|
فدك في التاريخ
الحلقة الحادية عشر
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
ونحن نعلم أيضا أن عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الذي أعلنه في تلك الساعة
الحرجة قبل ذلك بأيام أو بساعات حينما اشتد برسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم المرض وأراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس بعده ، فعارضه عمر
وقال : إن كتاب الله يكفينا وأن النبي يهجر ، أو قد غلب عليه الوجع
كما في صحاح السنة .
فكان يؤمن بأن رسول الله يموت وأن مرضه قد يؤدي إلى موته وإلا لما
اعترض عليه وقد جاء في تاريخ ابن كثير أن عمر بن زائدة قرأ الاية التي
قرأها أبو بكر على عمر قبل أن يتلوها أبو بكر فلم يقتنع عمر وإنما قبل
كلام أبي بكر خاصة واقتنع به فما يكون تفسير هذا كله إذا لم يكن تفسيره
إن عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا إليها وتتجه
الأفكار نحوها تفنيدا أو تأييدا ما دام أبو بكر غائبا ، لئلا يتم في
أمر الخلافة شئ ويحدث أمر لا بد أن يحضره أبو بكر
- على حد تعبيره - وبعد أن أقبل أبو بكر اطمأن باله ، وأمن من تمام
البيعة للبيت ا لهاشمي ما دام للمعارضة صوت في الميدان ، وانصرف إلى
تلقط الأخبار حادسا بما سيقع ، فظفر بخبر ما كان يتوقعه .
(الثالث ) شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة ، فقد تولى أبو بكر
الخلافة ، وأبو عبيدة المال ، وعمر القضاء
وفي مصطلحنا اليوم أن الأول تولى السياسة العليا ، والثاني تولى
السياسة الاقتصادية ، والثالث تولى السلطات القضائية ، وهي الوظائف
الرئيسية في مناهج الحكم الأسلامي .
وتقسيم المراكز الحيوية في الحكومة الأسلامية يومئذ بهذا الاسلوب على
الثلاثة الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي
بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلا .
(الرابع ) قول عمر حين حضرته الوفاة : ( لو كان أبو عبيدة حيا لوليته )
. وليست كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمني ، لأنه كان
يعتقد أهلية علي للخلافة ومع ذلك لم يشأ أن يتحمل أمر الامة حيا وميتا
وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها
- بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لم يخصه بالأطراء ، بل كان في رجالات المسلمين يو مئذ من ظفر بأكثر من
ذلك من ألوان الثناء النبوي
كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة .
(الخامس ) اتهام الزهراء للحاكمين بالحزبية السياسية ، كما سنرى في
الفصل الاتي
(السادس ) قول أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - للفاروق رضى عنه الله
: احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا
ومن الواضح أنه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة
واتفاق سابق على خطة معينة ، وإلا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتسع لتلك
المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطرا من الحلب .
(السابع ) ما جاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر (
رضوان الله عليه ) في اتهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي
والتنظيم السري لخطوط الحملة على الأمام ، إذ قال له فيما قال : فقد
كنا وأبوك نعرف فضل ابن
أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا ، فلما اختار الله لنبيه ( عليه
الصلاة والسلام ) ما عنده وأتم وعده وأظهر دعوته فابلج حجته وقبضه إليه
( صلوات الله عليه ) كان أبوك والفاروق أول من ابتزه حقه وخالفه على
أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما
وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم
ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر رضى عنه الله للبيعة من الأمام
ب ( ثم ) على كلمتي اتفقا واتسقا وهو قد يشعر بأن الحركة انت منظمة
بتنظيم سابق ، وأن الاتفاق على الظفر بالخلافة كا ن سابقا على
الأيجابيات السياسية التي قاما بها في ذلك اليوم .
ولا اريد أن أتوسع في دراسة هذه الناحية التاريخية أكثر من هذا ، ولكن
هل لي أن ألا حظ في ضوء ذلك التقدير التاريخي ، أن الخليفة لم يكن
زاهدا في الحكم كما صوره كثير من الباحثين ، بل قد نجد في نفس المداورة
التي قام بها الخليفة في السقيفة دليلا على تطلعه للأمر ، فإنه بعد أن
أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ذلك
بأن ردد الأمر بين صاحبيه ( 1 ) اللذين لن يتقدما عليه ، وكانت النتيجة
الطبيعية لهذا الترديد أن يتعين وحده للأمر .
