|
فضاءات ثقافية
ظاهرة التكرار والنقد الروائي الجديد
نعيمة فرطاس
يعتبر التكرار حتمية لا مناص منها في أي عمل أدبي (سردي، شعري)، إذ إنه
أصبح من مميزات الرواية الجديدة وتكاد تكون هذه التقنية من أهم
العناصر، التي بنيت عليها هذه التجربة، بحيث إن أصحاب هده النزعة
مارسوها من خلال نصوصهم الإبداعية والقصصية، نذكر على سبيل المثال لا
الحصر: رواية "الصخب و العنف" لوليام فولكنر ورواية "الغيرة 1957 لألان
روب غرييه..
هذا الأخير الذي استوت عنده ظاهرة (التكرار) على سوقها، إذ لا يجد حرجا
في تكرار فقرات بأكملها وبحذافيرها في أعماله، بل إنه قد يغالي فيردد
في بعض الأحيان صفحات بمضامينها، مما يقف كدليل على أن التكرار
(الترداد)(*)، اكتسى أهمية قصوى أصبح بموجبها ليس ذلك العيب الفني،
الذي تحذر البلاغة الكلاسيكية المؤلفين من الوقوع فيه، بل إنه يقف هنا
بثقة واعتداد، منازعا بقية المشكلات السردية الأخرى (الشخصيات، الزمن،
المكان، اللغة، الأسلوب)..
وقد تعرض الشعري الفرنسي جيرار جينيت في كاتبه "صور لهذا العنصر، عند
استعراضه لنظريته في القص، ويسميه ويعرفه بقوله: "ما أسميه التواتر
السردي، يعني علاقات التواتر (أو بكل بساطة التكرار) بين النص والقصة
وقد كانت الدراسات حوله لحد الآن قليلة جدا من طرف النقاد ومنظري
الرواية، غير أنه هنا واحد من الجهات الأساسية للزمنية السردية.
ويحدد ج. جينيت أربعة أنماط لا غير لعلاقات التكرار، التي تنشأ بين
النص والقصة على هذا النحو:
1-النص يحكي مرة ما حدث مرة؛
2-النص يحكي ن مرة ما حدث ن مرة؛
3-النص يحكي ن مرة ما حدث مرة؛
4-النص يحكي مرة ما حدث ن مرة
بحيث إن (ن) قيمة عددية أكبر من الواحد
ويتميز "نظام التكرار، أن المتن تعاد روايته، وهذا يؤدي إلى ضمور حركة
الزمان في الحركات اللاحقة... كما تتكرر الوقائع والأحداث
والشخصيات"(4)، وذلك لغايات جمالية عديدة، لعل من أهمها إحداث أثر لدى
المتلقي. وذلك بتخييب توقعاته، حين يضعونه وجها لوجه أمام عمل يخالف
أفق انتظاره حد تعبير أصحاب "نظرية جماليات التلقي.
وحسب بعض المناهج الحديثة، فإن هذه التقنية أصبحت مفروضة في أي عمل
أدبي، فـ "في السيميائية يبدو تكرار العناصر المعطاة في الخطاب الواحد
ضروريا لكونه يسهم في تكوينه الداخلي.
وإذا ما تساءلنا عن سر هذا الانكباب على هاته الخاصية الأسلوبية، التي
كانت مهمشة في الدراسات الكلاسيكية - إن لم نقل (مضطهدة) - فإننا نقول:
إن هؤلاء المؤلفين بعملهم هذا ربما يحاولون أن يماثلوا الواقع؛ أي نقل
الأحداث كما ترد، بدون لمسات تزيينية، وليؤكدوا على تكرار مواقف
الحياة، والسخرية من القص التقليدي، الذي يحاول تجنب الاستطراد
والإطناب، وذلك باعتبارها عيوبا فنية، لا يسقط فيها سوى المبتدئين، أو
حديثي العهد بالكتابة في مجملها، وليثبتوا أيضا أن الرواية فن يتجدد
على الدوام، متحديا التقوقع والانغلاق، فهو "يؤسس قوانينه الذاتية
وينظر لسلطة الخيال ويتبنى قانون التجاوز المستمر"(6)، بحثا عن أفق
أوسع.
