|
فضاءات ثقافية
القصة بين الايحاء والسرد الحكائي
سعد جمعة الذهبي
القيمة الجدلية التي تتألف منها قصة (صفعة حمار) وتصميم هيكلها تتخذ
مظهرين الاول حكائي: حيث الجدة التي تقص قصتها لأحفادها في تمدد صوري
وتداعي في ذهنية المتلقي أنه أنسياح يفيض تشظية نصية: (شعرت بالدفء
وبرطوبة ملابسي .. وأستمرت العجوز بحديثها : خرج الاسد والحمار والارنب
الى الصيد , وفي الغابة استطاع الاسد صيد غزال).. تبزغ من حكاية يعيد
تشكيلها من مادة خام واضحة وجاهزة أنه احساس بالطفولة البعيدة , حيث
تتجلى قصص الجدة في أجواء التناغم الاسري..
هبت نسمة باردة حركت ضوء الفانوس , فبانت اعمدة السقف الخشبية , كان
سخام الموقد قد انتشر في الاعلى , وبدت لي صور كأنها رؤوس الشياطين)..
والثاني هو مظهر ايحائي في حكاية الجدة , والانشداد العائلي , فهي
تبدومحاولة في خضم التجريب القصصي للقاص الذي بدا له باع طويل في
التمكن من ادواته القصصية , انها محاولة من المزاوجة الذهنية وتأجج
المشاعر..
انه أسقاط لحماس الجدة في الحديث والحفيد في الاستماع , انهما خطان
متشابهان يضمان في تشابكهما الاصرار على المضي حتى اخر الجلسة
الشتائية..
(ما زال المطر ينهمر والريح الباردة تشتد .. وفرائصي ترتعد من الخوف ,
تهيأ لي اني رأيت في الزاوية البعيدة من الدار أشباحا تتحرك , أنتابني
الفزع لكني تماسكت , وضغطت بشدة على يد الطفل ومضيت)..
لكنه ظل يتابع في أغراء طفولي حكاية العجوز.. (أخذ الحمار الفريسة
قائلا للاسد: حسنا سيدي ملك الغابة .. الافخاذ لي والقلب اعطيه للارنب
, لانه صغير ونتقاسم الاضلاع والرأس لك .. ... نظر الاسد بغضب الى
الحمار الذي اراد ان يهنأ بالوليمة وحده ... فنهض الاسد مزمجرا , ليصفع
الحمار على وجهه بشدة).. ان الحدث يصنع الشكل الفني للقصة التي تسير
بمستويين متراصين للبحث في جدلية التجريب القصصي , انه يشكل علامة
مضيئة في الثراء حيث يكتمل البناء بين سرد القصة والايحاء الحكائي
ليتبلور جهدا متناميا.
((شعرت بالنعاس , لكني كنت اخاف ان انام بسببالمطر والاسد الغاضب الذي
لابد انه سيهجم علي ويفترسني مع جدتي ..... غفوت وظل المطر يطرق على
السطح حتى الصباح))..
انه ايحاء يكتنز العديد من الصور المتشظية لعمل يتبلور في طاقة خلاقة
تشي بالتفرد والنضج وتوحي بالثقة.
بنية القصيدة العربية المعاصرة...
عمر محمد جمعة
يثير موضوع بنية القصيدة العربية المعاصرة الكثير من الجدل كواحد من
المصطلحات الاشكالية على مستوى الفهم والتجربة والاكتشاف، اذ سيؤدي
استيعابه وفهم مدلولاته- وهو من موجبات الحداثة الشعرية- الى تعزيز
وتأسيس وعي التجربة لدى الشاعر والناقد على حد سواء، ونكاد نجزم ان
كتاب /بنية القصيدة العربية المعاصرة/للناقد الدكتور خليل الموسى
بمنهجه التكاملي وعمق وسعة بحثه يستدرك مافات النقد ان يقوله او
يقاربه، كما يمثل رداً على القائلين بغياب النقد وقصوره عن مواكبة
المنجز الشعري بإرهاصاته وتحولاته الحداثية.