فهذا الأسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة التي فدمها
للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدي إلا إليه ،
كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار ، ويقر ها في شخصه في
آن واحد ، ولذا لم يبد تردداأو ما يشبه التردد لما عرض الأمر عليه
صاحباه . وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنه كان مداورا سياسيا بارعا في يوم
السقيفة في حديث طويل له يصفه فيه بأنه أحسد قريش ونجد فيما يروى عن
الخليفتين في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هوى
سياسي في نفسيتهما ، وأنهما كانا يفكران في شئ على أقل تقدير .
فقد ورد في طرق العامة أن ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (
إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فقال أبو
بكر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ، قال عمر : أنا هو يا رسول الله
، قال : لا ولكن خاصف النعل - يعني عليا )
والمقاتلة على التأويل إنما تكون بد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، والمقاتل لا بد أن يكون أمير الناس ، فتلهف كل من أبي بكر وعمر
على أن يكون المقاتل على التأويل مع أن القتال على التنزيل كان متيسرا
لهما في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركا فيه بنصيب
قد يدل على ذلك الجانب الذي نحاول أن نستكشفه في شخصيتهما .
بل اريد أن أذهب إلى أكثر من هذا فالاحظ أن اناسا متعددين كانوا يعملون
في صالح أبي بكر وعمر وفي مقدمتهم عائشة وحفصة اللتان.
أسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
حبيبه في لحظاته الأخيرة التي كانت تجمع دلائل الظروف على أنها الظرف
الطبيعي للوصية ولا بد أنهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول إن
بعض نساء النبي أرسلن رسولا إلى اسامة لتأخيره عن السفر فإذا علمنا هذا
، وعلمنا أن هذا لم يكن بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لما
أمره بالأسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك ، وأن سفره مع من معه كان
يعيق عن تحقق النتائج التي انتجها يوم السقيفة ، خرجت لدينا قضية مرتبة
الحلقات على اسلوب طبيعي يعزز ما ذهبنا إليه من رأي .
ومذهب الشيعة في تفسير ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
تجنيد جيش اسامة معروف ، وهو أنه أحس بأن اتفاقا ما بين جملة من أصحابه
على أمر معين ، وقد يجعل هذا الاتفاق منهم جبهة معارضة لعلي .
ونحن إن شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد
جعل أبا بكر وعليا في كفتي الميزان مرارا أمام المسلمين جميعا ليروا
بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل . وإ لا فهل ترى إعفاء أبي
بكر من قراءة التوبة
على الكافرين بعد أن كلف بذلك أمرا طبيعيا ؟ ولماذا انتظر الوحي وصول
الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ويأمره باسترجاعه وإرسال علي للقيام بالمهمة ؟ أفكان عبثا أو غفلة أو
أمرا ثالثا ؟
وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحس بأن المنافس المتحفز
لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر ، فشاء وشاء له ربه تعالى أن يرسل
أبا بكر ثم يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعا بإرساله ليرسل عليا الذي
هو كنفسه ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس
الذي لم يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة ، فكيف بالخلافة
والسلطنة المطلقة ؟
إذن فنخرج من هذا العرض الذي فرض علينا الموضوع أن نختصره بنتيجتين:
(الأولى ) أن الخليفة كان يفكر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف
ولهفة.
(الثانية ) أن الصديق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكلون حزبا سياسيا
مهما لا نستطيع أن نضع له صورة واضحة الخطوط ، ولكنا نستطيع أن نؤكد
وجوده بدلائل متعددة ، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من
مقامهم ، ولا بأس عليهم أن يفكروا في امور الخلافة ويتفقوا فيها على
سياسة موحدة إذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص في
الموضوع ، ولا يبرؤهم
إذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسي وارتجال فكرة الخلافة في
ساعة السقيفة من المسؤولية أمام الله وفي حكم الضمير.
عصمة الأنبياء بين القرآن والفلسفة
الطباطبائي
ان العصمة على ثلاثة أقسام: العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي، والعصمة عن
الخطأ في التبليغ والرسالة، والعصمة عن المعصية وهي ما فيه هتك حرمة
العبودية ومخالفة مولوية، ويرجع بالآخرة إلى قول أو فعل ينافي العبودية
منافاة ما، ونعني بالعصمة وجود أمر في الانسان المعصوم يصونه عن الوقوع
فيما لا يجوز من الخطأ أو المعصية. وأما الخطأ في غير باب المعصية
وتلقي الوحي والتبليغ، وبعبارة أخرى في غير باب أخذ الوحي وتبليغه
والعمل به كالخطأ في الأمور الخارجية نظير الأغلاط الواقعة للانسان في
الحواس وادراكاتها أو الاعتباريات من العلوم، ونظير الخطأ في تشخيص
الأمور التكوينية من حيث الصلاح والفساد والنفع والضرر ونحوها فالكلام
فيها خارج عن هذا المبحث.
