|
فدك في التاريخ
الحلقة الثانية عشر
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
تحليل الموقف في قصة السقيفة
لست الان بصدد تحليل الموقف الذي اشتبك فيه الأنصار مع أبي بكر وعمر
وأبي عبيدة وشرح ما يدل عليه من نفسية
المجتمع الأسلامي ومزاجه السياسي ، وتطبيق قصة
السقيفة على الاصول العميقة في الطبيعة العربية ، فإن ذلك كله خارج عن
الحدود القربية للموضوع ، وإنما اريد أن الاحظ أن الحزب الثلاثي الذي
قدر له أن يلي الامور يومئذ كان له معارضون على ثلاثة أقسام
:
الأول
: الأنصار الذين نازعوا الخليفة وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة ووقعت
بينهم المحاورة السابقة التي انتهت بفوز قريش بسبب تركز فكرة الوراثة
الدينية في الذهنية العربية وانشقاق الأنصار على أنفسهم ، لتمكن
النزعة القبلية من نفوسهم
.
الثاني
: الامويون الذين كانوا يريدون أن يأخذوا من الحكم بنصيب ويسترجعوا
شيئا من مجدهم السياسي في الجاهلية وعلى رأسهم أبو سفيان
.
الثالث
: الهاشميون وأخصاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذر والمقدا رضوان الله عليهم
وجماعات من الناس الذين كانوا يرون البيت الهاشمي هو الوارث الطبيعي
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الفطرة ومناهج السياسة التي
كانوا يألفونها .
واشتبك أبو بكر وصاحباه في النزاع مع القسم الأول في سقيفة بني ساعدة ،
وركزوا في ذلك الموقف دفاعهم عما زعموا من حقوق على نقطة كانت ذات
وجاهة في نظر كثير من الناس ، فإن قريشا ما د امت عشيرة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وخاصته فهي أولى به من سائر المسلمين وأحق
بخلافته وسلطانه .
وقد انتفع أبو بكر وحزبه باجتماع الأنصار في السقيفة من ناحيتين
:
(الاولى
) أن الأنصار سجلوا على أنفسهم بذلك مذهبا لا يسمح لهم بأن يقفوا بعد
ذلك إلى صف علي ويخدموا قضيته بالمعنى الصحيح كما سنوضحه قريبا
.
(الثانية
) أن أبا بكر الذي خدمته الظروف فأقامت منه المدافع الوحيد عن حقوق
المهاجرين في مجتمع الأنصار لم يكن ليتهيأ له ظرف أوفق
بمصالحه من ظرف السقيفة ، إذ خلا الموقف من أقطاب المهاجرين الذين لم
يكن لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها التي سجلتها السقيفة في ذلك
اليوم .
وخرج أبو بكر من السقيفة خليفة وقد بايعه جمع من المسلمين الذين أخذوا
بوجهة نظره في مسألة الخلافة أو عز عليهم أن يتولاها سعد بن عبادة
.
ولم يعبأ الحاكمون بمعارضة الامويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من
كلمات الثو رة بعد رجوعه من سفره الذي بعثه فيه رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لجباية الأموال ، لعلمهم بطبيعة النفس الاموية وشهواتها
السياسية والمادية .
فكان من السهل كسب الامويين إلى جانب الحكم القائم كما صنع أبو بكر
فأباح لنفسه أو أباح له عمر بتعبير أصح كما تدل الرواية ، أن يدفع لأبي
سفيان جميع ما في يده من أموا ل المسلمين وزكواتهم ثم جعل للامويين
بعد ذلك حظا من العمل الحكومي في عدة من المرافق الهامة
.
وهكذا نجح الحزب الحاكم في نقطتين ، ولكن هذا النجاح جره إلى تناقض
سياسي واضح ، لأن ظروف السقيفة كانت تدعو الحاكمين إلى أن يجعلوا
للقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم حسابا في مسألة
الخلافة ويقروا مذهب الوراثة للزعامة الدينية
.
