الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(872) الثلاثاء 23 شوال 1430 هـ/13 تشرين الاول 2009

دراسات

فدك في التاريخ

الحلقة السابعة

الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر

الفصل الثاني

( تقويم تاريخ صدر الأسلام ):

 كلنا نود أن يكون التاريخ الأسلامي في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر ، بريئا مما يخالط الحاية الأنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى ، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة ، إذ قام على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الأنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الأطلاق ، وارتقت فيه العقيدة الألهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الألهية في دنيا الفلسفة والعلم ، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه في روح ذلك العصر ، فتأثر بها وطبع بطابعها الألهي العظيم ، بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير ، كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه . فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت الألهي المنبعث من كل صوب وحدب ، وفي كل جهة من جهات الوجود ، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى . 

إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الأطلاق ، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون  ، ومجالات تنفيذه ، ويجعل مدار القيمة المعنوية ، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله  التي هي تطهير روحي ، وصانية للضمير وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة ، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني ، وإهانة الفقير لأنه فقير ، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ويتسارع فيه إلى لجهاد لصالح النوعى الأنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا ، وإخراجها عن حساب الأعمال ( أقول ) إن العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والأعجاب والتقدير ، ولكن ماذا أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن اريد أن اطيل فيه ؟ وليس لي أن افرط في جنب الموضوع الذي احاوله بالتوسع في أمر آخر ، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني إلى ذلك ، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة . أنا أفهم هذا جيدا ، واوافق عليه متحمسا  ، ولكني لا أفهم أن يمنع عن التعمق في الدرس العلمي ، أو التمحيص التاريخي لموضوع كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن ، أو يحظر علينا أن نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس أن أحد الخصمين كان مخطئا في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها ، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذ لك سير الحوادث حينذاك ، وطبيعة الظروف المحيطة بها .

وأكبر الظن أن كثيرا منا ذهب في تعليل مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد أن رجالات الزمن الخالي ، وبتعبير أوضح تحديدا أن أبا بكر وعمر وأضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامة يومئذ لا يمكن أن يتعرضوا لنقد أو محاكمة لأنهم بناة ذلك العصر ، والواضعون لحياته خطوطها الذهبية ، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر ، وتجريدهم عن شئ من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم . 

واريد أن أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل ، ولمحة من دراسة مهمة قد أعرض لها في فرضة اخرى من فرص التأليف ، وأكتفي الان أن أتساءل عن نصيب هذا الرأي من الو اقع.

صحيح أن الأسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا ، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير ، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل ، واللون القرآني المشع ، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟

والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع ، ولكنا نعلم أن المسلمين في أيام الخليفتين كانوا في أوج تحمسهم لدينهم ، والاستبسال في سبيل عقيدتهم ، حتى إن التاريخ سجل لنا ( إن شخصا أجاب عمر حينما صعد يوما على المنبر وسأل الناس : لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت فبلناك ، فقال عمر : وإن لم ؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك . فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في هذه الامة من إذا اعوججنا أقام أودنا ) ونعلم أيضا أن رجالات الحزب المعارض - وأعني به أصحاب علي - كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة ، وكان أي زلل وانحراف مشوة للون الحكم حينذاك كفيلا بأن يقلبوا الدنيا رأسا على عقب ، كما قلبوها على عثمان - يوم اشترى قصرا ، ويوم ولى أقاربه ، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى  - مع أن الناس في أيام عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة في الدين واللين والدلة منهم في أيام صاحبيه . ونفهم من هذا أن الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسس السياسة ونقاطها الحساسة لو أرادوا إلى ذلك سبيلا ، لأنهم تحت مراقبة النظر الأسلامي العام الذي كان مخلصا كل الأخلاص لمبادئه ، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين ، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الأسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص ، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده  وأما الفتوحات الأسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ولكننا جميعا نعلم أيضا أن ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في أيام الخليفتين بلونها المعروف مجدا في حساب التاريخ ما دام كل شأن من شؤون الحرب ومعداته وأساليبه يتهيأ بعمل أشبه ما يكون بالعمل الأجماعي من الامة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا ، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر ، ولم يستقل فيه برأي ، ولم يتهيأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب ، فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العر اق ومصر لم يعلن بكلمة الحرب عن 20 قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة اهبتها ، بل أعلن عن قوة الكلمة النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصراهتزت له قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا ، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي ، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته .

وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب الفوز ، وأنالهم ا لنصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو بعد ، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للأسلام في آفاق الدنيا ، وأطراف المعمورة ، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان أمامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم وفي أمر الفتوحات شئ آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقية الامور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح الأسلامية ، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة ، وتعميق الشعور الوجداني والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين ، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية ، أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين ، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الأسلامية .

لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما ، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي اتخذاها .

ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على بناء سياسة ، ومنهج لحكم جديد ، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف ، وضروب النعيم حظ عظيم ، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ؟ . . . فضرب بنفسه مثلا في الأخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم .

وأنا لا أقصد بهذا أن أقول إن الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا إلى سيرة رشيدة في الحكم ، واعتدال في السياسة والحياة ، ومرغمين على ذلك ، وإنما أعني أن الظروف المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه كما أني لا اريد أن اجردهما عن كل أثر في التاريخ ، وكيف يسعني شئ من ذلك ، وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الأسلامي كله ، وإنما عنيت أنهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة ، وما ازدهرتت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة .

 

 

( مع العقاد في دراسته ) .. الإعلام الإسلامي والمرأة

ابراهيم الزيادي

ينطلق الفهم الإعلامي الإسلامي من رؤية مرجعية تتصف في خطابها بالعموم ، والإطلاق من دون مراعاة لـ( أنا الأنثوية ) ؛ فالمرجع عندما يطلق الأحكام الشرعية يتصف خطابه بالنظرة الشاملة لمقلديه ، وأتباعه من دون تلمس لـ(أنا) موجودة في ذلك الخطاب ، هذا الأمر يُسوّغ له ؛ لأنه في قمة هرم المؤسسة الدينية ، ولا يُسوّغ في الخطاب الإعلامي الإسلامي ؛ لأنها - بطبيعة الحال - أداة من أدوات المؤسسة الهرمية هذه ( ) , فيجب أن تكون المرأة حاضرة في الإعلام الإسلامي حضورا تفاعلياً ، ترى نفسها فيه ، وإنه يمثل واقعها في المجتمع في مختلف الحالات ، ويجب أن تكون تلك العلاقة متوازنة (هي - أنا )، ولم يقم الإعلام الإسلامي في هذا الأمر إلا باستيراد هذه الصورة الغائبية في الخطاب الديني المرجعي.

يشكل جدلية الخطاب الثقافي في قضية المرأة همّاً كبيراً لم يستطع من خاضه من المنظّرين أن يضعوا نقطة الحسم في آخر سطوره , إذ ما تزال التجاذبات الكثيرة التي تواجه الباحثين في مجال المرأة ، وموقعها من هذا الكون مستمرةً ، لا تقف عند حدود الأدلة ، والبراهين التي يعتصم بها كل طرف في الحياة .

وقد نستعجل في تعليل هذه الجدلية وإيداعها في خانة تنافر الإيديولوجيات وحدها ؛ فالأمر يتعدى ذلك إلى أمور كثيرة ، منها التطور الهائل في الحضارة الإنسانية ؛ الذي لا يكاد ينضبط من سرعته , وهو الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تخندق الإيديولوجيات في احتراب دائم ، لا يجعل للوساطة فيه سبباً ، فهو صراع على ثبات الهوية واستمرارها ، وعدم تماهيها في الهويات الأخرى .

هذا الأمر يجعل دلالة المرأة في تقارب مستمر من دلالة الهوية .

