|
فضاءات ثقافية
من صيغ المشافهة إلى أفق الكتابة
حاتم الصكر
تسيطر على وعي الكُتَّاب السرديين محصلة من تراث شفهي ارتبط -كفاعلية
للحكي دون شرط الوعي- بتنظيم السرد وعلاقات عناصره لإنجاز النص الجديد.
والناقد محمد العباس يتناول، في كتابه الأخير "نهاية التاريخ الشفوي"،
هذه الظاهرة ومحاولة الكُتّاب الحداثيين تجاوزها بما يمتلكون من محددات
الوعي ومكوناته، ضارباً المثل لذلك بالمدينة التي تغدو بديلاً لرؤى
الريف ومناظره التي هيمنت طويلاً على العالم الروائي العربي. فهو يرى
أن "الرواية خطاب تفاعلي يحدث تماسه مع كافة أشكال الوعي الاجتماعي
والسياسي والاقتصادي والنفسي والتاريخي والأسطوري والنسوي وحتى الشعبي
يفترض وجود ذلك الوعي في الفعل الروائي المحلي... فالرواية تعبير عن
مجتمع يتغير". ولا يعني ذلك أن الكاتب يربط النص الروائي ربطاً ساذجاً
ومباشراً بالواقع، بل يؤكد على سمة التحول في الرواية، مما يجعل تمثلها
للواقع لغوياً وبحيوية كاشفة لطبيعة الوقائع تتناسب مع مهمة الرواية
الحديثة، التي يلخصها بالخروج من الحكاية إلى السرد، أي التدوين الذي
لا يعني التسجيل والتوثيق. وهذا الانزياح عن التاريخ الشفوي أوجد كيان
الرواية المحلية، التي راح محمد العباس يتابعها في فصول الكتاب
بالتحليل والتأويل، مقترباً من تجارب حديثة في الرواية العربية
المكتوبة في بلده، ومنها تجارب شابة تقارب الحداثة دون ادعاء أو تلصيق،
وتجارب نسوية تحاول إنتاج أدب نوعي يعكس الوعي بالدور الاجتماعي
للمرأة، وبذلك يتم اختراق المحددات الاجتماعية عبر الحداثة والوعي
النوعي، مهما خالط ذلك من صدمات متعمدة أو مبالغة صورية في رسم
الشخصيات وتصميم وعيها بعيداً عن أبعادها المتاحة في المكتوب النصي
نفسه، وهو ما لا يغفل عنه محمد العباس وهو يراجع خمس عشرة مما يمنح
القارئ فرصة رؤية التبدلات الأسلوبية ودرجة الوعي بالملفوظ الروائي
نفسه.
في الرواية النسوية يقارب محمد العباس أعمالاً لرجاء عالم وصبا الحرز
ورجاء الصانع وطيف الحلاج. وأعمالاً لروائيين كعلي الدميني ومحمد حسن
علوان وأحمد أبو دهمان وإبراهيم الخضير وأحمد الدويحي وأحمد الشويحات.
وسيجد القارئ أن مقاربة أعمال الكاتبات والكُتّاب كانت مناسبة لعرض
المفهوم الثقافي للرواية كما يراها النقد الحديث، عبر توصلات محمد
العباس وتحليلاته التي لم يفتها رصد سلبيات الكتابة الروائية أيضاً،
بجانب التنويه بذلك الانتقال إلى المدوَّن، وما يترتب عليه من
استحقاقات فنية. فهو يرى أن ثمة متخيلاً روائياً مراوغاً في تسريب
الوقائع، ونزوعاً لتأكيد الـ"أنا"، لتغدو الروايات أحياناً كثيرة
تسريبات لسير ذاتية مبطنة أو مموهة. كما يرصد ما أسماه المبالغة في
التصوير والاستعراض للمرغّبات وطغيان الذات الراوية غالباً. ولكنه لا
يغفل الجانب الكفاحي في الرواية المحلية، ومقاومتها لما وصفه بالنزعة
أو الهيمنة البطريركية ومحاولات القهر والتغييب.