غير أن الحال تبدلت بعد موقف السقيفة والمعارضة اتخذت لها لونا جديدا
وواضحا كل الوضوح يتلخص في أن قريشا إذا كانت أولى برسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم من سائر العرب لأنه منها فبنو هاشم أحق بالأمر من بقية
قريش .
وهذا ما أعلنه علي حين قال : إذا احتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الحجة لنا على لمهاجرين بذلك قائمة
، فإن فلجت حجتهم كانت لنا دونهم وإلا فالأنصار على دعوتهم وأوضحه
العباس لأبي بكر في حديث له معه إذ قال له : وأما قولك نحن شجرة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها .
وقد كان علي الذي تزعم معارضة الهاشميين مصدر رعب شديد في نفوس
الحاكمين ، لأن ظروفه الخاصة كانت تمده بقوة على لونين من العمل
الأيجابي ضد الحكومة القائمة : - أحدهما ضم الأحزاب المادية إلى جانبه
كالامويين والمغيرة بن شعبة وأمثالهم ممن كانوا قد بدأوا يعرضون
أصواتهم للبيع ويفاوضون الجهات المختلفة في اشترائها بأضخم الأثمان ،
كما نعرف ذلك من كلمات أبي سفيان التي واجه بها خلافة السقيفة يوم
وصواله إلى المدينة ، وحديثه مع علي وتحريضه له على الثورة وميله إلى
جانب الخليفة ، وسكوته عن المعارضة حينما تنازل له الخليفة عن أموال
المسلمين التي كان قد جباها في سفره ، وموقف عتاب بن اسيد الذي سنشير
إلى سره في هذا الفصل . وإذن فقد كان الهوى المادي مستوليا على جماعة
من الناس يومئذ .
ومن الواضح أن عليا كان يتمكن من إشباع رغبتهم بما خلفه رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم من الخمس وغلات أراضيه في المدينة وفدك التي كانت
ذات نتاج عظيم كما عرفنا في الفصل السابق . والطور الاخر من المقاومة
التي كان علي مزودا بإمكانياتها ما لمح إليه بقوله : ( احتجوا بالشجرة
وأضاعوا الثمرة ) ، وأعني بذلك أن الفكرة العامة يومئذ التي أجمعت على
تقديس أهل ا لبيت والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم كانت سندا قويت للمعارضة وقد رأى الحزب الحاكم
أن موقفه المادي حرج جدا ، لأن أطراف المملكة التي تجبى منها الأموال
لا تخضع للحكم الجديد إلا إذا استقرت دعائمه في العاصمة ، والمدينة بعد
لم تخضع له خضوعا إجماعيا . ولئن كان أبو سفيان أو غير أبي سفيان قد
باع صوته للحكومة ، فمن الممكن أن يفسخ المعاملة إذا عرض عليه شخص آخر
اتفاقا أكثر منها ربحا ، وهذا ما كان يستطيع علي أن يقوم به في كل حين
. فيجب والحالة هذه أن تنتزع من علي الذي لم يكن مستعدا للمقابلة في
تلك الساعة الأموال التي صارت مصدرا من مصا در الخطر على مصالح الحزب
الحاكم ليضمن بقاء الأنصار على نصرتهم ، وعدم قدرة المعارضين على
إنشاء حزب من أصحاب المطامع والأهواء يومذاك .
ولا يجوز أن نستبعد هذا التقدير لسياسة الفئة المسيطرة ما دام منطبقا
على طبيعة السياسة التي لا بد من انتهاجا . وما دمنا نعلم أن الصديق
اشترى صوت الحزب الاموي بالمال ، فتنازل لأبي سفيان عن جميع ما كان
عنده من أموال المسلمين.
