|
الاسماء المحترقة
سعد عبد الجبار
يمر العراق بمرحلة جديدة ومفصلية أخرى تتوج بالآنتخابات البرلمانية
المقبلة. ويحلم الشعب العراقي أن يبقى التصارع السياسي في المجالات
السياسية بعيدا عن العنف والابتزاز ولوي الاذرع على حساب المواطن
العراقي الذي مازال يبحث عن نتائج الوعود الانتخابية السابقة في مجال
الخدمات والصحة والتعليم وفرص العمل والسكن وبالتأكيد ملف ألامن الذي
يتذبذب صعودا ونزولا نتيجة التحالفات والتصريحات السياسية الغير مسؤولة.
عند تفحص أسماء المرشحين للانتخابات القادمة يصدم المواطن العراقي
بتكرار بعض الاسماء والوجوه التي يعتقد بعض المراقبين ان هذه الاسماء
ستكون حملا زائدا ومجالا نافراً للناخب حيث ان الكثير من هؤلاء الذين
عملوا في مواقع الخدمة العامة وتم تسجيل أسمائهم كرموز سياسية في
التحالفات والائتلافات التي تستعد لخوض أنتخابات مفصلية اكدوا عدم
قدرتهم على رسم سياسات اوتشريع قوانين أو القدرة على ادارة الدولة.
أهمية هذه الانتخابات تأتي من الواقع السياسي حيث ان البرلمان القادم
سيتحمل مسؤولية تحديد ورسم هوية الدولة العراقية مع كل ما يلزم ذلك من
تشريعات وسياسات كما على البرلمان القادم أن ينجح في تأسيس المناخ
المناسب على المستوى الوطني لجذب المستثمرين العراقيين والاموال
الاجنبية والبدء بالمشاريع الخدمية التي تمس حياة المواطن الناخب. كما
على مجلس النواب القادم تثبيت المفاهيم الامنية وأعتبار كل من يحمل
السلاح السياسي عليه مواجهة شرعية الدولة واجهزتها الامنية وأن
لاتستخدم الحصانة النيابية كغطاء لممارسة الانشطة الارهابية كما شاهد
المواطن تكرار ظاهرة هروب النواب بعد انكشاف مخططاتهم وتورطهم باعمال
العنف الطائفي ومقاتلة الدولة. عملت الحكومة المنتخبة على ارساء بعض
الاسس الوطنية ونجحت في خلق مناخ أمني يتمكن فيه السياسي والمواطن من
التحرك والتواصل ولكن يعتقد الكثير من المراقبين أن هذا التقدم الامني
مرهون بالتواصل السياسي وميزان المكتسبات الحزبية لبعض الاحزاب التي لم
تبلي بالشكل الذي كانت تسعى اليه في انتخابات مجالس المحافظات وقد يكون
من مصلحة البعض منهم أن يعمل على رمي العصي في عجلة الملف الامني
لارجاع العراق الى نقطة الصفر. وهنا يأتي دور بعض الوجوه التي فشلت في
المرحلة السابقة كقوة معارضة للعملية السياسية وأرتأت أن تكون من مفاصل
الائتلافات القادمة مع الادعاء بأنها تمثل مكون من المكونات العراقية.
بالتأكيد هذا الاتهام لاينطبق على كل القوى العابرة للمذهبية
بأنتماءاتها السياسية الجديدة ولكن ينطبق على المتهمة منها التي كانت
جزء من المرض المذهبي والاقتتال الطائفي . الخطر الاكبر ان تستغل بعض
هذه الوجوه الائتلافات الكبرى للوصول مجدداً الى مجلس النواب والانقلاب
عليها بعد الانتخابات والرجوع لافشال الملفات الخدمية وتقويض الامن
وزعزعة النظام السياسي وبالنتيجة افشال مشروع الدولة العراقية
الديمقراطية الموحدة.