وكيف كان، فالقرآن يدل على عصمتهم (ع) في جميع الجهات الثلاث:
أما العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة: فيدل عليه قوله
تعالى في الآية: (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب
بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه
من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما
اختلفوا فيه من الحق بإذنه) فإنه ظاهر في أن الله سبحانه إنما بعثهم
بالتبشير والإنذار وإنزال الكتاب (وهذا هو الوحي) ليبينوا للناس الحق
في الاعتقاد والحق في العمل، وبعبارة أخرى لهداية الناس إلى حق
الاعتقاد وحق العمل، وهذا هو غرضه سبحانه في بعثهم، وقد قال تعالى: (لا
يضل ربي ولا ينسى) طه/ 52، فبيّن أنه لا يضل في فعله ولا يخطئ في شأنه،
فإذا أراد شيئاً فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ، وإذا
سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه، وكيف لا وبيده الخلق والأمر وله
الملك والحكم، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم معارف الدين
ولابد أن يكون، وبالرسالة لتبليغها للناس ولابد أن يكون! وقال تعالى
أيضاً: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً) الطلاق/ 3، وقال
أيضاً: (والله غالب على أمره) يوسف/ 21.
ويدل على العصمة عن الخطأ أيضاً قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على
غيبه أحداً إلا مَن ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه
رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء
عدداً) الجن/ 28، فظاهره أنه سبحانه يختص رسله بالوحي فيظهرهم ويؤيدهم
على الغيب بمراقبة ما بين أيديهم وما خلفهم، والإحاطة بما لديهم لحفظ
الوحي عن الزوال والتغير بتغيير الشياطين وكل مغير غيرهم، ليتحقق
إبلاغهم رسالات ربهم، ونظيره قوله تعالى حكاية عن قول ملائكة الوحي:
(وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما
كان ربك نسياً) مريم/ 64، دلت الآيات على أن الوحي من حين شروعه في
النزول إلى بلوغه النبي إلى تبليغه للناس محفوظ مصون عن تغيير أي مغير
يغيره.
وهذان الوجهان من الاستدلال وإن كانا ناهضين على عصمة الأنبياء (ع) في
تلقي الوحي وتبليغ الرسالة فقط دون العصمة عن المعصية في العمل على ما
قررنا، لكن يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضاً بأن الفعل
دال كالقول عند العقلاء، فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسناً
جائزاً كما لو قال: إن الفعل الفلاني حسن جائز فلو تحققت معصية من
النبي وهو يأمر بخلافها لكان ذلك تناقضاً منه، فإن فعله يناقض حينئذ
قوله فيكون حينئذ مبلغاً لكلا المتناقضين وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ
للحق، فإن المخبر بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلاً
للآخر، فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا تتم لا مع عصمته عن المعصية
وصونه عن المخالفة كما لا يخفى.
ويدل على عصمتهم مطلقاً قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده) الأنعام/ 90، فجميعهم (ع) كتب عليهم الهداية، وقد قال تعالى:
(ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل) الزمر/ 37.
وقال تعالى: (من يهد الله فهو المهتد) الكهف/ 17، فنفى عن المهتدين
بهدايته كل مضل يؤثر فيهم بضلال، فلا يوجد فيهم ضلال، وكل معصية ضلال
كما يشير إليه قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا
الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم
جِبلاً كثيراً) يس/ 62، فعد كل معصية ضلالاً حاصلاً بإضلال الشيطان
بعدما عدها عبادة للشيطان، فإثبات هدايته تعالى في حق الأنبياء (ع)، ثم
نفى الضلال عمن اهتدى بهداه، ثم عد كل معصية ضلالاً تبرئة منه تعالى
لساحة أنبيائه عن صدور المعصية منهم وكذا عن وقوع الخطأ في فهمهم الوحي
وإبلاغهم إياه.
