|
فضاءات ثقافية
رؤيا الوعي في المجموعة الشعرية قراءة (احتراق الظل) لـ..إبراهيم
الزبيدي
موسى القريشي
ثمة موقف للشاعر من الحياة والمجتمع يتجسد عبر أكثر من طريق والتطلع
إليه يأخذ أكثر من رؤية.والرؤية الغالبة التي تطفح على الساحة الأدبية
( رؤيا الوعي) وهذه الرؤيا تحمل الشاعر أن يحطم الحدود التي تقتحم
الحاضر الموغل بالتناقضات من عنف وإرهاب ودمار و استبداد.وبقدر ما يظل
الشاعر مصلوباً في دماره الذاتي يظل محافظاً على بقاء رفضه لجميع هذه
الحدود وهو التحدي الأصعب ليتحقق الحلم المنشود الكامن في خلجات نفسه.و
إبراهيم الزبيدي شاعر مغيب كأي شاعر آخر فهو يتألم على عمره الذي
تتساقط أعوامه كأوراق الخريف وهو محبط كفرد مسه الضر كما مسَّ أبناء
وطنه. يؤرقه الواقع المؤلم ويحزنه الدمار ويغيظه فعل الأشرار والغرباء
وتناحر الأخوان ويمزق سمعه بكاء الأمهات الثكالى على أولادهن في مقابر
الشهداء.هذه المجموعة الشعرية التي أسماها ( احتراق الظل) تحمل في
ثنايا قصائدها رسالة واضحة أراد الزبيدي أن ينقلها إلى أسماع القراء
خطها بأنامله المبدعة من خلال ( عشرون قصيدة) تنوعت بأنواع أحاسيسه
المرهفة وتلونت بحياته المحبطة حيناً والمتفائلة حيناً آخر. رسمت صوراً
للواقع الاجتماعي الذي أعطى لقصائده أبعاداً إنسانية واسعة متجذرةً في
النفس الإنسانية عبرت عن ذاتها بشئ من المباشرة أحياناً والرمزية
أحياناً أخرى وبالخيال الممزوج بالواقع المر فهولا ينظر إلى الواقع
بعين ( كافكا) السوداوية ولا بعين ( البير كامو) التشاؤمية بل ينظر
إليه نظرة انتقادية تحريضية إصلاحية. فثمة بؤر تضئ في النفق المظلم
الذي يلف المجتمع معمدة ببصيص من التفاؤل للخلاص من تناقضات الحاضر
(المستحيل) إزاء وعي شعري يدرك كيفية رؤية مالا يرى لحظة الانكسار
وتبدد الحلم ورؤية الواقع بعينين منفتحتين قد تولد اللحظة السحرية
للخلاص من الضياع الذي يغدو موازياً رمزياً للعجز من وقف الدمار. ثمة
قراءة متأنية لقصائد مجموعته يتضح لنا جلياً إلى ما ذهبنا إليه.كما أن
الزبيدي كان دقيقاً في توظيف الصور والرموز وموجعات الواقع إذ تطلعنا
قصائده على أسرار حياته المؤلمة لأن فلسفته في الحياة عكست لنا إنشداده
الصميمي إلى الوطن بجميع جوارحه حتى أصبح هاجسه الأكبر حيث تجلى ذلك في
قصائده التي كتبت بتوتر انفعالي قوي صادق أكسب شعره تلقائية معمدة
بالنضوج الفكري والشعور الصادق تجاه الوطن وما يمر به من محن وويلات
وباندفاعات واعية في وحدة بنائية شعرية حديثة عبر ترانيمه الحزينة
ونفسيته المشدودة للعيش بأحضانه فجاءت غالبية قصائده تعبيراً عن عوالمه
المتنوعة بالصورة والإيحاء حيناً وبالتأمل الفكري حيناً آخر عبر رؤياه
التي تشكل الصورة الشعرية التي تحمل دلالات بنائية ونصية تستقي أفكارها
ومعانيها من الواقع الذي هو صورة عاكسة لسياقات التوليد والانزياح من
خلال مجمل المكونات البنائية والتشكيلية وعبر وشائج التألق والارتباط
بالوعي.إن إصلاح الواقع عبر مفهومه لا يتم إلا من خلال إعادة الاتساق
والتناسق إلى بنيته الاجتماعية المفككة.ثمة قراءة متأنية لمطلع قصيدته
الأولى ( همس الرؤيا) تجد أن مفردة ( غداً) قد تكررت مرتين وقد وفق
الشاعر في توظيفها بنحو منفرد ولافت للنظر فهو يقول..
