة
دعواها ما انتهج ذلك المنهج . ولا اريد أن أفتح الجواب بحث التقية على
مصراعيه واوجه بها عمل أمير المؤمنين ، وإنما أمنع أن يكون أمير
المؤمنين عليه السلام قد سار على طريقة الصديق ، فإن التاريخ لم يصرح
بشئ من ذلك ، بل صرح بأن أمير المؤمنين كان يرى فدك لأهل البيت ، وقد
سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته إلى عثمان بن حنيف كما سيأتي .
فمن الممكن أنه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك ،
وليس في هذا التخصيص ما يوجب إشاعة الخبر ، لأن المال كان عنده وأهله
الشرعيون هو وأولاده .
كما يحتمل أنه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن أولاده
عليهم الصلاة والسلام ، بل لعلهم أو قفوها وجعلو ها من الصدقات العامة.
(في فترة الامويين ):
ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من
الاستخفاف بالحق المهضوم ، فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك ، وعمر بن
عثمان ثلثها ، ويزيد ابنه ثلثها الاخر ، فلم يزالوا يتدا ولونها حتى
خلصت كلها لمروان بن الحكيم أيام ملكه ، ثم صفت لعمربن عبد العزيز بن
مروان ، فلما تولى هذا الأمر رد فد ك على ولد فاطمة عليها السلام وكتب
إلى واليه على المدينة أبى بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك ، فكتب إليه
: ( إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من
أرد منهم ؟ فكتب إليه : أما بعد ، فإني لو كتبت إليك أمرك أن تذبح بقرة
لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة عليها
السلام من علي عليه السلام ) ، فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد
العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له : ( هجنت فعل الشيخين) وقيل : إنه خرج
إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال لهم
: ( إنكم جهلتم وعلمت ، ونسيتم وذكرت ، إن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (
فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني ، ويرضيني ما أرضاها ) وإن فدك كانت
صافية على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز
أبي فورثتها أنا واخوتي عنه فسألتهم أي يبيعوني حصتهم منها فمن بائع
وواهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة). فقالوا له : (
فإن أبيت إلا هذا فامسك الأصل واقسم الغلة ، ففعل ) . ثم انتزعها يزيد
بن عبد الملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت
دولتهم .
الإعلام الإسلامي والآخر من كتاب مقاربات في الاعلام الاسلامي
ابراهيم الزيادي
تكشف مقاربة الإعلام الإسلامي ، والآخر عن ارتباك ظاهر في فهم الآخر ،
نشأ بفعل الانقسام الظاهر في فهم الأنا ، إذ ترتكز الأنا في الإعلام
الإسلامي عن تنوع طائفي لم يستطع الإعلام الإسلامي تجاوز مشكلة
الانتماء فيه , وعليه يصح أن يحكم عليه بالتجزيئية . هذه التجزيئية
تخلق من الأنا الفاعلة وجهاً للآخر ؛ بمعنى آخر إن التقابلية المرصودة
في الأنا هي في حقيقتها وجه للعداء مع الآخر. بإمكان المطلع على أية
وسيلة إعلامية إسلامية أن يتلمّس صراحة العرقية التي تنتمي إليها إلى
حدّ جزء الجزء ، كما هو الحال في الفضائيات ، والصحف الإسلامية
العراقية ، إذ يمكن ببساطة ان نعي نسبة القناة ، أو الصحيفة إلى تيار ،
أو انتماء مذهبي ، ينتمي هو الآخر إلى المذهب بمجرد الاطلاع على اسم
رئيس التحرير ، أو الأشخاص الذين يظهرون في القنوات ، ولم تدرك هذه
القنوات أو الصحف خطورة هذا الانحياز ، فهو من الناحية التقنية تضييق
في دائرة كم المتلقي الى حدّ يصبح فيه المرسل ، والمتلقي واحداً بما
يصحّ أن نطلق عليه تثقيف الأنا الحزبي , ويمكن بكل جرأة أن نطلق عليه
دكتاتورية الإعلام الإسلامي ، فهو خطاب ذو سهمٍ واحدٍ ، لا يقبل بأي
حال من الاحوال أي تفاعلية ارتدادية . وهذا الأمر هو عين الفشل من
الناحية الإعلامية ، إذ المفروض بالقناة ، أو الصحيفة الإعلامية
الإسلامية - ولو على وفق تنظير الإسلاميين - أن تكون دعوية ، فلا يعقل
أن يكون الخطاب الدعائي موجهاًً للأنا ، والمفروض أن يكون موجهاً
للآخر.
