|
فضاءات ثقافية
قِيَمْ السرد بين كالفينو و إيكو
سعد محمد رحيم
وهو يلج بيت السرد باحثاً عن تعريف جامع لعمله يحتفي إيتالو كالفينو
بستة عناصر يراها قيماً تطبع جوهر السرد الروائي هي ( الخفة والسرعة
والدقة والوضوح والتعددية والاتساق ). وقد أعد خمس محاضرات عن القيم
الخمس الأولى لإلقائها في جامعة هارفارد الأميركية في إطار برنامج (
قراءات نورتون الست ) في العام1985 فعاجله الموت، في السنة ذاتها، قبل
إكمال المحاضرة السادسة وقبل سفره إلى أميركا. وقد نشرت المخطوطة
الناقصة التي أعدّها بعد وفاته في كتاب كان قد اقترح له عنواناً، يبدو
للوهلة الأولى، غريباً: ( ست وصايا للألفية الثالثة). ولكن لماذا ارتأى
أن تغدو هذه القيم السردية وصايا لألفية قادمة حال بينه وبينها الموت؟.
أتراه آمن بأن ما هو صالح للسرد هو، بالضرورة، صالح للحياة، ولمستقبل
البشر؟.
يكرّس كالفينو محاضرته الأولى للتعارض بين الخفة والثقل. وإذ لا ينكر
فضائل الثقل يعترف أنه حاول "إزاحة الثقل عن الناس أحياناً، وأحياناً
عن الكائنات السماوية، وأحياناً عن المدن، وفوق كل شيء.. عن بنية القصص
واللغة".. كان العالم من حوله هائجاً ودامياً. وكان يرغب بإيجاد انسجام
بين إيقاع عالمه الداخلي وما يجري في الخارج. واعياً للفجوة بين ثقل
العالم الخارجي الذي كان يشعر به وكأنه يتحول إلى حجر، وبين اللمسة
الخفيفة والسريعة التي أرادها لكتابته. وما كان يهمه ليس السرعة
المادية بل العلاقة بين السرعة المادية وسرعة الفكر. وماذا تعني سرعة
الفكر غير "الرشاقة والحركية والسهولة، وكلها خصائص تسير مع الكتابة،
حيث يكون من الطبيعي أن نستطرد، أن نقفز من موضوع إلى آخر، أن نفقد
الخيط مئات المرات، ونجده ثانية بعد أكثر من مائة انعطاف واستدارة".
وحين يعرّج على القيمة الثالثة ( الدقة ) يخبرنا أنها تعني ثلاثة أشياء
"خطة محددة ومحسوبة جيداً للعمل المعني.. استحضار صور بصرية واضحة
وحادة لا تنسى.. ولغة محددة قدر الإمكان في كل من جانبي اختيار الكلمات
والتعبير عن حدة الفكر والمخيلة.
وكالفينو يفهم سلطة المخيلة.. المخيلة التي لولاها لن يكون ثمة فن، أو
أدب، أو علم. والغاية هي الوصول إلى ( الجدة والأصالة والابتكار ) حيث
المخيلة البصرية تسبق التعبير اللفظي.. يقول؛ "أول شيء يرد إلى ذهني عن
الاستعداد لكتابة قصة، صورة تقتحمني لسبب ما بوصفها صورة مشحونة
بالمعنى، حتى وإن لم أتمكن من صياغة هذا المعنى بتعابير منطقية أو
مفاهيمية.
نتذكر أن رواية ( الصخب والعنف ) بدأت بصورة متخيلة في رأس مؤلفها وليم
فوكنر، كما ينوه في مقابلة صحافية، عن فتاة صغيرة سروالها ملوث بالطين
تحكي لأطفال على الأرض، وهي فوق شجرة، ما تراه عبر نافذة غرفة في منزل
أهلها إذ تجري الاستعدادات لتهيئة جنازة الجدة المتوفية تواً.
إن المخيلة التي تبغي الوضوح تواجه عالماً معقداً، متشابكاً، متعدداً.
فكيف يمكن أن نستعير شكلاً فنياً لفوضى العالم عبر موشور المخيلة
ومنظور الذات ( المبدعة ). ولاسيما إذا كان القصد اختزال هذا المعقّد،
المتعدد، المتشابك في عمل ذي قوام رشيق، مختزل، ومتسق؟. هذا ما يشغل
بال كل من تستهويه الكتابة السردية. وهذا ما سعى كالفينو الإجابة عليه
في ضوء تجربته في الحياة، وفي دنيا الكتابة.
