|
فدك في التاريخ
الحلقة العاشرة
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
مسألة السقيفة وموقف الأمام علي عليه السلام
وكان يعاصر هذا الاجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للأنصار عقدوه في
سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى
إعطائه
الرئاسة والخلافة فأجابوه
ثم ترادوا الكلام فقالوا : ( فإن أبى المهاجرون وقالوا : نحن أولياؤه
وعترته ، فقال قوم من الأنصار نقول : منا أمير ومنكم أمير ، فقال سعد :
فهذا أومل الوهن ، وسمع عمر الخبر ، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، وفيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي ، فأرسل إني مشغول ،
فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره ، فخرج فأعلمه
الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة ، وفتكلم أبو بكر فذكر
قرب المهاجرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أولياؤه
وعتره ، ثم قال : نحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة ،
ولا نقضي دونكم الامور ، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا
معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ
على خلافكم ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العزة والمنعة واولو
العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا
تختلفوا فتفسد عليكم اموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير
ومنهم أمير ، فقال عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، والله لا ترضى
العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من
كانت النبوة منهم ، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته . فقال
الحباب بن منذر : يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا
وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فاجلوهم من هذه
البلاد وأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين
أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله
إن شئتم لنعيدها
جذعة ، فقال عمر : إذن يقتلك الله ، قال : بل إياك يقتل .
فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من
بدل وغير
فقام بشير ابن سعد والد النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ألا إن
محمدا من قريش وقومه أولى به وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا
الأمر .
فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم ، فقالا : والله
لا نتولى هذا ، الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم في الصلاة وهي أفضل الدين ، ابسط يدك . فلما بسط
يده ليبايعاه سبقهما بشير بن
سعد فبايعه ، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق ، أنفست على
ابن عمك الأمارة ؟ فقال اسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه : والله لئن
لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا ، وبايعوا أبا بكر وأقبل
الناس يبايعونه من كل جانب ونلاحظ في هذه القصة أن عمر هو الذي سمع
بقصة السقيفة واجتماع الأنصار فيها وأخبر أبا بكر بذلك ، وما دمنا نعلم
أن الوحي لم ينزل عليه بذلك النبأ فلا بد أنه ترك البيت النبوي بعد أن
جاء أبو بكر وأقنعه بوفاة النبي ، فلماذا ترك البيت ؟
ولماذا اختص أبا بكر بنبأ السقيفة ؟ إلى كثير من هذه النقاط التي لا
نجد لها تفسيرا معقولا أولى من أن يكون في الأمر اتفاق سابق بين أبي
بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع الخلافة ، وهذا التقدير
التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه .
(الأول ) تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق ، وإصراره على
استدعائه بعد اعتذاره بأنه مشغول حتى أشار إلى الغرض ولمح إليه ، خرج
مسرعا وذهبا على عجل إلى السقيفة، وكان من الممكن أن يطلب غيره من
أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجي ، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسره
بالصداقة التي كانت بينهما ، لأن المسألة لم تكن مسألة صداقة ، ولم يكن
أمر منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقا له بل على أن يستعين
بمن يوافقه في أحقية المهاجرين أيا كان .
ولا ننسى أن نلاحظ أنه أرسل رسولا إلى أبي بكر ، ولم يذهب بنفسه ليخبره
بالخبر خوفا ممن انتشاره في البيت وتسامع الهاشميين أو غيرها الهاشميين
به ، وقد طلب من الرسول في المرة الثانية أن يخبره بحدوث أمر لابد أن
يحضره.
ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازما في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة
مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها سابقا
موقف عمر من مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادعاؤه أنه لم
يمت ، ولا يستقيم في تفسيره ، أن نقول إن عمر ارتبك في ساعة الفاجعة ،
وفقد صوابه وادعى ما ادعى ، لأن حياة عمر كلها تدل على أنه ليس من هذا
الطراز ، وخصوصا موقفه الذي وقفه في السقيفة بعد تلك القصة مباشرة .
فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج
ويجادل ويقاوم ويناضل.