إن عقدة (الأنا = الآخر) ناشئة من عقدة أخطر ترتبط ارتباطاً وثيقاً
بالتعصب المذهبي ، ورفض الآخر والتخوف منه إلى حد إلغائه ، والتغاضي
عنه ، واستبداله - لا شعورياً- بالأنا المتعصبة ، فهو نوع من الإيهام
بتقبل الآخر.
لا تقف خطورة الموقف في الخطاب الإعلامي الإسلامي الموجه إلى الآخر عند
هذا الحدّ ، بل تتعداه إلى سلبيات أخرى ، لعل أبرزها عدائية الخطاب ؛
حين نجد فيه التشنج ، والانفعالية سمتين أساسيتين تلازمان هذا الخطاب
في أغلب الأحيان .
إن من أهم النقاط السلبية التي تواجه الخطاب الإعلامي الإسلامي للآخر
عدم وضوح الآخر، ما هو ؟ من هو ؟ الذي جعل الآخر في الإعلام الإسلامي
غامضاً عدائياً لا يمكن خلق وسيلة للتحاور معه ! فهل هو العلمانية
بوجوهها الكثيرة، أم الفكر الغربي عموماً، وهل هو نابع من وجهة نظر
إيديولوجية، أم إنه متأتٍ من تقسيم سياسي، وعقائدي ؟؟
من الغريب أن الخطاب الإعلامي الإسلامي لا يستند في آليّته على ما سنّه
القرآن الكريم في تحديد الآخر وطريقة التعامل معه، فمطالعة القرآن
الكريم تكشف لنا حقائق مغايرة في السلوك والوصف، وتحديد الهوية الدينية
للإسلام، وموقفه من المعتقدات الأخرى.
يضع القرآن الكريم بني إسرائيل على طاولة النقد ، والمواجهة الفاعلة من
خلال الأفعال الصادرة من أتباع الديانة اليهودية ، لا من الدين اليهودي
نفسه بما يكشف السلوك المنحرف لأتباع الديانة اليهودية في حياتهم
الدينية ، والاجتماعية.
وفي حين نجد الإعلام الإسلامي منغلقاً على ذاته لا يجرؤ على مكاشفة
الذات ، والآخر على حد سواء نجد القرآن الكريم يعتمد خطاباً انفتاحياً
على الآخر ، يعتمد احترام الآخر ، والوقوف عند مرتكزاته الحضارية فهماً
، وتقبلاً ،ومن جهة أخرى فإن غموض الآخر لدى الإعلام الإسلامي أدى إلى
تسرّب كثير من سلبيات الآخر إليه من دون حذر مسبق ، ولا سيّما إن الآخر
- كالإعلام الغربي مثلاً - يمتلك من الخبرات والتقنيات ما يسمح بذلك
، يعلق الكاتب فهمي هويدي على قضية خطاب القنوات الإسلامية ، ومكانته
اليوم بقوله : " هذه القنوات تنتج برامجها ، وتبثها للداخل وليس
للخارج ، ومع ذلك لا تزال عاجزة عن التصدي لتلك الحملة الشرسة من
الإعلام الغربي ، والهادفة إلى إحلال تقاليدنا ، وقيمنا الإسلامية
بعادات وافدة تهدد مجتمعاتنا بالخطر.