بعد ثمان سنوات ( 1993 ) يستحضر أمبرتو إيكو في إطار المحاضرات ذاتها (
نورتون ) ذكرى إيتالو كالفينو. ويتخذ من بعض القيم التي تطرق إليها
كالفينو نقاط ارتكاز أو إلهام. غير أنه وهو ( الناقد والروائي ) كان
يبغي في جزء كبير من محاضراته الست تناول وضعية القارئ في النصوص
السردية. معترفاً أن كتابه ( القارئ في الحكاية ) ليس سوى تعليق نظري
على كتاب كالفينو ( لو أن مسافراً ذات ليلة من ليالي الشتاء).
يعنون إيكو محاضراته بـ ( 6 نزهات في غابة السرد ). والغاية هنا
استعارة ذكية تحيلنا إلى تعقيد وتعددية وتشابك عالم السرد، إذ يتجسد
كون من الاحتمالات، من أشكال الولوج ( عنوان محاضرته الأولى: ولوج
الغابة ). حيث تتهيأ أمام الوالج/ القارئ شبكة من فرص الاختيارات، حيث
وبتعبير إيكو "على القارئ أن يقوم باختيارات معقولة داخل الغابة
السردية". وكلمة ( معقولة ) في هذا السياق، بحسب إيكو، لا تتعلق ببساطة
بالحس السليم، بل تفصح عن شيء أبعد. وهنا يفرّق بين نوعين من القراء (
القارئ النموذجي والقارئ الفعلي ) يقول؛ "القارئ الفعلي هو أي كان، نحن
جميعاً. أنت وأنا ونحن نقرأ النص. فهذا القارئ قد يقرأ بطرق مختلفة،
فلا وجود لقانون يفرض عليه طريقة معينة في القراءة. وعادة ما يتخذ النص
وعاءً لأهوائه الخاصة. وهي أهواء مصدرها عالم آخر غير عالم النص، ولا
يقوم النص سوى بإثارتها بشكل عرضي.
تغدو عملية ولوج الغابة أشبه باللعبة. وعلى القارئ احترام قواعد هذه
اللعبة، والانتباه إلى إشارات المؤلف التي هي في الغالب ملتبسة.
والقارئ يعتمد على حدسه وخبرته وثقافته في اختياراته، وأكاد أقول في
تأويلاته. لكنه أبداً لن يستطيع إهمال إشارات الصانع/ المؤلف أو إشارات
السارد داخل غابة النص.
وفي مقابل القارئ النموذجي ثمة المؤلف النموذجي الذي يعلنه إيكو بعدّه
أسلوباً، واضحاً وبديهياً ومميزاً. وهو يتجلى كما لو أنه إستراتيجية
سردية، أو حزمة من التعليمات علينا الخضوع لها إذا ما تقمصنا دور
القارئ النموذجي. والقارئ النموذجي "يتصرف بطريقة تجعل النص يكشف عن
روابطه المتعددة الممكنة.. وهذه العلاقة ينتجها الذهن الذي يقوم ببلورة
المادة الأولية للنص.." وهو أيضاً، وما زلنا ماضين مع تخريجات إمبرتو
إيكو، "مجموعة من التعليمات النصية التي تبدو على سطح النص إثباتات أو
إشارات أخرى.
يخبرنا إيكو إذن عن قارئه التخييلي الماكث في النص الذي يولد من النص
مشكلاً العصب الإستراتيجي التأويلي. وعن مؤلفه النموذجي الذي لا يخلو
منه أي نص روائي، حتى الرديء منه، والذي يحفز تخيلنا وردود أفعالنا
الجسدية، كاشفاً عن نفسه من غير مراوغة القارئ "منذ الصفحات الأولى
محدداً له الانفعالات التي يجب أن يحس بها في الحالة التي قد يفشل فيها
الكتاب في إثارتها". وهذا القارئ التخييلي يتجسد من طريق التأويل، على
الرغم من أن وجوده وجود شبحي. وكل نص يتوقع مثل هذا القارئ العنيد
والخاضع والصبور والمصاب بأرق مثالي.
تتجلى العلاقة بين القارئ النموذجي والمؤلف النموذجي في أثناء القراءة،
أو في نهايتها. وقد لا نتعرف على المؤلف النموذجي إلاّ بعد قراءة النص
مرات عديدة، وربما إلى ما لا نهاية.