مفهوم البداء في عالم الخلق والتكوين
هاشم الموسوي
إن من المسائل الفكرية التي أثير حولها الجدل والحوار بين الفكر
الإسلامي الأصيل,والفكر اليهودي المحرف هي مسألة حدوث النسخ في الشرائع
الإلهية,سواء باستبدال شريعة مكان شريعة أخرى,أو باستبدال حكم مكان حكم
آخر في الشريعة ذاتها. وكما وقع الخلاف في مسألة النسخ والتبديل في
التشريع والأحكام,وقع الجدال أيضاً في قدرة الله تعالى على التغيير
والتبديل في عالم التكوين,والخلائق. فهاتان مسألتان عقيديتان,مسألة
النسخ التشريعي,والنسخ التكويني (البداء),قد دار الحوار والجدل فيهما
بين الفكر اليهودي المحرف,وبين ماجاء به القرآن ونطق به الرسول الأمين
(ص) من أن النسخ في الشرائع هو سنة إلهية,وأن التغيير والتبديل في
الأحكام ظاهرة طبيعية في الشرائع,كما أن التغيير والتبديل كائن في عالم
الخلق والتكوين الذي سمي ب(البداء).
استعمل مصطلح (البداء) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للدفاع عن
الفهم الإسلامي مقابل اليهودي,والفكر الفلسفي المتأثر بالفلسفة
اليونانية,وبعض المدارس الكلامية كمدرسة المعتزلة,أثار هذا المصطلح
شبهة فكرية عقيدية لدى البعض من الكتاب,وأصحاب الآراء والمذاهب
العقيدية في الصف الإسلامي,ولم تقف حدود هذه الشبهة عند الاستفهام
والمناقشة والرد العلمي,بل اسيء فهم المصطلح,واضيف الى إساءة الفهم
تصورات ناشئة عن روح الخلاف والمواجهة القبلية بين هذه المدرسة وبين
مدارس فكرية اخرى.
ففهم القول بالبداء بأنه قول بتغيرعلم الله لخفاء المصالح
عليه,وبالتالي نسبة الجهل إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وهكذا تدخل النزاع والخلاف في تشويه الحقيقة,وتحويل الموقف من خلاف بين
الفكر الإسلامي الذي قادته أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبين الفهم
اليهودي المحرف وبعض الاتجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة الى تهمة
فكرية تلصق بأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفهمهما لهذه
المسألة.
ولإيضاح هذه المفردة العقيدية,وبيان الفهم التوحيدي في مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام),نعرف ولو بإيجاز,بمعنى البداء ونشأة المصطلح ونسبة
البداء الى الله سبحانه.
البداء في اللغة:
بدا الشيء بدواً وبداءً:أي ظهر ظهوراً,قال الله تعالى : ( وبدا لهم من
الله ما لم يكونوا يحتسبون).
"البداء:ظهور الرأي بعد أن لم يكن,واستصواب شيء علم بعد أن لم يعلم.
ويقال بدا لي في الأمر بداء,أي ظهر لي فيه رأي آخر".
البداء في الاصطلاح:
وإذا كان هذا معنى البداء في اللغة,فلنتابع استعمال كلمة
(البداء),ونسبتها الى الله سبحانه بلسان الشريعة ومصطلحها,وإذا شئنا
مثل هذا التحقيق فسنجد أن الرسول الكريم محمداً (ص) هو أول من نسب
(البداء) الى الله سبحانه,في الحديث الآتي الوارد في البخاري:"عن أبي
هريرة رضي الله عنه:أنه سمع رسول الله (ص) يقول:إن ثلاثة في بني
إسرائيل:أبرص وأقرع وأعمى,بدا لله أن يبتليهم ,فبعث إليهم ملكاً,فأتى
الأبرص فقال :أي شيء أحب إليك؟قال :لون حسن,وجلد حسن,قد قذرني
الناس,قال : فمسحه فذهب عنه,فاعطي لوناً حسناً,وجلداً حسناً,فقال :أي
المال أحب إليك؟قال:الإبل-أو قال :البقر,هو شك في ذلك:أن الأبرص
والأقرع:قال أحدهما الإبل ,وقال الآخر البقر- فأعطي ناقة عشراء,فقال
:يبارك لك فيها.وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب اليك ؟قال :شعراً
حسناً,قال :فأي المال أحب اليك ؟قال : البقر,قال :فأعطاه بقرة
حاملاً,وقال : يبارك لك فيها.وأتى الأعمى فقال :أي شيء أحب اليك ؟قال