وتتميز معالجات محمد العباس، القادم من النقد الشعري، بلغة ذات فاعلية
وحيوية تتماهى أحياناً بالنص المقروء، وتلتحم بشعابه وزواياه، لتخلق
نصاً موازياً، يجعل القراءة ذات طابع أدبي لا يتنازل عن أسلوبية النقد
المؤثرة..
المواضعة في المفهوم الشعري
قراءة في ديوان (فوضى المكان) للشاعرة رسمية محيبس زاير
أمجد نجم الزيدي
الى ماذا يخضع مفهوم الشعر، او ماهي افتراضاته التي يتمسك بها؟ ربما إن
نحن احصينا ودرسنا الاجيال الشعرية على مدى قرون عديدة وتفحصنا منجزها،
الى ماذا سيقودنا ذلك؟ هل يمكننا ان نضع مفاهيما عامة للشعر، او ان
نموضع تلك المفاهيم في اطر نظرية خاصة؟ هل سنقع على موطن الشعر او موضع
اللحظة الشعرية المتوهجة، التي ربما تراكمت عليها الكثير من القناعات
اللاشعرية، خارجة عن جوهر الشعر كشعر، والتي غلفتها الكثير من المفاهيم
النظرية التي قسرت الشعر على ان يقول مقولتها.
(قصيدة النثر)، تلك القصيدة التي لم تشبع عطش من الفئتين الشعراء
والمتلقين، ربما كانت المفاهيمية الشعرية لها اكثر طغيانا في الكثير من
التجارب، لانها لم تستطع برغم مما كتب، ان ترضي القناعات التي تأسست
ووضعت جذورها بعيدا في عمق وعينا الشعري.
ربما يبدو هذا التأسيس اوالتموضع المفاهيمي مبررا او للوهلة الاولى
وخاصة لمتلقي بما يقودنا الى حصرها في دائرة مفاهيمية مغلقة اكثر منها
شعرية منفتحة، اذ ان قصيدة النثر - حسب رأيي على اقل تقدير- اعادت
تأسيس تلك المفاهيمية الشعرية على وفق رؤية جديدة، وان وقعت بعض تلك
التجارب في فخ المفاهيمية الجاهزة، الا ان الكثير من التجارب الكبيرة
والناضجة، وضعت الانسان والعالم والوجود داخل دائرة كونية واحدة من
خلال اكتشافها للصلة الخفية التي تربطنا بالحياة والوجود، والتي لا
تستطيع اللغة العادية او المفاهيمية الشعرية الكلاسيكية من تفسيرها، او
منطقتها بمنطق الشعرالذي بني على شكلنة تلك الصلة، "ان ما يجعل مسألة
قصيدة النثر صعبة، شائكة (ومثيرة ايضا..) ربما يرجع الى ان اي كل شعري
من بين تلك الاشكال التي حاوٌلت منذ قرن من الزمان ان تخضع اللغة
لمتطلبات جديدة، لم يخاطر بمفهوم الشعر نفس القدر من الجدة.
فلو أخذنا ديوان (فوضى المكان)** للشاعرة رسمية محيبس زاير، الصادر عن
مؤسسة الفكر الجديد، وقرأنا هذه الابيات من قصيدتها (من عبث بأبجدية
الجمال):
انا النجمة تشظيت، انا مكتظة بعويل أخرس
الغيمة تحجبني. وزخة مطر تسد علي الطريق
أنا غارقة في التأملات بينما القمر
يطوف على الاشجار والبنايات
على الادغال والبحيرات
أو نقرأ في نص (رؤى غائمة):
أمس فتحت كتاب الافق
انهمر الضوء
كان القلب الحزين يترنم بأغنية في المحبة
لكني المح بين الضوء وبيني
جثثا تسعى كي تخطف برقي
وتعرقل عناء الروح
وهناك نماذج اخرى كثيرة في الديوان، وسيظهر لنا ذلك التأسيس الشعري
عندما نزيح عن كاهلنا ذلك التقعيد الماضوي للشعر، واعدنا من خلال ما
تطرحه النصوص من رؤى من تشكيل عوالم شعرية متوائمة مع ماتحاول الشاعرة
رسمه بفرشاتها ، والتي تؤشر لمناطق غائرة في ذاكرتنا بالوان مميزة
وواضحة، فلو اردنا اكتشاف هذا التأسيس لسعينا الى تحليل المقطعين
السابقين، حيث يأخذ النص الاول بدمج عناصر الطبيعة والتي هي (النجمة،
الغيمة،المطر، الاشجار، الادغال، البحيرات)، بعالم وسطي _اذا جاز لي
التعبير_ يتكون من خلال الالتحام بين الطبيعة والتي هي تعبير عن الوجود
الخارجي، أو الاطار الكوني اللام، والنفس البشرية والتي تظهر من خلال
العلاقات مابين (التشظي، العويل الاخرس، الحجب، سد الطريق، التأمل)
والذات المتكلمة وهي (انا) وهذه العلاقات هي عبارة عن آصرة لغوية
جديدة، مابين تلك العناصر والتي هي بالحقيقة دوال لغوية وبين مدلولات
مستحدثة، جائت اليها من تلك العلاقات، وهذا يظهر في المقطع الثاني الذي
اوردناه سابقا..
ولنأخذ مقطعا اخر من احد نصوص المجموعة وهو نص (تجليات روح):
روحي التي تذوي كشمعة
وتذوب كعاصفة
روحي التي اطلقتها مع الريح
فهربتها الازمنة
وشحنها رصيف لرصيف
روحي الخضراء المكتظة بالهموم
كشاحنة جنود
ربما سمعت صوت ناي حزين
وانهمرت نحو المدى
فسنلاحظ من خلال هذا المقطع، ذلك الكسر للعقدية مابين الدوال وبناء
اشارات وعلامات جديدة على بقايا دوال اخرى، كان من الممكن ان نفسر
النص، او ان نربطه بالعقدية المباشرة، بيد ان الشاعرة اوهمتنا بذلك
التقعيد، وسرعان ما هشمت ذلك العقد المزيف ببناء جديد، حيث يتمثل ذلك
العقد المباشر في البيت التالي(روحي تذوب كشمعة)، حيث شاخت هذه الدالة
من كثرة الاستعمال والتداول، لكن الشاعرة اعادت لها الحياة من خلال
وضعها بميزان متعادل مع (وتذوب كعاصفة) حيث يظهر ذلك الزخم الحركي الذي
اضفته الشاعرة، عندما زاوجت الدالتين (الشمعة والعاصفة)، واذابتهما في
دالة اخرى وهي (روحي)، وايضا العلاقة الزمكانية مابين هذين البيتين
(روحي التي اطلقتها مع الريح) و (فهربتها الازمنة)، فأن الانتقال
المكاني الذي توحيه ( اطلقتها مع الريح)، يقف بالضد من (هربتها
الازمنة)، فبالأضافة للعلاقة المتوازية مابين بنيتي المكان والزمان تقف
دلالة هربتها نقطة وسطى اعادت تعريف تلك الدلالتين، فحيث ان الانطلاق
مع الريح الذي يمثل الحرية، تكون حالة الهروب التي سببتها الازمنة
غريبة، ولكن بأعادة لظم مجمل البيتين وفق قاعدة تاسيسية واحدة وهي
(روحي) التي جعلت هاتين البيتين متكافئتين، من خلال خيط اخر مستتر يظهر
إن نحن فسرنا العلاقة مابين البنيتين المكانية والزمانية، انطلاقا من
تلك القاعدة وهي (روحي)، لتصبح علاقة واحدة، والتي ربما تكون هي
(العمر)، وايضا الدوال الاخرى في نفس المقطع والتي تأخذ نفس هذه
العلاقة ، ولكن تتباين من حيث مرتكزاتها البنائية.
أما نص (لوحة سيزان) والذي سنأخذ منه المقطع التالي:
في اللوحة كوب ومرايا
صوت خطى وزجاج يتهشم
طفل .. وصراخ مكتوم
فيها جوع وزجاجات فارغة
وانين
ويظهر من خلال هذا النص ذلك الدمج مابين اطياف مختلفة ومتنافرة، بيد
انها مجموعة برؤية واحدة، تسعى الى تعزيز صلتها ببعضها من خلال الاطار
الذي رسمته الشاعرة لها، وذلك يظهر من خلال التزاوج مابين المسموع
والمرئي واللامرئي بوحدة واحدة عززها العنوان وعبارة (في اللوحة)، التي
تشير الى هذه الاطياف التشكيلية التي يجب ان تكون اطياف لونية وتشكيلية
مجردة، تتحول الى اصوات ممكن لتلك الاطياف اللونية او التشكيلية من
انتاجها، فالشاعرة في هذا النص قد اخذت طريقا مفارقا، ليس من خلال تمثل
اللوحة الفنية عندما "نجد انفسنا مدعويين للمشاركة في تكوين او تشكيل
او بناء خاص انصهرت فيه الالفاظ والصورة والاوزان والايقاعات من ناحية،
والخطوط والألوان والمساحات والظلال من ناحية اخرى اي انها قد اشبعت
البناء التشكيلي بأيحاءات صوتية وتمثيلية ناتجة عن لوحة فنية هي لوحة
(سيزان)، وقد اخرجتها من تداوليتها كلوحة وتحويلها الى مقطع سينمائي،
تمثل من خلال اصوات هي (اصوات خطى وزجاج يتهشم) و (انين) وايضا الصورة
السينمائية، التي تعكسها الصورة المرئية الممثلة بـ(طفل) و(زجاجات
فارغة) وايحاءاتهما (صراخ مكتوم) و (جوع).
وكذلك لو نظرنا في نص (سوف لا ادعي سفرا سيحل):
قريبا
اعد الحقائب
فمنذ قرون والطريق
اتحاول جاهدة غير اني
سأعلق خوفي على مشجب الذكريات
ارتق هذا المساء بغيم الاماني
لكي لا ارى قمرا خادعا
او نجوما..
منحت ضوءها للغريب
تترنح هذه الغيوم تبلل اشرعتي
تفر العصافير مذعورة
افتح نافذتي وأحدق
يلحس القط وجه القمر
تشرب الشجرة كؤوس المطر
وتلقي بها للريح
واسمع صوت ارتطام الامنيات
ألم شظايا
وأدلف نحو النهار
سنلاحظ بأن هذا النص يأخذ مداه في تفعيل دلالته من خلال الايحاء الذي
تضفيه دلالة العنوان وهي (سوف لا ادعي سفرا سيحل)، ومن خلال فتح فضاءات
دلالية تتأسس رؤية شعرية واحدة، تنتج من خلال التلاحم مابين دلالات
النص (فأدعاء السفر) الذي يوحيه العنوان يظهر من خلال (قريبا اعد
الحقائب)، ونكران هذا الادعاء يتم من خلال البنية الزمنية (قريبا) التي
توحي بأن (اعداد الحقائب للرحيل لم يتم بعد)، لكن العلاقة بين (قريبا
اعد الحقائب) و (منذ قرون والطريق تحاول جاهدة) وايضا (غير اني….)،
تظهر لنا بأن النص يحاول تأكيد دلالة الرحيل او بالاحرى الاصرار على
الرحيل، حيث ان الدلالة الاولى المقترنة بالزمنية (قريبا) تدخل بعلاقة
غير مباشرة مع الدلالة الثالثة وهي (غير اني..)، حيث ان العلاقة
المباشرة بينهما ستعكس كل محمولات النص، لذلك جعلت من الدلالة الثانية
وهي(منذ قرون والطريق جاهدة) جسرا تعبر عليها دلالتها، والتي لو شاء
لنا توضيحها سنختصرها؛ بأن الاعداد للسفر سيتم بعد ان يتخذ النص عدة
خطوات وهي:
سأعلق خوفي على مشجب الذكريات
ارتق هذا المساء بغيم الاماني
الى اخر النص الذي ينتهي بدون ان يتم الرحيل، اذ تأتي تحركات النص
لتأكد ارتباط انا الشاعرة بالمكان وتمثلاته التي تظهر من خلال (تفر
العصافير مذعورة)،(افتح نافذتي)،(يلحس القط وجه القمر)،(تشرب الاشجار
كؤوس المطر)، ثم تنتهي بأن (ادلف نحو النهار).
قصة قصيرة
كـــان غـــائبــــاً
اسكندر نعمة
فجأة صحا الاستاذ من نومه.. خيل إليه أنه في حلم، أو أنّ هناك شيئاً
مفزعاً داهم بيته وعائلته.. هبَّ من فراشه مذعوراً.. استعاذ بالله..
مسح وجهه ورأسه بكفّين دافئتين.. فرك عينيه محاولاً إزالة آثار النوم
عنهما... أنصتَ بقلق.. التفت حوله، لم يسمع شيئاً.. قال في سرّه..
اضغاث أحلام.. حاول العودة إلى النوم.. إلاّ أنَّ طرقاتٍ قوّيةً على
الباب الخارجي تتالت بتواتر متشنج.. انطلق من غرفته باتجاه الباب، تعثر
في مشيته عدة مرّات.. أزاح مزلاج الباب الحديدي، وهو متدثّر بالصمت
والحيرة.. لم يملك أن يقول شيئاً لأن جاره أبا الحسن اندفع إلى الداخل
مستغيثاً صارخاً بأعلى صوته:
استاذ مسعود.. أنا بعرضك
ظل فمُ الاستاذ مفتوحاً، محاولاً استجلاء الموقف.. فهم من كلمات أبي
الحسن المتهدجة المتداخلة.. أنّ ابنه مريض.. عبثاً حاول الاستاذ مسعود
تهدئه روعه.. أبو الحسن لايكف عن النحيب ومن جرّاء الحديث المتداخل
المتقطّع عرف الاستاذ أن الفتى تنتابه نوبات صداع حادٍّ جداً تؤدي
إحياناً لفقدان الرؤية والتوازن.. كان الاستاذ يعرف ذلك من قبل.. بسرعة
البرق وصل الاستاذ إلى بيت أبي الحسن، أخذ الفتى بين يديه، كان ذاوياً
متلاشياً... أدرك خطورة الموقف.. انسلَّ كالشّعاع دون أن ينبس بكلمة..
غاب بعض الوقت وعاد يرافقه طبيبُ القرية... لاذ الجميع بصمت جليدي..
أجرى الطبيب إجراءات تقليدية.. جمد في مكانه... انتحى بالاستاذ مسعود
جانباً.. أفضى إليه بمخاوفه من أن يكون ثمة ورمٌ خبيث بالدماغ... قرّرا
معاً أن لابدَّ من السفر إلى العاصمة في الغد.. صعق أبو الحسن.. غاص في
متاهةٍ من الذهول والتشتت.. كان يعتقد أن طبيب القرية قادر على إسكات
الألم... كان أشدَّ مايمزّقه فكرة الذهاب إلى العاصمة.. فهو عمرّه لم
يغادر قريته.. حتى أنه لايعرف الطريق الموصلة إلى العاصمة... سأل بلهفة
حارة عن السبب... أبدى الاستاذ مسعود تعليلاً قاصراً.. انهار الأب..
انتحبت الأم تراخى الفتى بين أمواج الألم وذراعي الاستاذ.. بعد قليل،
تخلّص الاستاذ من جسد الفتى الذابل، وتركه صريعاً بين أنياب الألم،
وانسلَّ متلمّساً طريقه إلى بيته، بعد أن وعد أبا الحسن بمرافقته غداً
إلى لعاصمة..
تلك الليلة لم يعرف النومُ سبيله إلى عيني الاستاذ مسعود.. قضى ليلته
ساهدا يحاور نفسه... غطس في مستنقع من الحيرة والتردّد... راح يستجرُّ
وقائع الماضي الجميل... إنه منذ عهد بعيد لم يزرِ العاصمة.. كاد ينسى
شوارعها وأزقتها ومبانيها.. قديمةٌ جداً هي آخر مرة زار فيها المدينة
الكبيرة .. كان ذلك في أيام الشباب المبكر ، عندما اضطرَّ للذهاب
إليها ليقدّم أوراق تعيينه لدى وزارة التربية، قضى فيها أياماً عدّة،
حلَّ فيها ضيفاً على عبد اللطيف النعسان، صديق عمره، وابن قريته، وزميل
الدراسة.. إيه... كانت أياماً جميلة على الرغم من شراسة الظروف
وقساوتها.. منعه الفقر في تلك الأيام من مواصلة دراسته الجامعية، بينما
تابع صديقُ عمره عبد اللطيف النعسان دراسته الجامعية في كلية الحقوق..
منذ ذلك التاريخ اختلفت السّبُلُ بينهما، وانقطع الاتصال إلاّ من زيارة
خاطفة سريعة.. عبد اللطيف النعسان ندرت زيارته لقريته الأم، واستسلم
للاسترخاء الممتع في أحضان المدينة الشاسعة.. وراح يشقُّ طريقه عبر
مغريات المدينة نحو العلاء وتحقيق الذات.. ترى.. هل سيتعرّف عليَّ عبد
اللطيف النعسان؟؟!! هل سيتذكر صديق طفولته وأيّام صباه؟؟!!.. هل
سيرحّبُ بي وأنا القرويُّ الساذج والموظف الصغير.. وهو ابن المدينة
الغني وصاحب المركز والجاه الكبيرين..
استيقظ الصباح.. ثلاثةُ رجالٍ، كانوا يخدشون الصمت على الطريق الترابية
الضيقة.. هدرت السيارة العتيقة.. راحت تخبُّ على الطريق الاسفلتية
العريضة.. وصل الركب إلى العاصمة.. الحزن والصمت يجّللان الوجوه..
صخّبُ المدينة وضجيجها يقتلعان الصمت الحزين من جذوره، ويفتتان أكبد
الوافدين الثلاثة.. تماسك الاستاذ مسعود، أبدى كثيراً من التجلّد
والصبر.. آهٍ... لشدَّ ماتغيرّتِ أيتها المدينة العملاقة، لقد تغيرَّ
فيكِ كل شئ.. المباني.. الوجوه.. الشوارع.. نكهة الأصالة والمودّة..
هنا..لا أحدَ يعرفُ أحداً.. كان الاستاذ يقود الركبَ مسترشداً بالعنوان
الذي منحه إيّاه أحمد النعسان ابن عمِّ الوجيه الكبير.. كان الصبيُّ
يشدُّ رأسه بحزام حريري، ويسير إلى جوار والده شاحباً، تائهاً عن كل
شئ.. أمام مبنى شامخٍ جميل، توقّفِ الركب.. نظر الجميع إلى البناء
بعيون بلهاء.. تلمّظَ الاستاذ مسعود، قلّبَ كفيه.. تجوّلت عيناه لتمسح
المبنى الفاره بكل نوافذه وشرفاته وبوّابته العريقة.. دلف الركبُ عبرَ
البوابة.. تعرَّف الاستاذ إلى الشقّة التي يسكن فيها عبد اللطيف
النعسان.. أمام باب الشقّة استسلم الركب الحزين لصمتٍ مطبق.. نظر
الاستاذ مسعود طويلاً إلى زرِّ جرس أنيق مضاء.. يجثم على جانب باب
الشقّة.. اقتربت إصبع كفّه اليمنى من الجرس وابتعدت مراراً.. أخيراً
حزم الاستاذ أمره وغمز زر الجرس بكثير من التشنج والانفعال والحذر ..
خرجت صبية صغيرة من بنات القرية تعمل خادمة في منزل الوجيه الكبير ابن
قريتها . تعرفت إلى الأستاذ بسهولة وعفويّة.. ابتسمت له بعمق.. رحّبت
به بحرارة.. لكنها اعتذرت بخجل مرهف.. فدخوله المنزل مستحيل، لأن سيدها
غائب.. أعلمتهُ عن ضرورة ارتباطه بموعد مسبق إن أراد المجيء إلى منزل
سيدها مرة ثانية.. كان الخجل من الموقف يأكل عينيها ووجهها.. عرف
الاستاذ مسعود من الفتاة أن سيدها صديق طفولته وعمره، موجودٌ الآن في
صالة نادي الشرق..
وكأن النعسان تذكر شيئاً وجد فيه مفتاحاً للحلِّ والخروج من الحرج..
رسم على وجهه ابتسامة عريضة.. نظر بامعانٍ في وجه الاستاذ مسعود.. وضع
كفّه على كتفه.. قال له:
اسمع يااستاذ.. هذه بطاقتي.. وماعليك إلا أن تذهب بالمريض إلى أي مشفىً
حكومي.. قدِّم هذه البطاقة إلى مدير المشفى.. وهو سيقوم باللازم...
واستدار عائداً إلى مائدته حيث ينتظره رجال الأعمال..
لم يطل تشنّج الاستاذ مسعود في مكانه.. سرعان ماانحلّت عقدة لسانه
وساقيه.. رفع البطاقة بين أنامله إلى أعلى.. مزّقها نتفاً صغيرة..
نثرها قريباً من مائدة عبد اللطيف النعسان وصحبه.. سيطر الفرح العفويّ
على ملامح وجهه... عاد إلى الركب الحزين المنتظر خارجاً.. نظر إليه
والد الفتى.. سأله بدهشة:
مالكَ متهلّلاً ياأستاذ؟؟
لقد أبصرتُ بعد أن كنت أعمى
وهل قبل ابني في المشفى الاختصاصي؟؟
تلمّظ الاستاذ.. ازدرد ريقه
بلى.. لقد قُبل
لم يعد الاستاذ مسعود بحاجة للحديث.. خلع عنه عباءة الاحراج
والارتباك.. سأل شرطي المرور عن الطريق المؤدية إلى مركز الطب
النوويّ.. سار الركب الحزين بأتجاه المركز.. اجتاز البوابة الرئيسة..
مثل الفتى في العيادة الاختصاصية.. أحيل إلى شعبة الأورام لاجراء
الفحوص والتحاليل اللازمة.
عندما عاد الاستاذ مسعود إلى قريته الساجية.. التقاه أحمد النعسان ابن
عم الوجيه الكبير.. بادرّهُ سائلاً:
هيه يااستاذ.. ماالأخبار؟؟
أجاب الاستاذ بهدوء تام..
أخبار طيبة والحمد لله..
طبعاً قام عبد اللطيف بالواجب وأكثر
لا.. لم يفعل شيئاً.. لأنني لم أجده
كيف؟؟
لقد كان غائباً.. ولست أدري هل سيعود أم سيطول غيابه..
التـــوق للـــخروج مـــن الــدائــرة
علي الفهد
ليتني قطرةٌ
لا تصالح جداولها
إن أتى طائر سبقته إلى حلقهِ
قبل أن يرفع الماء منقاره
أو يعود قنوعاً ببعض الخرير!
ليتني قطرةٌ
إن رأت وردةً
صعدت بين أغصانها
كي تُفجِّر أكمامها
وتفوح عبير!
ليتني قطرةٌ
لا قرار لها
لا تخادعها ثرثرات النوافير
ترمي بها كل حينٍ إلى أجلٍ
عرفتهُ وسمّتهُ
ثم تُحطمها
فتموت
لتولد في حوضها من جديد
ليتني قطرةٌ
تُطعم الوهم بعض الحقيقة
تغسل وجه السراب بأفيائها
ترفض العيش في جرّةٍ لشيوخ القبائل
ليتني قطرة
لا تصيرُ إلى رحمٍ لبعوضة
أنوفلس
ليتني قطرةٌ
كلما أدرك الموت أحدهم
غاص فيها
وصار إلى كائنٍ ما توقعته أن يكون |