ويدل عليها أيضاً قوله تعالى: (ومَن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين
أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك
رفيقاً) النساء/ 68، وقال أيضاً: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) الحمد/ 7، فوصف هؤلاء
الذين أنعم عليهم من النبيين بأنهم ليسوا بضالين، ولو صدر عنهم معصية
لكانوا بذلك ضالين، وكذا لو صدر عنهم خطأ في الفهم أو التبليغ، ويؤيد
هذا المعنى قوله تعالى فيما يصف به الأنبياء: (أولئك الذين أنعم الله
عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وممن
هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً فخلف من
بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وسوف يلقون غياً) مريم/ 59،
فجمع في الأنبياء أولاً الخصلتين: أعني الإنعام والهداية حيث أتى بمن
البيانية في قوله وممن هدينا واجتبينا بعد قوله: أنعم الله عليهم،
ووصفهم بما فيه غاية التذلل في العبودية، ثم وصف الخلف بما وصف من
أوصاف الذم، والفريق الثاني غير الأول لأن الفريق الأول رجال ممدوحون
مشكورون دون الثاني، وإذ وصف الفريق الثاني وعرفهم بأنهم اتبعوا
الشهوات وسوف يلقون غياً فالفريق الأول وهم الأنبياء ما كانوا يتبعون
الشهوات ولا يلحقهم غي، ومن البديهي أن مَن كان هذا شأنه لم يجز صدور
المعصية عنه حتى أنهم لو كانوا قبل نبوتهم ممن يتبع الشهوات لكانوا
بذلك ممن يلحقهم الغي لمكان الاطلاق في قوله: (أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات وسوف يلقون غياً).
وهذا الوجه قريب من قول مَن استدل على عصمة الأنبياء من طريق العقل بأن
إرسال الرسل وإجراء المعجزات على أيديهم تصديق لقولهم. فلا يصدر عنهم
كذب وكذا تصديق لأهليتهم للتبليغ، والعقل لا يعد انساناً يصدر منه
المعاصي والأفعال المنافية لمرام ومقصد كيف كان أهلاً للدعوة إلى ذلك
المرام، فإجراء المعجزات على أيديهم يتضمن تصديق عدم خطأهم في تلقي
الوحي وفي تبليغ الرسالة وفي امتثالهم للتكاليف المتوجهة إليهم
بالطاعة.
ولا يرد عليه: ان الناس وهم عقلاء يتسببون في أنواع تبليغاتهم وأقسام
أغراضهم الاجتماعية بالتبليغ ممن لا يخلو عن بعض القصور والتقصير في
التبليغ، فإن ذلك منهم لأحد أمرين لا يجوز فيما نحن فيه، إما لمكان
المسامحة منهم في اليسير من القصور والتقصير وإما لأن مقصودهم هو
البلوغ إلى ما تيسر من الأمر المطلوب، والقبض على اليسير والغض عن
الكثير وشيء من الأمرين لا يليق بساحته تعالى.
ولا يرد عليه أيضاً: ظاهر قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
التوبة/ 123، فإن الآية وإن كانت في حق العامة من المسلمين ممن ليس
بمعصوم لكنه أذن لهم في تبليغ ما تعلموا من الدين وتفقهوا فيه، لا
تصديق لهم فيما أنذروا به وجعل حجية لقولهم على الناس والمحذور إنما هو
في الثاني دون الأول.
ومما يدل على عصمتهم (ع) قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع
بإذن الله) النساء/ 64، حيث جعل كون الرسول مطاعاً غاية للإرسال، وقصر
الغاية فيه، وذلك يستدعي بالملازمة البينة تعلق إرادته تعالى بكل ما
يطاع فيه الرسول وهو قوله أو فعله لأن كلاً منهما وسيلة معمولة متداولة
في التبليغ، فلو تحقق من الرسول خطأ في فهم الوحي أو في التبليغ كان
ذلك إرادة منه تعالى للباطل والله سبحانه لا يريد إلا الحق.
وكذا لو صدر عن الرسول معصية قولاً أو فعلاً والمعصية مبغوضة منهي عنها
لكان بعينه متعلق إرادته تعالى فيكون بعينه طاعة محبوبة فيكون تعالى
مريداً غير مريد، آمراً وناهياً، محباً ومبغضاً بالنسبة إلى فعل واحد
بعينه تعالى عن تناقض الصفات والأفعال علواً كبيراً وهو باطل وإن قلنا
بجواز تكليف ما لا يطاق على ما قال به بعضهم، فإن تكليف ما لا يطاق
تكليف بالمحال وما نحن فيه تكليف نفسه محال، لأنه تكليف ولا تكليف،
وإرادة ولا إرادة، وحب ولا حب، ومدح وذم بالنسبة إلى فعل واحد!