حين يلتفت إمبرتو إيكو إلى قيم السرعة والتهدئة في النص السردي يلجأ
إلى اصطلاحات نقدية ثلاثة هي مظاهر للزمن: زمن الحكاية.. زمن الخطاب..
زمن القراءة.. تتطابق الأزمنة الثلاثة في الموسيقى إلاّ أنه من الصعوبة
التمييز في السردية بين زمن الخطاب وزمن القراءة، حيث أن زمن الخطاب
"هو نتيجة لاستراتيجية نصية تتفاعل مع استجابة القارئ وتفرض عليه زمناً
للقراءة". ويمكن جعل زمن خطابي قصير زمناً طويلاً للحكاية، أو بالعكس..
إنها لعبة المؤلف النموذجي في علاقته بالقارئ النموذجي. ويعود إيكو إلى
كالفينو الذي يحتفي بالسرعة من غير أن ينكر المتعة الناتجة عن التهدئة.
متى يسرع المؤلف النموذجي أو يهدئ من زمن الخطاب ليتحكم بزمن الحكاية،
( وأيضاً باهتمام القارئ ) وكيف، أي على وفق أية إستراتيجيات؟
أحسب أن لا أجوبة نهائية على هذا السؤال، طالما أننا معنيون بأجناس
السرد الأدبي، ولاسيما الرواية التي هي جنس مفتوح وواسع الممكنات..
فكالفينو يقر بمزايا السرعة والمتعة الناجمة عنها، لكنه لا يلغي مزايا
التباطؤ، يقول؛ "إن قطعة تعقل خاطفة ليست أفضل بالضرورة من قطعة تأمل
طويلة. إنها تختلف عنها، إلاً أنها توصل شيئاً خاصاً ينبع بكل بساطة من
مجرد انخطافها ذاته". ويروي كالفينو حكاية صينية ذات مغزى نتلمس عبر
قراءتها خريطة العلاقة المتداخلة بين المبدع وعمله، وبين المتلقي وذلك
العمل، من زاوية السرعة والتهدئة.
كان من بين مهارات تشيانغ تزو المتعددة مهارته في الرسم، وطلب منه
الإمبراطور رسم سرطان بحري، فقال تشيانغ تزو إنه بحاجة إلى خمس سنوات
وبيت ريفي واثني عشر خادماً لإنجاز الرسم. وبعد خمس سنوات لم يكن قد
بدأ الرسم. وقال تشيانغ تزو؛ أنا بحاجة إلى خمس سنوات أخرى واستجاب
الإمبراطور. وعند نهاية هذه السنوات العشر تناول تشيانغ تزو ريشته، وفي
لحظة، وبضربة فرشاة واحدة، رسم سرطاناً بحرياً. السرطان الذي لم يسبق
لأحد أن شاهد ما هو أكثر كمالاً منه على الإطلاق.
قراءة في مفهوم الأسطورة
عزيز التميمي
في هذه المحاولة التي أبغي من ورائها تلمس إرهاصات مرمّزة بشكل يقترب
من الصوفية يكاد يطفو ويشكل ملامح ليست بالضيقة لتجربة قصصية تفتح
الأبواب والنوافذ معاً ، وتحرك مطارق الوقت والريح والهواجس وتشاكس
ثنائية الزمان والمكان ، وبالتالي تجتذب كل هواة اللعب بالطائرات
الورقية وحتى صيادي العصافير غير المهَرة وراكبي الخيول الخشبية في
شوارع المدن المنفية وراء غيوم البوسترات والشعارات التي تستهلك
العواطف وسنوات العمر ، أو تلك المنفية في حتمية الماضي ، تجتذب كل هذه
التجاوزات المقصودة وغير المقصودة في حقول اللغة التي تتمرد وتلبس ثوب
شيطانة عشقت مفردات وجدت على ضفاف الأنهار وفي أوراق البردي وقامات
القصب وفي أعماق الروح التي احتضنت في يوم ما عشقاً أبدياً سمي فيما
بعد أو ذهبت إليه الأسماء لتلوذ بجوار ترانيمه الساحرة في أغاني أوروك
ونشيد الإنشاد ومواويل مطربي الريف الذين شربوا اللحن مع دخان المواقد
وخيوط الشمس التي تستحضرها لحظة غبش فتية.