:يرد الله الي بصري,فأبصر به الناس,قال: فمسحه فرد الله اليه بصره,قال:
فأي المال أحب اليك ؟قال: الغنم,فأعطاه شاة والداً,فأنتج هذان وولد
هذا,فكان لهذا واد من إبل,ولهذا واد من بقر,ولهذا واد من الغنم,ثم إنه
أتى الأبرص في صورته وهيئته ,فقال : رجل مسكين ,تقطعت بي الحبال في
سفري,فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك,أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن
والجلد الحسن والمال,بعيراً اتبلغ عليه في سفري.فقال له: إن الحقوق
كثيرة,فقال له :كأني أعرفك,ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك
الله ؟فقال :لقد ورثت لكابر عن كابر,فقال : إن كنت كاذباً فصيرك الله
الى ماكنت.واتى الأقرع في صورته وهيئته,فقال له مثل ما قال لهذا,فرد
عليه مثل مارد عليه هذا,فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله الى ماكنت.وأتى
الأعمى في صورته,فقال :رجل مسكين وابن سبيل,وتقطعت بي الحبال في
سفري,فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك,أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة
أتبلغ بها في سفري,فقال : قد كنت اعمى فرد الله بصري,وفقيراً فقد
أغناني,فخذ ما شئت,فو الله لاأجهدك اليوم بشيء أخذته لله,فقال :أمسك
مالك,فإنما ابتليتم,فقد رضي الله عنك,وسخط على صاحبيك".
وروي عن أبي موسى الأشعري أن النبي ( ص) قال :" يجمع الله (عز وجل)
الامم في صعيد يوم القيامة,فإذا بدا لله (عز وجل) أن يصدع بين
الخلق,مثل لكل قوم ماكانوا يعبدون....".
وبذا نفهم أن الرسول الهادي (ص) هو اول من استعمل كلمة البداء وأضاف
معناها الى الله سبحانه.
ولنستمع الى الشيخ المفيد وهو يوضح معنى البداء الذي آمنت به الإمامية
واعتقدته,قال :"أقول في معنى البداء مايقوله المسلمون باجمعهم في النسخ
وأمثاله من الإفقار بعد الاغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد
الإحياء وما يذهب اليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والأرزاق
والنقصان منها بالأعمال,فأما إطلاق لفظ البداء فانما صرت اليه بالسمع
الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله (عز وجل),ولو لم يرد به سمع
أعلم صحته ما استجزت اطلاقه كما انه لو لم يرد علي سمع بان الله تعالى
يغضب ويرضى ويحب ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه,ولكنه جاء السمع به
صوت اليه على المعاني التي لاتأباها العقول,وليس بيني وبين كافة
المسلمين في هذا الباب خلاف,وإنما خالف من خالفهم في اللفظ دون
ماسواه,وقد اوضحت من علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام,وهذا مذهب
الإمامية بأسرها,وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم
دون المعنى ولايرضاه".
إلا أن إساءة فهم المصطلح قد جرت الى حوار طويل بين الشيعة الإمامية
والذين اختلفوا معهم من الفرق الإسلامية كالأشاعرة وغيرهم خلافاً
لفظياً في استعمال هذا المصطلح,هذا المصطلح الذي بني على أساس استعمال
الرسول الكريم محمد (ص) له,أما دلالته ومعناه,( فإن الرأي الإمامي
انطلق في فهمه من الرد على الفكر اليهودي المحرف الذي يذهب الى أن يد
الله مغلولة : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم...) وهو غير
قادر أن يحدث شيئاً في الخلق بعد أن فرغ منه وخلقه,واتخذ طابعه
النهائي,فرفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلق مايشاء,وكما
رفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلق,رفضوا أيضاً النسخ في
التشريع كأساس عقيدي لرفض الإيمان بنبوة محمد (ص) القائمة على أساس نسخ
الشرائع السابقة ووجوب اتباع شريعة القرآن.)