وبالجاه أيضا إذ ولى ابن أبي سفيان ، فقد جاء أن أبا بكر لما استخلف
قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد مناف ، فقيل له أنه
قد ولى ابنك قال : وصلته رحم فلا غرابة في أن ينتزع من أهل البيت
أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته ، أو أن يخشى من علي عليه السلام أن
يصرف حاصلات فدك وغير فدك على الدعوة إلى نفسه.
العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه
السيد محمد باقر الصدر (قدس)
الجعل والفعلية
حين حكمت الشريعة بوجوب الحج على المستطيع وجاء قوله تعالى : " ولله
على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا " أصبح الحج من الواجبات في
الاسلام و أصبح وجوبه حكماً ثابتاً في الشريعة .ولكن اذا افترضنا أن
المسلمين وقتئذ لم يكن فيهم شخص مستطيع تتوفر فيه خصائص الاستطاعة
شرعاً فلا يتوجه وجوب الحج الى أي فرد من أفراد المسلمين لأنهم ليسوا
مستطيعين,والحج إنما يجب على المستطيع,أي إن وجوب الحج لايثبت في هذه
الحالة لأي فرد بالرغم من كونه حكماً ثابتاً في الشريعة,فاذا أصبح أحد
الأفراد مستطيعاً اتجه الوجوب نحوه,واصبح ثابتاً بالنسبة اليه.
وعلى هذا الضوء نلاحظ أن للحكم ثبوتين : أحدهما ثبوت الحكم في
الشريعة.والآخر ثبوته بالنسبة الى هذا الفرد أو ذاك.
فحين حكم الاسلام بوجوب الحج على المستطيع في الآية الكريمة ثبت هذا
الحكم في الشريعة ولو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذ إطلاقاً بمعنى أن شخصاً
لو سأل في ذلك الوقت ما هي أحكام الشريعة؟ لذكرنا من بينها وجوب الحج
على المستطيع,سواء كان في المسلمين مستطيع فعلاً أو لا,وبعد أن يصبح
هذا الفرد أو ذاك مستطيعاً يثبت الوجوب عليه.
ونعرف على هذا الأساس أن الحكم بوجوب الحج على المستطيع لايتوقف ثبوته
في الشريعة بوصفه حكماً شرعياً إلا على تشريعه,وجعله من قبل الله تعالى
سواء كانت متوفرة في المسلمين فعلاً أو لا.
وأما ثبوت وجوب الحج على هذا المكلف أو ذاك,فيتوقف إضافة الى تشريع
الله للحكم وجعله له,على توفر خصائص الاستطاعة في المكلف .والثبوت
الأول للحكم – أي ثبوت في الشريعة – يسمى بالجعل " جعل الحكم" .والثبوت
الثاني للحكم – أي ثبوته على هذا المكلف بالذات أو ذاك – يسمى بالفعلية
" فعلية الحكم" او المجعول,فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل الله,وفعلية
الحكم معناها ثبوته فعلاً لهذا المكلف أو ذاك.
موضوع الحكم
وموضوع الحكم مصطلح أصولي نريد به مجموع الأشياء التي تتوقف عليها
فعلية الحكم المجعول بمعناها الذي شرحناه,ففي مثال وجوب الحج يكون وجود
المكلف المستطيع موضوعاً لهذا الوجوب,لأن فعلية هذا الوجوب تتوقف على
وجود مكلف مستطيع.
ومثال آخر : حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر ولا مريض
اذا هل عليه هلال شهر رمضان,وهذا الحكم يتوقف ثبوته الاول على جعله
شرعياً,ويتوقف ثبوته الثاني – أي فعليته – على وجود موضوعه,أي وجود
مكلف غير مسافر ولا مريض وهل عليه هلال شهر رمضان,فالمكلف وعدم السفر
وعدم المرض وهلال شهر رمضان هي العناصر التي تكون الموضوع الكامل للحكم
بوجوب الصوم.واذا عرفنا معنى موضوع الحكم,استطعنا أن ندرك أن العلاقة
بين الحكم والموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبب وسببه
كالحرارة والنار,فكما أن المسبب يتوقف على سببه كذلك الحكم يتوقف على
موضوعه,لأنه يستمد فعليته من وجود الموضوع,وهذا معنى العبارة الأصولية
القائلة :
”إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية
موضوعه" أي إن وجود الحكم فعلاً يتوقف على وجود موضوعه فعلاً
.
