|
فضاءات ثقافية
الإيقاع : بنية الاختلاف
عادل بدر
الإيقاع في القصيدة هو العنصر الذي يميز الشعر عما سواه . فالبينة
الإيقاعية مجموعة من العلاقات المعقدة بين ما يثور على النظام وما
يحافظ عليه ، بل إن تحطيم النظام في حد ذاته نظام ولكن من نوع آخر.
والشعر العربي يجمع بين النسق والخروج على النسق ،ولعلها سمة مشتركة
بين الشعر على مختلف أنواعه ،بل لعل لها نظائر في غير الشعر من الفنون
،فالفنون التعبيرية تحاكي الحياة الإنسانية وهي ليست انتظاماً خالصاً
،بل تجمع بين الانتظام والاضطراب ، فالخروج على النسق له وظائف في
الشعر وفي غيره من الفنون ،فهو يقاوم ذلك الخدر الناشئ من التكرار
المنتظم ؛فيثير الانتباه واليقظة ،ويدعم الجانب الفكري في مواجهة
الجانب الحسي ،ويجعل العمل الفني أقدر على التعبير.
فالشعر يجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق يقول "هو جارت " أن
القاعدة في الفن هو تحاشي الانتظام.
والإيقاع في الفنون هو تأليف بين مجموعة من العناصر يجمع بين النظام
واللا نظام ويقيم بين هذه العناصر علاقة ،فإذا خلت العناصر من هذا
الصراع فهي كذلك خالية من الإيقاع.
فالوحدة في العمل الفني لا تعني التشابه بين كل أجزاء التصميم ،بل أن
يكون هناك كثير من الاختلاف ،فمعظم الفنون تتألف من ثابت ومتغير
،فالملاحظ أن الإيقاع يتوقف على التكرار وتوقع التكرار ،وهذا أمر أجمع
عليه.
والنظام الذي لا نجد فيه غير ما نتوقعه بالضبط دائماً ،بدلاً من أن نجد
فيه ما يطور استجابتنا هو نظام رتيب ،يبعث على الضيق فهو يقوم على
المفاجأة وإخلاف الظن.
،و يجب أن نلاحظ أن الإيقاع هو المعنى الذي يبحث العروضيون عن مدلوله
الخاص في التشكيلات المكونة من مقاطع لغوية ( ويجب على دارس الإيقاع أن
يكشف عن هذه الصراعات بين عناصر الثبات وعناصر الانتهاك " فالإيقاع هو
حركة المعنى ،وليس بينهما انفصال ،ولإدراك أحدهما ينبغي اكتشاف الآخر
معه.
ولا يقف التناسب الصوتي عند المقاطع لكنه يمتد إلى الجناس أو الجرس
الصوتي وإلى الأوزان الشعرية والاتباع والازدواج ،وكلها في تشكيل
المعنى وتوسيعه وتوسيع دلالة النص الأدبي ويظهر بوضوح عندما يعمد
الشعراء إلى استغلال إمكانيات الأصوات وقدرتها على الإيحاء بالمعنى
ومحاكاته ،والإيقاع ليس إشارة بسيطة ،بل هو نظام إشاري مركب ومعقد من
مفردات عديدة.
ويبدو الإيقاع أمام القارىء شيئاً مادياً محسوساً يعلن له أن الذي
أمامه قصيدة من الشعر ،وأن – الإيقاع – هو الذي نظم هذا الفيض من
الأصوات والمعاني ،وأنه يستطيع أن يعطيه معنى مختلفاً عن المعنى الذي
يلقاه في النثر معنى أكثر كثافة وأكثر عمقاً وأكثر إمتاعاً وأكثر كشفاً
عن الأعماق البعيدة للإنسان.
وقد اتسع مفهوم الإيقاع عند الشكلانيين الروس ليشمل سلسلة من العناصر
اللسانية التي تسهم في بناء البيت الشعري : فإلى " جانب الإيقاع الذي
ينتج عن المد في الكلمات ،يظهر الإيقاع الذي يأتي من نبرات الجمل
بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني ( الجناسات ) إلخ.