غداً... رأيت الريح تعصف في الحقول.
غداً.... صديقاً قال لي ... ريحاً أتت
تهب الجفاف ...تداهم الشطآن حيناً
ثم تجتاح الضفاف
فغداً هنا عبرت عن استمرارية الدمار بقصديه من أجل تصعيد اللحظة
الشعرية من معاناة الواقع وعذاباته عرفها الزبيدي وتنبأ بها قبل أن
يطبق الدمار على كل شئ وفي هذه إشارة أشبه بإصدار إنذارات لشئ قبل
وقوعه في حركته واشتغاله إزاء ثقوب الإحباط و الفجيعة التي تلف المجتمع
و لكنه يترك بقايا من ذرات الأمل التي تشد القارئ ليتماهى مع النص على
إرهاصات سايكولوجية متنوعة و تصورات هي بمثابة رسائل يقظة للخروج من
النفق المظلم الذي يلف الوطن فهذه الإحساسات تثير لدى الشاعر نوعاً من
الحساسية إحساس باطني يعبر عنه حد الوسوسة التي هي في مفهوم علم النفس
تذهب إلى إنها " أفكار متسلطة على الفرد بشكل يزعج روتين الحياة
اليومي" و يتجسد ذلك في قصيدة (ضياع) إذ يقول فيها.
سرت منهكاً
بين مطبات بيوت الصفيح الضيقة
مثقلاً بالحسرات
لعلي أجد ملاذاً يحميني ... من هول الدمار
ها قد وصلت تواً
من أقاصي الكون
أتجرع مرارة الغربة
لأطفئ لهيب الفاقة المستديم
لقد استطاع إبراهيم الزبيدي أن يستخدم جميع أدواته التعبيرية فهو لا
يقتصر النقل من الواقع بل يتجاوز ذلك إلى رصد حركته المستقبلية ليسلط
الضوء على جوانبه المعتمة التي تزيد من عمق الإحساس بالمأساة التي
يعتمد من خلالها على تصوير الواقع الداخلي و الخارجي تصويراً حرفياً و
نلاحظ انه يعني بتعابير ومفردات تجسد الطبيعة المتحركة والصامتة.
فذكر الريح والعواصف و الدمار وكذلك الحقول والجداول والأرض والنخيل
لتدل كل مفردة عن عمق دلالتها في نفسية الشاعر الزبيدي التي تقول
أفقت من دنيا المنام
أفتش عن مأوى
وعن أرضِ للسلام
وفي قصيدة ( بوصلة الزمن) يجسد الضياع فيقول:
الجدول المسكين
يغفو على اليأس .....ويصحو
يدحرج أمواجه الواهنة ..... على استحياء
ليترك المأساة عالقة ... برمال الجرف الخاوي
أن هذه المفردات التي تظهر في قصائده أنما يعدها الجسر الذي يصنعه بين
الواقع الذي يكرهه ويرفضه والمستقبل المنشود الذي يرجوه ويتمناه ويعتقد
في قراراته انه لا بدًّ أن يثمر وان الإنسانية لا بد أن تنتصر والتي هي
خاصية من الخصائص الجوهرية لهذ الوطن و الناس الذي يعيشون على أرضه إذ
يقول في قصيدة (تساؤلات من عمق الإحساس).