الحوثيون عرب مسلمون ..يا اعراب البادية
طاهر عبد الامير ابو العيس
في ايام شهر رمضان وفي ليلة من لياليه وعند متابعة نشرة الاخبار
المسائية عرضت احدى القنوات الفضائية صور لهجوم عسكري تشترك فيها جميع
انواع الاسلحة الحربية (مدفعية ،دبابات ،هاونات ووو...) .وكان المذيع
منفعل جدا وهو يعلن (انتصر الجيش على الاعداء) حتى ظننت للوهلة الاولى
انها حرب على الصهيونية لتحرير بيت المقدس وضد قوات الاحتلال في جميع
البلدان العربية او مجرد صحوة ضمير لنصرة المضطهدين على اقل تقدير
..نعم بانت الفرحة على ملامحي وحسبت ان بعض حكام العرب الذين تم
تعيينهم بمرسوم (سري للغاية جدا جدا) من قبل الماسود الصهيوني قد
اصيبوا بشيء من تانيب الضمير وحفظ ماء الوجه ولكن الصوت القبيح لذلك
المذيع النشز بدد احلامي وفرحي ليزداد حزني والمي عندما قال : تم قتل
كذا عدد وجرح كذا عدد من الحوثيين في صعدة وحرف سفيان والمعارك مستمرة
وان النازحين تجاوز المائة الف !! انها فاجعة لايمكن ان يتحمل وقعها ذي
لب ...الحاكم العربي يقتل ويشرد ابناء الشعب!!الحاكم العربي يخرب
الديار ويقتل الرجال والنساء..الاطفال والشيوخ الذي ادعى زورا وبهتانا
انه جاء لأسعادهم وانصافهم!! نعم المدرعات والمدفعية والهاونات التي
تصوب حممها صوب اهل صعدة والقصف الصاروخي للطائرات جعلني اعيد الذاكرة
وتعود الصورة ذاتها امامي لما قام به طاغية العصر فالدورع والمدفعية
والهاونات وطائرات الهيلكوبتر هي ذاتها التي قصفت محافظات العراق
الجنوبية الفرات الاوسط حتى طالت محافظتي النجف الاشرف وكربلاء المقدسة
!!...نعم كالامس يومنا الدامي فمثلما الجمت افواه وحكام العرب وهم
ينظرون الدم العراقي النازف بل كانوا يدعمون النظام المقبور كالاموال
والاعلام حتى حتى جعلوا من الجلاد مظلوم والمظلوم هو المعتدي.. واليوم
كالامس فالحوثيين يقتلون ويشردون وتهدم منازلهم وتحرق مزارعهم وحكام
العرب في صمت طويل لاينبسون كلمة واحدة من اجل حقن دماء الابرياء في
شهر جعل الخالق فيه ليلة القدر خير من الف شهر وبذلك يكونوا قد انتهكوا
حرمة الشهر كما انتهكوا حرمة دماء العرب والمسلمين.. بل الادهى والامر
قيامهم بزيارة الحاكم اليمني ومطالبته بمواصلة اعماله الاجرامية ضد
ابناء الشعب (علينا المال وعليك القتال) وهو ذات الشعار الذي تعهدوا به
مع هدام العصر ..(الحوثيون عرب مسلمون ..يا اعراب البادية) راجعوا
التاريخ بدقة وتمعن ستجدون الحوثيون تاريخهم يؤكد انهم العرب الاصلاء
الذين كانت ولاتزال اليمن تقوم على اكتافهم وترتوي بدمائهم الطاهرة
...اما الحاكم المتسلط والذي يتبجح باستمرار الحرب لخمس او ست سنوات
لاضرر في ذلك وهذا ليس بالغريب على من خان العهد عندما اقيمت الوحدة
اليمنية ولاغرابة بقتل ابناء الشعب اليمني ومساندة اعراب البادية له
لأن الكل يعلم جاءت هذه المؤامرة من اجل تمرير المخطط الصهيوني في
تهويد بيت المقدس وخيانة حكومة عباس لدماء الشهداء الذين ذهبوا ضحية
الاعتداء الصهيوني ...نعم بدماء ابناء صعدة النجباء مرر الجبان خطط
الصهاينة اللعناء … فهل من صحوة ضمير ياحكام العرب لوقوف نزف الدم في
صعدة وحرف سفيان...واحقاق الحق لأهل الجنوب وليعلم كل من سولت له نفسه
في سيل الدماء الطاهرة ان ارادت الشعوب لاتقهر وان الظالم عاجلا ام
اجلا لابد ان ينال جزاءه ..فالعز والكبرياء للشعوب المناهضة للتسلط
والعدوان والخزي والعار للحاكم الجائر المستبد وليأخذوا الحكام
الجائرين العبرة والدرس من جزار العراق وليعودوا الى رشدهم قبل فوات
الاوان وان ينصفوا شعوبهم دون تمييز طائفي او عرقي.