يقدّم الإعلام الغربي كماً هائلاً من برامج الأطفال، التي تحمل في
هالاتها الفكرية كثيراً من المبادئ الخطيرة في المعتقد، والسلوك
المنحرف ، والفهم الخاطئ للحياة وطريقة التعامل مع مشكلاتها ، وتقديم
الحلول الآنية العدائية لحلها ، كما في
Tom and Jerry ، وغيره مما لا يحصى من البرامج
التي تقدم مادة استهلاكية مدمرة للعقل الطفولي ، ومع ذلك لم نجد
الإعلام الإسلامي في خط هذه المواجهة الخطرة ، بل إن ما يقدّمه في هذه
الصدد لا يجرؤ على المنافسة والمقاومة ، فهو مفتقر إلى كل عوامل النجاح
، والتشويق اللتين ترغبان الأطفال في المتابعة والاختيار" لأن الصورة
مما يثير اهتمام الطفل، " ومن الثابت علمياً أن المادة التي تثير
اهتمام الطفل هي تلك التي تضرب وتراً حساساً لديه، أو هي التي تجعله
يستجيب لها تلقائياً، وينفعل معها عفوياً، وذلك لأن مثل هذه المادة
المثيرة للاهتمام والانتباه، إما أن تسدّ حاجة من حاجاته النفسية، أو
تحمل إليه شيئاً من المعلومات، أو تقدم له مخرجاً من التوتر النفسي
الذي هو فيه. ولهذا الوقت الطويل الذي يمضيه الطفل، ولقوة تأثير
التلفزيون عليه نرى اهتمام الإعلاميين بإعلام الطفل، وخصوصاً في الدول
المتقدمة، فهناك قنوات تلفزيونية كاملة موجهة للأطفال، ونحن لا نكاد
نرى قناة تلفزيونية إلا وتضع في أولى برامجها فقرات خاصة بالأطفال،
ومثلاً على ذلك التلفزيون الفرنسي والبريطاني، حيث خصص كل واحد عشرين
ساعة للأطفال. يتضح غموض المعايير الدقيقة في تحديد الآخر، وتختفي
المعايير في تحديد المتلقي، ومتابعة ما يصدر من الإعلام الإسلامي تكشف
لنا بوضوح أن الآخر في خطابه هو كل من يخالفه في الرأي. فالمعيار الذي
يعتمده هذا الإعلام هو التنافر الإيديولوجي في تحديد الآخر ، والحكم
عليه بالعدائية .
ومن هذا يمكن القبول بفكرة تنافر الآخر مع المتلقي في ذهنية هذا الخطاب
، إلا أن هذا التنافر قد ينعكس في أحيان قليلة فيصبح الآخر هو المتلقي
، ويظهر ذلك في حالات مرضية غير سليمة ، كالذي يحدث في التشنجات
الطائفية ، والمذهبية التي تدور في فلك استهلاكي يبدو أن قنوات إسلامية
- كقناة صفا مثلاً - تستعين به للترويج والمشاهدة في ظروف سياسية
ملائمة . وتمثل عقدة الخواجة التي تتسم بها الذات المسلمة عموما ظاهرة
تدعو للاستغراب ، ولا سيّما أنها تتناقض مع العدائية التي تقوم عليها
محركات الإعلام الإسلامي تجاه الآخر ، فالإعلام الإسلامي لا يمتلك
نماذج خارقة لساحة الآخر تقنياً ، ومعرفياً ، خلافا للآخر ؛ فهو يمتلك
كل مقومات التأثير في الأنا .