مذ خلقنا ...... لهوى الشـر نديـن
سارت الأقدار عجلـى
وهي حبلى في المخـاض
لتلد إثماً مبيـن
كم تقاسمنا البلايـا
وتقاسمنا الهموم
و بها كرهاً قبلنـا
إلـى أن يقـول:
نحن أبنـاء العراق
نحن أبنـاء النخيل
وحضارات الخلـود
هي للدنيـا دليـل
ولعلنا نلمح الصدق العاطفي في هذه القصائد فهو يعزف على وتر حزين فتأتي
مفرداته صادقة تترقرق من حرارة انفعاله وعمق توجعه فهو ينتحب ويصاب
بالذهول حين يرى الريح تعصف بكل شئ لأنه يرى في الريح أشارة رمزية
للدمار " وحتى حظائر الفلاح والريف الحزين عطشى تحاصرها الأوجاع يضنيها
الأنين" كما يقول بعد عصف الريح ودمارها يبقى يفتش عن (مأوى وعن أرض
للسلام) يقول في قصيدة (عذراً يا وطن):
أجل أيها الوطن السامي
تعويذتي أنت و زادي
أخاف عليك من غدي
حين يعود..... ويطرق باب الأمس فيهلك الجميع
فالأشطر جاءت متميزة بشدة انفعاله و التصاقه بواقعه الذي يمثل المحور
الأساس فيه كما جاءت منسابة في عذوبة وحلاوة و تتوهج في لهيب وحرارة
فتتمثل فيها صورة عاطفية صادقة تكمن في دقة التعبير عن الأحاسيس التي
يثيرها التوتر النفسي في اللمسة الفنية وبهذا الشعور نجده قريباً إلى
النظرة النقدية الحديثة التي أكد عليها ( كولنجرد) إذ يقول:
أن الشاعر تحول إلى منتج ماهر ينتج من اجل مستهلكيه و ترمي مهارته إلى
إحداث تغيير معين في عقولهم يمكن تصوره سلفاً بأنه يمثل حالات مرغوبة.
مما تقدم نفهم أن إبراهيم الزبيدي لم يعد شاعراً منعزلاً عن الحياة و
المجتمعٍ بل أنه يعبر عن الوجدان الفردي بروح الجماعة إزاء الأحاسيس
التي يقع تحت تأثيرها وهنا نورد مقطعاً يعبر عن مدى التصاقه بواقعه
ويكشف عن مدى تبرمه من الغربة إذ يقول:
بالأمس القريب
رحلت عنك أيها الوطن المجيد
أوصلتني راحلة الخوف
إلى مدن الشياطين لأنتهي بين أطرافها القصية مرغمـاً .... لا لشـئ.
معيار نقد الشعر الراهن يحتاج إلى معيار
شاكر لعيبي
عريض هذا السؤال، ويحيل إلى مقاربات، سأقول من كل نوع، ويمكن أن يجاب
عليه من أبواب شتى لكأنه سؤال عن الشعر أو الشعرية في علاقتها بوعي آخر
أكثر انشغالاً اشتغالاً على تخطي الاستعارة البائدة، المكرورة، المقيمة
والقديمة، كما في صياغة، باللغة في المقام الأول، القصيدة صالة أم قصرت
والعالم غوي أم غني أم صار حكيما. لكأن الشاعر الحديث كائن اجتمعت لديه
الخلاصات والإيقاعات والمعاني، لكأنه وريثها ومستخدمها بخفة مختار
مخير، يعرف ما ينتقي وما لا ينتقي، لكأنه عودة مبررة، بالمقارنة مع
المراجع المشكوك بحداثتها، إلى نبع الشعر الذي هو كينونة ذات طبائع
خاصة، مكتوي، تعي، وملومة لأنها تعيد طرح السؤالات وأولها : حداثة إزاء
ماذا؟ وتبحث عن الشعر في أماكنه المتعارف عليها وفي أماكن مجهولة.
إنه مخيلة سيكون أي موضوع موضوعاً لتأملها لبصيرتها، سينلغي الموضوع
التقليدي لصالح الشعر المعلن التماعاته لوحدها : م وردة مقطوعة إلى
أخرى مهداة ثمة العدم العصي على التعبير أونغاريتي. وحتى لو لم يكن ثمة
من عدم عصي على التعبير بينهما فإن الموضوع، حتى لو كان موضوعاً محدداً
بعينه، فإنه سيغدو لدى الشاعر الحديث مناسبة لقول ما لم يقل في هذا
الموضوع، ثمة دوما محاولة لاستقصاء واستنطاق العصي، استقصاء العشبة في
امتدادها في ضياء الحقل عبر تلك القوانين الهوائية للاستعارة. هذا
الشاعر هو مسعى منهمك بمطابقة الشعر مع الشعر، طالعاً من حداثة اسمها
الآخر تأمل تاريخي وعبر تاريخي أدبي وعبر أدبي. معارف ونقد للمعارف.
