الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (880) الاحد 5 ذي القعدة 1429هـ/25 تشرين الاول 2009م

المنبر الحر

في ذكرى استشهاد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر ( قدس)

ارقى مدرسة علمية في المعرفة الفقهية والاصولية عمقاً وشمولا ودقة

اعداد/خالد محمد الجنابي

تمر علينا في هذه الايام من شهر ذي القعدة الذكرى الحادية عشرة لأستشهاد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر ( قدس ) ونجليه رحمهم الله جميعا ، ولد السيد الشهيد محمد محمّد صادق الصدر في ( 17 ربيع الاول عام 1362 هـ الموافق 23 / 3 / 1943م في مدينة النجف الاشرف ) ويرجع نسبه الشريف الى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام فهو محمد بن السيد محمد صادق بن السيد محمد مهدي بن السيد اسماعيل ( الذي سميت اسرة الصدر بأسمه ) بن السيد صدر الدين محمد  بن السيد صالح بن محمد بن ابراهيم شرف الدين ( جد أسرة آل شرف الدين ) بن زين العابدين بن السيد نور الدين علي بن السيد علي نور الدين بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين أبي الحسن بن محمد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن احمد بن حمزة الاصغر بن سعد الله بن حمزة الاكبر بن أبي السعادات محمد بن ابي محمد عبد الله ( نقيب الطالبيين في بغداد ) بن أبي الحرث محمد بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي طاهر بن ابي الحسن محمد المحدّث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبي سبحة بن ابراهيم المرتضى بن الإمام أبي ابراهيم موسى بن جعفر عليه السلام .

  نشأ سماحته في اسرة علمية معروفة بالتقوى والعلم والفضل ، ضمّت مجموعة من فطاحل العلماء منهم جده لامه آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين ( قدس سره ) ومنهم والده الحجة السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره ) الذي كان آية في التقوى والتواض والزهد والورع ، واذا كان احد يوصف بانه قليل النظير في ذلك فان الوصف ينطبق تماماً على المرحوم السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره ) ذكر احد المقربين من السيد محمد باقر الصدر ( رضوان الله عليه ) ان المرحوم الحجة السيد محمد صادق الصدر شكا له ولده السيد محمداً الصدر لا من عقوق ولا جفاء ولا قصور او تقصير بل من كثرة عبادته وسهره في الدعاء والبكاء حتى اوشك على اتلاف نفسه فما كان من السيد محمد باقر الصدر إلاّ ان بعث اليه وطلب منه الاعتدال في العبادة فاستجاب له لانه كان مطيعاً لاستاذه محباً له لا يعصيه ولا يخالفه ،ومن سماته الحميدة خُلقه الرفيع المبرّأ من كل رياء او تصنع ومعايشته لدقائق قليلة يمكن ان يتعرف المرء على سماته وخصاله ، تخرج السيد محمد محمد صادق الصدر من كلية الفقه في النجف الاشرف في دورتها الاولى عام 1964 ، وكان من المتفوقين في دروسه الحوزوية كما تؤكد روايات زملائه من تلاميذ ابن عمه الشهيد آية الله محمد باقر الصدر الذي تزوج ثلاثة من أولاد الصدر الثاني وهم مصطفى ومقتدى ومؤمل من بناته ، وبغض النظر عن مراحل دراسته التي تخطاها بتفوق وجدارة يكفي ان نشير الى أن سماحته يعتبر من ابرز طلاب السيد محمد باقر الصدر ( رضوان الله عليه ) ومقرري ابحاثه الفقهية والاصولية  ، ومن المعروف ان مدرسة السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) تعتبر ارقى مدرسة