يعتمد د. الموسى في كتابه على دراسة وتحليل بنية القصيدة العربية
المعاصرة«المتكاملة» من خلال اعمال الرواد، السياب وحاوي والبياتي وعبد
الصبور وادونيس ومن تلاهم ، دنقل ومحمود درويش ومحمد عمران وفايز خضور
وسواهم ويعرّف القصيدة المتكاملة: بأنها القصيدة التي يبرز فيها
الانسان في الشاعر، وموضوعاتها مستمدة مما يخص الجماعة، وفيها خيطان:
احدهما ظاهر والآخر مضمر، نجد في الخيط الظاهر سيرة لشخصية او قناع
شعريين، ونستشف من الخيط المضمر العلاقات والدلالات التي يتوخاها
الشاعر دون ان يصرح بها، والوصول الى ذلك هو الاهم في قراءة هذه
القصيدة، كما يؤكد الموسى ان بنية القصيدة المعاصرة المتكاملة تتميز
بالبناء الدرامي الهرمي الذي يقوم على التعبير بالشخوص والاقنعة والحدث
والصراع، وقد هذب هذا البناء العناصر الغنائية التي لابد من حضورها في
بنية هذه القصيدة ،بصفتها احد عناصر الشعرية التي لابد منها، فغدت
بعيدة عن التقرير والمباشرة والنغمية التي لاتستهدف سوى نفسها، وتسيء
الى النمو العضوي ومفهوم التكامل في بنية القصيدة المعاصروالقصيدة
المتكاملة احد مظاهر التجديد بل اهمها ،وهي متصلة بالتراث تتعامل معه
من منظار جدلية الحداثة الشعرية، فتستمد منه شخوصها واقنعتها وبعض
احداثها، ولكن الشاعر لايعيد صياغتها، كما جاءت في الموروث ، وانما
يستعير حركة او موقفاً او حدثاً مناسباً ويحاول بوساطة الاسقاط الفني
ان يوظف ما استعاره توظيفاً معاصراً ،ولذلك تبدو القصيدة المتكاملة
مركبة يتداخل فيها الماضي والحاضر وتتلاقى فيها الاصالة والمعاصرة،
الايجابي والسلبي، والذات والموضوع للتعبير عن تجربة معاصرة.
يقع كتاب« بنية القصيدة العربية المعاصرة» في مقدمة وستة فصول وخاتمة،
يعاين المؤلف في الفصل الاول :المؤثرات والمكونات التراثية في بنية
القصيدة المتكاملة ويبين ارتباط الحاضر بالماضي، متفحصاً هوية القصيدة
المتكاملة ليؤكد انها تقوم على مكونات اسطورية دينية تاريخية ادبية
وشعبية وتوظفها توظيفاً معاصراً للتعبير عن الحاضر.
وان القصيدة المتكاملة تعبير بالتراث عن المعاصرة وبالماضي عن الحاضر
والعلاقة بين الشاعر وتراثه علاقة جدلية، يتبادل فيها الشاعر والتراث،
التأثر والتأثير وان مفهوم الحداثة غير متناقض ومفهوم التراث، فالحداثة
من التراث، وهي انبثاق منه كانبثاق الغصون من الساق والساق من الجذور.
في الفصل الثاني يسلط د. الموسى الضوء على: المؤثرات والمكونات
الخارجية في بنية القصيدة العربية الحديثة، فالتجديد الشعري ذو ثلاثة
اطراف متلازمة متفاعلة هي: المؤثرات الخارجية المساعدة والمكونات
التراثية وموهبة المبدع، ويؤكد د. الموسى ان التأثر سمة انسانية مشروعة
تشترك فيها الشعوب وهي لاتعني النقل عن الاخر وانما تعني المعرفة
والاطلاع وذلك سيفضي الى الابداع والاصالة، حيث كان للمدارس الادبية
ولبعض الشعراء الغربيين تأثير في بنية القصيدة العربية الحديثة،
فالرومانسية ساهمت في إحياء النزعة الغنائية، والرمزية في تعميق
الاحساس الداخلي واستخدام الاسقاط الفني، وعمقت السريالية غنائية اللغة
والصورة والموضوع وحرية الكشف والتعبير، وتجلت التأثيرات الكلية
العميقة بالانتقال في بنية القصيدة من وحدة البيت الى الشكل العضوي،
ومن الذاتية الى الموضوعية، ومن الغنائية الى الدرامية، ضمن المكونات
الغربية في بنية القصيدة العربية المعاصرة، اهمها ثلاثة: المكون
الاسطوري والمكون التاريخي والمكون الادبي.