وبحكم هذه العلاقة بين الحكم والموضوع يكون الحكم متأخراً رتبة عن
الموضوع كما يتأخر كل مسبب عن سببه في الرتبة.
وتوجد في علم الاصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة وتصلح للاشتراك في
عمليات الاستنباط.
(فمن ذلك انه لايمكن ان يكون موضوع
الحكم امراً مسبباً عن الحكم نفسه ومثاله العلم بالحكم فانه مسبب عن
الحكم ,لان العلم بالشيء فرع الشيء المعلوم ولهذا يمتنع ان يكون العلم
بالحكم موضوعاً لنفسه بأن يقول الشارع احكم بهذا الحكم على من يعلم
بثبوته له لأن ذلك يؤدي الى الدور).
أهـميـة الـنـفيـر الحضــــاري
عبد المجيد عمر النجار
إنّ
النفير الحضاري هو عنصر أساسي من العناصر العاملة في نشوء الحضارات،
فالأمم لا تصنع الحضارة إلا بهبة جماعية تحشد فيها قوى الفرد في نطاقه
الدّاخلي, ثم تحشد قوى الأفراد حشداً جماعياً لتحقيق هدف معين تحمله
الفكرة التي تحدّد غاية الحياة. والتاريخ يبين أن الحضارات على
اختلافها لم تنشأ ألا بهذا الداعي من النفير الجماعي, وأن انحلال هذا
النفير ووهنه هو سبب أساسي في انحلال الحضارات وأيلولتها إلى التلاشي.
فالحضارة الإسلامية إنما نشأت من التعبئة الجماعية التي عبأت بها عقيدة
التوحيد جموعاً من الناس كانوا شتاتاً في الجزيرة العربية وفي خارجها,
فإذا هم ينفرون بالعقيدة الجديدة في أمّة موحدة ليصنعوا حضارة مشهودة,
ولولا ذلك النّفير الجماعي الذي أحدثه فيهم التوحيد ما نشأت تلك
الحضارة؛ فقد بقي البدو في الجزيرة العربية زماناً طويلاً يعوقهم
التشتت عن الإنشاء الحضاري؛ إذ لم يكن يحشد قوى الفرد فيهم غاية عليا
للحياة، ولم يكن يجع الأفراد هدف مشترك يعبّئ فيهم الإرادة الجماعية
لينطلقوا في نفير جماعي لإنشاء التحضّر. فقد كان واضحاً إذن أنّ
الاندفاع الجمعي كان عاملاً أساسياً في إنشاء الحضارة الإسلامية.
وحينما اكتُشِفَ العالم الجديد، وهاجرت إليه جموع من الأوروبيين، فإنّ
هذه الجموع التقت هناك على فكرة جماعة تتمثّل في إقامة الحياة الحرّة
في الأرض البكر البالغة الثّراء، وقد كانوا في أغلبهم يهاجرون بسبب من
الأضطهاد المتعدّد الألوان في أوروبا التي أنهكت أيضاً وأوشكت أن تنضب
مواردها فتضيق بأهلها. وهناك في الأرض الجديدة التقت الإرادة على هدف
جامع هو إقامة مجتمع الحرّية والاستمتاع بالرّفاه المادّي باستثمار
الموارد البكر في تلك الأرض, فحشّد هذا الهدف الجموع المهاجرة والأجيال
التالية لها، وعبّأها في نفير جماعي صنعت به الحضارة المشهودة الآن
هناك، وهي وإن تكن جذورها أوروبية، إلاّ أنّ ما بلغته من القوّة الذي
فاقت به الأصل في تعالمها الجديد ما كان ليحدث لولا النفير الجماعي
الذي هبّ به المهاجرون للإنشاء الحضاري.