علمية في المعرفة الفقهية والاصولية عمقاً وشمولا ودقة وابداعاً ، ويعتبر سماحته علماً من اعلام تلك المدرسة المتفوقة والمتميزة ، وقد درس ( قدس سره ) جملة من العلوم والمعارف الدينية عند مجموعة من الاساتذة منهم الفلسفة الالهية ، درسها عند المرحوم الحجة محمد رضا المظفر صاحب كتاب اصول الفقه والمنطق ، الاصول والفقه المقارن ، على يد الحجة السيد محمد تقي الحكيم ، الكفاية درسها عن السيد محمد باقر الصدر ( رضوان الله عليه ) ، المكاسب درسها عند استاذين الاول محمد باقر الصدر والثاني الملا صدر البادكوبي ، ابحاث الخارج وهي اعلى مستوى دراسي حوزوي حضر عند عدد من الاساتذة الفطاحل   وهم  الإمام السيد محسن الحكيم ، آية الله السيد محمد باقر الصدر ، آية الله السيد الخوئي ، رضي الله عنهم اجمعين ، فنال على ايدي هؤلاء مرتبة الاجتهاد والفتوى التي اهلته للمرجعية العليا ، باشر بتدريس الفقه الاستدلالي (الخارج) اول مرة عام 1978، وكانت مادة البحث من ( المختصر النافع ) للمحقق العلامة الحلي ، وبعد فترة باشر ثانية بالقاء ابحاثه العالية في الفقه والاصول (ابحاث الخارج) عام 1990 واستمر متخذاً من مسجد الرأس الملاصق للصحن الحيدري الشريف مدرسة وحصناً روحياً لانه اقرب بقعة من جسد امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام  ) تأثر الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) بافكار اساتذته من العلماء والمراجع اذ أن مجرد معرفة عدد من اسماء هؤلاء الاساتذة ستساعد في توضيح الملامح الفكرية لشخصيته ، فهو درس لدى الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر وآية الله السيد الخوئي ، وآخرين ، إلاّ انه اذا تجاوزنا المشترك الفقهي لهم ، استلهم همّ المشروع التغييري في العراق من تجربة ودروس ونظريات آية الله السيد محمد باقر الصدر الذي يعد أكبر مفكر اسلامي في العصر الحديث ، ولذا يمكن القول ، ان السيد محمد محمد صادق الصدر قد وظف بالاضافة الى قدراته الفقهية التقليدية التجربة الصدرية الاولى ، فهو توجه بكل جهوده الى الجانب الاصلاحي العملي الذي يحقق حضوراً تغييرياً في وسط الامة ، وانجز أول تجربة عملية تغييرية يقودها فقيه في بلد مثل العراق بحركة إنتاج فقهي ، عملي ايضاً ، أي بمعنى فقه يواكب حركة الحياة ، بتطوراتها ، ومستجداتها ، وتحدياتها ، وآفاقها المستقبلية ، اذ انه أراد أن يربط الفقه بالواقع وأن يبعث فيه روح التجديد ، وبهذا الاستنتاج يمكن القول إن السيد محمد محمد صادق الصدر كان فقيهاً عملياً واقعياً معاصراً ثورياً ، صاغ من خلاله ملامح تجربته الخاصة ، ومرةً اخرى لابد من التأكيد بان قيمة هذه التجربة تنبع من كونها عراقية ، بكل استثناءات العراق المعروفة ، المتعلقة بالسلطة والجو السياسي ، والامة ، وموقع الحوزة ، ومهما يكن من أمر فان الصدر الثاني ترك وراءه عدداً مهماً من المؤلفات التي قد تساعد في فهم ملامح مشروعه العام ، مؤلفاته لاحصر لها نذكر منها ، نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان ، فلسفة الحج في الإسلام ، اشعة من عقائد الإسلام ، القانون الإسلامي وجوده ، صعوباته ، منهجه ، موسوعة الإمام المهدي ، صدر منها تاريخ الغيبة الصغرى ، تاريخ الغيبة الكبرى ، تاريخ ما بعد الظهور ، اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني ، ما وراء الفقه ( موسوعة فقهية )، وهو عشرة أجزاء ، فقه الأخلاق ، فقه الفضاء ، فقه