إن رقماً كبيراً في التنظير الديني كآية الله مطهري حين يؤلف كتاباً في قضية الحجاب - مثلاً  - وكاتباً كبيراً كقاسم أمين حين يؤلف كتاباً في حرية المرأة فإن الأمر يتعدى ما في ظاهر الأمر من صراع ساذج في أدلة الطرفين ، ويتعداه إلى صراع إثني يتقنع بمثل هذه المسألة ؛ فالمرأة في كلا الكتابين تمثل رمزاً ايقونياً للهوية المعرفية للكاتبين .وبذا يتضح الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الدكتورة نوال السعداوي في كتابها المرأة ، والدين ، والأخلاق حينما استقطبت ثلاث إيقونات جعلت المرأة مدار اغتراب فيهنّ ؛ إذ إن الدين والمرأة - كما أسلفنا-  يمثلان ترادفاً ايقونياً لا يمكن النكوص عنهما ، خلافاً للأخلاق التي - وإن اختلف الأخلاقيون ، وغيرهم في فلسفتها - تمثل حيزاًً ثابتاًً لدى البشر .

إن محاولة الخلط بين المفاهيم الثلاثة ؛ المرأة ، والأخلاق ، والدين جعل الدكتورة نوال السعداوي تصبّ جام غضبها على الذكورة في تحديد عقدة الصراع ، وما نتج عنه في تصورها من ظلم كبير وقع على المرأة حين قالت : " لقد نبعت القيم الدينية ، والأخلاقية المزدوجة التي نعيشها حتى اليوم من هذا الاحتكار الأبوي للنسب ، والشرف ، والأخلاق ، والدين ... " ( ) .

فالأخلاق كانت وجهاً من أوجه الصراع الإيديولوجي أو آلة من تلك الآلات الكثيرة التي استعان بها أولئك المتخندقون من المنظّرين دفاعا عن هويتهم .

كيف إذن يتعامل الخطاب الإعلامي الإسلامي مع قضية المرأة ، وهل سيكون متخندقا هو الآخر في تحديد هويته ، ورسم ملامحها من خلال المرأة ؟

تدور في الذهن أسئلة كثيرة بخصوص هذه القضية ، منها :

1-     هل الخطاب الإعلامي الإسلامي خطاب ذكوري ؟  2- هل إن المرأة فاعلة في الإعلام الإسلامي ؟

3-     هل المرأة جزء من الخطاب الإعلامي الإسلامي ؟ بمعنى هل يوجد خطاب إعلامي إسلامي نسوي ؟

4-     هل يوجد تخطيط مدروس في الخطاب الإعلامي الإسلامي إلى المرأة؟

5-     هل يوجد خطاب إعلامي إسلامي أنثوي موجه للرجل؟

إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة توضح لنا قيمة المرأة، وموقعها في الإعلام الإسلامي.

تكمن المفارقة المذهلة في إن الخطاب الإعلامي الإسلامي ذكوري بالفعل فهو ينطلق من عقلية ذكورية موجهة إلى عقلية ذكورية ، تكاد تتناسى في خطابها المرأة وجوداً وهويةً !! .

وتكمن المفارقة الأخطر في تبعية الإعلام الإسلامي لما ينتقده هو من رؤية سطحية لدى الآخر للمرأة حين يجعل ثيمة الجسد مقياساً في خطابه تجاه المرأة ، إذ لا نجد للمرأة حضوراً فاعلاً في صلب الإعلام ، وتكاد تنحصر مجالات ظهور المرأة في قيمة جسدية تجميلية ( )؛ تتصف بالنمطية ( ) ، تحاول تزيين شكل ذلك الخطاب كاهتمامه بإظهار المذيعات ، ومقدمات البرامج فقط ، في حين يمكن للمرأة أن تقدم كثيراً للخطاب الإعلامي الإسلامي .