التداعي في قصص علي السعدي مغايراً لبنيته الفيزيائية والميثيولوجية ،
نهضت أسوار المدن والحارات الشعبية ودروب القرى الغارقة في خضرتها
كأنها كائنات خرافية إحتوتها مخيلة فنان عبثي جاهد كثيراً لإستشراف
فكرة اللامنتمي ضمن تداعيات الممكن ، أو ربما هكذا يريد الآخر في
تسميتها أو وصف اللحظة القدسية لإنبثاقها : حشد من الفرسان الآتين من
مجرة مغبرة يرفعون أعلاماً ملونةً بلون الحقول يعسكرون عند مشارف
القلاع المحصنة بالديدان ، وبدل أن يحضر الماضي في جلسات المواقد
والمسامرات الليلية ويعبئ فناجين القهوة بالآهة الممتدة بطول الحبل
السري لحكاية الحضارة وتسميات الوطن والحب والعشق ، نلمس خيط الرحيل ،
الآني يكسر ارجوحات الحذر والتماهي ويترك نعليه الغاطسين في رمال الظل
ليقصد مدينة الكهنة التي أعطت أسماءاً لشوارعها منذ أن عرف الذئب حقيقة
نفسه يوم أتهم زوراً بدم يوسف دون أن يدري ، الحاضر يترجل من عربته
المطعمة بالتكنلوجيا والتعاويذ الإلكترونية ليطرق أبواب أوروك وبيوتات
الطين وشوارع القرى المسيجة بعيون المجاميع النجمية التي اهتدى بإهابها
أسلافنا في الليالي الصحراوية اللاهبة ، بعدما أجبرتهم جيوش الدعاسيق
على مغادرة مدنهم التي نسجوا حيطانها من أضلاعهم وحبال عصبهم ، وصاروا
يفكرون كثيراً في تدوين حكايتهم بعيداً عن تأويلات المصادرة المتكررة
باسم الليل والنهار ، ثمة شيء استمال شيئاً آخر في وحدة التداعي
والإنسراب ، فكانت الرؤية تنبثق من أسفل القدم المجروحة بالوقوف ، لتلم
حبات الغبار في عين الشمس ، هكذا يتجلى عالم علي السعدي وراء الغيمة
الشفافة لحظة الغروب ، والقراءة في هذا الوقت تستفز الشعراء الذين
أدينوا بالكذب على بنت السلطان ، فالأساطير التي نسجت رممت لامنطقية
المرامي التي استباحت أحلام العانس السيدة لتسرق خيوط الحرير المستلقية
أسفل قدميها ، فالحاضر سافر إلى مدن وحكايات الماضي التي ما إن سمعت
بحضور سبب فجيعتها وعلى غير عادتها استلّت سيفاً من قرنفل وعمدته بعطر
رقبته ، ثم سجنته في قلاع عيونها لتلد النشوة بعد قرون ، ويستحيل
الموقد بحيرة للتأمل ، وتظهر خرائط القرى وشجيرات الصفصاف مرتدية
أزياءاً تمرّست كثيراً أنامل الفنان التجريدي في إقتناص لحظتها ، ومن
نقطة قصية يتشكل المشهد وتتدحرج الكرة فوق قرن الثور كما تصورها هندي
أحمر أخذته فكرة خلود ذاته كنقطة مدورة شيدتها ذاكرته قطرة دم ونصف كرة
سمي ترساً فيما بعد وقتلت السلحفاة التي تجرأت وحملت جنونها يوماً فوق
ظهرها ، ونشم من هناك رائحة التآمر اللذيذ الذي خدع الشعراء والقصاصين
معاً ، وفي لحظة الانفلات قاد اللغة لتضاجع تنانين من شواظها ، وقبل
انصرام السنة الكبيسة وضعت اللغة ماموثها البكر في سطور قصص طالتها
ذاكرة الفتى الذي نسي نعليه يوماً في أدغال مدينة العمارة والتي اتخذت
أسماءاً عدة وكنى تعمّدت أن تدلل نفسها جوار تساميها.