وهكذا يغدو مفهوم الشعر ذاته مفهوم خطاب نوعي تسهم كل عناصره في خاصيته
الشعرية ويصبح من الخطأ القول بأن هذا الخطاب لا يقوم سوى بالتلاؤم مع
شكل وزني عن طريق مقاومته ويخلق انزياحات
Ecarts
إيقاعية ،والخطاب الشعري هو خطاب منظم فيما يتعلق بأثره الصوتي لكن بما
أن الأثر الصوتي هو ظاهرة معقدة فإن واحداً من عناصره فقط يتعرض
للتقنين " هكذا فإن العنصر المقنن في العروض الكلاسيكي يتمثل في المدات
التي أخضعها ذلك العروض بالتسلسل وقاسها بقوانينه لكن يكفي أن تتعرض
سلطة الأشكال التقليدية ببعض الاهتزاز لكي تظهر بإلحاح هذه الفكرة فإن
جوهر الشعر لا يستهلك في ملامحه الأولى بل يعيش كذلك بواسطة الملامح
الثانوية لأثره الصوتي فإلى جوار الوزن هناك الإيقاع الذي هو كذلك قابل
للمعاينة وأنه يمكن كتابة أشعار لا تلتزم إلا هذه الملامح الثانوية
فالخطاب يمكن أن يبقى شعرياً حتى مع عدم المحافظة على الوزن.
إن الأنساق الإيقاعية تسهم بدرجات مختلفة في خلق الانطباع الجمالي
،فهذا النسق أو ذاك يمكن أن يهيمن في أعمال مختلفة وهذه الوسيلة أو
تلك يمكن أن تسند إليها مهمة "الظاهرة المهيمنة " فإن الاتجاه نحو نسق
إيقاعي معين هو الذي حدد الصفة الملموسة للعمل الشعري.
إن القصائد الجيدة هي تلك القصائد التي تحمل إعلاماً شعرياً ،هي
القصائد التي تكون كل العناصر فيها متوقعة وغير متوقعة في آن.
ويرى الشكليون الروس أن الإيقاع مثله مثل الصور يقصد به الكشف عن النمط
التحتي للحقيقة العليا ؛أي غور المعنى الكامل ،وعلى هذا فإن الإيقاع
يشير إلى عدد من الدلالات السطحية والعميقة في القصيدة ،إنه قد يبدو
صدى لمعنى القصيدة ،وقد يؤكد المعنى ويطرح معاني وتفسيرات وظلالاً
للمعنى ويمكن استخدامه لإثارة ،المعنى وللإيحاء بالصراع داخل بنية
القصيدة . الإيقاع إذن لا يحاكي أو يؤكد أو يضيف فقط ،بل إنه يصارع
المعنى أيضاً ويكشف الصراع داخل بنية القصيدة.
فضاءات المعاني في شعر محمود درويش
علاء هاشم مناف
ان التشابك في عملية الابتكار ، والمجاز في النص الشعري وهو يشكل
الاسلوب والعلاقة الدقيقة في المحاور المتداخلة وهي تنشأ في عديد من
الافكار الجديدة وتفضي هذه العلاقة وتطورها بتعددية آفاق البنية في
النص الشعري .
حيث تنشأ الصورة المزدوجة باحكام المجاز وهو يكسب المنطق الكلامي وضوحا
(كما يقول ارسطو) من هذه المنطقية العقلية توسعت مجالات الايحاء
وبالصيغ البلاغية عن طريق قوة الخيال وهي براهين تصاغ عبر التشابك في
الدلالة والتنامي المستمرين في عمليات متعددة تلتقي في اخر المواقف
المتعددة في ذروة لحظة الادراك والحضور معتمدة على منطق الايحاء العقلي
في صيغ المجاز الذي اصبح مطلقاً بتفاصيله . ومحمود درويش ينعطف بشكل
حاد بهذا الاتجاه في بناء القصيدة :- فهو الموقف الثابت اتجاه الذروة
في (الشهادة) من اجل القضية حين يقبل عليه باختياره عندما يقع التحدي
وهي عملية تصور المنعطف الدقيق في دلالة ما تضمنته القوة الكبيرة في
النص الشعري .
