|
محطات
الادب الشعبي العراقي
عبد الكريم الوائلي
ان التراث الحضاري هو رمز المجتمع الذي يميزه عن سائر المجتمعات
بالخصوصية التي ينفرد بها والادب الشعبي العراقي هو جزء من هذا التراث
الذي ورثناه وهو استمرار لفنون الادب الشعبي الذي لا زال يرفد بأشعار
جديدة حافظت على الخط القديم من النظم.. يقول الاستاذ ماجد شبر في
كتابه الادب الشعبي والصادر في لندن عام 1995 (ان الملاحظ للشعر الشعبي
من وجهة نظر شعراء الفصحى وادبائها هو خصم ومنافس ذو مرتبه متدنيه حيث
لقى هذا النوع من الشعر اعراضا واهمالا ومحاربة من قبل هؤلاء الشعراء
وامثالهم من النقاد والدارسين والباحثين فلم يعن احد بصورة صحيحة بجمع
هذا التراث الضخم برز فيه شعراء اجادوا وابدعوا.. ان هذا التراث الذي
تأكل رويداً رويداً بقي واستمر الى يومنا هذا على ما هو عليه لاعطانا
صورا واضحة تساعد على احوال من سبقنا من الاباء والاجداد كما ان من
اسباب ضياعه وتأكله الخسارة داخل حدود اقليمية وتعرضه في كثير من
الاحيان الى الزياده والتغيير والتبدل بل التحوير وعدم توفر امكانية
الطباعة في منابر الزمان واضافة الى كل ذلك لم يكن الحكام والامراء
المتنفذون يولون اهتماما للشعر العامي وجمعه وتدوينه لانه في رأيهم
يمثل حالة الشعب وليس الحاكم على عكس الشعر الفصيح ولهذا فاننا لا نجده
مخطوطات قديمه او كتبا تبحث في هذا اللون من الشعر.. ومن هنا نقول ان
الاستافدة من الادب الشعبي العراقي العامي يعتبر امرا غاية في الاهمية
لدراسة ومعرفة احداث اجتماعية وتاريخية تعكس جزءا من سلوك اسلافنا من
الافراد لان الشاعر الشعبي اقل تكلفا من نظيره المتخصص في الشعر الفصيح
الذي غالبا ما يخاطب في اثاره واعماله وادبه طبقة معينه من الناس بينما
نرى الاول لا يخاطب الا الطبقات البسيطة وهذا ما يجعله اكثر صدقا من
غيره من التعبير عن اوضاع الجماهير.. لقد عاش العراق تحت نير الاستعمار
المباشر تزيد على سبعمائة عام وقد ساهمت هذه الفترة في دخول الكلمات
التركية الفارسية والهندية والانكليزية الى خط اللغة العربية ولكن
الامر اختلف كليا بعد قيام الدولة الحديثة عام 1920 حيث عملت الحكومات
على جعل اللغة العربية الفصحى اساس العمل فبدأت تختفي غالبية الكلمات
التركية وغيرها من استعمال الناس الى اللغة الام وهي اللغة العربية ..
لقد ظل العراقي متمسكا بالكلمات العربية ولم تستطيع اللغات الاجنبية
التغلغل داخل مفردات كلماته . وذلك لضعف الدول الى بسط سيطرتها على
مناطق الفلاحين لا سيما منطقة الفرات الاوسط . لقد ظل الشعر الشعبي
اكثر الابواب طرقا من قبل الشعراء حيث يمتاز باسلوبه وايقاعه النغمي
الموسيقي وله اسلوب مميز يختلف عن اسلوب الشعر الفصيح ولكن يجاريه في
بعض الخواص الفنية حيث يمتاز هذا الشعر باعتماده على موازين بحور الشعر
ليس بشكل اعتباطي كما يتصور البعض.. ان استعمال الشعر الشعبي للغة
العاميه اعطاه سحرا وقابيله على الحفظ والفهم وسهل عملية تناقله بين
الناس بصورة كبيرة . واخيرا فان كتاب الاستاذ ماجد شبر يعتبر من الكتب
المهمة في الادب الشعبي بتبويب جميل ومنسق منه مرجعا لمن يريد ان
يتعرف على الادب الشعبي العراقي .. حيث يعطي الكتاب امثله لكل نوع من
انواع الادب الذي طرقه شبر خاتما كتابه بقسم اخير هو مدرسة الشاعر عزيز
علي .. وفق الله الاستاذ ماجد شبر ومن الله التوفيق
جئنا محررين لا فاتحين !