كما يرى د. الموسى ان القصيدة استفادت في بنيتها وشكلها العضوي من
القصيدة والنقد الاوروبيين اللذين كان لهما دور مباشر في توجيه شعرائنا
الى الاستفادة من تراثنا والالتفات الى التراث الغربي بأساطيره واشكاله
الفنية للتعبير عن تجارب معاصرة وهذا سبب من اسباب الغموض في القصيدة
المتكاملة ، وهو في الوقت ذاته سبب من اسباب ثرائها وتعدد اصواتها
ودلالاتها.
ويبين في الفصل الثالث: الموضوعات الغنائية، وغنائية التعبير في بنية
القصيدة المتكاملة وقد لقِّحت بالعناصر الدرامية لتخاطب الاحساسات
والعقل معاً وتمتزج فيها الذات بالموضوع ويتعادل التعبير والاحساس
وتغدو اللغة والصورة والايقاع أدوات موظفة جديدة، ويدلل الموسى على ذلك
بقصيدتين للبياتي ومحمود درويش مستنتجاً ان القصيدة المتكاملة هي نتيجة
للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على مجتمعنا منذ منتصف
القرن العشرين ،فالمجتمع الاستهلاكي افرز موضوعات الموت والاغتراب كما
انها ناجمة عن جهود الشعراء المتواصلة منذ بدايات القرن العشرين للنهوض
بالقصيدة المعاصرة.
في الفصل الرابع: بنية القناع في القصيدة العربية المعاصرة، يتوقف
المؤلف عند القناع وعند مجالات استخدامه ومصادره، ويرى ان القناع وسيلة
درامية للتخفيف من حدة الغنائية والمباشرة وهو تقانة جديدة في الشعر
الغنائي لخلق موقف درامي او رمز فني يضفي على صوت الشاعر نبرة موضوعية
من خلال شخصية من الشخصيات ، يستعيرها الشاعر من التراث او من الواقع،
وقد استعاره الشعراء من الاساطير او الشخوص الدينية كما فعل السياب او
من التاريخ العربي كما فعل ادونيس، او من التراث الادبي كما فعل بعض
شعراء الحداثة حين استعاروا اقنعة لوجوه شعراء كطرفة بن العبد وابي
نواس والحلاج وغيرهم.
ويؤكد الموسى ان شاعر قصيدة القناع مثقف بالضرورة، فهو يطوف في التاريخ
القديم والأساطير والتراث للبحث عن متكأ او مشجب او وسيلة او موقف تحمل
افكاره ورؤاه، وان قصيدة القناع تميل الى الطول فهي في بعض اعمال
الشعراء كتاب كامل، مثال: اغاني مهيار الدمشقي لأدونيس وطرفة في مدار
السرطان لعلي الجندي.
أما الفصل الخامس فقد افرده الموسى لدراسة بنية الشخصية الدرامية في
القصيدة العربية المعاصرة حيث حدد الشخصية الدرامية واوضاعها المختلفة
وانواعها وطريقة رسمها ودوافعها ومثل لذلك من خلال شخصيتي حفار القبور
والمخبر عند السياب والبحار والدرويش عند خليل حاوي، ويرى ان بعض
الشعراء المعاصرين استفادوا من العناصر الدرامية في خلق شخصية غنية
معقدة، فاتجهوا الى التراث بأنواعه للتعبير عن تجارب معاصرة، وهذا يؤكد
اصالة القصيدة المتكاملة، وسنكتشف ان الشخصيات الدرامية التي ابتدعها
هؤلاء الشعراء ذات مرجعيات مختلفة، فبعضها من الماضي والآخر من الحاضر
وبعضها من الدين او الادب او الواقع الاجتماعي، وبعض هذه الشخصيات ذات
منبت اجتماعي طبقي او ذات مهن اجتماعية وضيعة وذات هموم معيشية وهذا
يثبت ارتباط القصيدة المتكاملة بواقعها الاجتماعي.