يقول درويش: لمغنيك ، على الزيتون ، خمسون وتر ومغنيك اسيراً كان للريح
، وعبداً للمطر ومغنيك الذي تاب عن النوم تسلى بالسهر سيسمي غابة
الزيتون في عينيك، ميلاد سحر وسيبكي ، هكذا اعتاد ،
اذا مر نسيم فوق خمسين وتر آه يا خمسين لحناً دموياً كيف صارت بركة
الدم نجوماً وشجر؟ فالعلاقة التي تتجمع في ذروة التصاعد المنطقية في
القصيدة حين تنعطف بلحظات الحضور المتعدد بتعدد المحاور ببعضها وفي
انساقها وهي توضح الابعاد الهندسية في قوة البناء والمتانة ، وحين
تتحرك الذات في غموض دائم تترك في القصيدة خطابا في صيغة الجمع ليتحول
الى خصائص منطقية في صيغة الضمير المنشود موضوعيا في القصيدة، وتتجسد
هكذا في الوجوه البلاغية المتعددة لتدعيم حالة المعنى الذي يتحرك
بمنعطفات واقتناع شديدين، وهو يستكشف سر الممرات والخفايا في فضاء
القصيدة ويتصل بمحاور ومجازات، وهي تبرهن على ما تحقق (من تخييل)
والاستعانة بتوكيد المعنى المتحقق بالملاحظة والاستعارة وهي شبيهة
بعلاقات (اللزوم في المعرفة اللغوية) وتجسيد ايحائي يثبت حلقات البيان
والبديع المتعددة في تقاليد الشعر عند العرب.
فالموقف المتعلق بالكثافة في خواص الصورة الشعرية والمعنى في القراءة،
تنطق بتوجيه ادراك حلقات المعالجة بخواص النص الشعري (سيكولوجيا) يجعل
التدقيق في نقل خواص المجاز والمعنى في الصورة من خواص المناورة
المستهلكة في استعارة عدد من الشبكات الدلالية التي تمتن للتطابق في
خواص البناء المتعلق (بالهيكل) والفاعلية الواعية في علية التجربة
الشعرية .
من هنا تتبين التنامي في القصيدة وهي تبدأ بشمولية الحقائق النشطة وهي
تقترب من لغز الثابت (وبالموت والتسامي في التجربة) في منحنيات القصيدة
ليكون المتسع الرئيس في التجربة والمخاض وتثبيت الموقف في القيثارة
والدم في نسق يؤطر في تصاعده اجمل الانتماءات في هذا التوتر الدرامي
للمكان والرمز في الجرح النازف . افتحي الابواب يا قريتنا افتحيها
للرياح الاربع ودعي خمسين جرحاً يتوهج كفر قاسم ..
قرية تحلم بالقمح ، وازهار البنفسج وباعراس الحمائم احصدوهم دفعة واحدة
احصدوهم .. .. .. .. .. .. .. حصدوهم ..
ان المشكلة الرئيسية في عملية التشابك الصورة المركزية الثابتة التي
يرسمها الشاعر محمود درويش في حدود القوائم من الاعمدة المرهونة
بالابواب المغلقة والفضاءات الرمادية وفي تطابق هذه الامكنة ونسج عدة
من المصائب التي كانت خاتمة المغامرة للبطل الذي يوجه خطاباته باسترسال
ويصور مصائب وعلامات وعلاقات متسعة ومقتصرة في خصائص في عالم مغلق قارب
الاقتران بنهايته عمليات التفاعل الانساني بين البشر، ولكن التحدي
للموت وبالموت في انساق متعددة وثابتة ، ولحظات تصور عملية الادراك
والوعي والمسؤولية داخل (ديالوك) قمته المسؤولية والعمق رغم اكتمال
حالة التداعي ، لكن الحياة عميقة في حين كان درويش يرى ان هذه الحوارات
تمتن الايقاعات في الاسطورة وفي الجمال الاخاذ وهو يقف على قمة التل :-
يقول درويش:
احور ورقة التوت :-
ومن سوء حظ العواصف ان المطر يعيدك حية
وان ضحيتها لا تموت وان الايادي القوية سادفع مهر العواصف مزيدا من
الحب للوردة الثاكلة وابقى على قمة التل واقف لافضح سر الزوابع ..