وقد استدل الشيعة الإمامية بالحديث النبوي الآنف الذكر على استعمال
المصطلح لفظاً ومعنى وعلى الآيتين الكريمتين آية النسخ والتكوين: (
يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
والنسخ هو بداء تشريعي أي تغيير في التشريع,والمحو هو بداء تكويني أي
تغيير في التكوين,إذ لاينسخ إلا ماهو كائن ومثبت في عالم التحقق
التكويني.
وهكذا يتضح أن الشيعة الإمامية استعملت مصطلح البداء بعد أن استعمله
الرسول الكريم محمد (ص) وفهمته بأنه مرادف للمحو والنسخ والتغيير,وقد
قال الله تعالى :( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ).(
الرعد / 11).
فقد أوضح سبحانه أنه يمحو ويغير أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية والبلاء الشخصي...الخ إذا ما غيروا مابأنفسهم.
وجاء في الحديث الشريف أن الله سبحانه يبسط الرزق وينسىء في الأجل لمن
يصل رحمه,فأوضح بذلك أن التبديل والتغيير متوقف عل فعل هذا
المعروف,وذلك هو مصداق البداء الذي قالت به الإمامية.
روى أبو هريرة عن النبي (ص) قال:"سمعت رسول الله(ص) يقول : من سره أن
يبسط له في رزقه,وأن ينسأ له في أثره,فليصل رحمه".
ولنقرأ جملة من بيانات الإمام الصادق (عليه السلام ) لمفهوم البداء
وتفسيره للآية التي تحدثت عنه.
عن منصور بن حازم قال :"سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يكون اليوم
شيء لم يكن في علم الله تعالى بالأمس؟
قال :لا,من قال هذا فأخزاه الله.
قلت :أرأيت ماكان وما هو كائن الى يوم القيامة أليس في علم الله؟قال:
بلى,قبل أن يخلق الخلق".
وروي عنه قوله ( عليه السلام ):"من زعم أن الله (عز وجل) يبدو له في
شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا منه".
وعن عبد الله بن سنان أن الامام الصادق (عليه السلام ) قال:"مابدا لله
في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له".
وعنه (عليه السلام) انه قال :"من زعم أن الله بدا له في شيء بداء
ندامة,فهو عندنا كافر بالله العظيم".
وعن ميسر بن عبد العزيز قال :قال لي أبو عبد الله الصادق:"ياميسر
ادع,ولاتقل إن الامر قد فرغ منه....".
وقال (عليه السلام) :"إن الله (عز وجل) ليدفع بالدعاء الأمر الذي علمه
إن يدعى له فيستجيب,ولو لا ماوفق العبد من ذلك الدعاء لأصابه منه ما
يجثه من جديد الأرض".
ثم اوضح معنى البداء بقوله ( عليه السلام ):" إن الله لم يبد له من
جهل".وقد تحدث القرآن عن البداء كمعنى ومفهوم دون أن يستعمل لفظه في
موارد كثيرة من آيه وبياناته,كقوله تعالى : ( ...لكل أجل كتاب يمحو
الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).( الرعد / 38,39).
وكقوله تعالى : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها الم
تعلم أن الله على كل شيء قدير).( البقرة / 106 ).
وقوله تعالى : ( يسئله من في السموات والارض كل يوم هو في شأن).(
الرحمن / 29 ).
وقوله تعالى : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما
قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء...).( المائدة / 64 ).
وقوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم
أنتم تمترون).( الأنعام / 2 ).
وقوله تعالى :( فلما بلغ معه السعي قال يابني اني أرى في المنام اني
أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياابت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من
الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا
إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم
).( الصافات / 102-107 ).
( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بانفسهم...) ( الرعد / 11).
( لله الامر من قبل ومن بعد ....) ( الروم / 4).
( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له
فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى
للعابدين).( الأنبياء / 83,84 ).
( وزكريا إذ نادى ربه لاتذرني فرداً وأنت خير الوارثين.فاستجبنا له
ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات
ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ).( الأنبياء 89 ,90 ).
(أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء....).( النمل / 62 ).
( ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم
قوم لايفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة
صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا الفين باذن الله والله مع
الصابرين).(الأنفال / 65 – 66 ).