ولعله بعد هذا، نستنتج أن التكرار عند رواد الحداثة، يتجاوز الوظيفية
التأكيدية الإفهامية، المعروفة لدى الخاص والعام، ليصبح تقنية جمالية
تختلف درجتها وطريقتها من كاتب لآخر، إذ نجده يتلون ويتغير في النص
ذاته، مرتديا في كل مرة مسوحا مختلفة حتى عند الكاتب الواحد عينه.
ورغم أن (التكرار) – بعيدا عن أي مؤثر – قد يثير الملل أو الرتابة في
نفس القارئ أو السامع على حد سواء، ويحط من قيمة صاحب الأثر كمبدع، إلا
أنه عند الروائيين الجدد بالأخص، يثير غريزة التساؤل، فالبحث عن سر
اللجوء إلى هذه الظاهرة الأسلوبية دون سواها، كما أننا من ناحية أخرى
نتلقاه بصدر رحب، محاولين في ذلك اقتراح التأويلات المناسبة، وإيجاد
الإيحاءات القريبة والبعيدة، التي ترمي إليها التراكيب المكررة، في حين
أنها لو وردت عند واحد من رواد القص التقليدي لبدت مستهجنة غير
مستساغة، ولصعب علينا تصورها، مما يجعلنا نجزم أن هذه التقنية من أحد
مظاهر الرواية الحديثة، التي اعتبرت (التكرار) أحد أهم العناصر التي
تقوم عليها التجربة الروائية عند أشياعها.
وهذا ما نجده أيضا عند بعض الروائيين العرب، الذين تفاعلوا مع هذا
التيار، ولم يقفوا موقف المتفرج، بل أدلوا بدلوهم في هذه القضية، فكانت
المحاولات غزيرة، ومن بلدان مختلفة، نذكر منها: رواية "ذات" لصنع الله
إبراهيم، و "أبواب المدينة" لإلياس خوري، و "ذاكرة الجسد" للرائية
أحلام مستغانمي، و "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" للطاهر
وطار،... إلخ.
منهج التلقي أو نظرية القراءة والتقبل
د. جميل حمداوي
لقد عرف النقد العربي الحديث والمعاصر مجموعة من المناهج النقدية نتيجة
الانفتاح على الثقافة الغربية (ترجمة واطلاعا وتعلما) كالمنهج النفسي
الذي يحلل النص الأدبي من الوجهة الشعورية واللاشعورية، والمنهج
الاجتماعي الذي ينظر إلى الأدب على أنه مرآة تعكس الواقع بطريقة مباشرة
قائمة على المحاكاة الحرفية أو الجدلية، والمنهج البنيوي التكويني الذي
يعتبر الأدب بنية جمالية مستقلة تعكس الواقع بمختلف مستوياته
السوسيوتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية بطريقة غير مباشرة أو
عبر التماثل.
أما المنهج البنيوي اللساني فينظر إلى النص الأدبي على أنه بنية مغلقة
أو نسق من العناصر اللغوية القائمة على علاقات اختلافية أو ائتلافية،
بينما المنهج السيميائي فيقوم على التفكيك والبناء من خلال دراسة النص
باعتباره نظاما من العلامات اللغوية وغير اللغوية. ولكن منهج التلقي
والتقبل يركز على القارئ أثناء تفاعله مع النص الأدبي قصد تأويله وخلق
صورة معناه المتخيلة. إذا، ماهي نظرة التلقي والتقبل؟ ومن هم روادها؟
وما هي مرجعياتها الأبستمولوجية والفلسفية والأدبية؟ وماهي مرتكزاتها
المنهجية؟ وما هي تطبيقاتها في الساحة النقدية العربية؟
ظهرت نظرية التأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات (1966م) في
إطار مدرسة كونسطانس وبرلين الشرقية قبل ظهور التفكيكية ومدارس مابعد
الحداثة على يدي كل من فولفغانغ إيزر وهانز روبير اوس ومنظور هذه
النظرية أنها تثور على المناهج الخارجية التي ركزت كثيرا على المرجع
الواقعي كالنظرية الماركسية أو الواقعية الجدلية أو المناهج
البيوغرافية التي اهتمت كثيرا بالمبدع وحياته وظروفه التاريخية،
والمناهج النقدية التقليدية التي كان ينصب اهتمامها على المعنى وتصيده
من النص باعتباره جزءا من المعرفة والحقيقة المطلقة، والمناهج البنيوية
التي انطوت على النص المغلق وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل
الأدبي ألا وهو القارئ الذي ستهتم به نظرية التلقي والتقبل الألمانية
أيما اهتمام.