ولمّا انهزمت ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ودمّرت
معالم الحضارة فيها دماراً شديداً، كان في ذلك جرح بالغ لكبرياء
الشعبين الألماني والياباني، فتكوّن في النفوس معنى من الثأر للكبرياء
الجريح، وكان ذلك المعنى عاملاً نفر به الشعبان نفيراً جماعياً لإعادة
البناء الحضاري في بلديهما، وكان ذلك النّفير الذي عبّأ قوى الفرد
الفكرية والعملية، كما عبّأ الهيئة الاجتماعية بالتعاون والتعاضد هو
الذي أوصل البلدان إلى ما هما عليه الآن من الصّدارة الاقتصادية في
العالم بعد دمار الحرب وسيطرة الأعداء المنتصرين.
وتبني إسرائيل اليوم في حيّز زمني قصير عيّنة حضارية لئن كانت تندرج
ضمن الأنموذج الحضاري الغربي فإنها لها خصائصها الناشئة من الثقافة
اليهودية، وهي على كلّ حال تؤسّس على نسق سريع تحضّراً على غير سابق
وجود اجتماعي، وهو تحضّر يوشك أن يبتلع الفراغ الذي يحيط به، حيث عجز
هذا المحيط الإسلامي أن ينهض بالتحضّر رغم سابقيته في الماضي التاريخي،
وليس هذا الذي تصنعه إسرائيل إلاّ بالنفير الحضاري الذي تنَادَى به
اليهود من أقطار الأرض ليجتمعوا في أرض فلسطين تعبّئهم في هذا النّفير
فكرة الميعاد، فإذا هم ينفرون من الآفاق خفافاً وثقالاً، في تكتّل شامل
ليصنعوا الحضارة في أرض الميعاد.
يتبيّن من هذه الأمثلة أنّ كلّ حركة تحضّر سواء كانت حركة ابتداء أو
حركة إعادة، فإنّها تتوقّف إلى حدًّ كبير على معنى اندفاعي يندفع به
الفرد في تجنيد مواهبه وقواه في سبيل العمل، وتندفع في زخم شديد تلتقي
فيه كلّ القدرات الفردية والجماعية، وبه يتحقّق البناء الحضاري ابتداء
أو إعادة، وذلك ما نعني بالنفير الحضاري.
وقد نرى شيئاً من هذا الدّافع إلى العمل الحضاري يحدث عند بعض الأفراد
أو بعض الجماعات، وقد نراه أيضاً يلمّ في لحظة معيّنة أو في ظرف معيّن
بالجمع العريض من الأمّة، ولكن ذلك كلّه سرعان ما يتلاشى أو يؤول إلى
حكم التلاشي فلا يكون له أثر يذكر، لأنّه لم يبلغ في الأمّة مبلغ
النّفير الذي تتعبّأ به الإرادة الفردية والجماعية بحيث يهبّ الجميع في
ملحمة للبذل بالفكر والعمل لا يردّها رادّ في اندفاعها لتحقيق الهدف من
خلال البناء الحضاري.
عناصر النفير الحضاري:
فالنفير هو فزع إلى أمر هامّ, بحيث يستبدّ ذلك الأمر بإمكانات وقدرات
الفازعين فتوجّه في سبيله، بل توجّه في سبيله كلّ مظاهر الحياة
ومناشطها، سواء الحياة الفردية والجماعية؛ ولذلك فإنّ هذا اللّفظ
يستعمل أكثر ما يستعمل في النهوض إلى الحرب، باعتبار أنّ الحرب بالنسبة
لمن ينهض إليها تكون الأمر الأهمّ في حياته فيوجّه إليها كلّ القوى
والقدرات الفردية والجماعية. وقد سمّي يوم القفول من منى بيوم النّفر
لأن الحجيج في ذلك اليوم يكون همّهم الأكبر القفول، فتراهم يهبّون
جماعياً مسخّرين كلّ جهودهم من أجل ذلك القفول.