تعـددت الأسبــــاب والمـــوت واحــــد
عبد الباري العطواني
لا...ليس الموت سواء، وليس الاموات سواسية، وليست العواقب
متشابهة،فحياة البشر أنواع وأشكال وكذلك موتهم، وكيفما نظرنا للموت
وجدناه مصيبة، وكذلك وصفه القرآن، فهو خاتمة لمرحلة الحياة والعمل،
ومفارقة للأهل والولد،خاتمة لمرحلة الإستدراك والتصحيح والتعلم
والاستغفار، هو بداية القيامة والحساب 'موت أحدكم قيامته' ولا أظن أن
أحدا يتمنى الموت طواعية ويقبل عليه رغبة الا الشهيد طالبا لحياة من
الفرح الخالص والرزق العميم والبشرى المنتظرة باللاحقين، وقد نهانا
الاسلام عن تمني الموت وبلوغ مرحلة السأم من الحياة مهما بلغنا من
العمر ومهما تكالبت علينا هموم الدنيا، وجاء في مأثور الدعاء أن نسأل
الله الحياة ما كانت خيرا لنا بعلمه وأن يميتنا إذا علم الموت خيرا
لنا، ولنا العبرة في يوسف عليه السلام الذي عانى قبل النصر والبراءة
خيانة الأهل وفتنة النساء وظلمة السجن وتشويه السمعة،فلما جاءه الفرج
والتمكين كانت عيناه معلقتان بخاتمته، وكيف سيكون شكلها فدعى بأن يموت
مسلما في زمرة الصالحين.
وقد أدرك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن الموت مصيبة فأراد أن
يخفف عن البشر مشاعر الفقد والألم ويعزيهم بنفسه فقال: أيما أحد من
الناس أصيب بمصيبة، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري،
فإن أحدا من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي' وكيف يجد
المرء العزاء إذا تذكر رسول الله؟ يجده عندما يذكر أن الرسول يجب أن
يكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده والناس أجمعين ليصح إيمانه.
وهناك أمثلة يجب استذكارها عند الحديث عن الموت أولها: موت النفس
المطمئنة، غريب كان موقف بلال رضي الله عنه يقول للموت وهو على
فراشه:حبيب جاء على فاقة، ولكن بقية قوله تبين لماذا كان يرى الموت
حبيبا طال انتظاره إذ قال: غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه، فكان يرى
بقاؤه بعد أصحابه هو المصيبة واجتماعه بهم غاية المنى.
هذا هو موت النفس المطمئنة التي بعد أن وصف الله سبحانه وتعالى مشاهد
القيامة والهول والحسرة في سورة الفجر ناداها' يا أيتها النفس المطمئنة
ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي' لحظة من العطف
والحنو ينادي بها الله تعالى أصحاب هذه النفس وينسبهم له، يناديهم كمن
ينادي على مغترب لكي يعود الى دياره ووطنه الذي فارقه وفي هذا قال ابن
القيم: فحيّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل يا ترى نعود لأوطاننا ونُسلم ثم تنال النفس
المطمئنة التي تنتقل بين الدنيا والآخرة بسلاسة جريان الماء بشرى الرضى
والجزاء المرتقب بالجنة، وقد وصف صاحب الظلال هذه النفس فقال: هي
المطمئنة الى ربها وطريقها وقدرها، المطمئنة في السراء والضراء،
المطمئنة فلا ترتاب ولا تنحرف ولا تتلجلج في الطريق.