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة
بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدب
ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره
هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له:
تلذذا ونقدا وتفاعلا وحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته
وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن
المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة
النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب
فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال
البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ
بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب الفني يحمل معنى
ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي
تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا
عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويل بدور مهم في استخلاص
صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن
المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود
النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل
التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة
أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان
والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم. لذلك يرى أمبرطو إيكو أن هناك
أنماطا من القراءة والقراء في دراساته عن النص المفتوح والنص الغائب:
1-نص مفتوح وقراءة مفتوحة.
2-نص مفتوح وقراءة مغلقة.
3-نص مغلق وقراءة مغلقة.
4-نص مغلق وقراءة مفتوحة.
ولايكون العمل الإبداعي إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بين
المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون
من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب
الواقعية والخيالية والقارئ الذي يتقبل آثار النص سواء أكانت إيجابية
أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح - غضب - متعة - تهييج
- نقد - رضى...) . وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي
(النص) والتأثير الشعوري (القارئ) في شكل ردود تجاه حمولات النص. وهذا
إن دل على شيء فإنما يدل على أن العمل الأدبي يتموقع في الوسط بين النص
والقراءة من خلال التفاعل الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات
والموضوع أي النص والقارئ. ومن ثم، فالعمل الأدبي أكبر من النص وأكبر
من القراءة، بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة.
وإذا كانت المناهج الأخرى تركز على اتجاه واحد في القراءة من النص إلى
القارئ فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من
النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية
(الفينومينولوجية). ولا يحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا
من خلال فعل التحقق القرائي وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات
وتحديد ماهو غير محدد، وإثبات ما هو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف
على مستوى استخلاص المعاني عن طريق الفهم والتأويل والتطبيق. ولن تكون
القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد
بناء النص عن طريق نقده وتأويله انطلاقا من تجربة جمالية وفنية بعيدا
عن تصور القارئ المعاصر الواقعي. والقارئ الضمني: "ليس له وجود في
الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي. ومن
ثم، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لا يرتبط مثله بشكل
من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا
عن بنائه، ومركز القوى فيه، وتوازنه، وواضعا يده على الفراغات الجدلية
فيه فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له.
وتفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمال الأدبية
ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله
النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما يتركه
العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار خلود
أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتها وحيثيات روعتها وعبقريتها الفنية.
كما تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروث الأدبي والإبداعي من خلال
التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم وكيفية تعاملهم
معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا لدى
القراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. وهكذا يدعو كل من
إيزر ويوس إلى إعادة كتابة تاريخ الأدب الغربي على ضوء جمالية القراءة
لمعرفة الذوق السائد وطبيعة التفكير والتفاعل بين الذوات والنصوص
الإبداعية والمقاييس الجمالية التي استخدمت في التأويل عبر التطور
التاريخي والتحقيب الأدبي والنقدي. يقول يوس في هذا الصدد: "إذا أردنا
كتابة تاريخ أدبي جديد، من خلال رسم يعيد تكوينه، انطلاقا من بقايا
الأعمال والتفرعات التاريخية، والتأويلات، ودعاوي التواصل الأدبي
المتخفاة تحته، علينا أن نسارع إلى تاريخ التجربة الجمالية ونظريتها.
وتظهر لي ضرورة كل هذا لأنه يمنحنا (الجسر الهرمنوتيكي) لبلوغ حقب
بعيدة في الزمان وفي الثقافات الأجنبية ذات التقليد الأوربي".(5) ويشير
إيزر أيضا إلى مدى أهمية إعادة تاريخ الأدب الأوربي اعتمادا على شهادات
القراء ورصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية أثناء تفاعل ماهو شعوري
(القراءة) مع ماهو لفظي (النص): "كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف
جمهور معين؟ عن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات
النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل
الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، يمارس تأمله داخل الأدب. وهذا أيضا،
صحيح حين يعمد تاريخ التلقي إلى شهادات، القراء الذين يطلقون، عبر
فترات مختلفة من الزمن، أحكاما على أثر معين. وفي هذه الحالة، يكشف
تاريخ التلقي الضوابط التي توجه هذه الأحكام مما يشكل نقطة انطلاق
لتاريخ الذوق، الشروط الاجتماعية لجمهور القراء.