إنه يقدر على بناء نصه، بأدوات النص، بأقل تقليد ممكن وبأقل إعادة، لأن
هذين يبدوان محتمين بشكل وبآخر، اصطفاء وحذر يسمحان للأساسي بالتدفق
والشخوص. موحداً ومفارقا، بجلاء شمسي، الكائنات والأشياء. ثمة أدوات
تُصنع القصيدة بها ويمكن تعداد بعضها: الاستعارة، التشبيه، المفارقة
اللفظية ثمة تسميات لسانية لها، الكناية.. الخ التي تخضع على يديه
لإعادة غربلة، حدسية أحياناً. إنني أفضل التحدث عن النص والنصية في
مقام الشاعر الحديث. إنه يغترف من كل ينبوع ويشرب من نهر آخر. إنه يدل
على نفسه من النظرة الأولى، من حذاقته في تقديم الفعل أو الاسم، في
تقديم أو تأخير الصفة أو الحال، في استخدام الصفات التي ليست بعيب
شعري، في خلق الصورة البسيطة جداً ولكن العميقة جداً، أو في خلق الصورة
المعقدة، المسترسلة التي توحي، فحسب، بأطناب بلاغي، الطويلة، الكثة
والكثيفة التي لن يقبلها من لم يتوقف طويلاً أمام نثرنا القديم، في
التحليق مع الإيقاع أو القطيعة معه، نص يوحي، مرات، بسهولة وتبدو للبعض
تقنياته بمثابة قوانين أو ألعاب، سيان، معروفة وتبدو لغته وقد صارت
مرجعاً لكل زاعم، وهو ذات الأمر تاريخياً مع الشعر، الأمر الذي لا يمنع
نظراً حصيفاً من تمييز هذا النص، إنه يدل على نفسه بإشاراته.
إذا كانت الظاهرة المنتشية، ذات التقاليد العريقة في الثقافة العربية
هي الشعر فما المانع من أن تظهر آثار شعرية في الثمانينات وأن تضيف
إضافات. هذه بداهة. سوى أن الأمر أبعد من ذلك قليلاً ويتعلق بظاهرة
التقسيمات الصارمة، المتجهمة للأجيال المستمدة بدورها من تراتبات قادمة
من حقل آخر. من عقل آخر. إننا بهذه التصنيفات نختصر، عسفاً، الشعر
العربي المعاصر كله إلى بضعة أسماء بمثابة منارات مؤبدة، وبعدئذ سنهبط
في الزمن ونأخذ من كل جيل لاحق اسماً أو أثنين ونتجاهل ما سواها.
نتجاهل بذلك قيماً أدبية. إننا نميل إلى إلحاق الأحدث بالأسبق دون
أعراف ودون نقود مبرهنة، إننا نجد لكل قادم أباً ولكل طالع سلفاً. يبقى
أن الفارق التراجيدي بين الأجيال الأولى وأجيالنا هو أن أولئك ظهروا في
فترة من التاريخ هي فترة نهوض أولي، بذور حداثة ظلت لدى بعض أسمائه
بذوراً. كانت الأمية فاشية والمدرسة والمطبعة لم تتخذا بعد طابعاً
شاملاً. كان نشر الكتاب أكثر سهولة. إن العرب قد شهدوا تحولات بالمعنى
المحايد للكلمة لا يمكن تجاهلها في العقود الأخيرة. إن التنافس اليوم
على أشده على المستوى الثقافي، كما أن مساحة النور صارت أوسع. وإننا
نتخطى حوار تلك الفترة إلى حوار أرحب بحيث أن أسئلة الأمس لم تعد هي
ذاتها أسئلة الغد، وبالتالي فإن ما يظهر اليوم في الشعر العربي لم يعد
يلقى إلا بأسئلة من طبيعة أخرى، بالضرورة، يجب إعادة اكتشافها رغم
العراقيل الموضوعة ورغم المواضعات التي لم تعد ممكنة.