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء/ 164، فإن الآية ظاهرة في أن
الله سبحانه يريد قطع عذر الناس في ما فيه المخالفة والمعصية وأن لا
قاطع للعذر إلى الرسل (ع)، ومن المعلوم أن قطع الرسل عذر الناس ورفعهم
لحجتهم إنما يصح إذا لم يتحقق في ناحيتهم ما لا يوافق إرادة الله
ورضاه: من قول أو فعل، وخطأ أو معصية، وإلا كان للناس أن يتمسكوا به
ويحتجوا على ربهم سبحانه وهو نقض لغرضه تعالى.
فإن قلت: الذي يدل عليه ما مر من الآيات الكريمة هو أن الأنبياء (ع) لا
يقع منهم خطأ ولا يصدر عنهم معصية وليس ذلك من العصمة في شيء، فإن
العصمة على ما ذكره القوم قوة تمنع الانسان عن الوقوع في الخطأ، وتردعه
عن فعل المعصية واقتراف الخطيئة، وليست القوة مجرد صدور الفعل أو عدم
صدوره وإنما هي مبدأ نفساني تصدر عنه الفعل كما تصدر الأفعال عن
الملكات النفسانية.
قلت: نعم لكن الذي يحتاج إليه في الأبحاث السابقة هو عدم تحقق الخطأ
والمعصية من النبي (ص) ولا يضر في ذلك عدم ثبوت قوة تصدر عنها الفعل
صواباً أو طاعة وهو ظاهر.
ومع ذلك يمكن الاستدلال على كون العصمة مستندة إلى قوة رادعة بما مر في
البحث عن الإعجاز من دلالة قوله تعالى: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله
لكل شيء قدراً) الطلاق/ 3، وكذا قوله تعالى: (إن ربي على صراط مستقيم)
هود/ 56، على أن كلاً من الحوادث يحتاج إلى مبدأ يصدر عنه وسبب يتحقق
به، فهذه الأفعال الصادرة عن النبي (ص) على وتيرة واحدة صواباً وطاعة
تنتهي إلى سبب مع النبي (ص) وفي نفسه وهي القوة الرادعة، وتوضيحه: أن
أفعال النبي المفروض صدورها طاعة أفعال اختيارية من نوع الأفعال
الاختيارية الصادرة عنا التي بعضها طاعة وبعضها معصية، ولا شك أن الفعل
الاختياري إنما هو اختياري بصدوره عن العلم والمشيئة، وإنما يختلف
الفعل طاعة ومعصية باختلاف الصورة العلمية التي يصدر عنها، فإن كان
المقصود هو الجري على العبودية بامتثال الأمر مثلاً تحققت الطاعة، وإن
كان المطلوب ـ أعني الصورة العلمية التي يضاف إليها المشيئة ـ اتباع
الهوى واقتراف ما يصدر عنه الفعل، ولو دام أحد العلمين أعني الحكم
بوجوب الجري على العبودية وامتثال الأمر الإلهي لما صدر إلا الطاعة،
ولو دام العلم الآخر الصادر عنه المعصية (والعياذ بالله) لم يتحقق إلا
المعصية، وعلى هذا فصدور الأفعال عن النبي (ص) بوصف الطاعة دائماً ليس
إلا لأن العلم الذي يصدر عنه فعل بالمشيئة صورة علمية صالحة غير
متغيرة، وهو الإذعان بوجوب العبودية دائماً، ومن المعلوم أن الصورة
العلمية والهيئة النفسانية الراسخة غير الزائلة هي الملكة النفسانية
كملكة العفة والشجاعة والعدالة ونحوها، ففي النبي ملكة نفسانية يصدر
عنها أفعاله على الطاعة والانقياد وهي القوة الرادعة عن المعصية.
ومن جهة أخرى النبي لا يخطئ في تلقي الوحي ولا في تبليغ الرسالة ففيه
هيئة نفسانية لا تخطئ في تلقي المعارف وتبليغها ولا تعصي في العمل ولو
فرضنا أن هذه الأفعال وهي على وتيرة واحدة ليس فيها إلا الصواب والطاعة
تحققت منه من غير توسط سبب من الأسباب يكون معه، ولا انضمام من شيء إلى
نفس النبي كان معنى ذلك أن تصدر أفعاله الاختيارية على تلك الصفة
بإرادة من الله سبحانه من غير دخالة للنبي (ص) فه، ولازم ذلك إبطال علم
النبي (ص) وإرادته في تأثيرها في أفعاله وفي ذلك خروج الأفعال
الاختيارية عن كونها اختيارية، وهو ينافي افتراض كونه فرداً من أفراد
الانسان الفاعل بالعلم والإرادة، فالعصمة من الله سبحانه إنما هي
بإيجاد سبب في الانسان النبي يصدر عنه أفعاله الاختيارية صواباً وطاعة
وهو نوع من العلم الراسخ وهو الملكة كما مر.