وعليه، فإن العمل الأدبي قد يراعي أفق انتظار القارئ عندما يستجيب
لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عمليات المشابهة النصية
والمعرفة الخلفية وقواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها في
نظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم
ينسجم مع القواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي. فعندما نقرأ
الروايات الكلاسيكية فإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على
قراءتها من خلال معايير وآليات تجنيسية وتحليلية معروفة. بيد أنه إذا
أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثية فإنها ستصدمه بطرائق فنية
جديدة تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية بسبب الانزياح الفني
بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني أن
هناك مسافة جمالية تربك القارئ وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا
الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة مثل:
رواية دون كيشوط لـ (سيرفانتيس) لدى يوس، ويقصد – يوس- بالمسافة
الجمالية: "ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق
انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال
القراء على الأثر، أي من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونها عليه. وهنا
أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور
بالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها وتلبي رغبات قرائها
المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في
البناء والتعبير، وهي نماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع
هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. أما الآثار التي
تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها، فإنها آثار تطور
الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلى حين
حتى تخلق جمهورها خلقا. وهناك نصوص تغيير أفق انتظار القارئ الذي يجمع
بين الذكاء والفطنة حيث يتعلم بسرعة كل ما هو جديد ويتكيف مع كل نص
طليعي أو حداثي حيث يغير هذا القارئ من آليات قراءته وأدواته حتى ينسجم
مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في هذه
الخطاطة.
ويبدو أن الدراسة الأدبية عند يوس: "ليس تحليل النصوص تحليلا هيكلانيا
مضمنا بها، وليس هو أيضا استعراض المعارف المتعلقة بالكاتب وبالأثر،
وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ما تتسم به الأوضاع التاريخية
والاجتماعية والثقافية من خصائص. إن موضوع الدراسة الأدبية هو أن نعرف
كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة من قضايا،
وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا.
وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم
التالية:
1-ثنائية القارئ والنص.
2-التأثير والتواصل.
3-العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي.
3-التحقق والتأويل.
4-القارئ الافتراضي المثالي.
5- افق الانتظار.
6-ملء البيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب.
7-النص المفتوح.
8-المسافة الجمالية.
أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها في خمسة
مؤثرات هي على التوالي:
1-الشكلانية الروسية.
2-بنيوية برا.
3-ظواهرية "رومان إنجاردان.
4-هيرمينوطيقا "جادامر.
5-سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر.
قصة قصيرة
الـــطـــريـــق
ابتسام إبراهيم
تطبق الجدران على صدري ، تضيق مساحات البيت الذي كان ملعباً أيام
الطفولة ، نلملم خطواتنا ونختصرها ، فلم يعد هناك متسعاً لجرينا أنا
وشقيقتي ، امتد الزمن بي سبعة عشر عاماً سبعة عشر دهراً ، وسئمت هذه
الوجوه الكالحة الكئيبة.
أبي يحدث أمي بهمس وراء الجدران في غرفتهما ، فتخرج بدموع صامتة ، يمشط
لحيته الكثة البيضاء ، يرتدي ملابسه ، يشرب كأس الحليب بالعسل ، مع بعض
التمرات ، ويغلق الباب ماضياً إلى عمله.
تطل زوجة أخي برأسها من باب غرفتنا:
ــ أين فنجان القهوة يا صبايا ؟!
ــ شاي .. كم مرة قلنا لك أن القهوة لا يحبها أبي ولا يشتريها
يلفحني هواء المكيف القارس ، يلتهب صدري بالسعال ، تنظر إلي زوجة أخي
مشفقة:
ــ لم لا تأخذونها إلى الطبيب ، لونها أصفر ، ونحولها يزداد يوماً بعد
يوم؟
ــ ليس بيدي حيلة عمك مشغول ، أنتظر أن يجد وقت فراغ .
نظرت زوجة أخي إلى أمي مستغربة:
ــ وتتركينها على هذه الحال ؟ اتصلي بشقيقها من هاتفي ، وليعالجها هو..