حسين شهيد المالكي
كان الجنرال ستانلي مود اول حاكم بريطاني وقائد القوات البريطانية التي
زحفت على بغداد واحتلها يوم 11/3/1917 .. بعد ان خاض معارك ضارية مع
الاتراك وانتصر فيها الواحدة بعد الاخرى حتى دخل بغداد العاصمة وبعدها
استمرت قواته في الاستيلاء على بقية المدن العراقية .. وبذلك انتهت اخر
ايام الحكم العثماني في العراق :وفي يوم 19/3/1917 نشر بيانه المشهور
على العراقيين والذي جاء فيه :(جئنا محررين لا فاتحين) وبعدها بدا
الخلاف يدب بين (الجنرال مود) والسيد (بريس كوكس) بسبب طبيعة الجنرال
مود الذي كان يحب التسلط والاستيلاء وادارة كل الامور بنفسه عسكرية
كانت ام سياسية .. وفي مساء يوم 14/11/1917 حضر الجنرال مود حفلة في
مدرسة الالياس اليهودية وتناول فيها الحليب وبعد عودته الى بيته شعر
بتوعك في صحته ثم اشتد به المرض وبعد الفحص والمعالجة ظهر انه مصاب
بنوع من الكوليرا وفي مساء يوم 18/11/1917 لفظ انفاسه الاخيرة ودفن في
مقبرة الانكليز قرب باب المعظم .. ثم جاء بعده ضابطا شابا في (24) سنة
من عمره وكان عيب ولسن انه لم يفهم المجتمع العراقي كما فهمه زميله
كوكس . وقد تخرج من الكليه العسكرية في بريطانيا (1903) وكان يؤمن بما
يسميه (رسالة الرجل الابيض في تمدين الشعوب ). وكان يعتقد ان العراقيين
غير قادرين على حكم انفسهم ولهذا يجب تدريبهم والاخذ بيدهم وان يحكم
العراق حكما انكليزيا مباشرا وعند اشتداد الثورة العراقية فكرت الحكومة
البريطانية باستبداله (بالسير برسي كوكس) الذي اهدا الحالة وراغ وخادع
حتى فرض الانتداب باسم الوصاية .. وبهذا وصل مالم يستطيع الوصول اليه
في حكم العراق ..واستطاع اخماد الثورة العراقية عام (1920) واصبح السير
برسي كوكس مندوب الحكومة على عكس ما كان عليه سلفه من الصرامة والشدة
. فقد كان كوكس معروفا بدهائه الانكليزي المخادع وسياسته الثعلبية
الماكرة جاء الى العراق اول مرة مع الجنرال مود بوظيفة حاكم سياسي من
قبل القائد العام في العراق (1917) ثم نقل الى طهران ليتولى منصب
الوزير المفوض البريطاني وعاد ثانية الى بغداد (1920) لتهدئة الحالة
وتشكيل الحكومة الموقتة فألفها برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب وجعل
شأنها والعدم سواء. حيث كانت السلطة بيد المستشارين والمسؤولية على
الوزراء . وحضر (كوكس)مؤتمر القاهرة لدراسة شؤون الشرق الاوسط ، وهو
الذي اقترح تأسيس الجيش العراقي ليخفف من اعباء بريطانيا ، وهو الذي
اجرى التصويت العام والمناداة بالامير فيصل ملكا على العراق تأيدا
لقرار مجلس الوزراء في (11/7/1921 ) وعمل ايضا على تأسيس المجلس
التأسيسي في (28/2/1922) عند مرض الملك مارس الحكم مباشرة فأمر باغلاق
الاحزاب وتعطيل الصحف واعتقال اصحابها وغيرهم من الوطنين ونفيهم الى
(جزيرة هنبمام) وارسل الطائرات لقصف القبائل المؤيدة للحركة الوطنية
العراقية..