وهكذا يتحدث القرآن عن التغيير والتبديل بسبب الدعاء المخلص لله أو
بسبب ضعف المؤمنين الصادقين ورحمته بهم وعلمه بضعفهم الذي انكشف فيهم
بعد التكليف الأول,وهو سبحانه عالم بكل ذلك قبل أن يكلف المقاتلين
المؤمنين بماقاتلة الكافرين الذين يفوقونهم عشرة اضعاف عددهم.
وقد فسر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام ) وأوضح معنى البداء الذي ورد
في الايات,فقد فسر قول الله تعالى :"هو الذي خلقكم من طين ثم قضى
اجلاً,وأجلٌ مسمى عنده ) ( الأنعام / 2). "قال : الأجل المقضي,هو
المحتوم الذي قضاه الله وحتمه,والمسمى هو الذي فيه البداء,يقدم
مايشاء,ويؤخر مايشاء,والمحتوم ليس فيه تقديم ولاتأخير".
وفسر الصادق (عليه السلام ) قول الله (عز وجل) : (وقالت اليهود يد الله
مغلولة....)( المائدة / 64 ).
"فقال : لم يعنوا أنه هكذا,ولكنهم قالوا: قد فرغ من الأمر,فلايزيد
ولاينقص .
فقال الله (جل جلاله) تكذيباً لهم : (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل
يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء...)(المائدة / 64 ).
ألم تسمع الله (عز وجل ) يقول : (يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم
الكتاب ).( الرعد / 39).
وفسر قوله تعالى : ( يمحو الله مايشاء ويثبت...) بقوله :"وهل يمحو الله
إلا ماكان,وهل يثبت إلا مالم يكن ".
وفسر قصة أمر الله لإبراهيم بان يذبح ولده اسماعيل,وتبديل ذلك الأمر
وفديه بذبح عظيم,فسره بأنه من أوضح مصاديق البداء بقوله :"ما بدا لله
بداء كما بدا له في اسماعيل أبي,إذ أمر أباه بذبحه,ثم فداه بذبح عظيم".
البداء في تحليل العلماء:
وقد تناول علماء أهل البيت (عليهم السلام) مفهوم البداء بالدراسة
والتحليل فكشفوا غوامضه العقيدية,وأوضحوا محتوى الفكرة ومضمون
المصطلح,نذكر من ذلك البيان: حديث الشيخ الصدوق عن البداء,الذي اوضح
لنا معناه كما أوضح أن البلاء هو رد على الفهم اليهودي المحترف فقال (
رحمه الله):"ليس البداء كما ظنه جهال الناس بأنه بداء ندامة,تعالى الله
عن ذلك,ولكن يجب علينا أن نقر لله (عز وجل) بأن له البداء,معناه أن له
أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق
غيره,أو يأمر بأمر,ثم ينهى عن مثله,أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل مانهى
عنه,وذلك مثل نسخ الشرايع ,وتحويل القبلة,وعدة المتوفى عنها زوجها,ولايأمر
الله عباده بأمر في وقت ما إلا وهو يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في
أن يأمرهم بذلك,ويعلم أن في الوقت أمرهم بما يصلحهم,فمن أقر لله (عز
وجل) بأن له أن يفعل مايشاء,ويعدم مايشاء,ويخلق مكانه مايشاء,ويقدم
مايشاء,ويؤخر مايشاء,ويأمر بما شاء كيف شاء فقد أقر بالبداء,وما عظم
الله (عز وجل) بشيء افضل من الإقرار بأن له الخلق
والأمر,والتقديم,والتأخير,وإثبات مالم يكن ومحو ما قد كان.
والبداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا: إن الله قد فرغ من الأمر فقلنا:
إن الله كل يوم هو في شأن,يحيي ويميت ويرزق ويفعل مايشاء,والبداء ليس
من ندامة,وإنما هو ظهور أمر,يقول العرب:بدا لي شخص في طريقي,أي ظهر,قال
الله (عز وجل) : (وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ) (الزمر/ 47
).أي ظهر لهم,ومتى ظهر لله (تعالى ذكره) من عبد صلة لرحمه زاد في
عمره,ومتى ظهر له منه قطيعة لرحمه نقص من عمره,ومتى ظهر له من عبد
إتيان الزنا نقص من رزقه وعمره,ومتى ظهر له منه التعفف عن الزنا زاد في
رزقه وعمره. |