في ذمتي فإن الأساسي الذي يمكن أن يُنقد فيه النقد العربي الراهن، وهو
ليس بشيء واحد على كل حال، هو عدم قدرته على رؤية تعددية الشعر، كثرة
طرائقه ولغاته. إنه ينبري فحسب للدفاع عما يعتقده هو شعراً. إن معياره
يحتاج إلى معيار، إن الناقد غائب ومغيب ومتغيب كذلك، وهو لا يستطيع
قراءة الأثر اللاحق إلا بصعوبة، كأنه يخشى الاقتراب منه، وكأنه يطيل
التحديق فيما صار معلوماً ومعروفاً. إن أصواتاً تطلع منذ حقبتين
متتاليتين أخيرتين تستحق التوقف عندها ملياً. لم نقرأ حتى اللحظة دراسة
واحدة معمقة عن شعر شاعر مثل سركون بولص مثلاً، لم يتبق سوى الشعراء
أنفسهم لكي يكتبوا عن بعضهم. ظاهرة عافية، إن النقد مرتبط بمستوى
الحوار الممكن في مجتمع معين. هذا الأخير محكوم منذ أواخر السبعينات
بالمؤسسات التي تقوت وازدهرت وتوطدت، لقد ضاقت الهوامش، نقد لا يستطيع
رؤية المستجدات لأنه لم يتخلص بعد من عقدة المجتمع العربي التي تمنح
الآباء سلطة استثنائية والتي ما زالت تضع للقبائل أماكن قابلة تماماً
للنقد. لقد طلعت الأجيال الموصوفة الأخيرة ضمن ظروف لم تتهيأ
لسابقاتها. ففي لبنان الحرب الأهلية وفي الخليج الطفرة الجمناستيكية
النفطية وفي الأردن وفلسطين الانشغل بالحراب الإسرائيلية وفي مصر مروق
السيد السادات وفي سورية والعراق حدثت أشياء كثيرة. وكان يرث إرثا
أساسياً ويجابهه إبداعياً رغم صعوبات معتبرة : فإن طباعة عمل شعري
اليوم صارت أصعب مما هو الحال أثناء الخمسينات، وإذا تحامل هذا النقد
على الشرخ ونهض مهموماً بالإبداع فإنه لا يرى إلا ما يراه يستحقه عن
جدارة.
للوهلة الأولى سأقول بأن الطائر الخشبي و زيارة السيدة السومرية
للعراقي حسب الشيخ جعفر هي من أوائل الأعمال التي أثارت انتباهي
لبراعتها التعبيرية ولخروجها بجدارة عن المهيمن. إنه في هذين العملين
بالضبط وليس في أعمدة سمرقند يطلع كشاعر من طراز فريد، شاعر مبني
للمجهول للأسف بالنسبة للقارئ العربي، وقبله ثمة السياب وأدونيس وأنسي
الحاج وغيرهم.
نقدياً سأتوقف ملياً أمام أعمال أدونيس ويمنى العيد وكمال أبوديب وجابر
عصفور ومحمد مفتاح وعمل محمد بنيس النقدي الأخير. وفي العراق توقفت
أمام مشاريع عبدالجبار عباس عندما كتب كتابه عن السياب وطراد الكبيسي
عندما كان يتابع بحماس تطور الشعر العراقي الحديث، كما فاضل ثامر وعلي
عباس علوان في كتابه عن الشهر العراقي الحديث. لم أسم سوى العرب، وثمة
أعمال نقدية، أساسية، مترجمة فعلت فعلتها فيّ. لست واحداً من جماعة ولا
من مجموعة تسعى إلى تأليف جماعة. لكن فكرة الجماعة تثيرني وتستثيرني
ولا أقف البتة ضدها. كانت الجماعة دوماً تعبيراً رمزياً عن تفارق ما،
عن هاجس ما غير مسيطر في ثقافة ما، عن طموح شرعي ومشروع، عن موقف ضد
استبداد سلطة ثقافية ما. ثمة اليوم إمكانيات لتحقيق جماعة بل جماعات.