العقل جوهرة الأمر بالمعروف
حامد المهيري
”رأس
العقل المداراة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" هذا
الحديث النبوي تضمّن ميزة العقل الإنساني الذي يميز به صاحبه بين ما
ينفع وما يضر، فيسارع إلى فعل ما ينفع وتجنب ما يضر إذا تصرف كإنسان
صالح كرّمه ربه، إلا أنه يوجد في المجتمعات نوع من الناس لا يدرك معنى
تكريمه، ولا يلتزم بسلوك الراشدين فيقع في الزلل، إما جهلا بقبحه أو
بسوء نتائجه، وإما استهتارا وسوء أدب، ولو ترك المقصر بغير نصح وإرشاد
لأساء إلى نفسه وإلى المجتمع.أما إذا وجد الناصح الأمين فعلّم الجاهل وأرشد
الضال كان من وراء ذلك سلامتهما وسلامة الأمة كلها، وقد أرشدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى ما للنصيحة من أثر في تقدير الإسلام حتى
جعلها هي الدين، فقال ""الدين النصيحة". من أجل ذلك أمرنا الله تعالى
بأن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، فقال "ولتكن منكم
أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم
المفلحون" "آل عمران104”.فهذا تكليف ليس بالهين ولا باليسير لأنه يصادم
شهوات كثير من الناس ورغباتهم، وفيهم الجبار المتكبر، ومنهم المفسد
المغرق في الفساد، ولكن هو تكليف محبب إلى النفوس المؤمنة التي تنشد
إصلاح المجتمع، وربطه بالقوة الخالقة الخالدة، وأصحاب هذه النفوس
الطيبة لا يبالون بما يصيبهم من أذى أو مكروه.. وهم بذلك يستأهلون أن
يقول فيهم القرآن الكريم "وأولئك هم المفلحون" "البقرة5" هم المفلحون
في دعوتهم لأنها دعوة الخير، المفلحون في حياتهم، لأنهم ينفقونها فيما
يرضي الله، وهم المفلحون في أخراهم بما قدموا بين أيديهم من حسنات.
الإسلام جعل العقل عماد الاعتقاد، وحارس الدعوة، حتى يتحرر المرء من
الإرغام والتبعية والتقليد وحتى لا يكون من أهل الضلال، فالقرآن يقول
"ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" "يونس100" والذين لا يستخدمون
عقولهم وقلوبهم وحواسهم في البحث والتفكير وصفهم القرآن بقوله "أولئك
كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" "الأعراف179". لهذا أكد الرسول
عليه الصلاة والسلام على دور العقل في الإيمان والعبادة فقال "لكل شيء
دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول
الفجار في النار "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير""
"الملك10”.الإسلام، في سبيل تحريره للعقول والقلوب، طالب
الناس بأن يستمعوا لما يقال وأن ينظروا فيه ليميزوا بين طيبه وخبيثه؛
وعلى هذا الأساس يقول القرآن "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب" "الزمر18"،
والحديث النبوي يقول "الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها"
ويقول "اطلبوا العلم ولو في الصين"، وحين قال الرسول عليه الصلاة
والسلام هذا، لم تكن هناك بين المسلين والصين علاقات سياسية أو
اقتصادية أو ثقافية، ولكنه الهدي النبوي الرائع في التحريض على طلب
العلم والهدي والحق في أي مكان مهما كان بعيدا.