العمارة في عوالم السعدي المتمثلة بالأشهل والرجل الذي أتهم نفسه بكره
العصافير ومكابدات ليلة الختان وحتى إعلانه عن حضور الموت في خضم عاصفة
التصفيق مروراً بسيرة النسر الذي قيل إنه مات بعد احتضار طويل هي تمثيل
حي لذاكرة المدينة ، مدينة العمارة هي كل المدن التي أثّثتها ذاكرة
القاص ، تلك الذاكرة التي اشتبك في منحنياتها التراثي والتاريخي
والممكن واللاممكن ضمن وحدة امتزجت فيها كل مسميات المعقول واللامعقول
، فكانت المدينة ترتسم فوق الشفاه ذاكرة معبأة بالسخرية تارة وتأتي
حالة طارئة تستنطق المكان تارة أخرى ، وفي حالات كثيرة تأتي المدينة هم
ملازم لحتمية الوجود والإنسان ، أو ملازمة لحالة الألم والحب وحتى
لحالة الغريزة التي تثور في لحظات يمكن أن نصفها بكل جنونها وتساميها
وإطلالتها على البعد الآخر للأشياء بأنها مقدسة أو امتداد لذاكرة مقدسة
كما وصفتها حكايات سفر التكوين في مثيولوجيا الأديان ، وكذلك استحالت
المدينة جذوع نخل محروق لم تستطع الأوحال أن تخفي ملامحه يوم أتت عليه
سرف الدبابات والجرافات في نوبة تعد واحدة من تلك النوبات التي أعلنت
جنونها على مدن الطين والقصب والبردي ، فكان الصوت في قصص فتانا الهارب
من ظلّه يطارد حبات أحلامه عند الضفاف المسكونة بالتساؤلات التي تمرّد
كثيراً محمد خضير حتى استطاع أن يدونها في صحيفته ، كان الصوت تشكلاً
آخر لوجة المدينة والمكان في شخصية السعدي القصصية ، وكان الصوت مرة
أخرى حروفاً مزدانة بغبار بابل وذاكرة عجوز ارتضت لنفسها أن تكون حواء
في شيخوتها التي تأتي بصوتها من حاضرنا لتقول لنا : أنتم وُلدتم من ذات
الفتحة المعلقة كتميمة اعتراف في بوابات معابد الكهنة على ضفاف النيل ،
وتتشكل الأسطورة من بعد الكلمات التي أرادتها الذاكرة أن تكون الهواء
والتراب معاً ، الزوجة والأم ، الفرح والحزن ، الفيضان والقحط ، مثلما
هي حالة الجدب والعقم عند الرجال والنساء ، ومن هذه المناخات التي
استضافت حاضر الفتى انثال رذاذ الحكاية المؤطرة بالأقاويل والاستهلالات
التي تحاول أن تدلنا على مدخل هذا العالم المتشابك واقعاً واسطورةً ،
وبالفعل حينما لمحنا الجدران تطلق الحكاية كمنديل رمته السماء ، تأخذنا
إليه الرغبة في تساؤل مشحون بالهواجس ، منديل يطلقه فم الراوي ليحكي
لنا هكذا كان الماء لا تجمّل لافتات تعربد فوقها النـزوات أيقنا إننا
دخلنا حالة الرضا التي تهجس فينا ونحن نقرأ عناوين القصص ، فلا الرجل
الذي ادعى كره العصافير ، ولا الأشهل الذي أحرق زغب شفتيه حبه الأزلي ،
ولا حتى الطفل الذي توهم حفلة الختان ليلة عرس فيها الدم تاج انتصار
ونسي مصادرة ذلك المفهوم يوماً من قبل (أيان كفليك ) في سطور عرسه
الوحشي الذي حصد من وراءه الثناء ، وحين نستذكر البطل وهو يصفق ويدعونا
للتصفيق بعنوان كبير ليعلن لنا إنه خاض تجربة الموت حياً ، أو استنطق
ذلك المارد الذي يحتمي بتسميات القدر فيدعو الآخرين للسخرية من أسماءه
بأشكاله التابوتية ، وكل هذه الأصوات التي سمعناها أو تهيأ لنا إننا
نلم بصدىً منها لم تكن خارج دائرة الصوت الكلي الذي شيده القاص ضمن
مجرة كونية سماها بأرض السواد ، فكانت تلك الأصوات تعبر عن مشاكسة
أنتجتها الرؤية الأسطورية لخرائط كانت تتكلم عن عظام ومفردات هيكل مشيد
من الألم المسمى مسبقاً يطفو فوق نار نازفة أبداً ذلك الحب ، فكانت