تمثل اللغة باعتبارها أهم الوسائل الاتصالية ، والتواصلية للإنسان
مثالاً للنكوص ، والتقوقع في الخطاب الإعلامي الإسلامي ؛ إذ قلما أن
نجد خطاباً إعلامياً إسلامياً باللغات الأخرى بما يجعل الآخر منقطعا عن
الأنا في تواصله ، ويفسح المجال له للاختراق والتواصل , أما الإعلام
الإسلامي فإنه يفعل النقيض ، والمتناقض مع سلوكياته ؛ فيلجا إلى
الترجمة والتعريب للأعمال الإعلامية للآخر ، ويترجمها إلى لغته .
هذه الحركية المتناقضة تجعل الساحة الإعلامية الإسلامية منغلقة على
الأنا ، ومنفتحة على الآخر بشكل سلبي ,بما يجعل الأنا متلقياً في كل
الاحوال ، والآخر مرسلاً في كل الأحوال , وقد يبدو غريباً إفلاس
الإعلام الإسلامي في توظيف اللغة في جذب المتلقي بينما امتلك الآخر
القدرة في توظيف اللغة العربية توظيفاً بارعاً في الجذب ، والتأثير من
خلال المسلسلات الدرامية - المكسيكية ، والتركية - وعلى الرغم من كثرة
الدراما الإسلامية باللغة العربية الفصيحة إلا إنها لا تملك القدرة على
التأثير الحقيقي في المتلقي .
من المشكلات المعقدة في طبيعة لغة الخطاب في الإعلام الإسلامي تنوع
اللهجات، الذي دخل صراعاً مريراً مع الفصحى، وخرج منه منتصراً بما أضفى
انكفاءًاً آخر في حيز الكم ؛ إذ إن اللهجة تفرض عدداً قليلاً من
المتلقين تبعاً لناطقين بها.
إن افتراض اللغة المقدسة - وهي العربية بطبيعة الحال - جعل الإعلام
الإسلامي في زاوية ضيقة حين افتقرت التواصلية لديه القدرة على تفريغ
المقدس في المحتوى العاميّ. ولم يخرج عن هذا الإطار الضيّق إلا بعض
التجارب القليلة ، كاستعمال العامية في أدبيات التشيع كبعض برامج
الافتاء باللهجة العامية ، الشعر الحسيني العاميّ ؛ الذي يمتلك القدرة
على جذب الملايين من المتلقين.
إن تجربة إعلامية مقارنة بين ما ينشره الإعلام الإسلامي من أناشيد
باللغة الفصحى ، وما يبثه الإعلام الآخر من أغانٍ بجميع اللغات ،
واللهجات يوضح مدى الانحسار في فاعلية اللغة عند الأنا ، وقوتها عند
الآخر.
من المشكلات الأخرى التي يعاني منها خطاب الإعلام الإسلامي عدم وضوح
الأنا في الطرح ، والإيصال ، ومنشأ ذلك :
1-الانقسام في الأنا إلى عرقيات إثنية متنوعة .
2-ضعف التقنيات المستعملة .
3-اعتماده بصورة كبيرة في طرح نفسه من خلال النقض لما يصدره الآخر عنه،
فهو يخرج عن الجديّة والإبداع في تحديد الهوية، ويعتمد على الآخر
اعتماداً كلياً في تحديد هويته بما يلزمه التقليد، والمتابعة للآخر.