فالإسلام أقيم على أصل جوهري ثابت هو عقيدة
التوحيد التي تعبر عنها كلمة "لا إله إلا الله" هذه الوحدانية تحرير من
الخضوع لغير الله ومن الذل أمام أحد سواه؛ فالمسلم إذا آمن بربه الواحد
الأحد اعتز به ولجأ إليه، واعتمد عليه وأخلص العبادة له، ولهذا فالمسلم
الحق والذي يتوجه في دعواته وابتهالاته واستعاناته إلى الله مباشرة بلا
وسيط أو شريك كما أمر الخالق رسوله بقوله "وإذا سألك عبادي عني فإني
قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم
يرشدون" "البقرة186.. لذلك فإن الله لم يفوّض لأحد سلطة دينية على أحد،
فالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه– وهو خير خلق الله وأمين وحيه– هو
مبلغ ومذكر وليس بمهيمن ولا مسيطر "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم
بمصيطر" "الغاشية21- 22"، "إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" "الرعد40".
وإذا كان الإسلام قد حرر الإنسان في تفكيره واعتقاده من أي قيد باطل أو
متابعة هزيلة، فقد ذكره في الوقت نفسه بأن يستمسك بالحق فإن الحق لن
ينقلب باطلا مهما قلّ متبعوه، وإن الباطل لن ينقلب حقا مهما كثر
مشايعوه..
الشخصية والتوافق
اعداد / سرى خالد الجنابي
اذا كان التوافق في معناه العام يشمل كل نشاط يقوم به الكائن الحي بما
يحقق له الاشباع والتلاؤم في سياق تعامله مع الظروف المختلفة فأن
الشخصية هي الاخرى دائمة البحث عن التوافق في مسعاها الحياتي ، فهي
دينامية ونشوئية تعكس عبر مراحل تطورها لدى الفرد اشباعات مختلفة حتى
خلال مراحلها الاولى التي تميز مرحلة الطفولة ، وان كانت الشخصية تتسم
بعدم التبلور ، ولكن التوافق يجعلها تصل الى مرحلة المرونة رغم ان هناك
درجة من الاهتزاز في تكوين الشخصية ، ففي تلك المراحل قبل تبلورها تارة
تميل الى الكبت وتارة الى التفعيل والتفاعل مع الاخرين ، فالطفل حينما
يبحث عن التوافق انما ينتقل بين الانطواء والانبساط ، ويعبر في احيان
كثيرة عن السلوك العدواني اما من الداخل فيتألم واما الى الخارج في
احيان اخرى بصورة انفعالات ، والعنصر الاساس هنا هو القلق وعمقه
وطبيعته ، فالانسان عبر مراحل حياته ينتابه القلق من طفولته الى
مراهقته الى بلوغه ، ولكل مرحلة متطلباتها وما ينتابها من قلق ، ويقول
علماء النفس اذا كانت درجة القلق محتملة ( قابلة للتحمل ) واستمر
الانسان متكيفا مع بيئته فأنه قد يكتسب المزيد من الثقة والقدرة على
التكيف بحيث يستطيع ولو جزئيا على هذا القلق ، اما اذا زادت درجة القلق
او كانت درجته اعمق بحيث لا يستطيع الفرد تحمله فانه سوف يلجأ الى
وسائل مختلفة للتغلب على هذه الحالة او الوضع النفسي ، وهنا قد يتحول
الانسان القلق الى نمط آخر من اضطرابات الشخصية ، ويخرج من توافقه
النفسي وربما يقوده الى اضطراب العصاب او الذهان ، لابد هنا من التفريق
بين مفهومي التكيف والتوافق ، فالتكيف يعني انسجام الفرد مع عالمه
المحيط به ، اما التوافق فيعني العمليات النفسية البنائية في مقابل
التكيف الذي يعني السلوك الاجتماعي ، اي انه يعني الحرية من الضغوط
والصراعات النفسية ، هو انسجام البناء الدينامي للفرد ان الشخصية
الانسانية وهي تبحث عن التوافق انما تبحث عن الاتزان الانفعالي ، ونعني
به قدرة الشخص على السيطرة على انفعالاته المختلفة والتعبير عنها بحسب
ما تقتضيه الظروف وبالشكل الذي يتناسب مع قدرته وطاقته على استيعاب
المواقف الحياتية ، لهذا عندما نقول ان الشخصية تتسم بالثبات النسبي ،
انما هو ثبات الاستجابة الانفعالية في المواقف الحياتية الضاغطة وهي
علامة مميزة للتوافق وعلامة تدل على الصحة النفسية والاستقرار
الانفعالي في الشخصية ، هنا لابد لنا ان نفرق بين التوافق الاجتماعي