ومن هذا المنطلق يظهر لنا فقر الخطاب الإعلامي الإسلامي الأنثوي إلى الآخر باعتبار الجنس (ذكر ـ أنثى ) ، فلا يوجد خطاب أنثوي حقيقي موجه إلى الرجل -  على أهميته - ويضمحل الخطاب الأنثوي تجاه المرأة حتى يصبح خطابا ذكورياً تقليدياً ، فهو لا يختلف في هذا المنطلق المتنكر للمرأة عن غيره ، تقول إحدى الإعلاميات في مقاربة الذكورة والهيمنة الإعلامية : " تشكل المرأة العاملة ( الصحفيات بمختلف اختصاصاتهن ) في قطاع الإعلام تطوراً نسبيا لكنه غير كافي، وتعمل في الإعلام الرسمي بصورة مقدمة برامج ومعدة ولكنها مع ذلك تبقى نسبة تواجدها في مراكز القرار الفعلي متواضعة لا تعكس الصورة الحقيقية التي تمثلها في هذا القطاع، حيث لم تزل غائبة عن المشاركة الفعلية في صنع القرار وفي الإشراف على البرامج السياسية، وفي الإعلام المطبوع هي غائبة عن كتابة التعليق السياسي والعمود الافتتاحي؟ حضورها هو كتابة ما يخص شأن المرأة وربما ليس أكثر من ذلك أما رئاسة التحرير فتكاد تكون نادرة في كثير من المؤسسات، وكذلك الأمر بالنسبة لعمليات الإخراج والتسيير..، وأما عدد الممارسات للمهنة فهن بالعدد القليل حسب بعض الدراسات مع الإشارة أن هامش الحرية محدود لها " ( ) .

   وهي حين تقرر هذا الواقع المؤلم - في الثقافة العلمانية - تحاول تعليل ذلك بقولها : " لا يختلف اثنان على أن صورة المرأة في الإعلام تتميز بقدر كبير من الحساسية والاهتمام، لأن ماهية المواضيع المطروحة تعكس مجموعة الأفكار المسبقة عما يجب أن تكون عليه المرأة..؟ وتجسد هذه الصورة أيضا منظومة من القيم الفردية والجماعية في المجتمع يعمل الجميع بقصد أو بغير قصد على عدم تجاوزها.. فتجعل تشكيلاً خاصاً للصورة المطلوب رؤيتها للمرأة في وسائل الإعلام وتضع لها نمطا خاضعاً إلى مقاربات ذاتية يفترض فيها ألا تخرج عن هذه القيم المتفق عليها.. ولأن وسائل الإعلام التي تشخص هذه المرأة لم تأت من فراغ، ولا تعمل في فراغ أيضا..؟ فإنها تدفعنا ثانية لطرح بعض التساؤلات.. ما هي ملامح الصورة التي نريد أن نظهر بها المرأة، وما هي الصورة الحقيقية التي تظهر بها الآن..؟ هل هما صورتان متفقتان أم صورتان متنافرتان..؟ ثم كيف لنا أن نحدد هذه الصورة في ظل الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية المرسومة..؟ " ( ) .