الرؤية الأسطورية تتجلى وبشكل واضح في تشييد الحلم من حبات القهر ورسم
الألم وجهاً آخر لإبتسامة مثلومة ، وما يغرينا في تشجيع الثرثرة قرب
سرير الفتى المولع بالصراحة هو هذا التنوع المكاني الذي يتسع كثيراً
ليألف السماء والأرض معاً في تدوين مفردات البيئة ويتضح ذلك في قصة
(سيرة ذاتية لنسر يحتضر ) التي اجبرتني على إطالة التأمل في سطورها
وبالتالي الانجرار وراء متاهات المكان فيها والذي إقتنصه القاص من
زاوية أتت بالوجه الآخر والرؤيا الشمولية لفضاء القصة إذا ما حاولنا أن
نقرأها بطريقة الكاميرا المخفية في مكان قصي لترى الأشياء تمارس طقوسها
بعيداً عن الرقابة غير المرغوبة في هكذا طرح ، فالسماء والأرض كانتا
نقطتين قابعتين ضمن سديم يتشكل لقامة سمراء تتلوى وتهرب في البعيد مثل
لص يتوسم اللحظة المناسبة للظهور من جديد ، ويبدو المكان أشبه بسلسلة
لاتحوي الكثير من العقد التي تستحيل فضاءات معرفة ضمن ذاكرة حاذقة وما
بين هذه العقد يبدو الخراب شاسع ومتواصل ، فالسماء وحدود النافذة
والشارع الرمادي وقاعة البلاط والسجن تمثل عقد المكان المتجلية وما بين
هذه الأمكنة يسكن اللاشيء او الخراب كما ذكرت ، وربما حاول القاص أن
يردم الفجوة المخيفة بإتباعه أسلوب الانتقالات المتتالية ما بين
الأمكنة وبالتالي يكشف لنا المكان على أنه مزيج من المتخيل والواقعي ،
وضمن مساحات هذه القصة أيضاً التي استحوذت على عين القراءة تتعدد
الإسترجاعات اللغوية المرتبطة بذاكرة الراوي والتي لها سمات أسطورية ،
فالهبوط لحظة موسمة في سفر التكوين وخطاب الرب الأول مع الخليقة مع أن
القاص حاول أن يبدد من سطوة تلك الفكرة على إعتبارها إنثيالات ذاكرة
شرقية مقدسة فحسب ، وخفق الجناحين الذي يفجر عبره التساؤلات في سفر
تكوين تم تأليفه حديثاً من قبل الكاتب ، ثم حكاية المخلص الذي لبس عدة
أثواب على امتداد شريط الذاكرة الإنسانية كترميم لفكرة إعادة إنتاج
اللوحة من وجهة نظر لاتنتمي للواقع المقروء بصلة خصوصاً إذا ما تأملنا
المشهد الذي يختم بجراح واحباطات متواصلة أرادها الكاتب أن تكون رسالة
موقعة باليقين أن هذا المخلص لم يكن يوماً فكرة مطروحة من خارج الحياة
والأيام التي نعيشها ، بل الأكثر من ذلك جاءت الرؤية المرتبطة بحكاية
المخلص ذات بعد أيديولوجي لاروحي على خلاف السائد فكرياً على الأقل
لتؤكد حالة تراود فكر وأحاسيس الكاتب ، وإذا ما بقينا في فضاءات تلك
اللوحة التي تستنهض الأفق الغارق في التشوه ، نقرأ وجوه السلطان
والحاشية وأدوات القمع وصورة الأرانب البرية التي تطارد في مشهد
دونكيشوتي لعبة الذئب التي تكررت كثيراً في أدبيات الشرق كاحداثي مجسم
لحالة الإستلاب وتعتبر تلك اللقطة أداة الإدانة الأكثر تجلياً في واقع
لم يخلو قط من صورة المسرح الكارتوني الذي يتبادل أدواره مشاة مستضعفون
وسماسرة انتهازيون ، ويضاف إلى ذلك المشهد مشهد آخر أراد الكاتب من
خلاله أن يفضح عملية البيع والإتّجار في سوق النخاسة السياسية التي
تحاول أن تتصدر عناوين الصحف بكلماتها التي فقدت جمالياتها ، فصورة
الأرنب المنشغل بالعظمة البالية تؤكد حالة السخرية المقصودة التي صارت
من مسلمات تفكير الطرف القوي ، وكأن السلطان لايعي حجم الصرخة إلا في
اللحظة التي نمزق بمدافعنا سكون البلاط ، ليأتي بوّاق الجوقة بكامل