وامصراه.. سلمت من الذل والهوان
ابراهيم يسري
في أيامنا هذه، اينما وجهت نظري وفي اي مجال أرى الصورة في مصر كئيبة
حزينة تحطم الوجدان المصري وتدمي العيون أسفا على ما أصاب مصر العزيزة
الكريمة من ضعف وهزال وهوان وهي التي عرفها التاريخ والجغرافيا قائدة
للتطور والحضارة الانسانية وحاميا ومخلصا لأمتها من القهر والضيم..مصر
لم تفقد كرامتها وعزتها بشكل يضاهي ما فقدته اليوم ففي عهد المماليك
كانت قائدة وقامعة للعدوان على الأمة، وفي عهد محمد علي رفضت الخضوع
للسلطان العثماني وانتهجت سياسة مستقلة تمليها اعتبارات المصلحة
المصرية والعربية... مصر كانت رائدة الديمقراطية البرلمانية من أواخر
القرن الثامن عشر حيث وقف البرلمان أمام جبروت الخديوي ورفض مرسوم حله،
وفي زمن الإحتلال البريطاني لم ينضو المصريون تحت جناح المستعمر بل
عارضوه وحاربوه، وفي العهد الملكي وقف البرلمان امام رغبات السراي
الجامحة، ولبت مصر نداء فلسطين وكان لها الجهد الأكبر في إنشاء الجامعة
العربية. وفي عهد عبد الناصر أصبحت ماردا على الساحة العربية والدولية
وقادت حركات التحرير وعدم الإنحياز ومعركة الجنوب الفقيرمع الشمال
الغني .. وصنع المواطن المصري البسيط هرما رابعا بالنصر في حرب
أكتوبر.. ذلك النصر الذي ركب موجته الكثيرون من السياسيين والعسكريين
حتى أجهضوه فبدلا من حصد ثماره ولد مسخا مشوها واسفر عن تسوية ذليلة
مشوهة خاضعة للأجنبي.
لست هنا في مقام العويل والبكاء لأن مصر تحتفظ بكل أسباب القوة والعزة.
وما تصادفه الآن عرض زائل أقطع بأنه سحابة سوداء ما تلبث أن تنقشع.
ولكني أيضا لا اكتب لاشيع التفاؤل البسيط الذي ينبعث من أحلام العودة
للمجد الحضاري والتاريخ القديم... أن مصر في حاجة الآن لعملية غسيل
شامل للأذهان والعقول ومراجعة شاملة لجوانب العمل الوطني لكي نضع
اقدامنا على بداية طريق القوة والعزة حتى نستعيد عناصر نهضتنا وننتشل
بها أمتنا من مستنقع الإحباط والإنبطاح .
والحديث في هذا يطول ولكني سأحاول استعراض الصورة وهو مشوار مؤلم لابد
من طرقه حتى يفيق البعض من خيرة نخبنا ومواطنينا من سكرتهم واحلامهم
ويضعوا ايديهم على مكامن المرض سعيا لعلاجه والتخلص منه.
ولنبدأ بالسياسة الخارجية فهنا تشير الصورة الى خلل كبير وضعف في
إدارتها، ولا نعرض هنا لاسباب ذلك توخيا للإيجاز ـ وانما نضع أيدينا
على ما يشوب منهجنا من قصور نابع من السذاجة حينا والطفولة السياسية
التي تجسدت في استغراق الفكر السياسي العربي في خديعة ثقافة المجتمع
الدولي التي حذرنا منها وطالبنا بالاقلاع عنها والعودة الى أصول
العلاقات الدولية التي تعتمد في تفاوضها مع الآخر على قوة رادعة حقيقية
على الأرض في خلفية تساند وتدعم المفاوض العربي، كما يرجع الخلل أيضا
الى استسلامنا للضغوط الخارجية أحيانا... وأقطع بأن المواطن العربي
والمصري مستعد لدفع عمره ثمنا لتفسير مقنع لتوجهاتنا الخارجية... ولن
نذهب بعيدا في رصد بعض العبثيات لأن نصف القرن الماضي أو ما يزيد حافل
بالهزائم والأخطاء التي ارتكبتها سياسة ساذجة طفولية وبدائية ـ إذا
افترضنا حسن النوايا، ولكننا نكتفي بلإشارة الى أحدثها مما استعصى فهمه
على أعتى المحللين السياسيين... يريد المواطن أن يعرف مثلا .. لماذا
صمتنا على العدوان على غزة ولماذا أغلقنا المعبر في وجه المعونات
الإنسانية.. لماذا صمتنا على التوسع في الاستيطان وعن تهويد القدس