دور الزوج في إسعاد الزوجة
محسن محمد
دور الزوج في إسعاد زوجته لا يقلّ أهمية عن دور الزوجة في إسعاد
زوجها، إذا صحّ أن نفصل بين الدورين _ذلك لن للرجل دوراً أساسياً في
إسعاد الأسرة كلّها، بمقتضى كونه القيّم على شؤونها والمدبّر لأمورها.
فلا غرو أن تقع عليه مسؤولية إيصالها إلى أهدافها التي رسمها الإسلام
الحنيف، حيث ترمي هذه الأهداف إلى استقامة المسيرة واستقرار العلاقة..
والتي يجمعها نيل الطمأنينة والسعادة في ظل قيادة الرجل الحكيمة، كما
يُفترض.
وفي هذا الإطار لابد أن يلحق الزوجة من هذه السعادة النصيب الأوفر
لأنها الركن الثاني والشريك المهمّ الذي إن انسجم مع شريكه كان دعامة
كبيرة له في النهوض بمسؤوليته.
والحقيقة أن نجاح الزوج في أداء حقوق زوجته وإسعادها دليل على سلامة
شخصيته وفاضل خُلُقه وانسجامه مع دوره وقدرته على استكمال هذا الدور مع
باقي أفراد أسرته ما دام النبي (ص) يقول: "خيركم خيركم لأهله"، حيث لا
فصل في مواقف المرء بين ظرف وآخر ما دامت الأفعال تصدر عن النفس
الكريمة المعدن، الحسنة الخلق.
الواقع المؤسف:
وخلافاً لتوجه الإسلام الحنيف.. وعبر مختلف الزمنة.. ولدى عامة
المجتمعات الإسلامية.. لم تلقَ الزوجة الحفاوة اللازمة والتكريم الواجب
والتقدير المهم، ليس فقط كزوجة.. بل كأمّ وأخت وبنت وعاملة، وإن كان
العدوان عليها كزوجة أشدّ وأكبر من العدوان عليها في بقية مواقع
الحياة، نظراً إلى أن المعتدي عيها إن كان اباً أو أخاً فسوف تأخذه
الشفقة عليها بسبب القرابة فيتوقف أو يخفّف من عدوانه، بينما هي في بيت
زوجها تعيش في كنف رجل غريب قد يشتد في ظلمها بمساعدة التقاليد
والأعراف الاجتماعية، من دون أمل بأن يتحسّن وضعها ويخف الظلم الواقع
عليها.
ويبدو أن الذي ساعد على نشوء هذه الظاهرة واستمرارها عوامل عدة:
منها: الكثير من النصوص والأحكام الشرعية التي أسيء فهمها.. أو
استخدامها، وهي التي تحثّ على طاعة الزوج، والتي تستنقص _حسب ظاهرها _
من قيمة المرأة وتجعلها في مرتبة دون مرتبة الرجل، والقوامة التي
اعطاها الشرع للزوج على زوجته.. ونحوها. علماً أن هذه النصوص ليست كما
فُهِمت إطلاقاً.. مُضافاً إلى أن الذين أساؤوا فهمها قد غضوا النظر عن
كل النصوص والأحكام التي تضع المرأة.. والزوجة تخصيصاً.. في الموضع
الكريم اللائق..
وللإضافة في هذا الموضوع مجال آخر قد نوفق إليه.. مع انه لابد أن
يجرّنا الكلام إلى شيء منه.
ومنها: جملة التقاليد والأعراف الشعبية المتأثرة بمفاهيم الجاهلية
والمجتمعات البدائية المتخلّفة، وهي التي لا تزال موجودة في المجتمعات
القبلية بكل حدّتها وقوّتها.. والتي ترى المرأة وجوداً هامشياً جداً لا
يُذكر إلا في سياق شهوات الرجل وحاجاته.
وأكثر ما توجد مخلّفات هذه المفاهيم في الأرياف ولدى الرجال ذوي
الثقافة المحدودة.