كرشه ويقف امام المرآة وينفخ بوقه في وقت تكدست اللافتات في سوق الخضار
ليعلن عن اختفاء الحرّاس الذين أدانوا أنفسهم بليل الرب الغاضب ، وفي
ذات اللوحة تختم الفتاة زرع ضفائرها لتقول لنا بعد كل هذا الصراخ : يجب
أن ينبت الزرع ويعيش النخل في زمن غياب الآنكي العملاق في عمق النهر ،
فتزرع ضفائرها فسائل وغصينات تتجشم عناء موازنة المعادلة في مشهد يستمر
فيه عرض الحركات البهلوانية وربما عودة الذئب المهزوم مرة أخرى بأسنانه
المكربنة من وراء التلال ، وفي ختام مشهد المطاردة الذي أثار حبات
الرمل في الأفق يلعب الأطفال بكرة أحلامهما التي لم تفتأ يوماً في
التوقد دون كل محاولات الإحباطات التي تعيشها الذاكرة ، وفي كل هذه
التداخلات نجد اللغة تمسك بزمام السيناريو المعد على أساس الغياب
والحضور بين الآني المعاش والآتي المتخيل إنطلاقاً من مسرح الذاكرة
المسترجعة كحالة لحضور الوعي الكلي ، وحينما نسمع وقع خطوات الحراّس
نتراجع لنحتوي عالم اللوحة بكل تجاوزاته ونحاول أن نبكي لمشهد الموت
المؤقت المدون في رزنامة إعلانات كتبها المؤرخ السومري وعلقها في رقبة
حماره الذي أبى إلاّ أن يزج نفسه في تسمية الحضارة وأعتقد هكذا أراد
لنا السعدي أن نبكي لحظة الصدمة ونزول الآلهة إلى شوارعنا وقرانا
ومدننا شبه المدمرة لتقول لنا إرفعوا الرايات فنحن خلاصكم ، وبعد ذلك
ينسحب الغبار الكوني للغة التي حشدت كل أنجالها التأويلية والتحليلية
لتبصق في وجه الشاعر والقاص معاً ، وربما لعنتهم وهي تحصد كل هذا
التداعي بشتى الصور والتعابير لتجعل من لحظة القبض على الحلم غير
المبتور وزجه في جمجمة مشاكسة لحظة صارمة ، وتنتقل بنا زمانياً
ومكانياً من بلاط السلطان وأذيال الأمل المفجوع في صورة النسر المحبط
إلى قاعة السجن لتساومنا على دموعنا ودماءنا ومناديل حبيباتنا وتشكل
حكايتها التالية ، ثم تكشف لنا حجم التجاوز والانتهاك حتى من خلال
تشكيل الأسطورة في وعينا المستقبلي ، وتقول لنا أن الأساطير لا تنقذكم
من فم التنين ، وحين نضع كفوفنا فوق هاماتنا اتقاء حر الكارثة نلمح في
البعيد صورة الغبار تتشكل وتقترب منا ، بل تحضر في كلماتنا ، نشعر بها
ونشمها كرائحة أولى للمؤامرة فتتحرك ألسنتنا وأخيلتنا في ثورة تكون في
النهاية حالة لمشروع مؤجل دوماً نقرأ رموزه قابعة ضمن فضاءات لوحة
تنتظر ملايين الأسئلة التي تحرث ذاكرتنا كل يوم على امتداد ما يسمى
بالتاريخ ، وهكذا تمر اللغة والأشياء المؤنسنة تارة والمبرمجة تارة
أخرى في مزيج سردي يؤدي بنا إلى عالم السعدي القصصي من خلال رؤية
أسطورية فيها الكثير من التحرر واللامبالات ، وفيها الكثير من الجموح
الشعري الذي يؤكد أحقية تتويج الحدث في لحظته وربما بقي الكثير الذي لم
نسلط عليه الضوء أو بالأحرى بقي الكثير الذي لم نستطع أن نقترب منه
والذي لا يتحصّل من زاوية دخولنا هذا العالم إلاّ إذا حاولنا قراءة
مفردات السعدي القصصية وشخوصه وتأسيساته من زاوية أخرى وفي محاولة
اخرى.
قصة قصيرة
القاضي
منعم احمد
يقض مضجعي ذلك الأزيز في حجرتي. كان عليّ أن افتح عيني عشرات المرات
لأراقب الزوايا بيقظة محمومة قبل أن اغرق في نوم خفيف. احتدم الأزيز
اكثر من ذي قبل، تقلبت يمنة ويسرة وأنا اصرخ بفزع ثم رفعت رأسي وشاهدت
منظرا أذهلني…كان هناك منشار معدني يشق جدار حجرتي من الجهة المقابلة.