والتوافق الشخصي ( الذاتي ) والتوافق العقلي والتوافق الديني والتوافق
الجنسي والتوافق المهني والتوافق الدراسي ، فأي اضطراب او خلل في هذه
التوافقات ينعكس حتما على الشخصية ، فالاصل في التوافق هو تعديل الكائن
بحيث سلوكه مع الظروف ، وهو ما سماه كارل يونغ مغايرة او يلجأ الكائن
الى احداث تعديل في البيئة وهو ما اسماه مماثلة او يعدل الكائن بعضا
منه وبعضا من البيئة لاعادة التوافق والتوازن ، يقول العالم النفسي
احمد فائق ( ان التوافق هو حالة وقتية تتزن فيها قوى المجال بما فيه
الشخص ذاته ، فكل مجال انساني يتضمن عديدا من القوى المتنافرة
المتنازعة ، ويتضمن الانسان الذي سينمو بسلوكه انتحاءا خاصا حسب نظام
هذه القوى حيث ينعكس عليه تأثير هذا الانتحاء ،فعندما يوجد انسان في
مجال جديد كالدراسة الجامعية فأن القوى التي تتنازعه في هذا المجال لا
تستقر بسرعة ولا توجد اصلا على استقرار ، فمن جانب سيجد ان الدراسة في
الجامعة من طبيعة مختلفة يزيد فيها قدر الابتكار عن الحفظ بعكس ما كانت
عليه الدراسة الثانوية ، ثم يجد ان نظام التدريس يتيح له قدر اكبر من
الحرية التي كانت محدودة في نظام الحضور والغياب في المدرسة ، ذلك
بالاضافة الى ان طبيعة العلاقات الانسانية في الجامعة ذات شكل غير رسمي
لاختلاف الاقسام عن نظام الصفوف ) وهكذا يختل الاتزان الشخصي للطالب
الذي كان قد استقر على الخضوع لقوى خارجية تفرض النظام واصبح يستلزم
خلق نظام داخلي ذاتي، لذلك كان موضوع التوافق موضوعا صراعيا في حد ذاته
ينعكس على الشخصية واتزانها ،بمعنى آخر ان التوافق هو نتاج قوى متصارعة
بين شخصية الفرد وبيئته،امكانياته والفرص المتاحة له في بيئته ، ولا
يمكن لدارس علم النفس ان يدرس الانسان ان لم ينظر الى التوافق باعتباره
عامل مؤثر ومتأثر ، قابل للتأثر والتأثير وينعكس مباشرة على الاتزان
الشخصي والنفسي ، وهو الحال كذلك في جميع التوافقات الاخرى ، ترى نظرية
التحليل النفسي ان الشخصية مزيج بين الناحية الدينامية والناحية
التكوينية ، وان فرويد أحسن التمييز بينهما( الدينامية والتكوينية )
فوجهة النظر التكوينية تفسر السمات الشخصية والانماط السلوكية على ضوء
التطور النفسي ، اذ ان مقارنة تاريخ حياة الافراد تكشف عن بعض الثوابت
في تتابع وترابط انماط السلوك ، وقد وصف فرويد منذ عهد مبكر مراحل تطور
الغرائز ومراحل تطور العلاقات مع الموضوع ، وعلى هذا النمو يمكن دائما
فهم اي سلوك او سمة شخصية او عرض بوصفها ارتقاءا او نكوصا ً، وهو الحال
في سوء التوافق وانعكاس ذلك على الشخصية ، اذا ما سلمنا جدلا بان علم
الشخصية هو الدراسة الكلينيكية للسلوك الملموس والخبرات التي يحياها
الشخص في اتصاله مع بيئته ، ونضطر لان نستخدم التكيف التكتيكي تعبيرا
نقصد به تحقيق التوافق بين مجتمعات بني الانسان في صراعها المرير مع
بيئاتها الفيزيقية ، وهكذا ايضا استخدم علماء الاجتماع اصطلاح التكيف
الاجتماعي لكي يدل على عملية التوافق بين افراد متعارضين او بين جماعات
متنافرة ، ونعود مرة اخرى للتحليل النفسي بتعبير "اوتو فينخل"باستخدامه
التكيف الدينامي ، وعرفه بانه العثور على حلول مشتركة التي تمثلها
الحوافز الداخلية والمثيرات الخارجية القائمة على الكف او التهديد حتى
نخلق سوء التوافق او التوافق الانهزامي وهو ان يلجأ الفرد الى السلبية
او الخيالات او النكوص ، او ربما يكون توافقا بالكبت او الخوف كما قد
يلجأ الفرد الى التوافق بردود الفعل المستمرة التي لا تؤدي الى توافق
سوي مثل القلق او الانطواء ،وهو سوء التوافق بعينه حينما يلجأ الفرد
الى اسلوب الاستجابة بوساطة ميكانيزمات الدفاع"حيل الدفاع" مثل الاسقاط
، الكبت ، النقل ، العزل...