الجماعة التي توتر مخيلتي، وربما لن تتحقق أبداً، ستطلع من فكرة مهمومة
باثنين : قصيدة النثر و المنفى. قصيدة النثر التي مازالت قليلاً، منفية
عن الفضاء الشعري العربي والتي تستحق التأصيل والتنظير المنهجي، والتي
هي تعبير آخر عن الحرية في الكتابة والحرية. والمنفى، رغم أن جل
الثقافة العربية تعيشه اليوم وتعيش فيه، الذي لما يزل هامشاً وطرفة.
ليس الشعر بالنسبة لي احترافاً ولا هواية، ولنؤجل قضية المشروع الكياني
إلى ما بعد مماتنا أو صمتنا عن قوله. إن شروط الاحتراف، بمعنى ضيق
ومهني للكلمة، لا يمكن أن تتحقق في الشعر اليوم، كان ذلك ممكناً في
العصور الذهبية للخليفة العربي، لا يمكن اليوم الاعتياش على الشعر. أما
الهواية فإنها تتبقى إمكانية غير مبرهنة أمام نماذج أساسية في تاريخ
الشعر. فلقد كتب بودلير عملاً شعرياً وحيداً ومثله والت ويتمان، ولن
أتحدث عن الطفل المخيف. كما قد انصرف الكثير من الشعراء إلى كتابته
وحده منجزين مرات أكثر من عشرين مجموعة شعرية، لكأنه كان احترافاً، دون
أن يخرجهم ذلك من مأزق العادية. إن كتابة الشعر لدي لا تنزع إلى مثل
هذه التصنيفات وأن جملة للسياب يقول فيها بأن القارئ العربي سينساك إذا
لم تنشر قصيدة طيلة ستة أشهر متوالية، والتي ينسج على منوالها بحرفية
أكثر من شاعر عراقي أعرف، تبدو بالنسبة لي هوى وخرافة ولستُ أكيداً
منها، على العكس فإنني شاعر من نمط لا أدري مدى ندرته ضمن هذا السياق
من المسألة، فإنني أكتب كل سنة أو سنتين نصاً يتيماً طويلاً ذا فرصة
ضئيلة في النشر في الدوريات العربية.
لست ميالاً إليها، فإن الحدود لا يمكن إقامتها بين الأجيال الشعرية
بالعنف الحاصل في كثير من النقد، وإن الذهاب، كل مرة إلى تسمية الجيل
اللاحق بالجيل الشاب أو الشباب إنما هي حيلة ماكرة في التقليل من شأن
هذا الشاب. إننا محكمون بـ شباب دائم ليس من طبيعة الأشياء رغم أننا
نتلامس والأربعين. وأن مفهوم الرواد هو من السعة التي يحضر البعض معها
دون استحقاق شعري. إنها فكرة زمنية وليست شعرية وهذا مهم للغاية، في
حين أن ليس ثمة أبوات في الشعر. هذه المفهومة مستلة من علم اجتماع
القبيلة، لكن التمرد على السالف يتم وضع في شرط معرفة عميقة بالسالف
وحتى بمحبته، وبنقد جذري لما يستحق النقد فيه.
إن محنة تعداد الأسماء قاسية وأن المرارة لواقعة حتماً عندما تعدد
أسماء ليس اسمك من بينها، لأن القائل قد نساك سهواً أو عمداً، لأنه لم
يقرأك بما فيه الكفاية، أو لأنه قد انطلق من تصور مسبق للشعر، أو لأنه
قد ربط الشعر في مكان ما بظاهرة لا تروقه، أو لأن اسمك أو شكلك لا يوحي
بشاعر حقيقي ! إن الأسماء التي سترد هي مجرد أمثلة فحسب. فإنني أعنى
بالشعراء اللبنانيين الجدد لسبب جوهري هو انفتاحهم على العمل الشعري
بمحبة، على الجدة دون مخاوف وبمغامرة لا تراعي ما يراعى. إنني أقرأ
عباس بيضون، عقل العويط الياس حنا الياس، عيسى مخلوف، بول شاوول، رشيد
الضعيف، عبده وازن، حسن العبدالله وبسام حجار.