وما لبث المنشار أن اختفى حيث غمغم صوت مبحوح يطالبني بالاقتراب دنوت
من الشق الطولي وألصقت إذني بالجدار.. همس الصوت بمشقة تخللها السعال:
اذهب إلى النافذة.. أزح الستائر… هنالك رجل يراقبك في الطريق… ادعه إلى
حجرتك… نفذ بدقة وإلا..
زحت الستائر عن النافذة ووجيب قلبي يرتفع، شاهدت الرجل على قارعة
الطريق، كان شابا حاد القسمات بدا وكأنه ينظر إلى النافذة بانتظار
الإشارة.
أومأت له بيدي أن اصعد فسارع إلى التحرك وبعد لحظات سمعت قرعا على
الباب.
فتحت الباب بتردد ودخل الشاب. كان يتصرف بعصبية وخجل شديد، قطع الممشى
بخطوات مقتضبة ودلف حجرة نومي فخلع حذاءه ثم تمدد على السرير.
وبعد دقائق معدودة دخل رجال آخرون بملابس فضفاضة اتخذوا مجلسهم حول
السرير بينما سارع أحدهم إلى تقليدي وشاحا احمر اللون وخاطبني قائلا: و
الآن.. ستكون قاضيا في هذه المحكمة.
عندئذ بدأ شيخ مسن بتلاوة عدد من الاتهامات بصوت حاد اذكر منها السير
في الشوارع ليلا وعدم ارتداء الملابس اللائقة وعدم النظافة وعدم قص
الأظافر في الوقت المناسب والتسيب في العمل والقهقهة بصوت عال ولعب
الدومينو بإفراط.
واجتاحني شعور بالرعب. إذ كنت أمارس هذه الأمور في الخفاء وتنفست
الصعداء لإتاحة الفرصة كي ابريء ساحتي.
وبعد الانتهاء من تلاوة الاتهام نهض الشاب من على السرير وانحنى على يد
الرجل المسن يقبلها باكيا فسحبه الآخرون بقسوة والقوه على الأرض ثم
طلبوا من أحدهم أن يدافع عن المتهم لكنه أبى بازدراء بحجة أن المتهم قد
اعترف بجرائمه وصوبت أنظارهم إلي ثم سألني أحدهم: و الآن تكلم أيها
القاضي.
نظرت إلى المتهم بقسوة تمتزج بالوقار ثم حكمت قائلا:
بعد الإصغاء إلى التهم المنسوبة للشخص المعني وتراجع الدفاع عن الإدلاء
بإفادته قررنا التالي:
أولا:- جلد المتهم عشرين جلدة.
ثانيا:- على الرصيف أمام المارة وشتمه.
ثالثا:_ حجزه في سجن ضيق لتعليمه آداب السلوك والنظافة.
ولبثت انظر إلى الشاب بغضب منتظرا تنفيذ الأحكام.
تبادل جمع الرجال نظرات ذات معنى ثم سألني أحدهم بهدوء: هل أنت متأكد
من أحكامك هذه؟
-اجل.. تمام التأكد ألا تحب تخفيف بعض الأحكام؟
1-كلا.. مطلقا
2-هل تحب أن نبدأ التنفيذ الآن.. أم يتم تأجيله إلى وقت لاحق؟
3-الآن.. في هذه اللحظة.
كان الحماس قد بلغ مني اشده وتسمرت عيناي على الشاب متشوقا إلى ضربة
السوط الأولى وقد تناوله الشيخ المسن من أحد رفاقه سوطا ولوح به. بضع
مرات وقال ارتعش بدني في نشوة لذيذة و أنا أتخيل ضربات السوط تمزق
اللحم رويدا.
لكن الشيخ لم يشرع بجلد الشاب، كان يتلاعب بالسوط فحسب مما دفعني
للاحتجاج.
4-اجلده في الحال. ماذا تنتظر؟
عندئذ رفع الشاب رأسه و فوجئت بابتسامة ساخرة تعلو محياه وهو يقول: لقد
كان حكمك عادلا بالفعل.
ولم اشعر إلا بضربة السوط اللاذعة على ظهري، صرخت بالم وتلفت برعب،
كان الباب موصدا وانهالت الضربات تمزق لحمي بلا رحمة فيما علت أصوات
الضحكات تدوي في عتمة الحجرة. |