خصخصة الإقتصاد العراقي...خيار ستراتيجي سليم
بقلم الدكتور سامي حمادي...أكاديمي عراقي مقيم في أوربا
الحلقة العاشرة
إن هذه العملية تحتم تغيير طبيعة الملكية و إقامة بنى تحتية مؤسساتية
جديدة و إشاعة ثقافة الحرية الإ قتصادية و حرية الإختيار و حرية
المنافسة.. كما أن التغيرات الاقتصادية الجذرية لها متغيرات مؤثرة على
المكونات السوسيولوجية للمجتمع العراقي و خاصة في ما يتعلق العقلية و
ببروز شرائح جديدة من العاملين و إنحسار شرائح أخرى، و بطريقة
التفكير و التعامل بين المجاميع و الأفراد و بين إعادة ترتيب الأولويات
الإجتماعية. ولعل قراءة ذكية لمؤلفات المرحوم الدكتور علي الوردي يمكن
ان تساعد على تفهم طبيعة المجتمع العراقي والفرد العراقي.. إن ما يجب
الإنتباه له في هذه المرحلة المهمة هو ابعاد ظاهرة الثورة السوسيولوجية
في المجتمع العراقي.. وهذه الثورة تتجسد ببروز أجيال جديدة من أصحاب
المشاريع و رؤوس الأموال و رجال الأموال و المدراء.. فهذه الشرائح تحمل
معها بذور المبادرة و التحدي و المنافسة و تحمل المخاطر و جني
الأرباح.. فهي تشكل المحرك الفعال لإ قتصاد السوق و المشروع الحر و
من دونها لا يمكن لعجلة الإنتاج أن تتحرك و أن تواصل مسارها. هذه
الشريحة من المجتمع تستثمر رؤوس الأموال و تقيم المشاريع و ترسم
ستراتيجيات و سياسات عامة و تضع برامج و خطط و تحدد أهدافا و تعمل
جاهدة على تحقيق الأرباح.. و لهذا يجب أن يتقبل المجتمع العراقي في
إتجاهاته الجديدة ثقافة الحصول على الأرباح و التي من دونها لا يمكن
الحديث عن إقتصاد السوق و المشروع الحر. و بقدر ما تكون لهذه الشرائح
الجديدة من أهمية في قيادة و إدارة الإ قتصاد و تطويره، وتنميته،
فعليها مسؤولية كبيرة و يعول عليها أن تكون لها أهداف واضحة تخدم
المجتمع بكامله و ألا تنحصر أولوياتها على الأرباح فقط, بل يجب أن
تراعي مصالح الشرائح الأخرى من المجتمع و أن تعمل على إحترام حقوق
العاملين و تطلعاتهم و كذلك إحترام البيئة.. إن المسؤولية الإجتماعية و
الشفافية و الأخلاقية أصبحت اليوم من أهم الأهداف التي يجب المشاريع
الخاصة على تحقيقها.. إن إمتلاك رؤوس الأموال و قيادة الاقتصاد
وادارته لا تعطي لهذه الشرائح الحقوق فقط بل و الواجبات أيضا إن تحقيق
ذلك يجب أن يتم عن طريق القانون في حالة الضرورة. إن المشاريع المخصخصة
لا يمكنها أن تنجح و تحقق أهدافها المرسومة لها و تساهم في بناء
إقتصاد عراقي سليم، إلا إذا كانت هذه المشاريع و الشركات و المؤسسات
تطبق مبادئ الإدارة الحديثة و يتولى المسؤولية فيها إداريون جيدون لهم