تراجعت أمي إلى الوراء مرعوبة:
ــ أنا ؟ أستعمل الهاتف ؟ لا... لا والله ، هل تريدينه أن يطلقني ؟
ولم الشدة ؟ حسناً سأكلمه أنا ، وأخبره أن يأتي بالصدفة ، ويرى شقيقته
بالصدفة كي لا أحرجك.
صمتت أمي . لكن الخوف لم يفارق ملامحها ، كانت تخشى أن يعرف أبي أنها
رغبت في علاجي دون استشارته . ربتت زوجة أخي على كتفيها:
ــ لا تخشي شيئاً يا أم عبد الله سيمر كل شيء بسلام ، وسيطلب شقيقها من
والدها ذلك دون أن تتدخلي.
ــ حسناً جزاك الله خيراً عني وعنها.
ودمعت عيناها ، كأن الدمع في المقلة لا يفارقها ، دائماً بانتظار شارة
البدء لينهمر ساخناً غزيراً مصحوباً بالحسرة والقهر والتنهدات ،
مخترقاً الحظر الموجود على كل شيء في بيتنا ، ضارباً عرض الحائط
بالفرمانات الصادرة عن الأب الأعظم ، فكل شيء يحتاج إلى إذن ، الطعام ،
والنوم ، والتنفس وحتى الدمع ! ... أمد الفراش ذاته منذ أن وعيت ... في
السابعة رأيت أبي ينظر إليّ ثم إلى أمي:
ــ ابنتك كبرت ، فلتضع حجاباً ولتنفصل في غرفتها.
وقفت الكلمات على شفتي أمي مذعورة (( حجاب ؟ ممن ؟ ليس في البيت أحد !
)) ، ولم تعترض ، فكل ما يقوله أبي ينفذ دون مراجعة أو استفسار.
قالت زوجة أخي.
لمَ لا تدعينها تخرج ؟ لتذهب عند بناتي ، بيننا وبينكم بضع درجات ولن
يراها أحد تتسلى معهن ، تغيّر جوّها ربما تتحسن نفسيتها.
دقت أمي على صدرها وهي تقول:
ــ دون استشارة والدها ؟..
ــ حسناً خذي لها إذناً في المساء ولتذهب غداً ، المهم ألا تبقى هكذا.
بيت أخي كبيتنا تماماً نفس الغرف ونفس المطبخ ، لكنه مليء بالأثاث
والأشياء الزائدة ، وبنات أخي من أترابي لكنهن مشغولات عنّي ، الكبيرة
بقراءتها ، لكنها تختلس النظر إليّ من وراء الكتاب وكأني ظاهرة غريبة ،
والوسطى من عمري ، لكنها لا تفارق التلفاز ، تتنقل بين المحطات بملل
ولا تتركني أفهم شيئاً مما يقال ، والصغرى ، تتسلى بسماع الأغاني
وتسجيلها ، وأنا أجلس بينهن معظم الوقت كمّاً زائداً عن الحاجة ، لا
أجد ما أفعله ، رغم أن البيت مليء بالأشياء المسلية ، إلا أني بحاجة
لمن يحدثني ، يفهمني ، أقول له ما بي .. يشاركني آلامي ، ودائماً أعود
إلى البيت خائبة . الوسادة ذاتها ، والفراش ذاته .. يضمان جسدي النحيل
، تصافح عيناي الخزانة الحديدية ، و(الموكيت) ، ومكيف الهواء الذي يشتت
هدوئي ويزعزع راحتي . هذا هو عالمي ! .. عدد من الملاعق والسكاكين
والأواني ، غرفتي والخنساء شقيقتي ، وغرفة عبد الله أخي الذي خصه والدي
بالتعليم وبعض الكتب الدينية و(كمبيوتر) ليتعلم القرآن ، ومن شق الباب
كنت أراه ، وأسمع الأغاني في غياب أبي . وغرفة كبيرة للجلوس والضيوف
الذين لم نر أياً منهم حتى الآن ، والمطبخ الذي تقضي فيه أمي نهارها
كاملاً .. ولا أستطيع مشاركتها ذلك.
لم أكن أعلم أن هناك عالماً آخر غير هذا ، إلى أن قرر والدي أخذنا في
الصيف الماضي إلى سوريا ، لنتعرف على أهلنا ــ أهل أبي وأمي ــ وليرى
والدي أطيانه التي فارقها من سنين طويلة ، و كانت المفاجأة التي غيرت
مجرى حياتي.