الموضوعات الحديثة ، حديث حول الكذب  ، بحث حول الرجعة ، كلمة في البداء ، الصراط القويم ، منهج الصالحين ( وهي رسالة عملية موسعة اشتملت على المسائل المستحدثة  )  مناسك الحج ، كتاب الصلاة ، كتاب الصوم ، أضواء على ثورة الإمام الحسين عليه السلام ،  منّة المنان في الدفاع عن القرآن  قد يصل إلى خمسين مجلدا ، منهج الاصول ، التنجيم والسحر ، مسائل في حرمة الغناء  ، أما مخطوطاته فبالرغم ما امتاز به السيد الصدر (قدس سره ) من كتبه المطبوعة إلاّ انه لا تزال هناك جملة من كتبه المخطوطة تنتظر الطبع ، منها :  الجزء السادس من موسوعة الإمام المهدي بعنوان هل إن المهدي طويل العمر ، بحث الخارجي الاستدلالي الفقهي حوالي 8 أجزاء ، دورة في علم الاصول على يد المحقق السيد الخوئي ، بين يدي القرآن ، دورة في علم الاصول على يد السيد أبي جعفر ، مباحث في كتاب الطهارة الاستدلالي ، المعجزة في المفهوم الإسلامي ، مبحث في المكاسب ، مجموعة أشعار الحياة ديوان شعر ، اللمعة في أحكام صلاة الجمعة ، الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب ، بحث حول الشيطان ، تعليقه على رسالة السيد الخوئي ، تعليقة على كتاب المهدي لصدر الدين الصدر ، سلسلة خطب الجمعة ، فقه الكيمياء  ، وصيته ، أجزاء باقي كتاب منهج الأصول ، شرح كتاب الكفاية ، ومن خلال قائمة المؤلفات هذه تتضح بعض اهتمامات الشهيد الصدر الثاني بالفقه المعاصر وان كل مؤلف من هذه المؤلفات شكل قضية من القضايا وحاجة من الحاجات الملحة للكتابة فيها ، لقد قام نظام صدام الوحشي باعتقال السيد محمّد محمد صادق الصدر عدة مرات ومنها:عام 1972 قام النظام باعتقال السيد محمّد محمد صادق الصدر مع الشهيد السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الاعلى الاسلامي في العراق ، وفي عام 1974 قام النظام باعتقال السيد محمّد محمد صادق الصدر في مديرية امن النجف وعندما احتج على سوء معاملة السجناء نقل الى مديرية امن الديوانية والتي كانت اشد ايذاء للمؤمنين من بقية مديريات الامن وقد بقي رهن الاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي عدة اسابيع ، وفي عام 1998 قام النظام باستدعاء السيد محمد الصدر والتحقيق معه عدة مرات ، وفي عام 1999 قام النظام بالتحقيق مع السيد الصدر مرات عديدة وتهديده قبل اغتياله ، ان الزمن الذي طرح فيه الشهيد الصدر الثاني مشروع التحرر من العبودية من نظام صدام يكاد لايتسع للمشروع بسبب ضخامته وابعاده ومفرداته ، لقد استطاع الصدر الثاني انجاز مالايمكن انجازه في عقود طويلة من الزمن ، لقد قدم الشهيد الصدر نموذجاً جديداً لتعاطي الفقيه مع السلطة ،  وقيام الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر بجولات وزيارات الى العشائر العراقية ، والاطلاع على أوضاعها ، فإن المحور الثاني كان محوراً إصلاحياً للوضع الإسلامي الداخلي ، أي لوضع الحوزة ، وكل ما يتعلق بشؤونها ، بدءاً بمواصفات المرجع التي حددها الصدر الثاني وما اسماه التفريق بين المرجعية الناطقة والمرجعية الصامتة ومروراً باجهزتها الوكلائية والتبليغية والمالية وانتهاءً بمناهجها ومستواها .