والعمل في اسفل الأقصى لهدمه ..ثم عن حصاره أيام الجمع.. بل عن حصاره
الأخير.. لماذا خرجنا من الساحة فلم نعلم أو علمنا وصمتنا عندما حدثت
خيانة تأجيل عرض تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان..لماذا أهملنا
افريقيا وأجهزنا على دورنا القيادي الكبير فيها... لماذا ضعفنا في
مواجهة التلاعب الأمريكي ـ الصهيوني ـ الأثيوبي في مياه النيل مجرى
حياتنا.. لماذا تناولنا القضية في إطار دبلوماسي غير منتج بدلا من دعم
المفاوض المصري بنوع من الردع القوي في حالة المساس بحصتنا ...لماذا
أهملنا تعقب محاولات اسرائيل بدعم من الأردن لشق قناة البحرين التي
تهدد قناة السويس وتفسد البيئة؟
أما عن الداخل فلم تشهد مصر ـ حتى في عهد الانكشارية وتخريب السلطان
العثماني سليم الأول ـ فسادا مستشريا وعفنا أصاب إدارتنا ومؤسساتنا مثل
ما تعاني منه اليوم في ظل هجمة شرسة يقودها تحالف غير مقدس بين السلطة
ورأس المال، فأصبحت القرارات والسياسات ملكا خالصا لتفكير أمني بحت
تدعمه السلطة ورجال الأعمال، انهار التعليم وانتشر الفقر والمرض، وسلب
المواطن معاشه وتأمينه الصحي، شرب المواطن وأكل من مياه المجاري، تآكلت
الطبقة الوسطى واتسع عدد المواطنين تحت خط الفقر، وغامر الشباب المصري
اليانع بالموت غرقا في سبيل الهجرة، بل نسي بعضهم كل قناعاته وراح يطرق
باب العمل لدى عدوه ..
يتعاصر ذلك كله مع عجز كامل للنخب السياسية ـ نتيجة عزلها عن قواعدها
ثلاثة عقود ـ التي وان جاهرت بكشف الفساد والمناداة بالحرية
والديمقراطية ووقفت ضد التوريث، الا أنها لم تخرج من أوهام رومانسية
عندما تتطلع الى إنشاء جبهات من القوى الفوقية ضد التوريث والتطبيع، بل
تمضي في رومانسيتها الى فرض شروط على النظام ـ تعلم تماما أنه لن
يستجيب لها ـ لضمان حرية الانتخابات القادمة مثل عودة اشراف القضاة
وتمضي بحسن نية في طلب رقابة دولية على الانتخابات والكل يعلم ان
الرقابة الدولية يسهل خداعها كما انها لم تمنع التزوير في أي بلد فضلا
عن مساسها بعزتنا الوطنية. وتشتد الهجمة الشرسة لدعاة التطبيع فيستقبل
سفير اسرائيل في مؤسساتنا الصحافية وتفرد محطة فضائية مستقلة برنامجا
تطرح فيه سؤالا غريبا لا يرضي ضمير ووجدان أي مواطن وهو هل عادت علينا
معارضة التطبيع بأي فائدة. وتكتمل المأساة الوطنية عندما ينشغل المواطن
بأن يقيم أوده ويلبي الحاجات الضرورية لعائلته ويؤمن رغيف العيش
لأولاده، عن متابعة القضايا الوطنية ويعتبر الكفاح السياسي مسؤولية
النخب ويلجأ الى منحى قدري عندما يقول حسبي الله ونعم الوكيل..الله
سيعاقب المفسدين ..ويكتفي بالدعاء عليهم .
ولقد ترتب على ذلك بالضرورة هبوط مؤسف في مستوى الأخلاق فرأينا من
الجرائم ما لم نشهده منذ قرون، وتسلل الهبوط الى الإبداع فحين سيطر
الإعلان ورأس المال على الفنون والأدب والدراما والموسقى، تحولت مصر
الى قزم وفقدت ريادتها، وسبقتها في ذلك عدة دول عربية. يشهد على ذلك
الاسفاف الدرامي في مسلسلات رمضان وأفلام موسم العيد، وكما قلت أصبح
المواطن يبحث عن ملاذ فني ودرامي آمن فلا يجد الا الهبوط والاسفاف،
وحتى القلاع التي لم يقتحمها الإعلان بعد مثل القناة الثقافية
والبرنامج الموسيقى والبرنامج التثقيفي فلن تلبث أن تسقط تحت سيطرة
الإعلان ...تصوروا لو استمعنا لسيمفونية لبتهوفن مقطوعة باعلانات بعد
كل حركة فيها.