للقافلة ان عملية التنامي وهي تنهض في حدود ابعاد الهيكل للقصيدة وفي
ذروة من التصاعد والديمومة بدلالة البيت الشعري والرؤيا المتحققة في
النص الشعري حتى تشمل الفضاء المحدد في اول سياق للظهور بفاعلية التحور
المستمر في الزمان . وهو الذي حول (ابروميثيوس) الى قوة من الطاقة التي
تتحمل الالم وتستوعبه عند المداهمة ، وكان درويش يرى في عملية القتل هو
الاصرار عند الموقف الحالم بجمالية غارقة في الحلم الذي يوقظ الشاعر
اثناء هطول المطر .
يقول درويش: احاور روح الضحية ومن سوء حظ العواصف ان المطر يعيدك حية
ومن حسن حظك انك انت الضحية هلا .. ياهلا .. بالمطر ان اكتشاف المعادلة
الموضوعي في شعر درويش يعطينا الدلالة المتفجرة في ايقاع يشهده العمق
الفني والايحاء للشاعر العاشق في مجده وجماله لموقف يساوي به بين
الحياة والموت.
قصة قصيرة
الضـــــيف
صالح جبار محمد
لا زلت اقف عند باب الدار لموصد حائراً ، حاولت أن أعود ثانية حو
الشارع وقبل أن أتحرك لمحت يدها تفتح رتاج الشباك العلوي ، وصاحت وهي
تنظر الى الأسفل:
-من الطارق ؟
- قلت : - أنا يا سيدتي.
- أني ابحث عن منزل السيد ( سمير كاظم)
- هذا ليس منزله.
- أين منز..
وقبل أن أكمل عبارتي ، أغلقت النافذة ، وبدت الظهيرة موحشة في هذا
الزقاق المغلق .. في داخلي لا زلت أفكر في وجه محدثتي.. أخيراً وفي أحد
المنعطفات ، عثرت على العنوان الذي كنت أبحث عنه .. دخلت الى منزل
صاحبي ، كان الهدوء يسود المنزل الشرقي ، وثمة سدرة تتوسط الحوش وفي
الزاوية المقابلة كنت المح صنبور الماء يرشح ببطء ، وحينما عاد مضيفي
حاملا معه قدح الشاي سألته عن عائلته ، فقال:
مضوا الى بيت جدهم.
تطلعت في وجهه بدا منهكا بلحيته الطويلة وحديثه المرتبك لاحظت ملابسه
المتسخة فكرت لابد من حدوث أمر صعب وخطير ، جعله يهمل نفسه إلى هذا
الحد.. حاولت كسر الجمود الذي طغى على جلستنا بعد أن وجدت قد تغير بشكل
كبير . دسست يدي في جيبي وتلمست الحلوى التي أحضرتها لأطفاله فقلت:
- آسف ، لأني لم أجد الصغار لقد أحضرت لهم الحلوى ، أجاب بصوت واهن
وكأنه يأتي من بعيد : لماذا كلفت نفسك ذلك ، فأنهم سعيدون مع جدهم..