(الرضا) في المفهوم الاسلامي
د. محمد رفقي عيسى
ثمرة الجهد في الدنيا والآخرة وغاية الحياة وهو من أعلى مقامات
المقربين ومنتهى الإحسان في العمل والمكافأة وفي الحديث إن الله تعالى
يتجلى للمؤمنين فيقول: (سلوني فيقولون رضاك..) والدعاء لا يخرج صاحبه
عن مقام الرضا إلا إذا كان قائماً على الاعتراض على القضاء أو افتراض
أفضلية الهوى على تقدير الله سبحانه وتعالى لأنه بذلك يكون دليلاً على
عدم الرضا. والقواعد الشرعية هي أساس تحديد مجالات الرضا ومن ثم فإن
معيار تحقيق الرضا ليس ذاتياً أو مطلقاً وإنما يحدده الشرع ويربط بينه
وبين الوسيلة والسبيل. ولذا كان الرضا بالمنكر معصية والرضا بالعسر لما
يتوقع من اليسر أمر تعبدياً. وقد أورد الغزالي في إحيائه كيفية الجمع
بين الرضا والكراهة (فإن قلت قد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء
الله تعالى فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قابع
في التوحيد وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء
الله تعالى، وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن
الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد. فاعلم أن هذا مما يلتبس على
الضعفاء القاصرين عن الوقوف. على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى
رأوا السكوت عن المنكرات مقاماً من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو
جهل محض بل نقول الرضا والكراهة يتضادان إذا توارد على شيء واحد على
وجه واحد فليس من التضاد في شيء واحد أن يكره من وجه ويرضى به من وجه..
وكذلك المعصية لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره
وإرادته فيرضى به من هذا الوجه تسليماً للملك إلى مالك الملك ورضا بما
يفعله فيه ووجه إلى العبد من حيث أنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتاً
عند الله وبغيضاً عنده)) وكذلك الأخذ بالأسباب وبذل الجهد هو من الرضا
وليس اعتراضاً عليه.
والرضا المتبادل بين الخالق والمخلوق هو الفوز العظيم وهما ليس أمران
متضادان أو منفصلان وإنما تقوم العلاقة بينهما على أساس أن أحدهما موجب
للآخر وتحقيقهما قمة المقامات، (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز
العظيم) المائدة/ 119. (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية
مرضية..) الفجر/ 28، وهي المكافأة التي يلقاها حزب الله ومَن اتبع هواه
(والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) التوبة/ 100، (رضي
الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله) المجادلة/ 22.
ولا نجد بين المتحدثين عن غاية السلوك الانساني أو الجهد البشري من
يرفض اعتبار الرضا كغاية ولكن اختلافهم يكون دائماً ـ وهو معنا كذلك ـ
حول معيار تحقيق هذه الغاية ومجالها. فبينما يتحدث البعض عن إرضاء
غريزة ما أو غرائز معينة كمبعث لتحقيق الرضا أو إشباع حاجات دنيوية
كسبيل مؤدية إلى الإحساس بالرضا نجد أن الرضا الوقتي الذي يورث عدم
الرضا أو الرضا بالنتيجة المقترن بعدم الرضا عن الوسيلة أو الرضا
الذاتي المؤدي إلى مقت الآخرين ومقتنا إذا ما كنا في مقامهم اعتماداً
على معيار ذاتي لا يمكن أن تكون ثمرته دائمة شاملة ودوام الرضا وشموله
لا يتحقق بالرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها لما فيها من تغير
وتبدل ولذا كان الإيمان بالآخرة وتحقيقه فيها ضرورة عملية وكما سبق أن
بينا فالأحوط من الناحية المنطقية ألا يرفض الملحد أمراً لا يرى قيام
دليل يقيني قطعي ع ليه ولم يقم على نفيه دليل قطعي. وهو ما يجعل الرضا
كمعرفة وحال وعمل بعيد المنال عليه.
والرضا بمستوى الكفاية مدعاة لإرضاء الله ببذل الجهد في حدود الاستطاعة
ومن ثم يضمن استمرار الجهد لتحقيق الرضا المتبادل، ومن ثم ينشأ تقدير
الفرد لقيمة الجهد المبذول في إطار الشكر المؤدي إلى مستويات أعلى، حتى
يصل الفرد للرضا عما يفعله لنفسه ولغيره إرضاء لربه والاستمتاع بما أحل
الله وإيماناً بوحدة الخلق حتى يصل إلى (تكامل الـ نحن) فيسلك بها مقام
الرضا الكامل عما أخذ وعما أعطى وعما ينتظر، (ومَن يعمل الصالحات وهو
مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً) طه/112. |