والسؤال هل هذه مصر بتاريخها وجغرافيتها وعبقرية مكانها، لا أظن ولا
أعتقد أن يقبل ذلك ، ولكن يثار هنا سؤال أهم وهو ماذا نحن فاعلون وهل
اصبح الوضع بعيدا عن التصحيح؟ وهل سنذعن للهوان والذلة؟ سيدعو دعاة
الأمر الواقع وسياسة فن الممكن الى قبول الهزيمة والإذعان للمشروع
الصهيوني والتواجد تحت الجناح الأمريكي كجمهوريات الموز ... و لكني
أزعم أن هذا وإن حدث فلن يبقى فالشعب المصري آت.. ومصر التي بعزتها يعز
العرب وبهوانها يتراجعون لن تخذل تاريخها وأمتها .. ولم يكن الشابي
الشاعر المغربي العبقري يهذي عندما قال اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر.. وفي الضمير العربي أنه كلما تزايدت الظلمة
سوادا فان بزوغ نور الشمس أكيد.. هيا ايها المصريون الشرفاء صيحوا
معي.. وامصراه.. و هيا أيها المواطن العربي الشريف العزيز فجاهر قولا
وعملا بعدم قبول الذل والانبطاح.. و لا تظنني أسبح في الخيال أو أقارع
الأوهام إذا قلت انا لمنتصرون.
خـدعـة الحـد من الأسلحـة النـوويـة
قاسم خضير عباس
الجناح المتشدد في الكونغرس الأميركي دعا أخيراً إلى ضرب إيران
بالأسلحة النووية، وأسمى هذه الدولة بمحور الشر!! وأنا هنا لا أدافع عن
إيران ومفاعلاتها النووية، بل أطرح الموضوع من خلال التحليل
الاستراتيجي المتعلق بالعلاقات الدولية، فالتلويح بالأسلحة النووية
الأميركية ليس عملاً جديداً، فلقد هدد بها رؤساء أميركيون في عصر
التوازنات السابق. و(مؤتمر الحد من الأسلحة النووية)، الذي عقد في
نيويورك، خير دليل على ما نقول، لأنه يأتي ضمن الهيمنة والتسلط
الأميركي، الذي أراد استغلال اتفاقية (الحد من انتشار الأسلحة
النووية)، التي وقعت في أول من تموز عام 1968 لحصر السلاح النووي في
أيد الدول الكبرى التي تملكه!! وأول ما يلفت الانتباه في هذه الاتفاقية
أنها دفعت بعض الباحثين إلى تأكيد مقولة: (تقسيم مناطق النفوذ بين
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تحت تأثير مرحلة الرعب النووي).
وهي مقولة جعلت كلاً من فرنسا بزعامة (شارل ديغو ل)، والصين الشيوعية،
لا تنضمان إلى الاتفاقية المذكورة، ولم تتراجعا عن موقفيهما إلا في عام
1991 بالنسبة لفرنسا وعام 1992 بالنسبة للصين، بعد تغيّر المعادلات
الدولية. ومن المعروف أن اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، التي
صاغت بنودها كلاً من أميركا والاتحاد السوفيتي السابق وبريطانيا، لم
تطبق حتى من قبل أعضائها، فإحدى فقراتها، مثلاً، تنص على: - (عدم إعطاء
الأسلحة النووية إلى البلدان الأخرى). وهذا مالم تلتزم به واشنطن حيث
زودت إسرائيل بأكثر من 200 رأس نووي. بلحاظ أن الاتفاقية المذكورة لم
تحدد بدقة الالتزامات والجزاء على الدول النووية في حالة عدم تطبيق
بنودها. الشيء المهم بالنسبة لنا معرفة أن (اتفاقية الحد من انتشار
الأسلحة النووية ) قد حدد لها مدة 25 سنة لتجديدها، وفي نفس يوم