ضحكت ، وقد وضعت الحلوى على المنضدة الصغيرة أمامي ورائحة الشاي غطت
المكان ، فرحت ارتشف من القدح وأتحسس حرارته بأصابعي وشفتي.. استأذن (
سمير ) وخرج ، فبقيت وحيداً ، كنت أتطلع في محتويات الغرفة والى الباحة
الصغيرة التي تقابلها ولاحظت صورة ولده الصغير ، معلقه فوق الباب
الموارب ، وفكرت ، كان طفلاً جميلاً ، حينما يراني لما كنت أزورهم من
زمن بعيد ، يأتيني راكضاً ثم يلقي بنفسه عليّ .. لابد انه ألان قد أصبح
صبياً ، أخرجني صوت نحيب من تفكير ، كنت أسمع بكاء امرأة ، حاولت أن
أخرج لأعرف سبب البكاء ، لكني ترددت فقد كان حيائي يمنعني من ذلك استمر
نشيج المرأة بحرقة ، وبتردد واضح نهضت ومددت رأسي من الباب المشرع ،
لمحت في الطرف القصي امرأة متشحة بالسواد وقد جلست عند نهاية الممر ،
أوحى لي منظرها بأنها مرت بفاجعة وتساءلت من نفسي:
أين صديقي ، الذي حضرت لأجل زيارته ؟ استجمعت قواي ، وسرت ببطء نحوها ،
وقبل أن اصل أليها بادرتها بصوت خجول:
- عفواً .. أين السيد ( سمير كاظم ) ؟ رفعت رأسها وبدت مصدومة من رؤيتي
أمامها ، كان جسدها النحيل يهتز من فرط فزعها ، بخوف:
- كيف دخلت الدار ؟
أحسست بأن الأرض تميد بي وسيغشى عليّ لما شاهدت اضطرابها ، وبعد برهة
شعرت بأنها دهر حاولت أن أهدئ روعها وافهمها باني صديق صاحب المنزل ،
لكنها نهضت متوثبة كنمرة جريحة فصرخة ثانية:
- من أنت ، كيف دخلت البيت ؟
حاولت جاهداً أن امتص غضبها ، فقلت بنظرة متوسلة:
- سيدتي أرجوكِ .. سيدتي معذرة وسأخبرك بكل شيء ، أني صديق قديم لصاحب
هذا المنزل .. وتابعت بصوت هادئ فيما كانت يداي ترتعشان بوضوح ، وسمعت
صوت أسناني تصطك من حراجة الموقف. لقد كان يجلس معي في تلك الغرفة ،
وقدم لي قدحاً من الشاي ، وأستأذن مني .. كانت المرأة تنظر لي بريبة
ولم تكن قد اطمأنت لحديثي معها ، لكني انتبهت بأنها لم تعد تهتز ،
فأدركت بأنها هدأت ، فقلت محاولاً ،عسى أن تصدقني:
- أرجوك اهدئي قليلاً وإذا لم تصدقي ما أقوله لك تعالي و انظري أقداح
الشاي في الغرفة المجاورة.
- أجابت بصوت ، امض أمامي.
حينما دخلت الغرفة ، شعرت بأن شيئا قد تغير فيها فلم أجد الأقداح التي
تركتها ، فشعرت برهبة ، ولم أجد ما يمكن أن أبرره لها ، لكني أستدرت
نحوها وبدون تفكير قلت متسائلاً:
- أين أقداح الشاي ؟
- كانت هي لا تزال واقفة عند باب الغرفة وعيناها متسمرتان باتجاهي ،
ولمحت أثر الدموع على وجنتيها ، فردت عليّ .
-تسألني هذا السؤال .؟
بحثت عن شيء أُداري به خجلي ، ويعصفني الإحراج الذي وقعت فيه ، حاولت
جاهداً أن اقنع المرأة بصحة روايتي لكني وجدتها تنظر لي بازدراء وهي
تبتعد قليلا . وقعت عيناي على المنضدة الصغيرة ، فهتفت لها انظري يا
سيدتي ، هذه الحلوى التي أحضرتها معي صدقيني لقد جلبتها معي لأجل أن
أقدمها للطفل الصغير .. أرجوك صدقيني فقد كان هنا طفل رائع لابد انه
ألان قد اصبح صبياً
ظلت عيناها مسمرتين في سحنتي ، ثم جلست عند باب الغرفة وانخرطت
بالبكاء. تذكرت ، حينما كنت صبياً يافعاً ، كنت أذهب لأسبح في الترعة
القريبة من دارنا ، وحينما أعود كنت أجد أمي جالسة عند الباب ، وحين
تراني تقوم بتأنيبي لازالت المرأة القابعة أمامي تنشج ، تأملتها ملياً
بدا وجهها أليفا وكأني رأيته قبل ألان ، فقلت ، كفي عن البكاء ،
وأخبريني أين أجد ( سمير ) ألان ؟
أشارت بيدها نحو باب باهت اللون ، قرب السلم الذي يقع خلف صنبور الماء
كان الباب الخشبي قديما ، وحينما حركته صر ، وشممت رائحة التراب
والعفونة . في الداخل لم أستطع أن أميز الأشياء ، فقد كانت العفونة
شديدة ، قفزت الى ذاكرتي صورة طفولتي ، فقد كنت أشعر بالرعب من الظلام
ومن الغرفة المعزولة ، شعرت بالغثيان ، وأحسست بأني مريض حاولت أن اهرب
نحو السدرة لكن قدميّ غاصت وبدت كأنهما متسمرتان في الأرض الهشة..