        والملاحظ أن هذه القضية ، وهي ذكورية الإعلام تفرض كثيراً من السلبيات التقنية ، ولعلّ من أهمها هيمنة جدلية الداخل والخارج في الرؤية الإعلامية التي تجعل المرأة منظورة دائماً في حيّز العدسة من دون أن يكون لها الحق في أن تكون هي الناظرة ، وفي هذا الصدد يقول أحد الإعلاميين : " " فالنظرة التقليدية في الإعلام المرئي هي نظرة الرجل، واللغة السائدة أيضا هي لغة ذكورية، وهذه النظرة المجردة حددت وخلقت الرؤية للمرأة من خلال منظرها الخارجي. إن جعل المرأة مجرد موضع للنظرة، هو أمر خطير، بل لا بد من جعل المرأة تنظر، ففي العلاقة الثنائية بين من ينظر وبين من ينظر إليه، نلمس أهمية التلاصق والمعرفة بين الاثنين، وضرورة أن يكون العالمين هما نفسهما، أو قريبين من بعضهما البعض، فلا مفر من علاقات قوة في الإخراج تكمن في من يملك حق الخيار، فيما ينظر إليه، وبالتالي لا بد من محاولة تقليص هذا الفارق واختزال تلك المسافة. فالرؤية التقليدية في الإعلام المرئي هي رؤية الرجل، واللغة السائدة هي لغة الرجل، وهذه النظرة رسمت الرؤية للمرأة من خلال منظرها الخارجي، فالمرأة مؤلفة من ثنائية، في هذه الرؤية، (ثنائية الخارج والداخل) إحداهما تشكل الأهم، وهي الأساسي والجوهري، والأخرى تأتي بدرجة ثانوية. " ( ) .   إن ما يدعو للاستغراب اتحاد الموقف تجاه المرأة بين الإسلاميين، وخصومهم في تعاملهم معها وجوداً حقيقياً في الإعلام !!؟ فالإسلاميون يرون في الإعلام الآخر خطراً يهدد الكيان الأسري بابتذال المرأة " فصناعة السينما ودور الأزياء ومستحضرات التجميل أعادت صياغة المرأة في الوجدان العام ، ونزعت عنها مكانتها ودورها وعرّتها من إنسانيتها وكينونتها الحضارية وخصوصياتها الثقافية بحيث تصبح إنسانا بلا وعي ، ولا ذاكرة ، ولا تاريخ " ( ) . إلا إنهم لم يقدّموا البدائل الحقيقية لوجود المرأة في الإعلام الإسلامي ، ومكانتها فيه ، بل زادوا من تهميش أثرها وتضعيف مكانتها !! إذ ظلّت كتاباتهم تتراوح في حدود التنظير الفقهي الشرعي لحدود حجاب المرأة، ومقدار ما يظهر من جسدها، ومهاجمة أعداء الإسلام الذين يقومون بحرب ضروس لتنازل المرأة عن قيمتها المتمثلة بحجابها.

وعلى الرغم من ذلك فإن هناك مقاربات مهمة - على الرغم من بساطتها ، وسذاجتها - تحاول التنظير لوجهات إسلامية تتسم بالمثالية ، ومن ذلك ما ذكرته فاطمة البطاح قائلة : " ولا يخفى أن روح الاستقلال قد حرص الإسلام على إنمائها في شخصية المرأة دونما حاجة لإلغاء حكم القرار في بيتها أو دعوة المرأة للانسحاب من أدوارها المنزلية الرئيسة ، ودونما حاجة أيضاً لتعليمها علوماً لا تتناسب مع طبيعتها الأنثوية ! ... ومع أنه يُفترض أن يكون للإعلام النسائي مهمة بنائية وتربوية تهدف إلى الارتقاء بفكر المرأة نحو آفاق أشمل وأبعد؛ بحيث يكون دوره معها حلقة مستمرة من التعليم والتربية والتثقيف ، إلا أن واقع الإعلام الموجَّه للمرأة يؤكد أنه قد مارس تهميش فكرها وتعامل معها على أنها جسد وحسب ! ... وحقيقة فإن طغيان مثل هذه المواد واحتلالها مساحة كبيرة من البث الإعلامي يعكس نظرة الإعلام للمرأة؛ إذ يراها وجهاً وجسداً جميلين مع إلغاءٍ وإماتةٍ مستهدفة لروح العقل والفكر والفهم ! " ( ) .