ومنها: نزعة التسلّط والاستقواء التي يبديها القوي تجاه الضعيف، وهي إن
لم تكن خاصة بالعلاقة الزوجية، غير أنها أكثر إيلاماً فيها منها في
غيرها، نظراً لاستفراد الزوج بزوجته وتصفيق المجتمع له.. وخذلانها.
وهذه النزعة حالة نفسية بهيمية لابدّ من تهذيبها في عموم علاقات الفرد
مع المجتمع، كونها المسؤولة عن معظم حالات العدوان والظلم، وبالأخص في
عالم العلاقة الزوجية، كي يستشعر المسلم المودة اللازمة لشعور الزوجة
بالكرامة والسعادة.
ومن المؤسف أنّ هذه النزعة موجودة حتى لدى المؤمنين، ربما لأن الذي
يحطمها ويقوّمها.. ليس الالتزام بالحكم الفقهي وحده.. بل الروحية
الودودة والنزعة الأخلاقية التي تساهم في بلورة الإيمان وجعله حيوياً
سامياً.
هذا هو الواقع المؤسف الذي تعيشه الزوجة المسلمة في معظم المجتمعات
الإسلامية، وهو الذي يزيدنا حماسة لإيلاء هذا الموضوع أهمية مميزة كي
نخرج الأسرة المؤمنة من دائرة الهيمنة الاعتباطية إلى مستوى القوامة
العادلة المسؤولة والأخلاقية.
أصول السعادة وأركانها:
إن الزوج المؤمن بمقدار ما يحرص على سعادة زوجته فإنه _في الحقيقة_
يتجنّب الكثير من المشكلات الزوجية التي تقع نتيجة عزوف الرجل عن
إسعادها أو عجزه عن تحقيق ذلك.
وفي هذا الإطار سوف نذكر ما بدا لنا أنه ضروري لتوفير السعادة للزوجة.
الأول: الحقوق الواجبة:
وهي جميع الحقوق الإلزامية التي ضمّنتها الشريعة للزوجة في إطار
العلاقة الزوجية وهي التالية:
أ_ أداء المهر وجميع الالتزامات المالية المنصوص عليها في عقد الزواج
حيث يُلاحظ عدم إيلاء هذا الأمر العناية المطلوبة، بتصوّر أن الوفاق ما
دام قائماً فإن المرأة سوف تغض النظر عن ذلك، فيهمل الزوج هذا الأمر..
أو يتصرف بأموال الزوجة دون أن يلتفت إلى ضرورة براءة ذمّته من عهدة
هذا المال الذي هو حق للزوجة لا يجوز المساس به إلاّ بإذنها وموافقتها.
وأسوأ ما يحصل في موضوع المال.. أن الزوج عندما يملّ عشرة زوجته ويريد
طلاقها يتفنّن في إيذائها لتترك له مهرها كي تتخلّص منه ويطلّقها، وهو
مضافاً إلى كونه في بعض جوانبه محرماً إذا سبّب تجاوزاً لحقوقها
الواجبة، فإنه في معظمه أمر غير أخلاقي، وقد ورد النهي عن ذلك صراحة في
قوله تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) وفي قوله تعالى:
(فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهنّ بمعروف)، ذلك لأن جو الخلاف والنفرة لا
يبيح العدوان وتجاوز الحقوق اللازمة.
إن مراعاة الحقوق المالية للزوجة جزء مهمّ في حسن العلاقة معها وإدامة
ثقتها بزوجها، وموجباً لاطمئنانها إلى مصيرها ومعيشتها في بحبوحة فيما
لو كان لابدّ من الفراق أخيراً.
ب_ الإنفاق عليها:
وهو يتضمن تأمين المستوى اللائق من المعيشة، من المسكن والملبس
والمطعم، مشروطاً بأن يكون مناسباً لوضعها الاجتماعي الذي يرفع المهانة
عنها ويوفّر لها الحياة الكريمة.
ويظهر من تعابير بعض الفقهاء أن نوعية الحياة المعيشية الواجبة على
الزوج لزوجته يتم تحديدها على حسب حال الزوجة ووضعها الشخصي لا على حسب
وضع الزوج ومستواه المادي، وبعبارة (تحرير الوسيلة):.. فأما الطعام
فكميته بمقدار ما يكفيها لشبعها، وفي جنسه يرجع إلى ما هو المتعارف
لأمثالها في بلدها والموالم لمزاجها وما تعودت به، بحيث تتضرر بتركه.