ويختتم د. خليل الموسى فصول كتابه بالحديث عن عناصر البناء الدرامي
وتكامل القصيدة وهي: الحكاية والحدث وصلاته بالشخصية وسماتها من جهة،
وبالحتمية الناجمة عن تكوينها من جهة ثانية مبيناً من خلال الحكاية
والحدث الدرامي والصراع والحوار الدرامي وبناء الحدث «الحبكة»، ان
الحكاية تكتسب اهميتها الفنية حين يمتلك الشاعر المقدرة على توظيفها
توظيفا معاصراً، وان الحوار الجيد والصراع المتين يؤديان دوراً بارزاً
في بناء الحدث ورسم ابعاد الشخصية الدرامية وبناء القصيدة المتكاملة،
وان العناصر الغنائية تغتني بالعناصر الدرامية فيتلون الايقاع والصورة
بتلون احساسات الشخوص ليشكلا الايقاع والصورة العضويين، كما ان القصيدة
المتكاملة شبكة من العلاقات التماثلية والسلبية المتفاعلة، فهي ذات
اصوات وابعاد ومستويات ينجم عنها التكافؤ بين الدلالة التراثية
والدلالة المعاصرة.
أخيراً.. تظهر الخاتمة ونكتشف نحن مدى عمق البحث واصالته في هذا
الكتاب، فهو يقف عند بنية القصيدة المتكاملة، يحللها ويدرس جوانبها
المختلفة بل ويعيد تعريف جملة من المصطلحات النقدية التي تقربنا من
القصيدة الحديثة وتقربها منا .ولعل في ذلك جهداً يود لو يوضح الحقيقة
ويفكك كل تفصيلاتها كي يقيم منارات يهتدي بها الباحثون والمنقبون عن
الحداثة وتطوراتها وتجلياتها، وتؤكد كل ذلك خاتمة الكتاب التي قاربت
منهج الكتاب وبيّنت مدى صبر الكاتب واهمية تحليلاته الادبية واكتشافاته
التي ستجزم ان اتجاه الشعراء الى التراث بمصادره، يختارون منه الاقنعة
والحكايات، هو ردة الى الماضي للامتداد منه الى الحاضر فنسمع من خلاله
اصواتنا ونرى ونتلمس احساساتنا ونعي مشكلاتنا، من خلال رؤية معاصرة
تقوم باحياء التراث وتوظيفه توظيفاً معاصراً على نقيض ما كان يفعله
شعراء حركة الاحياء في عودتهم الى بعض عناصر التراث فقد كان الماضي
هدفاً لهم يعودون اليه لبيان جمالياته وتقديسه والوقوف عنده،وهكذا تجمع
القصيدة المتكاملة الاصالة والحداثة فهي لاتتخلى عن الاصالة بحجة
الحداثة، ولاتتخلى عن الحداثة بحجة التمسك بالتراث كما تثبت الدراسة
اهمية الطريقة التمثيلية في رسم الشخوص والاتجاه نحو التعبير الدرامي
وقدرة الشاعر على الامساك بالخيوط الدرامية والخيوط الشعرية التي تنسج
القصيدة المتكاملة.
والاهم من ذلك هو قدرة الكتاب على الاقناع، واقناع بعض القائلين بأن
ثمة هوة تفصل بين شعراء الحداثة وتراثهم وتاريخهم الادبي او نكران وقوف
النقد على تبيين اوجه الحداثة في القصيدة العربية المعاصرة، وحسبنا من
الكتاب ورؤى الدكتور خليل الموسى انه عاين واحدة من القضايا الاشكالية
ووضع بعض النقاط على الحروف في مسألة بنية القصيدة العربية المعاصرة.
قصة قصيرة
سلطان النهر
سحر سليمان
حين رحل عنها، وقفت تودعه.