وأقرأ الشعراء السوريين الجدد لأنهم ما انفكوا مواظبين على نثر
القصيدة، وإيجاد منافذ أخرى لها عبر تحويل المرئي إلى شعري : سليم
بركات، رياض الحسين، حكم البابا، عائشة ارناؤوط، نوري الجراح، نزيه أبو
عفش بندر عبدالحميد..
وأعنى بشعر أقراني العراقيين لأنهم يسعون بدأب للتملص من إرث ثقيل في
الشعر الذي يجدون أنفسهم إزاءه نحو ضفاف مشمسة ومعشبة أخرى خارجين من
الأوزان الثقيلة إلى الفناءات العميقة ومن الطرائق المقوننة إلى الطرق
: سركون بولص، جليل حيدر، عبدالكريم كاصد، هاشم شفيق، كمال سبتي، زاهر
الجيزاني، جمال جمعة، فوزي كريم، كاظم جهاد، عقيل علي، صلاح فايق..
كما أعنى بشعر أقراني الفلسطينيين والأردنيين لأنهم إزاء هول الواقع
المتحملين على أكتافهم فإنهم يقدرون على تحمل هول كتابة أخرى، ناصعة
وجديدة ليست في جنازة الشهيد قدر ما هي اندغام عميق مع فعله : زكريا
محمد، أمجد ناصر، طاهر رياض، وليد خازندار..
ولن أنسى الخليجيين لأنهم يستمدون من الخليج أمامهم والرمل وراءهم
والشمس فوق جباههم أعظم تأملات الكينونة أمام المطلق : سيف الرحبي،
قاسم حداد..
ولن أنسى ما يطلع من المغرب العربي خاصة وهو يسعى إلى تأصيل شعر آخر :
خالد النجار، باسط بن حسن وآخرين، آخرين كثر.
قصة قصيرة
البحث عن ملامحي
علي المزعل
لم أجد ماأفعله هذا اليوم، ليس هذا اليوم فحسب، فكل أيامي تباهتت،
وضاقت مسارب الروح فناء الجسد بحملها.
شاهت ملامحي وهي عنوة تقبض على آخر نبض للحياة، صار الزمن ثقيلاً
قاتلاً رغم محاولاتي المتكررة للخروج إلى فضاءات جديدة، فالحياة اعتل
نسيجها وصار من المستحيل أن أقبض على مفرداتها الجديدة... فذاكرتي
مثقلة بتاريخ طويل لايمكن الخروج عن مداره.قال لي بعض الأصدقاء: أنت
لاتقوى على المواجهة، ولاتستطيع الخروج من أوهامك السالفة التي تجاوزها
الزمن.. فالبيوت غير البيوت، والشوارع غير الشوارع. والناس غير الناس،
ومخيم الذاكرة يبتلعه مخيم اليوم، وأحلام الأمس مزقت أشرعتها وقائع
اليوم.قلت: كيف لي أن أفعل ورائحة السلاح تعبق بها ملابسي، وتنزبها
خلايا جسدي، ورائحة الدم تلف ذاكرتي؟
كيف لي أن أفعل وصرخات الأطفال تقض مضجعي، يتردد صداها في أعماقي دوياً
هائلاً، وصوت أمي الحزين يقطع أوصال صمتي ونومي محذراً من سقوط الخيام
تحت وطأة الثلوج والأمطار.؟
كيف لي أن أفعل وذاكرتي كهوف ودخان وأنين موتى واستغاثات ثكالى وورود
مقابر؟ كيف لي أن أفعل وفي أعماقي هتافات غاضبة، ومواويل حزينة، وغناء
أطلقته الدماء، وزغاريد مبتلة بالدموع وأشواك ظلت عالقةً بأقدامنا
زمناً طويلاً ولازالت تنزصديداً موجعاً حتى يوم الناس هذا؟
نصحني بعض الأشقياء بعد أن أعيتهم السبل بالهرب من ربقة الذاكرة. رشفته
بجنون فازداد صحوي، واشتعلت الذاكرة من جديد، ونهضت أحزاني الهاجعة،
واستحال اليأس دماً على الشفاه، وفي قعره نبتت فوهات بنادق مترعة
بالدموع، وأفواه تلوك ألسنتها بأيام الرحيل والموت على مفارق الطرق،
وعيون مخضلة بالدموع وهي ترقب أسراب الطيور المتجهة إلى هناك.