وحينما يكون النّفير حضارياً، فذلك معناه أن تعبّأ الطاقات والقدرات
التي تتوفر عليها النافرة لتوجّه في سبيل الإنجاز الحضاري مادياً
ومعنوياً، بحيث لا يكون همّ في الكيان الفردي والكيان الجماعي إلا همّ
البناء والتّعمير، يتوجّه الجميع لتحقيقه، وينخرطون في ملحمة جماعية
لإنجازه، فهو إذن يشبه أن يكون قوة اندفاع في الأمّة تحشد بها قدراتها
في ذات الفرد وفي الهيئة الجماعية لتنطلق بها في البناء لا يلويها عنه
شيء, ولا يشغلها شاغل يثنيها عن انطلاقها في طريق البناء.
ويمكن أن يفهم هذا المعنى في نطاق نظرية تويني في التحدّي الذي يواجه
أمّة من الأممـ فيكون ذلك مثيراً لها لتستجيب دفاعاً عن نفسها، وتعبّئ
قدراتها لمواجهة التحدّي تشبه إلى حدٍّ كبير ما نعبّر عنه في هذا
المقام بالنّفير الحضاري.
أ _ النفير الفردي: ونقصد به ذلك النفير الذي يتحقّق في الذات
الدّاخلية للفرد، متمثّلاً في تحشّد قوى الفرد وقدراته المتنوعة
تحشّداً تنزع به متضافرة إلى العمل التعميري، بحيث يكون الفرد طاقة
فاعلة في قوّة اندفاع هي محصّلة التعبئة لقدراته كلّها.
أولاً: النفير النفسي:
إنّ العنصر النفسي عنصر أساسي في النفير الفردي، بل منه يبدأ ذلك
النفير، والمقصود به ما يحدث في النفس من نزوع إرادي لتحقيق الهدف
الأعلى للحياة، بحيث يستبدّ به ذلك النّزوع، ويملك عليه مجامع نفسه،
فإذا هو يهجر المشاغل التي تلهيه عن الهدف، ويقبل بكلّيته شعوراً ونيّة
وعزماً على تحقيق الغاية.
ويقابل هذه الحالة من النفير النفسي حالات أخرى يعيش فيها الإنسان
وضعاً من الرّكود تكون فيه نفسه أشبه بالبحيرة السّاكنة، فهي لا تجيش
بغاية تصبو إليها وتتّجه وجهتها، بل هي تعيش لحظتها، فيكون همّها في
تحقيق مطالب يومها من إشباع للغرائز، فهي تفتقد إذن لقوّة الاندفاع
التي تغادر بها الزّمن الرّاهن إلى بعيد الغايات.
والنفير النفسي في سبيل التحضّر الإسلامي يعني أن يحدث في نفس المسلم
نزوع إلى تحقيق الهدف الإسلامي في حياته، بحيث يجمع ذلك النزوع كلّ
مناشطه ليوجّهها في تحقيق المطالب الإسلامية ما تعلّق منها بالتطهير
النفسي وما تعلّق بترقية العلاقات الاجتماعية، وما تعلّق بالتعمير في
الأرض تعميراً مادياً، فيكون الفرد المسلم إذن مندفعاّ في كل حال من
أحواله لينجز مطلباً من مطلوبات الدين، فلا يرى البتّة إلا وهو يقطع
مرحلة من مراحل الخلافة في الأرض، وهو يعي أنه يفعل ذلك مهما كان عمله
صغيراً أو كبيراً, إنه يحمل إرادة في النفس معبّئة لقواها، وموجّهة لها
توجيهاً واعياً قوياً نحو الإنجاز لمقتضيات الدين في العمل الصالح
المعمّر في الأرض.