المعرفي ، ومواكبتها لحركة العصر وحاجاته ومتطلباته ، وكان المحور الآخر الذي شكّل معلماً من معالم مشروع الصدر الثاني التغييري يتمثل بالعلاقة بين الحوزة والأمة ، ان يتصدّى له ، إلاّ ان التجربة بشكل عام جاءت وكأنها صدى لاماني الصدر الأول في اصلاح الحوزة وفي وجوبية توجهها نحو المجتمع وفي ابراز الوجه السياسي لحركة الإسلام ، وفيما قضى الصدر الأول معظم حياته في بحوث فكرية متطوّرة بغية ارساء جذور وأساس المدرسة الإسلامية بكل أبعادها الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية وبدأ بدايات في تطوير المناهج الحوزوية ، واعلن خطاباً نظرياً لا يخلو من النقد لواقع الحوزة وتحرك سياسياً تحت ثقل الظروف الخارجية التي ربما تكون ساعدت على دفعه على تسريع الجانب السياسي العملي من مشروعه ، جاء دور الصدر الثاني من شقين شكّلا الافراز العلوي الذي غيّب في مشروع الصدر الأول ، الشق المتعلّق بدور الفقيه العملي الميداني الاجتماعي الإسلامي المندك في الامة ، والمرتبط معها بعد ان اكتشف آليات واساليب تعبئتها ، والشق الثاني الذي يواكب حركة التجديد الفقهي بما يتناسب مع المستجدات والتطورات ، وهكذا بدا المشروعان متغايرين في ادوارهما تبعاً لاختلاف الظروف والقدرات الذاتية ، وفي نفس الوقت كمّلا بعضهما البعض ، في صيرورة تصاعدية تكاملية جميلة ، قائمة على تواصل معرفي في حياتهما قبل الاستشهاد ، وعلى رابطة دم، شاء الله ان يجعلها هكذا ، ولو انها فسّرت من البعض تفسيراً ثأرياً من الصدر الثاني لدماء الصدر الأول ، ان الدور العملي الميداني الاجتماعي التجديدي للفقيه الصدر الثاني الذي ميّز مشروعه التغييري لم يأتِ كما أشرنا إلاّ وفق خطة تحرك عليها هذا المشروع ، خطة لمرتكزات وآليات وأوليات ، بدأت بتحييد السلطة ، ومن ثمّ مرتكز ايجاد قاعدة شعبية ومرتكز اصلاحي داخلي للواقع الإسلامي وواقع الحوزة ومرتكز تأسيس منظومة مفاهيمية متجانسة ومتكاملة مثلّث خصوصية التجربة الصدرية الثانية ، وكل تلك المرتكزات كانت ممزوجة بواقع سياسي يشكل افرازاً علوياً لهذا المشروع التغييري إلاّ ان صدام حسين قطع الطريق على تجسيد هذا الإفراز العلوي ( المشروع السياسي ) ،  ان هذا المنهج التوحيدي الذي اقتضاه المشروع التغييري الصدري الثاني ، يمكن فهم الخطاب الذي تأسس عليه بتوصيف آخر غير توصيف الخطاب المتوتر وهو توصيف الخطاب النقدي للواقع القائم ، اذ ان أي مشروع لا يمكن أن ينهض ويتأسس ما لم ينقد الوضع القائم ، ويطرح بدائله ، ان حجم المعاناة والصبر والتحمّل والاصرار للشهيد محمد محمد صادق الصدر من أجل إنجاز هذا المشروع التغييري الاصلاحي الجذري ، الذي أسسه ورعاه ، ورسم ملامحه من خلال خطوط عامة ومحاور ومرتكزات وضّحها هذا البحث بشكل توثيقي ، مشروع ختمه باستشهاد مرجعي لا ينتمي الى تاريخ الاستشهاد المتعارف ، إنما يأتي حصيلة لثقافة حسينية ونبض عرفاني ينتمي الى عرفان الواقع وليس الى عرفان"الانعزال والخرافة ، وقرار استشهادي واضح واع ، أكّدته الروايات المنقولة عنه ، وأكّده السلوك الذي مارسه ، وأكّده الكفن الذي لفّه واقفاً في صلاة الجمعة ، قبل ان يلفّه في قبره الذي وضع فيه ، كشفت عنها صحيفة ( القبس ) الكويتية نقلا عن مصادر عراقية حيث في ضوء تلك التوجيهات وضعت كافة قوات الحرس الجمهوري في حالة استعداد قصوى تحت غطاء مشروع تدريبي اعطي الاسم الرمزي الفارس الذهبي يستخدم فيه العتاد الحقيقي وصممت الفرضيات طبقاً لحصول تهديدات جوية وتدخل قوات محمولة جواً ، تستهدف احتلال اهداف حساسة داخل العراق لاثارة الاضطراب ، كما تضمّن المشروع الممارسة على تنفيذ التنقلات الاستراتيجية تحت ظل التهديد الجوي وفي ظروف استيلاء مفارز من القوات الخاصة المعادية