كانت تحس بالوحدة، والبرودة، والرغبة في البكاء . وفقدان الترابط مع كل
ما يحيط بها . تعلقت به فتناول أصابعها الرشيقة الباردة في كفه ثم قال
لها وهو منكس الرأس بصوت خافت:
جوانه
وتوقف ثم تابع النظر إلى أصابعها وكأنه يتلو صلاة سرية، وأردف بالصوت
الخافت نفسه:
قد أغيب طويلاً لكنك تظلين في قلبي، فتشجعي وكوني قوية كما أعرفك،
سأعود، صدقيني سأعود ... وس..... وغص الصوت، اختنق . وتوتر كوتر القوس،
وظلت أصابعها في كفه تعروها البرودة.
- سأنتظرك كما تنتظر شجرة وحيدة غيمه لتورق وتتكلل بالزهر والثمر
والأوراق . سأنتظرك.
قالت تؤكد له والعالم من حولها يفقد ترابطه والأشكال التي يكونها.
حين رحل عنها، ظلت تنتظره، وتجلس في ذلك الركن الهاديء من مرتفع يشرف
على الفرات، والفصول تمر بها الربيع والخريف والصيف والشتاء، والطيور
تمر بها، والفرات يمضي عجوزاً متوانيا بعد أن حاصرته السدود القاتله.
حين رحل عنها ظلت مسكونه بكلماته الغائمه، وصوته الأجش المخنوق،
ورائحته المميزة، وظل طعم كفه الدافيء على أصابعها الباردة الرشيقة،
كانت تراه على الكرسي الذي طالما جلس عليه يقرأ صحيفته، يشرب قهوته.
تراه في زاوية الشارع، وعلى شاطيء الفرات يلعب بالحصى والطين، يبني
بيوتاً ويصنع بشرا..
وفي النهار تغرق نفسها في أعمال طائشة وصغيرة، تغسل الأرض والجدران
بالماء، فتحس بالألق والبريق، تحس به يطل من كل مكان، من النافذة
والجدران ومرآة الحائط، وأصص الزهور، يطل باسماً يحمل بين كفيه ثوباً
أبيض وزهرة حمراء.
كان في كل مكان . رائحة وصوتاً ودفئاً ونبضاً يسري في كل شيء.
- آه يا جوانة وتظلين هكذا شجرة وحيدة هجرتها أوراقها وعصافيرها تنتظر
وتنتظر غيمها العاشق... الماء يجري، والوقت يجري والانتظار يرمد روحك،
ويخنقها مثل كومة من الهباء في أغوار عميقة، وعتمة كاتمة، آه يا جوانتي
العزيزة، الصابرة، المكابرة، العنيدة، وماذا بعد...؟
قالت لنفسها، قامت إلى المطبخ، أعدت قهوتهاالسوداء. وجلست في الظلمة،
تدثرت بظلالها وبدأت تشرب فنجانها.
وتعيد لها الإحساس بالحياة. فتطرد حرارة القهوة رماد الوقت وصدأ المكان
. إنها تغتسل تحت مطر سري وريح عاصفة وقمر بلون الحليب، عارية في صحراء
وحشية وقاسية تتحرك كثبانها كالأشباح.
سمعت صوتاً من داخلها وهي تستعد للرحيل إلى الفرات في هجرة قصيرة .
فأوقفت كل شيء وتحركت تحمل صغيراً وشموعاً، واتجهت في موكب من الألفة
والخشوع الصامت والأطياف إلى النهر.
كانت الظلمة تلف كل شيء وضوء المصابيح الكهربائية يفرد أجنحته ويفرش
الطرقات الخالية إلا من الكلاب الضالة والقطط الشاردة والخفافيش،
والحركات الغامضة للكائنات الخفية التي لا تمارس حياتها إلا في غفلة من
الناس. الطرقات خالية وقلب جوانة توقف عن العويل. وأصابعها الرشيقة
الباردة تقبض بقوة وإصرار على شموعها وطوفها الصغير، ولم يعد شيء فيها
يبكي . انفتح قلبها لأول مرة على الهواء والبرودة السليلة . وعرفت
عيناها طعم الظلمة والأشباح والأشجار التي تصلي كما يبدو صلاتها
الخاصة، و بعيداً عن صخب النهار، صلاة خاشعة وجليلة في ذلك الجو
الاحتفالي.