القدرة على رسم السياسات و الستراتيجيات و تحديد الأهداف و وضع البرامج
و الخطط و تفنيدها مع الأخذ بنظر الإعتبار التغيرات و التحولات السريعة
في البيئة التي يعمل بها المشروع و التكيف بفعالية للتطورات بمختلف
أنواعها.. إن المشاريع العراقية المخصصة يجب أن تحمل وجها جديدا... و
ذلك يتطلب أن تكون فلسفة مشاريع القطاع الخاص مبنية على أسس تأخذ بنظر
الإعتبار التطورات المتلاحقة و السريعة في الإ فتصاد العالمي والثورة
المعلوماتية و في البيئة الخارجية.. إن مشاريع و شركات و مؤسسات القطاع
الخاص يجب أن تحتوي على بُعد إنساني و
أن تكون النماذج الإدارية التي تختارها ذات عمق
ديموقراطي.. من النماذج الديموقراطية التي يمكن تطبيقها في إدارة
المشاريع نموذج المشاركة.. أي مشاركة العاملين بحياة المشروع، و
بمستقبله. إن فلسفة المشاركة تعتبر نمطا متميزا يمكن أن يحقق الأهداف
التي تحددها مختلف الأطراف، كل وفقا لمصلحته الخاصة. يمكن تفهم أهمية
فلسفة المشاركة على عدة مستويات من أهمها : مستوى الأهداف و مستوى
المشاركة.. مستوى الأهداف : من منظور المدراء القياديين الذين يحتلون
المواقع المتقدمة في السلم الإداري (الرؤساء، نواب الرؤساء, المدراء
العامون ، المدراء العامون المساعدون... إلخ) تعتبر فلسفة المشاركة و
سيلة فعالة لتحقيق أهداف إنتاجية بحتة. بمعنى آخر أن المشاركة تعمل على
تقليص الكلف و خاصة الكلف غير مرئية الناتجة عن الإضطرابات الإجتماعية
(الإضطربات، التأخر و التباطؤ في العمل، التغيب عن العمل... إلخ) و
يعود الفضل لهذا الإنخفاض في الكلف إلى إرتفاع الإنتاجية المتأنية من
المحفزات العالية المقدمة للعاملين و عن تقليص عدد المنازعات، التي
تعرقل تنظيم الإنتاج أو شلله.. أما منظور الغاية الإجتماعية، فيمكن
القول بان مفهوم المشاركة يتماشى و الأهداف الإجتماعية للمشروع.
فالمشروع يعتبر قبل كل شيء تجمعا إنسانيا، تؤدي مشاركة كل فرد بداخله
إلى تشجيع عملية إزدهاره و تفتحه الشخصي وإلى تحقيق الإ نسجام
الجماعي بآن واحد. طبقا لهذا النموذج، يتحتم على المشروع الاّ يستجيب
لرغبات الزبائن في السوق فحسب, بل يجب أن يحقق حاجات و رغبات و تطلعات
العاملين في داخله أيضا.
و في هذه الحالة يمكن القول بان البعد الإ نساني
يأتي ليضاف و لينضم إلى البعد الإقتصادي في قصدية و غاية المشروع. ومع
ذلك فإن الإهتمامات و المشاغل
الإجتماعية غالبا ما تشكل حالات ضغط أو وسائل تخدم أهداف الإ نتاجية و
الربحية.. و لهذا يجب العمل على تحقيق نوعا من التعايش بين الأهداف
الإجتماعية و الأهداف
الإ قتصادية ( الإ نتاجية و الربحية).. |