ولنا أن نتبيّن معنى النّفير النّفسي جليّاً في ذلك التحوّل الذي حدث
في نفوس المسلمين بفعل الدّعوة المحمّدية، حيث ترى الفرد بعد الغفلة
والسّكون، أو التشتّت في ملاهي الجاهلية وضيق أفق الحياة فيها، تراه
يهبّ في إرادة تستدمع قواه وتملك عليه نفسه لينطلق في عزم قوة لتحقيق
غاية عظمى هي إقامة حياة إنسانية متحضّرة في اتجاه الله تعالى، موجّهاً
كلّ منازعه وهمومه وقدراته في سبيل تلك الغاية، نافراً بنفسه إليها.
ثانياً: النفير الفكري:
إذا كانت قوّة الفكر هي جزء من القوى النفسية عامّة، فإننا هنا نقصد
بالنفير الفكري معنى زائداً عن النفير النفسي. وإذا كان النفير النّفسي
يعني النزوع الإرادي الذي يستجمع النّفس جملة فيدفع في قوّة إلى إنجاز
التحضّر، فإنّ النفير الفكري يخصّ من قوى النّفس ملكة العقل في حركتها
المعرفية النظرية والعملية. ومن البيّن أنّ الإنسان قد يكون مستنفراً
نفسياً بنزع إرادته في قوّة لإنجاز عمل مّا، ولكنّ فكره قد يكون لسبب
أو لآخر غير مواكب لذلك النفير النفسي. وما أكثر ما نرى أفراداً
وجماعات مستنفرة إرادتهم من أجل العمل الصّالح، ولكنّ الفكر عندهم يكون
في ضرب من الغفلة أو الاضطراب فلا يساوق الإرادة في الاندفاع الفاعل،
ومن ثمّ فإنّ النّفير الفكري عنصر زائد عن النفير النفسي.
والمعنى الجامع للنفير الفكري هو أن يتحقّق في الفرد المسلم معنى من
الوعي الفكري يسخّر به العقل في كل نشاطه المعرفيالذي هو الفكر ليكون
في سبيل إنجاز أغراض الدين، وتحقيقها في الواقع، بحيث لا يرى العقل في
كلّ شأن من شؤونه صغيراً أو كبيراً، وفي كلّ حركة من حركاته إلاّ وهو
متّجه في إصرار ووعي ليعمل على إنجاز مطلوب ديني يحقّق به في الواقع
لبنة من لبنات التحضّر الإسلامي, وهو يشتمل على عنصرين أساسيين، لا
تنعقد حقيقته إلاّ بهما.
العنصر الأول: هو التيقّظ الفكري متمثّلاً في أن يكون عقل المسلم
مندفعاً دوماً إلى التفكير تأمّلاً، وتدبراً، وبحثاً عن الحقيقة،
وسعياً في حلّ المشاكل المعترضة، بحيث لا يرى في كلّ حال من أحواله
إلاّ مفكرّاً في أمر من الأمور مهما تكن درجته في سلّم الأهمية ما دام
مندرجاً في دائرة المصالح.
والعنصر الثاني: هو توجيه الحركة الفكرية الدّؤوب نحو غاية واضحة، بحيث
تكون في كلّ مناحيها تهدف إلى تحقيق تلك الغاية ألا وهي الاستجابة
للمطلوب الدّيني وإظهاره في الحياة الواقعية، دونما غفلة عن تلك الغاية
أو حياد عنها إلى غايات أُخرى.
وقد يتبيّن معنى النفير الفكري بما هو أجلى وأوضح عند التأمّل في صورته
الواقعية المتحقّقة في فاتحة نشوء التحضّر الإسلامي، وذلك حينما حرّكت
دعوة القرآن الكريم إلى النظر في الآفاق والأنفس عقول المؤمنين،
فانطلقت في حركة فكرية لا تعرف وقوفاً، بعد ما كانت في الجاهلية تعيش
خمولاً لا يتجاوز بها تدبير المطالب الضرورية للحياة, وقد بلغت هذه
الحركة الفكرية من قوّة الدّفع، ومن الابتكارية والريادة ما ظهر عند
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو البدوي الذي لم يكن يعرف غير حياة
البداوة، من فكر إداري وضع به أصول الإدارة لدولة عظمى مترامية الأطراف.