الطريق إلى النهر يمتد أمام قدميها، ينهض وكأنه يريد أن يقودها إلى
السماء لا إلى النهر، وقد تراءى لها الظلام يبتسم كاشفاً عن قلب من
ذهب، تراءى لها المكان يتنفس . ويزفر روائح من بخور وزعتر . والطريق
يمتد. وخطواتها تتلاحق والمدينة تخلفها وراءها .طفلة تغرق في النوم
والأحلام
- لا تطلقي عويل قلبك الحزين يا جوانة
جاءها الصوت آمراً، حاسماً، كحد سكين . ووقفت على الشاطئ، حيث القمر
بلون الحليب، والجسر يمتد مثل كائن خرافي من الحديد والإسمنت المسلح .
وبيدين مرتجفتين أخرجت جوانة الطوف، غرست فيه الشموع ثم أشعلتها، فضاء
المكان من حولها، فرتلت صلاة قصيرة، ومع اندفاعة الطوف بالشموع ودت لو
تصرخ، لو تصيح تدعو سلطان النهر، فجائها الصوت آمراً: - لا تطلقي عويل
قلبك المجنون يا جوانة . ومضى الطوف بالشموع . أخذه التيار معه فرفرف
قلبها فرحاً وهي ترى السلطان يقبل تقدمتها، فطفرت الدموع من عينيها،
واهتاجت أعصابها، فتحول الماء والليل والأصوات والوقت إلى خيمة واسعة،
فواجهت القمر بعينين دامعتين وشهقت فتسلل الشعور بالأمل إلى أعماقها.
ومن بعيد رأته يظهر، عجوزاً طويلاً كالنخلة السموق نصفه الأسفل في
الماء ونصفه الأعلى على السطح وقد تدلت لحيته البيضاء على صدره فلامست
أطرافها النهر، أشار لها ثم غاب كالومض..
همس برقة... جوانة
كركر الهمس مرة أخرى ثم تابع:
لا توقفي عويل قلبك المجنون:
وكان الطوف الصغير مازال يندفع مع مياه النهر إلى الشرق....
زمــن بـلا رمــوش
عبد الله زيد صلاح
ا سيدي
زمنٌ بلا رموش
لم يعُدْ يفرقُ بين رعشةِ الذاكرة
ودخان الغياب
لم يعُدْ يفقهُ
إلا كتابَ الجرحِ
يجوسُ به أقاصي المكانْ
وينزله على حافةٍ من بكاءْ
وحينما نقرؤهُ بصوتٍ
قُدَّ مراتٍ
تورقُ صفحاتُه العجافْ
لتمنحنَا ألسنةً من غبارْ
وشهوةً نوافذُها صامتةْ
***
يا سيدي
زمن بلا رموشْ
يرتبُ أوراقَهُ تحت سقفٍ من الريح
غداةَ تخلّى عن الحبِ أبناؤهُ
واستحمت خطاهُ
بماءِ الغوايةْ
***
كم مرةٍ
يكحلُ عينَ البلادِ
بعشبِ الهمومِ
ونزيفِ الظلامِ
وعاصفةِ الأنا؟
كم مرةٍ
يرسمُها في صفوفٍ من الشكِّ
فتحصدُ بين ذراعيها
شراهةَ الجوعِ
وسبيلَ الانحناءْ؟
***
يا سيدي
في البدءِ كلمةْ
واليوم في البدءِ أنت
تفيضُ علينا بصبحٍ معين
وتزرعُ فينا مساحاتِ حب
وأدويةً من نجومْ
على بُعدِ حرفٍ
نطلُّ عليها
لنعبرَ جسرَ الزمنِ الكثيرْ
ونأوي إلى سكنٍ من بياض
حين نشاطرُهُ
تُشكلُنا لحظاتُ اليقين
***
يا سيدي
لا شيءَ في الزمن الكثير
غير شحنةٍ من وسوسةِ القلب
وامتدادِ الوعد
وفيضِ الزحام
يا سيدي
خذني إليكَ
كي لا يمرغ وجهي
تحت حوافرِ الريبةِ
وصهيلِ الجسدِ
وزفيرِ الزمنِ المخاتلْ
اخذتني إليك
حيثُ «لا أثم في الحبِّ
حين يكون نقياً
عفيفاً |