انتهائها 1995/4/7، عقدت (الأمم المتحدة) مؤتمراً في نيويورك شاركت فيه
167 دولة موقعة على الاتفاقية سابقاً لمناقشة مخاطر الأسلحة النووية
الفتاكة. وبعد مناقشات دامت أكثر من ثلاثة أسابيع تبين أن المشكلة
الأساسية تكمن في عدم وفاء الأميركيين، والروس، والإنكليز، والصينيين،
والفرنسيين بالتزاماتهم المترتبة عليهم حسب اتفاقية عام 1968. وتبين
أيضاً أن هناك خلطاً واضحاً في المفاهيم نتيجة تصرفات الدول النووية،
التي أرادت من اتفاقية عام 1968: (الحد من انتشار الأسلحة النووية بيد
الغير فقط). وعلى هذا الأساس لا يمكن مناقشة الحد من أسلحتها النووية
ولا من تجاربها في هذا المجال. وجدير ذكره أن دول النادي النووي أعضاء
(اللجنة الدولية للطاقة الذرية) تملك 281 مفاعلاً نووياً، ينتج 161 ألف
ميكاواط يومياً، أي 10 في المائة من مجمل احتياطي التيار الكهربائي في
مختلف أنحاء العالم، وتستورد هذه الدول اليورانيوم من القارة
الأفريقية، وأستراليا، والولايات المتحدة، وكندا. وهكذا أثار إصرار
الدول النووية على مواقفها الانقسامات والخلافات العديدة في مؤتمر
نيويورك ومؤتمرات الأمم المتحدة اللاحقة، وازدادت الخلافات حدة بعد
إصرار أميركا على جعل اتفاقية عام 1968 سارية المفعول دون تحديد مدة
لانتهائها، مما دعا مصر، ونيجيريا، والمكسيك، وإيران، وبعض الدول
العربية إلى التحفظ على ذلك، إضافة إلى انتقاد (الموقف الأميركي)
المتضمن دعم إسرائيل وعدم إجبارها على الدخول في اتفاقية الحد من
انتشار الأسلحة النووية!! وبرأيي أن هذا التحفظ لم يأت عبثاً لأسباب
عديدة: السبب الأول: حجم انتهاكات الدول المهيمنة على السلاح النووي
لالتزاماتها، وتزويدها الدول الأخرى الحليفة لها أسلحة نووية. السبب
الثاني: وضوح ماهية المواقف الأميركية في النظام الدولي الجديد،
فالولايات المتحدة تريد حصر السلاح النووي بصورة أضيق ليتم لواشنطن
السيطرة نووياً على العالم، بعد انحلال الاتحاد السوفيتي وشطبه من
الخارطة السياسية. السبب الثالث: إدراك المجتمع الدولي بأن أميركا هي
التي بدأت (الحرب النووية)، عندما صنعت أول قنبلة ذرية وطورتها، وألقت
عام 1945 قنبلتين نوويتين على هيروشيما، ونكازاكي في اليابان. فكانت
السبب الأول والمباشر في دفع الاتحاد السوفيتي السابق بقيادة (ستالين)
إلى طلب القنبلة النووية من العالم الفيزيائي الروسي، حيث شهد العالم
منذ ذلك الوقت بدأ مرحلة (توازنات الرعب النووي ) بين واشنطن وموسكو.
ومن المعروف أن الرئيس (هاري ترومان) هو صاحب فكرة ضرب اليابان نووياً،
والمؤيد بحماس جنوني سنة 1952 لضرب الاتحاد السوفيتي، والصين بالأسلحة
الذرية الفتاكة. كما أن الرئيس (ايزنهاور) كان يرى صلاح فكرة التخلص من
(مشكلة الصين الشيوعية) بضربها بالقنابل النووية. وإنه نصح الرئيس
(ترومان) بضرورة ضرب أي دولة غير حليفة تحاول صنع السلاح الذري، وقد
قرر أيضاً استخدام هذا السلاح الفتاك في الحرب الكورية ثم تراجع عنه.