وأما الإدام (ما يضاف إلى الطعام لطبخه به.. مثل اللحم والخضار والزيت
ونحوه) فقدراً وجنساً كالطعام، يُراعى فيه ما هو المتعارف لأمثالها في
بلدها وما يوالم مزاجها وما هو معتاد لها، .. حتى لو كانت عادة أمثالها
أو الموالم لمزاجها دوام اللحم مثلاً وجب، بل الظاهر مراعاة ما تعارف
اعتياده لأمثالها من غير الطعام والإدام، كالشاي والتنباك والقهوة
ونحوها، وأولى بذلك المقدار اللازم من الفواكه الصيفية التي تناولها
كاللازم في الأهوية الحار..).
فالواضح من هذا النص أن نوعية الإنفاق لا يرجع تحديده إلى الرجل بل
يتحدد على طبق (مزاج) المرأة وحاجتها (التي تتضرر بتركها)، إلاّ أن
يكون الزوج قد اشترط عليها الصبر على تقلبات الدهر والرضى والقناعة بما
تيسّر، فإن الواجب _حينئذ _ على الزوجة الوفاء والصبر.
وما كانت الشريعة لتهتم بذلك لولا دخالته في سعادة المرأة واستقرارها
النفسي.. وانتظام حياتها بالنحو الذي كانت عليه عند أهلها أو قريباً
منه، سيما مع ملاحظة ما ورد في الحديث من استحباب التوسعة على العيال
في المسكن والمطعم ونحوها من سُبل المعاش، فعن الرضا (ع): (صاحب النعمة
يجب عليه التوسعة على عياله).
ج_ الحق الجنسي:
حيث إن من الواجب على الرجل مراعاة حق المرأة الجنسي بالنحو الذي يسدّ
حاجتها ويصون عفّتها مثلما هو مقدّر في الشريعة، وقد حدد في الشرع مرة
في الأربعة أشهر، صيانة لحق الرجل في السفر والتغيّب عن بيته لدواعٍ
كثيرة، وتفرض وضع الحد الأقصى الذي يمكن الرجوع إليه عند التنازع، ومن
هنا فإن هذا الحق سوف يسير بشكل طبيعي ما دام الرجل حاضراً غير مسافر،
وما دامت قدرته الجنسية سويّة غير متأثّرة بالعوارض الصحية أو النفسية.
والذي يؤكّد عناية الإسلام العظيمة بهذا الأمر الأحاديث التي وردت في
آداب النكاح والتي فيها الكثير مما يحثّ الزوج على العناية برغبة
المرأة الجنسية وعلى إيلائها الاهتمام المناسب، بالنحو الذي يظهر رغبة
الرجل بإسعاد زوجته من هذه الناحية، وإضفاء الحيوية المناسبة على
العلاقة العاطفية التي ينبغي أن تقوم بينهما.
ولعلّه من نافِلة القول التأكيد على أن معظم الخلافات الزوجية ناتجة عن
أنانية الرجل الجنسية واهتمامه بنفسه وإهمال الحالة العاطفية لزوجته،
حيث ينبغي للزوج أن يحرص:
1_ على التهيؤ لزوجته بالتزيّن ونحوه.
2_ على مراعاة رغبة زوجته والحرص على إشباعها.
3_ على توسعة ثقافته الجنسية، كي يكون دقيقاً في التعاطي مع هذه
المسألة الحيوية التي يتسبّب الجهل فيها بكثير من المخاطر والمآسي.
د_ مراعاة الأحكام الشرعية:
ونقصد بها وقوف الزوج في علاقته مع زوجته عند الحدود التي وضعها الشرع
لتنظيم علاقة المؤمنين ببعضهم رجالاً ونساءً، فيجب عليه ترك إيذائها
بالقول او الفعل، من قبيل الشتم والضرب والغيبة، ونحوها من المحرّمات
والواجبات، حيث أن للمرأة على زوجها جميع ما حكم به الشرع لها كإنسانة
مسلمة بغضّ النظر عن العلاقة الزوجية، علماً أن كونها زوجة يؤكّد ضرورة
التزام هذه الحقوق بنحو أوثق وأكبر، بسبب رباط المودّة والرحمة الذي
يجمع بينهما.
ومن المؤسف أن يكون الواقع على خلاف ذلك لما ذكر آنفاً من الأسباب التي
خلقت واقعاً يستهل تجاوز الحدود الشرعية مع الأهل عامة ومع الزوجة
والأولاد خاصة، وجدير بالمؤمن أن يراعي هذه الأمور بكل قوة، كما أن من
الجدير بغير المؤمن أن يتقي الله ويلتفت إلى ذنبه ويتوب إلى ربّه
تعالى. |