ثالثاً: النفير العملي:
قد يحصل في ذات الفرد نفير نفسي إرادي، وقد يحصل أيضاً نفير فكري، ولكن
ذلك كلّه يبقى نزوعاً في النّفس وإن يكن قوياً دافعاً، وحركة في العقل
وإن تكن نشيطة هادفة، فلا يجد هذا ولا ذاك طريقة إلى أن يصبح واقعاً
يجري به السّلوك؛ إذ لا تنشأ في الفرد نزعة عملية تحوّل على سبيل
التلقائية نزوع النفس وحركة الفكر إلى إنجاز سلوكي. وحينئذ فإنّ عنصراً
مهماً من عناصر النّفير يكون قد تخلّف، وهو ما نعنيه في هذا الموطن
بالنفير العملي.
ومعنى النفير العملي ان يحدث في كيان الفرد المسلم تحفّز في ملكته
العملية يصير به على درجة عالية من الاستجابة لتحويل الأفكار إلى عمل،
بحيث تكون الأفكار التي تحلّ بذهنه سواء كانت مطلوبات دينية مباشرة
كالعبادات بالمعنى الخاص، أو كانت مطلوبات دينية في شؤون الحياة على
اختلافها، بحيث تكون تلك الأفكار كلها آخذة طريقها إلى العمل التطبيقي
فيما يشبه التلقائية، فإذا المسلم لا يُرى في حال النفير هذه إلا وهو
دائب في تحويل ما يستقرّ عليه العقل من رأي إلى إنجاز في الواقع، في كل
مجال من مجالات الحياة، وفي أي موقع يكون فيه. ولا يكون هذا النفير
العملي مستجمعاً لمعناه الذي نريد حتّى يتوفّر على العناصر الأساسية
التالية:
العنصر الأوّل: هو التلقائية، وهي أن يكون الإنجاز العملي للآراء
صادراً من المسلم صدوراً تلقائياً بما يقتضيه ذلك من السّرعة في
الإنجاز، ومن الإصرار عليه حتى يكون هذا الإنجاز هو الحالة الطبيعية
التي تؤول إليها الآراء، فإذا ما انحبست عنها كان ذلك عارضاً مخالفاً
للمجرى الطبيعي فيسّبب القلق والاضطراب حتى يؤول الأمر إلى مجراه
الإنجازي.
العنصر الثاني: هو الفعالية، ومعناها أن يكون العمل الذي ينجز عملاً
فاعلاً، أي محقّقاً للغرض الذي من أجله استحدثت الفكرة التي تطلبه،
وذلك بما يتمّ عليه من إخلاص ودقة وإتقان. وإننا لنجد كثيراً من
الأفراد تنمو عندهم ملكة العمل، فتراهم في دأب إنجازي، ولكنّ ممارستهم
لأعمالهم لا يكون فيها من التروّي والتبصّر والإتقان ما يجعل تلك
الأعمال فاعلة، أي مؤدّية لأغراضها، بل تكون على شيء من الاضطراب
والتشويش والخلل بحيث لا تكون لها ثمرة تذكر.
والعنصر الثالث: هو الغائية، ومعناها أن يكون العمل الذي ينجز قائماً
في إنجازه أثناء مختلف مراحله على الغاية التي من أجلها ينجز، والغاية
في قضية الحال هي أن يكون العمل محقّقاً للخلافة في الأرض والتعمير
فيها باعتبار أنّ ذلك هو المعنى الإسلامي للتحضّر، وإذن فإنّ المسلم في
حال النّفير العملي يقتضي الأمر منه أن يكون عمله الإنجازي في كلّ
شؤونه مُكيَّفاً بحيث يحقّق غاية التحضّر بالمفهوم الخلافي. |