وعلّقت بعد ذلك قائلة: " وبداية فإن ثمة حقيقة يُفترض أن نعترف بها ونعتني بجوانبها وهي افتقار الصحوة الإسلامية ذات الرصيد الجماهيري الكبير إلى الإعلام الشامل والفاعل. وهذه الحقيقة (المرة) ستظل معضلة حقيقية نعاني منها حتى إيجاد الإعلام الإسلامي القادر على المنافسة ! ونحسب أن هذا الإيجاد لن يكون إلا إذا تنامى الوعي الجماعي بأهمية الإعلام في حياتنا وبمسيس حاجتنا إليه ، وإذا تخلص أبناء الصحوة من سيطرة العقلية النكوصية المتشوقة للماضي والتي تحفز لدى أصحابها أحاسيس العزلة والانسحاب والخوف من الجديد سواء كان رأياً أو ثقافة أو مشروعاً حضارياً ! فالواقع أن المسلم المعاصر ليس راضياً عن الأوضاع القائمة في الإعلام المعاصر ويرفض كل الاتجاهات والقيم والأسس السائدة المنبثقة منه. وتنحصر رؤيته تجاه الإعلام بأنه عدو آخر يجب بغضه والحذر منه وإدارة الظهر له وحسب ! ! دون محاولة إيجاد بدائل " مسموعة، مرئية، مقروءة "، واتخاذها خطوة أولى في طريق الحل الطويل ! فالخطوة وإن كانت متأخرة عن مسيرة الإعلام (الآخر) وضئيلة مقارنة بحجم قدراته وآلياته إلا أنها ستزرع الأمل بنقلة نوعية تتجاوز فيها ردة الفعل إلى الفعل نفسه ، وتتخطى الندب والتشاكي إلى العمل الجاد ".    وتظلّ جدلية المسموح ، والمحرم فقهياً عقبة تواجه الخطاب الإعلامي الإسلامي بما يُحجم من فاعلية ذلك الخطاب ؛ إذ لا يجرؤ الخطاب الإعلامي الإسلامي على الانفتاح على الآخر المخالف لمفاهيمه - كما في إظهار المبدعات غير الملتزمات بالحجاب في برامجه ، أو في صحفه -  متكئاً على حجة واهية وهي الإعانة على الإثم ، أو إظهار الأنموذج الخاطئ - متناسياً التزامه بهوية خطابه الإعلامي ، وهي الدعوة ، أو التبشير بما يجعل خطابه ضيقاً لا يتجاوز حدود خطاب الذات ، أو ( الأنا ) المتقوقعة . وهو الأمر الذي دعا منتقدي الخطاب الديني إلى اتهامه بالتضييق ، والظلم ، واستعباد امرأة في لغة الجسد فقط ، تقول الدكتورة نوال السعداوي : " لقد أصبح الجسد يرمز إلى الجنس المدنس ، والشيطان إلى المرأة ذاتها ، أما الروح فهي ترمز إلى المقدس والجنس الأعلى أي الرجل ، الذي يمثل الإله فوق الأرض " ( ) .

هذه الكلمات تحمل تطرفاً لا يقلّ في خطورته عن التطرف الذي يتبناه الإعلام الإسلامي في تغييب صوت المرأة، وإهمال موقعها الحقيقي فكرةً وأداةً في عملية التواصل بين المصدر، والمتلقي.

 

 

ما تركزه الصلاة في النفس والمجتمع

 ان أهم الامور التي تحققها الصلاة هي مسألة (الايمان بالغيب) إيماناً متعدياً إلى كل المشاعر (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة.

والإيمان بالغيب نافذة الارتباط بالعالم المقدس، وطريق الخلاص من أسر الحواس، والارتباط بتلك القوة الكبرى الخالقة للعالم بكل ما في ذلك الارتباط من عطاء.

وأول حلقة بل أهم حلقة في ذلك مسألة الإيمان بالله العظيم، ونفي كل قوة مؤثرة سواه، وربط الكون وظواهره به تعالى فيردد المصلي في مقدمة الصلاة وفي اثنائها الشهادة الإسلامية الكبرى (أشهد أن لا إله إلاّ الله): شهادة تستدعي عبودية مطلقة له تعالى، واستعانة مطلقة خاصة به (اياك نعبد واياك نستعين)، وتنزيهاً له من كل شريك (قل هو الله أحد...) (سبحان ربي العظيم وبحمده...) شهادة تركز في النفس حاجتها الدائمة إلى هداية السماء في كل شؤون حياتها: (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، شهادة بخالق الكون العظيم الذي خلق الكون بمقتضى رحمته (بسم الله الرحمن الرحيم) الأمر الذي يحصر الحمد والشكر به تعالى (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم).