وفجأة برز وجه صديقي ، كان شكله مقززا ، وهو يحمل فأساً بيده كانت
ابتسامته الصفراء تغطي وجهه ثم سمعته يضحك بصوت مرتفع ، فصرخت:
- ماذا دهاك يا صديقي ؟ هل نسيتني؟
- أيعقل هذا؟
كنت كمن ينادي في الفلاة وهو يضحك بهسترية ، بقيت اصرخ وحينما عجزت عن
الصراخ تشبثت بملابسه وأخذت أهزه بقوة ، توقف عن الضحك ، ولمعت عيناه
بوميض مخيف ، استجمعت قواي ودفعته جانباً وقد صرخت بوجهه: ماذا دهاك يا
مجنون ؟
لمحت الفأس تتحرك بيده نحو الأعلى ، مضيت نحو الباب التمعت في ذهني صور
طفولتي ، تذكرت ترعة الماء التي كنت ألهو فيها ، في إحدى المرات غطى
الماء جسدي المبلول ، كادت ضربات قلبي تتوقف ، وشعرت بحرقة في خياشيمي
،لأن الماء يتسرب عبرها إلى داخل جسمي حينما احتز طرف رأسي من الخلف ،
شاهدت ومضة متقدة تخرج كالشرار من عيني لازلت أتذكر ، حينما أخرجوني من
الترعة كانت أمي تبكي وتولول وتقول:
- من الذي ألقاك في النهر … يا ولدي ؟
كنت اشعر بالبرد ، ويستلبني خفقان قلبي ، فقد رفعوا قدمي إلى الأعلى
وبقي رأسي متدلياً نحو الأسفل ، كانت حرقة أنفي تزداد مع خروج الماء
((كفت المرأة عن البكاء ، وتقدمت صوب الباب))
وسمعتها تقول:
- لقد جلب الحلوى لولدك.
لازال جسدي الممدد على الأرض ، يبحث عن دفء يلم أنفاسي.
امسك سمير بقدمي وسحبني بقوة ، نحو صنبور الماء وفتح القفل الهشة
وأخيراً ،لمحت المرأة تلوك قطع الحلوى بنهم فيما جلس صديقي على الدرج
المزوي في فناء الدار ، وهو يرتشف الشاي وتدفق الماء بقوة نحو وجهي
وشعرت بأنفي يحرقني لأن الماء كان يدخل جوفي بينما ظلت قدماي في التربة
بتؤدة.
قد لا يكفي أن أفتح النافذة
احمد عجمي
أحبُّ شعبي البسيط جداً
كتفاحة حمراء
كخرافة من زجاج
بجناحين مقوسين
يحلق بي فوق مرتفعات
لا تطالها نظرات الأعداء
***
أحبُّ شعبي
حينما يترك المذنبات
تتقصى أحلامه الأبدية
ووقتما تصحو العصافير
يحذرها
من ألعاب الحروب
***
نعم، أحبُّ شعبي مستيقظاً
يراقب أسراب الأحزان
وهي تخترق صمته
وغالباً
ما ينسى أمنياته المرتبكة
تسيل على الجدران
***
أحبُّ أطفال شعبي
ففي عيونهم يسهر الياسمين
وتشرق الموسيقى الصافية
خاصة
لحظة خروجهم من المدرسة
***
أحب رجال شعبي الطيبين
ففي صفاء نظراتهم
تشتد وطأة الأحزان
إلا أنهم
ناضجون كشمس
ولهم قدرة على الإبحار
لاحتضان العالم
***
أحب نساء شعبي
منحوتات من الصمت
وقريبات جداً
من ملامسة السماء
وفي عمق الزرقة
يلقين بجراحهن لتشرح بدء الضوء
***
أراهم في المرآة
يبتسمون لألحان الفراشات
ويشعلون النيران في البحر
ويمكنهم أيضاً
طرد الأشجار الفاسدة
من أغلفة الكتب
***
أحب العمال البسطاء
لا يمتلكون سوى ضوء القمر
وأغنية لم تجف بعد
وفوق هضبة القهر
يشعلون مراكب رقصهم |