ومن الأعمال الإجرامية التي قامت بها أميركا في هذا المجال: تهجير سكان
جزيرة بكيني المرجانية قبل حوالي أكثر من 48 سنة لتجريب القنبلة الذرية
والهيدروجينية بحجة إجراء تجارب تخدم الإنسانية. وتم لواشنطن ما تريده
لأن الجزيرة الوادعة كانت تحت الوصاية الأميركية!! وتشير تقارير علماء
البيئة، بعد هذه السنوات الطوال بأن: - (الجزيرة قد لوثت إلى درجة عدم
مقدرة سكانها العيش فيها مرة أخرى). على صعيد آخر كان من الممكن حدوث
حرب نووية تفني ثلثي العالم بسبب نشر صواريخ نووية في تركيا. وكذلك عند
محاصرة (الجيش الأميركي) لكوبا، الأمر الذي أدى إلى استنفار(الغواصات
النووية الروسية). ولولا إدراك الطرفين خطورة الموقف، عليهما بالذات،
لما تم الاتفاق على الانسحاب من تركيا، وكوبا. وهناك كثير من الشواهد
والحقائق تؤكد مسؤولية الولايات المتحدة، وتوريطها العالم بسباق تسلح
ذري وهيدروجيني، مع احتفاظها بترسانة ضخمة من هذا السلاح المدمر، الذي
لا تريد أن يمتلكه غيرها لغايات معروفة. وتأتي إيضاحات وزير الخارجية
الأميركي الأسبق (باول) عند حديثه عن ضرب العراق، لتؤكد ما نقول، حيث
اتسمت بالغموض، والاستغراق في العموميات، كقوله بضرورة: - ( نزع السلاح
النووي والجرثومي، الذي أصبح يهدد البشرية كاملة). دون تحديد التزامات
واشنطن ومسؤوليتها عما حدث، ودون تحديد الأطر التي بواسطتها يتم الحد
من السلاح النووي والهيدروجيني. وقد فسر بعض المراقبين كلمة الوزير
الأميركي بأنها: - (طريقة جديدة للهيمنة والخداع). لهذا فإن هذه
الأسباب التي طرحناها سابقاً والتي قلنا أنها لم تأت عبثاً هي التي أدت
إلى حدوث نزاع، وانقسامات في الرأي داخل مؤتمرات الأمم المتحدة للحد من
الأسلحة النووية، بين الدول النامية من جهة وبين أميركا ودول النادي
النووي من جهة أخرى. والأمر الغريب الذي لا يجد له تفسيراً معقولاً!!
أن معارضة الدول النامية لم تصمد طويلاً أمام ( الرفض الأميركي )،
وتنازلت عن آرائها التي طرحتها ولا نعرف سبباً واحداً يدعوها لذلك!!
وقد كسبت الدول النووية المعركة في نهاية المطاف، حيث تقرر: - أن تكون
اتفاقية (الحد من انتشار الأسلحة النووية) سارية المفعول دون تحديد مدة
لانتهائها. وتقرر أيضاً: - عدم الاستجابة لمطالب الدول العربية
والإسلامية، التي حاولت استقطاب الرأي العام نحو التحذير من مغبة عدم
دخول (إسرائيل) إلى هذه الاتفاقية. بلحاظ أن تل أبيب تملك 200 رأس
نووي، حيث يتم تخصيب اليورانيوم في (مفاعل ديمونة) ويشحن المواد
الأساسية لهذا المفاعل من أوروبا، والولايات المتحدة. وهكذا فإن واشنطن
أنجزت مهمتين كانتا في صميم مبادئها وهما: أولاً: الحصول على تأيد ضمني
من (الأمم المتحدة) للبرامج النووية الأميركية، التي ستتطور بحرية
كاملة، مع فرض قيود صارمة على الدول التي تحاول امتلاك هذا السلاح
الفتاك، وتمكين (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) من إجراء عمليات تفتيش
مفاجئة للدول المشتبه بها. ثانياً: الإصرار على عدم الضغط على إسرائيل،
وعدم إجباره على الدخول في (معاهدة الحد من الأسلحة النووية)، وهذا
الأمر سيؤدي إلى أن تطور (تل أبيب) مفاعلاتها النووية دون رقابة!!
ولأميركا مصلحة في ذلك عبر عنها الرئيس الأسبق (بيل كلينتون) مراراً
بقوله: - ( للولايات المتحدة مصلحة حيوية ليس في أمن إسرائيل فقط، بل
أيضاً في التعاون الاستراتيجي بين بلدينا في المنطقة، ونحن نتفهم ونؤيد
بحزم حاجة إسرائيل إلى الاحتفاظ بتفوق عسكري نوعي على أي اتحاد محتمل
بين خصومها العرب). والتفوق العسكري النوعي حتماً سيكون بامتلاك (تل
أبيب) السلاح النووي بتأييد واشنطن ومباركتها. وهنا نقول: هل بعد هذا
شك بأن النظام الدولي الجديد بقيادة أميركا يكيل بمكيالين… ؟! ويتحرك
بوجهين… ؟! والأمر من الوضوح بحيث أنه لا يحتاج إلى مزيد من التعليق. |