كل هذا نجده في سورة مفروضة في كل صلاة فـ «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» وهي السورة التي عبر عنها بأنها خلاصة الكتاب وفاتحته والتعبير المجمل عن روحه، وقد حوت من المعاني الجليلة الشيء الكثير الكثير.

وقد جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) وقد سئل عن سر وجوب سورة الحمد في كل صلاة أنه قال: «لأنه ليس شيء من القرآن والكلام جمع منه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد»

ولذا فـ «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» أي منقوصة.

كما اننا نجد التنزيه الكامل لله تعالى في عبارة تتكرر في الصلاة وهي (سبحان الله) أو (سبحان ربي العظيم وبحمده) أو (سبحان ربي الأعلى وبحمده).

فقد روى هشام بن الحكم انه سأل الصادق (عليه السلام) عن (سبحان الله) فقال: أنفة الله (الكافي، ج 1، ص 118). وقد سئل أمير المؤمنين عن معنى سبحان الله فقال (كلمة رضيها الله تعالى لنفسه فأوصى بها) (تاج العروس ـ مادة سبح). وبعد تنزيه الله تعالى وتركيز عبوديته; تركز الصلاة في المسلم الشهادة للنبي العظيم بأنه رسول الله الصادق، وأنه عبده الأمين. مركزة على نفي أي مطلق أمام الله في نفس الوقت الذي تقدس فيه تلك الشخصية العظيمة وتذكر بحقوقها... وبعد الشهادة للنبي بالرسالة تأتي الصلاة على محمد وآله لتشد المسلمين إلى هؤلاء القادة دائماً (عقائدياً وعاطفياً)، ولتذكرهم بأن الصراط المستقيم يكمن في ذلك. وهكذا نجد ان النصوص الواردة في الصلاة يقرأها المصلي فتوحي له بايحاءات رائعة:

* توحي له بلزوم تجسيد مضمونها في واقعه.

* توحي له بأنه لا يلهج إلاّ بكلام الله، ولا ينظر إلى الكون إلاّ بمنظار القرآن الكريم، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «كتاب الله تنطقون به وتسمعون به وتبصرون به...»

* توحي له بأن يجب أن يستمدَّ دائماً من الله، وان عليه دائماً ان ينضبط بأوامر الله، وأن يصوغ حياته وفق رضاه وصراطه المستقيم، الذي يتميز عن صراط المغضوب عليهم وصراط الضالين. لأنه صراط يرضاه الله، ولأنه صراط الوعي والايمان الحي.

* توحي بالارتباط الكامل والعهد الوثيق الذي يعطيه المؤمنون بعضهم لبعض على أن يدفعوا مسيرة الإيمان إلى الأمام ، وذلك يبدو أيضاً عندما ينطق المصلي بعبارة (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، نعم كل عباد الله على امتدادهم العرضي والطولي لأنهم يشتركون معه في هدفه الكبير.

هذه بعض الموحيات والمعطيات التي توحي بها الألفاظ الصلاتية فتركّزها ـ بتكرار الصلاة ـ في النفوس، وتجسد عقيدة الإنسان وعهده بالالتزام بها والقيام بمقتضياتها.

ولكن هذه الألفاظ تكتسب لها سنداً حسياً مؤثراً بشكل بارز وهو الأعمال الصلاتية، لتؤكد بذلك وحدة الروح والجسد، المعنى والظاهر، التفكير والحس، فيرفع المصلي يديه للصلاة ـ واقفاً بخشوع في مفتتح الصلاة ـ ثم هو يكرر هذا عند كل نقلة من حالة إلى اُخرى ليؤكد الوعي من جهة، ولأنه ضرب من التبتل من جهة اُخرى.

روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله «انما ترفع اليدان لأن رفع اليدين ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع، ولأنّ في رفع اليدين إحضار النية وإقبال القلب.

ويركع الإنسان ويسجد على الأرض مسبّحاً لله ليمنح اللفظ إطاراً مؤثراً، ويعطي النفس إيحاءً فعالاً بضعتها أمام الله وعلوها في نفس الوقت على كل المطلقات الوهمية. يقول الإمام (عليه السلام).

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق