|
فضاءات ثقافية
في ذكرى وفاة عباس محمود العقاد
اعداد: خالد محمد الجنابي
في مدينة أسوان بصعيد مصر ، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة
الموافق (29 من شوال 1306هـ= 28 من حزيران 1889) ، ونشأ في أسرة كريمة
، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية ، وحصل منها على
الشهادة الابتدائية سنة ( 1321هـ= 1903م ) وهو في الرابعة عشرة من عمره
، وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي ،
وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني ، وكان مجلسه
مجلس أدب وعلم ، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع ، فكان مما قرأه
في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي ، و"قصص ألف
ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها ، وصادف هذا هوى في نفسه ، ما
زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية ، وبدأ في نظم الشعر ،
ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية ، بل عمل
موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة ( 1323هـ= 1905م ) ثم نُقِلَ إلى
الزقازيق سنة (1325 هـ= 1907م ) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية
، وفي هذه السنة توفي أبوه ، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها ، ضاق
العقاد بحياة الوظيفة وقيودها ، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة
القلم ، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة ، فاتجه إليها ، وكان أول اتصاله
بها في سنة ( 1325هـ= 1907م ) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في
جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها ، وتحمل معه أعباء التحرير
والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير ، فلم يكن معهما
أحد يساعدهما في التحرير ، وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331 هـ=
1912م ) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف ، لكنه ضاق بها ، فتركها ، واشترك
في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف ، وسرعان ما
اصطدم بسياسة الجريدة ، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي ، فتركها
وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني ، ثم
عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة ( 1336هـ= 1917م )
وكانت تَصْدُر بالإسكندرية ، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (
1338هـ= 1919م ) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م ،
وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال
، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد ، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب
الأخرى ، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول
سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة ، وبعد فترة انتقل للعمل مع
عبد القادر حمزة سنة (1342 هـ= 1923م ) في جريدة البلاغ ، وارتبط اسمه
بتلك الجريدة ، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة ، ولمع اسمه ،
وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب ، ولن يَنسى له التاريخ وقفته
الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور ، تنص إحداهما
على أن الأمة مصدر السلطات ، والأخرى أن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان
، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه
قائلا : "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون
الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن
سنة (1349 هـ= 1930م ) بتهمة العيب في الذات الملكية ، وظل العقاد
منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في
سنة ( 1354هـ= 1935م ) فانسحب من العمل السياسي ، وبدأ نشاطُه الصحفي
يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف ، وإن كانت مساهماته بالمقالات
لم تنقطع إلى الصحف ، فشارك في تحرير صحف مثل: (روزاليوسف) ، (والهلال)
، (وأخبار اليوم) ، ومجلة الأزهر وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات
مختلفة ، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل : مطالعات في الكتب
والحياة ، ومراجعات في الأدب والفنون ، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب
، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين ، وجحا الضاحك
المضحك ، وبين الكتب والناس ، والفصول ، واليد القوية في مصر ، ووضع في
الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة ، أشهرها كتاب "الديوان في
النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني ، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على
مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان ، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"
، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ، ورجعة أبي العلاء ، وأبو نواس
الحسن بن هانئ ، واللغة الشاعرية ، والتعريف بشكسبير ، وله في السياسة
عدة كتب يأتي في مقدمتها : "الحكم المطلق في القرن العشرين" ، و"هتلر
في الميزان"، وأفيون الشعوب" ، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث" ،
و"الشيوعية والإسلام" ، و"النازية والأديان" ، و"لا شيوعية ولا
استعمار" ، وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية ،
ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد ، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في
حكومة بلاده ، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية ، وهو يُعِدُّ الشيوعية
مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث ،
ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية
الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير ، وله
تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب ، مثل "سعد زغلول ، وغاندي
وبنيامين فرانكلين ، ومحمد علي جناح ، وعبد الرحمن الكواكبي ، وابن رشد
، والفارابي ، ومحمد عبده ، وبرناردشو ، والشيخ الرئيس ابن سينا" ،
وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين ، وألوان
من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي!.
ظل العقاد عظيم الإنتاج ، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب
، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب ، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي
تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات ، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر
الأدبي حتى لقي الله في ( 26 من شوال 1383هـ= 12 من آذار 1964م).
البنية السردية..افاق و رؤى
د. سعد العتابي
يعدّ مصطلح السرديّة مصطلحاً حديثاً نسبياً دخل دائرة الاستخدام في
فرنسا تحت تأثير البنيوية، ليشير إلى الدراسة النظرية وتحليل السرد
وبناء في اللغة ووسائل الإعلام. ويعدّ تزفيتان تودوروف أول من اجترح
هذا المصطلح عام 1959 ، بعد أن نحته من سرد + علم ليحصل على مصطلح علم
السرد أو السردية ليحيل على أنه العلم الذي يُعنى بمظاهر الخطاب السردي
أسلوباً وبناءً ودلالة ، ويحيل السرد بوصفه المادة الأولية لهذا العلم
على أنه: نظام لغوي يحمل حادثة أو سلسلة من الحوادث على سبيل التخييل،
وهو فن تنظيم هذه المحمولات بوصفها شكلاً فنياً منتظماً بعلاقات وقواعد
وأبنية داخلية تنظم عمل السرد .. وذلك انطلاقاً من جذره العربي الذي
يعني التنظيم وصولاً إلى المفاهيم الحديثة.
وكانت الدراسات السردية الحديثة قد انبثقت من المنجز النقدي المتميز
للشكلانيين الروس عندما حاولوا أن ينظموا النقد بوصفه علماً قائماً
بذاته في الأدب وموضوعاً للبحث فيه ، ويعنى هذا العلم ب الخصيصات
النوعية للموضوعات الأدبية التي تميزها عن كل مادة.
ولعلّ أهم إنجاز للشكلانيين الروس في الميدان السردي هو تفريقهم بين
المتن الحكائي والمبنى الحكائي، فالمتن الحكائي يحيل على مجموع الأحداث
المتصلة فيما بينها والذي يقع إخبارنا بها خلال العمل.
إنَّ المتن الحكائي يمكن أن يعرض بطريقة علمية، حسب النظام الطبيعي
بمعنى النظام الوقتي والسببي للأحداث ، أي أنها الأحداث الروائية كما
وقعت في تسلسلها الزمني سواءً أكانت حقيقية أم متخيلة.
وأمّا المبنى الروائي فإنه يتكون من نفس الأحداث بيد أنه يراعي نظام
ظهورها في العمل . أي أنه الصياغة الفنية وإعادة إنتاج المتن بشكل
متفرد، لذا قد يبدو كأن قوة إضافية قائمة بحد ذاتها تدخل العمل الأدبي
بوصفها ضيفاً مرحباً به.
أما بروب فقد من المعطيات النقدية للشكلانيين في دراسته الموسومة:
مورفولوجية الخرافة ليقوم بدراسة الخرافة الروسية العجيبة بغية الوصول
إلى النظم الداخلية التي تحكمها، محاولاً إيجاد بنية هيكلية للخرافة
الروسية.
لقد تمكن بروب من تحديد وظائف تحكم متون الخرافة الروسية وعددُها 31 ،
وظيفة بشكل دائري، تبدأ من الاستقرار ثم الخلخلة ثم العودة إلى
الاستقرار وإن هذا التسلسل متكرر في الخرافات بصورة مطلقة.
ويمكن تلخيص منهج بروب بأنه قام بدراسة وتحليل كل خرافة على حدة وعزلها
عن بعضها ثم قارن هذه الخرافات وفق أجزائها ليتوصل إلى أن الوظائف
تتكرر في كل حكاية بشكل مدهش.
لذا يعد بروب المؤسس الحقيقي للسرديات الحديثة التي تطورت على يد من
أسماهم روبرت شولز بذرية بروب كريماس، بريمون، تودوروفهبارت، جينيت.
وعلى يد هؤلاء اغتنى البحث السردي وأدى إلى تطوير النظرية وتوسيع
الموضوعات التي تتعامل معها النظرية.
فقد عنيت بالرواية والفلم وكذلك بالخطابات النظرية والعلمية
والإيديولوجية فضلاً عن الخرافة والأسطورة الشعبية.
انتهجت النظرية السردية بوصفها مقاربة منهجية لتحليل الخطابات
السردية واكتشاف نظمها الداخلية والقواعد التي تحكمها إلى منهجين
رئيسيين هما:
1-منهج السردية الدلالية، الذي اهتم بالمظهر الدلالي ، والعلاقات
الغيابية في النص موجهاً عنايته إلى المنطق الذي يحكم الأفعال دونما
الاهتمام بالوسيلة الحاملة لها بل بالمضامين السردية، والعمل على إبراز
بنيتها العميقة ويمثل هذا التيار فضلاً عن بروب، كريماس وبريمون.
2- منهج السرديّة اللسانية: الذي يبحث في العلاقات الحضورية التي هي
علاقات تشكل وبناء ، أي بالمظهر التركيبي للخطاب من حيث هو طريقة نوعية
لتحليل السرد بمظاهره اللغوية وما ينطوي على ذلك من علاقات بين الراوي
والمروي والمروي له ويهتم أيضاً بمظاهر الراوي وأساليب سرده ومواقعه
ووسائل اتصاله بالمروي له.
ولا تعدم النظرية السردية من محاولات الاستفادة من المنجز النقدي
للتيارين السابقين فقد حاول جاتمان وبرنس العمل على دراسة الخطاب
بوصفه وحدة كلية تقوم على تحليل مظاهره الكلية.
لقد بحث برنس مفهوم التلقي الداخلي من خلال اهتمامه بمفهوم المروي له
بدراسته التي تنهض على جعل الإرسالية اللغوية للخطاب السردي متكاملة من
مرسل ورسالة ومرسل إليه.
في حين اتجه جاتمان لدراسة البنية السردية بوصفها وسيلة لإنتاج الأفعال
السردية، وبحث في تلك الأفعال بوصفها مكونات متداخلة من الوقائع
والشخصيات تنطوي على معنى وَعدَّ البُنى السردية نوعاً من وسائل
التعبير، في حين عدّ المروي محتوى ذلك التعبير وبحثهما بوصفهما مظهرين
متلازمين من المظاهر التي لا يكون خطاب السرد بدونهما، ويمكن أن تكون
هذه الخطابات لغوية أو تعبيرية أو سينمائية، وهكذا استقامت النظرية
السردية بوصفها فرعاً معرفياً يحلل مكونات وميكانزم المحكي ، أي تحليل
البنى الداخلية للخطاب السردي والتوصل إلى آليات اشتغالها في الخطاب،
وهذا يعني تقويض المناهج الخارجية التي تقوم على الانطباعات وإسقاط ما
حول النص على النص.
إنَّ العناية بتعريف البنية السردية واكتشاف مكوناتها وتسليط الضوء على
العلاقات الداخلية التي تنظم بنيتها أفضى إلى بروز اتجاهات أساسية
أربعة لتعريفها:
1-الاتجاه الأول يذهب إلى الاعتقاد بأن البنية السردية هي الحبكة فحسب،
ومن هنا انطلق أدون مويير في كتابة بناء الرواية عندما عرّف الحبكة
بأنها سلسلة من الأحداث في قصة ما والقاعدة التي ترتبط بعضها ببعض وأن
ما يميز حبكة عن أخرى هي هو ذلك النظام الذي تسلكه الأحداث ولا يختلف
ما يعرف الحبكة بأنها الرواية في وجهها المصفى وأنها تتطلب الغموض
والأسرار ، فهي نظام بناء أحداث الرواية.
2-أما الاتجاه الثاني فيرى: أن البنية السردية أنها تكمن في إعادة
تتابع ما حدث زمنياً وتحديد دور الراوي في مثل هذا التتابع الزمني
ومتغيراته حيث يجري عرض السياقات الزمنية للخطاب السردي.
وهي الدراسات التي انطلقت من الشكلانيين الروس عندما ميزوا بين المتن
والمبنى الحكائي، فإذا كان المتن هو مجموعة الحوافز السائدة، فإن
البنية السردية هي إعادة إنتاج هذه الحوافز بشكلها الفني المنظم ،
ويمكن هنا الإشارة إلى الدراسة الرائدة لبرمي لوبوك «صنعة الرواية» ،
فالبنية السردية هنا تحيل على المبنى المترشح من وعي الراوي.
3-وأما الاتجاه الثالث فإنه يوسع مفهوم البنية السردية ليشمل الرواية
والمسرح والسينما وكل أشكال التعبير التي تعدّ متماثلة بشكل أساسي في
متونها إلا أنها تختلف من حيث أسلوب المتن، فهي تعالج الخطاب السردي
بوصفه تقنيات موظفة في السرد لنقل تلك العناصر إلى القارئ ويمكن
الإشارة هنا إلى جهد جاتمان في كتابه القصة والخطابة: للبنية السردية
في الفلم والرواية.
فضلاً عن جهد كريماس الذي انطلق من مفهوم واسع للبنية السردية فقد توصل
إلى اكتشاف بنى سردية في كل مكان تقريباً حتى في الخطابات العلمية
والأيديولوجية.
4-والاتجاه الرابع: يقتصر على معالجة العناصر المتفردة في السرد مثل
الراوي والزمن والمروي له، ونحيل هنا على خطاب السرد جيرارجنيت، و
الشعرية لتودوروف، و مقدمة للتحليل البنيوي للسرد لرولان بارت فضلاً عن
دراسة جاتمان ولنفتت.
وهنالك اتجاه آخر أفاد من دراسة باختين حول الإبداع الفني لدستوفسكي
ليفرق بين البنية السردية المتعددة الأصوات والبنية السردية ذات الصوت
الواحد.
إنَّ هذه الاتجاهات لا تتناقض بل تتكامل، إلا أن فيها من يحاول أن يوسع
المصطلح ليشمل النصوص الأدبية والفلسفية لتشكل كلاً منسجماً ومتماسكاً
يُعيد إنتاج الواقع على شكل خطابات فلسفية وآيديولوجية وروائية وعلمية
على النحو الذي ذكره كريماس آنفاً.
يرى الباحث ضرورة التمييز بين هذه الاتجاهات ونظراتها في السردية بشكل
دقيق فلكل خطاب تقنياته الخاصة به التي تستدعي بنى سردية خاصة لأن
التقنية اللغوية للخطابات الفلسفية تختلف عنها في الخطاب الروائي وذلك
لاختلاف المعطيين أسلوباً وبناءً ودلالة، لذا فمن الضروري تحديد تعريف
دقيق للبنية السردية الروائية ينبثق من معطيات العالم الروائي المتخيل
وتنهض على المكونات الروائية.
ولما كانت مكونات الرواية هي الراوي والمروي والمروي له، وتأسيساً على
التعريفات المُشار إليها آنفاً للبنية والسرد، أمكن القول أن البنية
السردية هي: رسالة لغوية تحمل عالماً متخيلاً من الحوادث التي تشكل
مبنى روائياً يتجاذبه طرفا الإرسالية اللغوية أي الراوي والمروي له
لتنتظم بمنظومة متكاملة من العلاقات والوشائج الداخلية التي تنظم آلية
اشتغال المكونات الروائية الثلاثة مع بعضها ابتداءً من الرواة وأساليب
روايتهم وإجابتهم عن سؤال المروي له: ماذا حدث؟ كيف حدث؟ مروراً بمفاصل
المروي أي الحدث وكيفية بنائه والشخصية وعلاقاتها الروائية والزمان
وتقنياته والمكان وأنواعه وانتهاءً بتعالقات الراوي والمروي له.
قصة قصيرة
قمامة
خالد الوادي
الاشخاص الذين اقابلهم كل يوم لا يختلفون عني بشئ .. نتقابل احيانا في
الطريق الواحد ذاته .. الذي يعرف معنى شقائنا .. بل يعرف حجوم اقدامنا
وطبعات احذيتنا الممزقة على اديمه الحزين .. احيانا يضحك بوجوهنا بنفس
الضحكة .. واحيانا اخرى يبكي لاجلنا .. لاجل روائحنا الكريهة والذباب
الذي يلاحق اجسادنا النحيلة يمتص بقايا طفولتنا الغائبة الحاضرة..كثيرا
ما كنا نتشاجر على توافه الامور..
كل صباح يرتشفني البرد كالحساء الساخن .. هكذا اشعر .. وافكر .. كثيرا
ما افكر بالبرد الصارخ .. انه يصرخ كالمجنون باعماقي .. اسمعه يقول:
ويلك ايها الصغير .. لن ارحمك ما حييت..
كان يستفزني كثيرا واشعر بعدائه لي .. لكن عنادي يبرر ذلك الاستمرار
المتأجج . لم تعد الصباحات المتكررة تمثل لي شيئا .. بل هي بمثابة عامل
للزمن ورحلة يشوبها الفزع..
لقد اصبحت خبيرا بمزابل الاحياء .. اعرف اوقات تخمتها ودائما
المساءات هي المناسبة لرمي مخلفات البيوت .. لذا يتوجب علي التحفز
باكرا لجمع غنائمي منها .. وهنا تكمن المهارة .. من هو الاول ؟.. من
سيكون صاحب السطوة والبائس الكبير في جني ما تركته مربعات القمامة
المكشرة ؟.. قشور فواكه .. اوراق شاي قهوائية اللون .. اكياس نايلون
مختلفة الاشكال والاحجام .. علب كارتون فارغة .. بقايا رز محمر بلون
مرق فاقد لرائحته .. ودائما اكون انا الاول .. اجل هكذا هو دأبي
واصراري ان اكون اولا .. حتى اتمكن من الاستمرار والا اصاب باحباط
يفقدني وظيفتي .. ابدأ بفرش ذلك المربع .. فيظهر احيانا مصباح معطوب ..
اتخلص من زجاجته .. واستولي على مؤخرته المصنوعة من النحاس..
واحيانا اخرى يبهرني كيس احتشدت بداخله (نعالات) فرادى بالوان مختلفة..
تبتلعه غراوتي المتعفنة..
ذات مرة .. وفي صباح شتائي مرعب .. كانت السماء غاضبة .. ترشق الارض
بالبرد الابيض كالحجارة .. حاصرني في مزبلة تكاد تكون الارقى في العالم
.. كانت طافحة بالثروات .. لكن ما شد انتباهي تلك الكتلة البلاستيكية
الضخمة التي جثمت وسط القمامة.. تربعت بشموخ .. كتلة بيضاء كأنها كرة
ثلجية .... رفعت معطفي الى رأسي محتميا من حبات البرد الغبية التي لا
تقدر طفولتي وما انا فيه .. من بعيد تقدم من تلك الكتلة كلب اجرب ..
اخذ يشمشم بمحيطها .. اصابني الذعر .. نهضت رغم البرد ورميته بحجارة ..
هرب على اثرها .. توقف البرد .. ركضت تجاه كتلتي الجميلة .. حاولت ان
ارفعها .. لكنها كانت ثقيلة جدا..
جلست افكر .. كيف لي ان ارفعها .. تخيلت نفسي اقود رافعة اشق بها
مربعات القمامة وأصل لتلك الكتلة .. ارفعها بسهولة وانطلق مسرعا الى (
ابو محسن ) الذي نطلق عليه لقب ( ابو العتيك ) واسلمها له .. ثم استلم
نقودي الكثيرة واعود الى امي فرحا امنحها تعبي بعنفوان..
لكن احلامي تبخرت في لحظة اقتراب رجلين من تلك الكتلة .. كانت ملامحهما
قاسية .. ينفثون دخان سكائرهما بعنف .. صرخوا بوجهي:
ابتعد:
لكني قررت ان لا ابتعد وان احارب من اجل حلمي .. اجل حلم احاول ان
احققه حتى لو كلفني ثمنا باهضا..
جائتني صفعة قاسية .. ارتميت ارضا وسال دمي غزيرا .. لقد كسر انفي ..
لم اتخاذل نهضت وحملت انبوب ماء قصير كان من ضمن مقتنيات تلك المزبلة
الكبيرة .. تقدمت تجاه الوغدين .. لقد تمزق بنطالي وتلطخت بوحل فاجع
الرائحة .. صرخت غاضبا..
ايها الحقيران انها حلمي ابتعدا .. رحت الوح بالانبوب كالسيف..
لقد جاءت الصفعة الثانية قوية .. ارتطم وجهي بقوة .. لاتحول الى حلم
جميل .. لم يغادرني لهذه اللحظة .. وما زلت ذلك الفتى الصغير .. الذي
يحاول اسعاد امه .. انا هنا يا امي .. ما ازال احلم .. لا تخافي ..
فانا احلم باستمرار. |