تناهضت على قدمين متعبين، ارتكزت عيناي ثم جاستا أرجاء المكان،...
تعلقت نظراتي بخيوط الفضاء المنبعثة من نافذة خشبية عتيقة، ومن خلالها
بدت لي أشجار المخيم ذابلة رغم تطاولها، تنوس ذؤاباتها أمام هبات الريح
المحملة بسوّاد المدن ورائحة نفاياتها..... خرجت، دبت قدماي على
الأرصفة التي ألفتها منذ زمن.. أصوات كثيرة تداخلت لتعلن عن ترويج
بضائع جديدة لم نألفها من قبل، عربات مزينة تنوء بأحمالها، وواجهات
لامعة تطل على الأرصفة لتعكس وجوهاً هدها الكد والتعب والانتظار، وبين
هذا وذاك بدت كثير من الوجوه تخترق سمرة المخيم وفي حدقاتها تضيع
أحلامنا، تابعت السير أبحث عن ملامحي في أزقة المخيم العتيقة، حيث
مازالت الجدران تقبض على بقايا صور الشهداء الذين عرفتهم وعرفوني زمناً
طويلاً، توقفت أمام إحداها، حاولت جاهداً أن ألملم أطرافها، وأن اقرأ
السطور التي بهتت حروفها وعنوة استجمعت بعضاً من ملامحها.. وقفت أمام
أخرى لم يبق منها إلا شفتان تنفرجان عن ابتسامة ساخرة، وبعض الأحرف
التي قضمت أطرافها إلى حد يصعب معه تركيبها من جديد حيث ضاعت مع سواد
الجدار، وتدلى بعضها الآخر مع أطراف ممزقة تعبث بها الريح.
ثم انتفلتُ إلى ثالثة مازالت تحتفظ بالكثير من ملامحها.. أمعنت
النظر... العيون كما هي تنظر إليك أينما وقفت، وشعر فاحم أطلقته
الرياح، يرتكز إلى جبهة سمراء عريضه، وأنف اتسعت فتحتاة على نحو يوحي
بمحاولات متكررة لاستنشاق الهواء في مكان ضيق مظلم، وبدلة "فوتيك"
خضراء تحاول ياقتها عنوة أن تطل من تحت كوفيه مخططة التفت حول عنق
طويلة.حاولت أن ادقق النظر أكثر..
نصوص شعرية
ستار جبار الدراجي
صمت الرخام
تمضي خطاك..... بليالي
العجز المملة
الحقائب لونة كفة
أنت بين هذا..... وذاك..... في زحمة السوق
والامتعاض..... بين السماسرة المرائين
أهدوك قبراً..... منحة عند صلاة العشاء
علقوك كما تعلق التبوغ المبللة
أسدل عليك الستار
النهر مسخت ملامحه
النباتات..... الشوارع..... مسحوقة كقشور هشة
خطوتك الجريئة
صمت الرخام
صرخة تلامس القضبان
قارعة الطريق هضمت أشلائك
جرحك يستغيث..... جذرك يستغيث..... الأوراق .....الجسور
أعمدة النور تستغيث..... سعفه النخيل يستغيث
أنت محاصر بين حظائر القتلة..... اهتزازات الليالي الموحشة
أي طريق ستركب
أي اتجاه ستتخطى
الضباب شرب البحر
عيون الليالي..... تصارع عقارب الساعة.
(حزن المرايا)
يبلل حزني المرايا
يهمس في إذن..... السكون
يشرب من أرصفة..... الخوف
يكبل بقايا أجزائي
أيها الحزن المطبق
على حوافر خريطتي
هاهي مدني تذوب في عالمك
كما تذوب..
الأشجار
الأحجار
الكلمات
أيها الموت المنسل
امنحني ارض تضمني
فضاءاً يغطي مساحة
يأسي..
باردة خطوتك..... تشرب جسدي
تهرول هنا..... هناك
في المجهول..
رافقنا راياتها وسط الصومعة
بصيص ضوء..
حبلى الأيام
بصرخات الصمت..... القاتم
قلاع الرمل الذائبة في الأمواج
تتلاشي..... شيئاً فشيئاً |