لم ننم ليلتها ، كانت المرة الأولى التي سأرى فيها دنيا غير الدنيا
التي أعيشها ، ورحت أرسم في مخيلتي صوراً مختلفة لها ، أتصور شكل
الأشجار ، وشكل الأنهار والبيوت ، ووجوه الناس ، كنت أعرف أن هناك ما
هو مختلف كما رأيت في تلفاز بيت أخي ذات مرة ، ثمة أناس بملامح مختلفة
، وألوان مختلفة ، يلبسون أزياء مختلفة ، ويتحدثون بلهجة غريبة عنّا ،
قالت لي ابنة أخي أن هناك لغات كثيرة ، لكل جنس من البشر لغته ، وأرتني
الحروف التي يكتبون بها ، واستغربت شكلها وقتئذ ، حاولت أن تعلمني
القراءة بالعربية ، وصرت أكتب بعض الكلمات ، ووجدت الأمر سهلاً ، بعد
أن حفظت القرآن.
أرعبني صوت الطائرة ، وأخافني جمع الناس في قاعة المطار ، ورحت أرقب
أشكالهم وألوانهم مذهولة ، وأرقب تلك اللوحة التي لم أدرك حتى اللحظة
كيف تتعرف على الطائرات القادمة أو المغادرة . كان مطار جدة مزدحماً
بالمسافرين إلى درجة أني تساءلت ، هل الدنيا كبيرة إلى هذا الحد ..؟
ــ أهلاً بابنة العم ، نوّرت
تمددت شرايين القلب ، واندفع الدم مخضباً وجهي ، ولم أستطع الرد .
اعتذر حين رأى ارتباكي ، وانسحب بهدوء ، قضيت الليلة أتقلب في الفراش ،
ماذا حدث ؟ . لم أكن أعلم ما الذي حدث ، لكني خفت من تكرار الزيارة ،
والتزمت النافذة المغلقة ، أرقب من وراء زجاجها نوافذ بيت العم علّي
أراه ثانية.
مرّت الأيام كئيبة ، بطيئة ، تضغط على روحي بطولها وحرها الثقيل ، ولم
أعد أتحمل الصبر ، تحايلت على أمي ثانية ورجوتها أن تستأذن أبي لنزور
بيت عمنا ، وافق أبي على مضض ، لم يكن يريد ذلك ، لكن الواجب أن ترد
أمي الزيارة ، وأعطانا محاضرة جماعية قبل خروجنا . جلسنا في غرفة
الضيوف ، لأن فكرة الشرفة مرفوضة عند أمي ، وكنت بحالة يرثى لها ، لا
أعرف كيف سأراه ، انتبهت ابنة عمي لحالي ، فأخذتني لتريني غرف البيت ،
ولحظة ولوج غرفته ، شعرت بقلبي يسقط بين قدمي ، رأيت صوره ، كتبه ،
أشياءه ، جلست على حافة السرير ، إنه عالم مختلف ، أبي يملك الملايين ،
لكنه لم يفكر أبداً أن يشتري لنا سريراً أو أي أثاث للبيت ، صاحت أمي:
ــ هيّا يا ابنتي ... ألم تشبعي من الفرجة ؟
وعدنا إلى السجن ، قضبان النوافذ تنغرس في صدري كل مساء ، أريد أن أصل
إليك لكن دون جدوى . بعد أسبوع زارتنا عمتي ، أحسست بالانشراح لزيارتها
، اختلت بأبي قليلاً ، ثم كمد البيت واكفهرت الوجوه ، وأغلقت النوافذ ،
أسدلت الستائر ، حصار شديد بلغ ذروته مع إقفال والدي باب البيت
بالمفتاح بعد خروجه ، تناهبتني التكهنات ، وأغرقتني دموع أمي ورفضها
الإفصاح ، إلى أن جاءتني الخنساء بالخبر:
ــ كنت أتنصت على أبيك وهو يقول لعمتك (( ابن عمها .. نعم ولكنه شاب لا
دين له ، مستهتر ، ولم ينه دراسته بعد ، وأخبريهم بألا يحلموا بها)).
نزلت الصاعقة في أرق موضع بالقلب ، فاخترقته مخلفة وراءها الحرائق
والآلام.
كنت أشعر بأن ثمة شيئاً يدبر في الخفاء ، أقدام تذهب وتجيء ، أبواب
تغلق على اجتماعات سرية ، ومؤامرات تدبر في الخفاء ، لم يمض أسبوع إلا
والعريس الجديد ينتظر في الغرفة المجاورة تتمة عقد القران ، لم أعرف
عنه سوى أنه إمام جامع ، صرخت (( لا ... لست موافقة )) ورحت في غيبوبة
، في اليوم التالي كانت حقائب السفر جاهزة ، ساعات قليلة واستقبلتنا
دمشق ... ساعات قليلة واحتوانا سجننا الأبدي في المدينة المنورة.
يرفع شقيقي السماعة الطبية عن أذنيه ، يضع الغطاء فوق جسدي المنهك ،
يهمس في أذن أبي:
ــ إنه السلّ .. وضعها خطر ويجب نقلها إلى المشفى.
امتقع لون وجهه وهو ينظر إلى أخي باستغراب:
ــ سلّ ..؟ من أين ..؟ إنها لا تغادر البيت ، ولا ترى أحداً !! من أين
..؟
يردد أبي بذهول ( من أين ؟ ) وأخي يحاول سحبه إلى الغرفة الثانية .
فراغ ، أشعر بدماغي صفحة بيضاء كجدران الغرفة الصغيرة ، مصبوغ بلون
قانٍ كتلك القطرات التي تحملها الإبرة المعلقة في ذراعي ، الجدران تنبت
حشائش تتفتح وسطها زهرات بابونج ، تكبر أوراقها البيض ، تضحك فيهما
عينان خضراوان صافيتان ، تمر الممرضة ، تلقي نظرات متفحصة على أوراقي ،
تقيس بأصابعها شيئاً تلامس يدي ، تفتح عيني ناظرة في العمق ، تهز رأسها
بأسف وتمضي ، ترتخي أطرافي ، تكبر زهرة البابونج تقترب مني تهمس بودّ:
ــ أحبك ..... وتذبل ، يقترب شبح مرعب محاولاً خنقي بسعال قاتل ، يتشبث
برئتي ، أبصق دماً ، فيهمس الموت المريح:
ــ أهلاً بابنة العم ، نوّرت
معرض الكتاب الجامعي
بمناسبة مرور 50 عام على تاسيس المكتبة المركزية/ جامعة بغداد يقام
معرض الكتاب الجامعي برعاية دار دجلة للنشر والتوزيع وبمشاركة اكثر من
60 دار نشر عربية واجنبية وعلى قاعة المكتبة المركزية في الجادرية
للفترة من 22/ 10- لغاية 29/ 10/ 2009.
تســـاؤل
فليحة حسن
ولماذا لا اكتب عني ؟؛
وأنا
منذ وجودي محبوس في قمقم رأسي
أفكر
أن أصلح هذي الهوة
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى
للمنفى
والحرب الأولى
للأخرى
وأعود أيمم وجهي
شطر المرآة مرآتي
هل يوجد في هذي الأرض
أكثر حزنا مني ؟
فتهز الرأس بان (لا)
و لماذا لا اكتب عني ؟؛
وأنا
افقد كل صباح
قلب
في الأمس الأول
مرّ الصاروخ
وضيع وهج طفولتنا
لا يوجد مسام في روحي
ابعد منك
والأمس
تلوت حروف صلاتي
فوجدت الاسم الأبهى
مذبوحاً
وكنت أراه (اليسعى)
ما بين صداقتنا ولا (يستدرك)
(احمد آدم) :- اعلم انك تكره أن توجد نقطة ليل في عينيك ؛ ولماذا لا
اكتب عني؟؛
وأنا اسحب رأسي
من بين صراخي قسراً
كي أركض في مدن الأخر
لاادري أيّ دروب تفضي إليّ
ولماذا لااكتب عني ؟؛
وأنا يمكن تلخيصي:
في السادسة
اهيء نفسي للهم القسري
وحين تتم الواحدة الظهر
لااكف إذا -جاز القول -عن الدوران
ولماذا لااكتب عني ؟؛
وأنا حين أفكر أن ابتسم
عليّ
أن اجتاز الطرق المفضية إليهم دون سؤال |