للسيطرة على مفارق الطرق المهمة والنقاط الحرجة كالجسور  والمناطق التي تتعذر فيها الحركة خارج الطرق ، كما تم نقل بعض ألوية الحرس الجمهوري من المنطقة الشمالية إلى منطقة الفرات الاوسط ، وكان لقرار فصل محافظة المثنى عن قيادة منطقة الفرات الأوسط بقيادة محمد حمزة الزبيدي والحاقها بمنطقة العمليات الجنوبية بقيادة علي حسن المجيد صلة بالتدبير لعملية الاغتيال وذلك لتخفيف العبء عن قيادة الفرات الأوسط التي تقود محافظات بابل وواسط والقادسية والنجف وكربلاء والمثنى ، وفي ليلة تنفيذ عملية الاغتيال الخميس الجمعة كانت قوات فرقة حمورابي حرس جمهوري في منطقة الصويرة قرب واسط وفرقة نبوخذ نصر حرس جمهوري في كربلاء ، فضلا عن الألوية التي نقلت من المنطقة الشمالية في حالة انتشار قتالي الامر الذي مهّد للسيطرة المبكرة على الوضع كأحد أساليب الردع المسبق ، بالاضافة إلى هذا الإستباق الامني الاحتياطي الذي جاء قبل تنفيذ الاغتيال ، فإن هنالك انواعاً من التصعيد في المواجهة بين الصدر الثاني والسلطة ، كانت كلها تُنذر بوقوع الجريمة ، ففي شهر رمضان الذي سبق الاغتيال حاولت السلطة ان تتدخل في مسار صلاة الجمعة في الكثير من المدن العراقية ، والتي يقيمها وكلاء الصدر في هذه المدن فهي حاولت ان تبتز هؤلاء الوكلاء من خلال الطلب المتكرر منهم بالدعاء لحاكم بغداد ولم يكن هذا الطلب جديداً ، بل ان السلطة ساومت به قبل أكثر من سنة ، إلاّ انها لم تصل إلى نتيجة ، وقررت ان تستخدم لهذا الطلب ورقة ضغط من أجل تصعيد المواجهة ، وعندما فشلت في انتزاع الدعاء لصدام حسين بما يسيء إلى هذه الظاهرة ويحاول ان يصورها على انها ظاهرة السلطة ، لكن دون جدوى ، بعد هذا الفشل راحت تلجأ إلى أسلوبها التهديدي المعروف من اجل ايقاف هذه الصلاة التي اصرّ الشهيد الصدر الثاني على اقامتها واوصى بذلك حتى بعد استشهاده ، بعدما اصر على رفض الدعاء لصدام بهذه الصلاة مهما كان الثمن ، وفي سياق هذا التهديد حاولت السلطة ان تفرض ائمة جمعة تابعين لوزارة الاوقاف التي تديرها ، إلاّ ان كل محاولاتها في هذا الاطار فشلت هي الأخرى لان الناس رفضوا الصلاة وراء عملاء السلطة هؤلاء ، وتطورت المواجهة بعد ذلك إلى صدامات سبقت اغتيال الشهيد الصدر الثاني في عدد من مدن العراق ، منها الناصرية ، سقط فيها عدد من الشهداء ، واعتقلت السلطة عدداً من وكلاء السيد الشهيد الصدر الثاني ، وواصلت السلطة تحرشاتها عندما قامت بعملية انزال على مسجد الكوفة الذي له اثر تاريخي اجتماعي كبير في نفوس عامّة المسلمين وبذريعة المناورة العسكرية قامت قوات الامن ورجالات السلطة والجيش الشعبي بفتح الابواب الرئيسية بالقوة ، وكانت هنالك قوة عسكرية متحصنة داخل المسجد ، واعتبرت العملية استفزاراً لمشاعر المصلين والمؤمنين بشكل عام ، وتأتي انتهاكاً لحرمة أماكن العبادة ، كما اعتاد النظام على هذه الممارسات لنشر الإرهاب والخوف ، ولم توقف كل هذه الإجراءات الشهيد محمّد محمد صادق الصدر عن الإستمرار في المواجهة ، والمطالبة العلنية من على منبر صلاة الجمعة باطلاق سراح وكلائه المعتقلين من خلال هتافات امر جمهور المصلين بترديدها ، ومن الجدير بالذكر ان السيد الشهيد محمد محمّد صادق الصدر عمل على ترسيخ الوعي الإسلامي لدى جمهور المصلين من خلال أسلوب الشعار ، وتحويل المطالب والمقولات المهمة إلى شعارات يرددها ويأمر الجمهور بترديدها في سياق خاطبه الذي اتسم بالوضوح ، ولعل هذه الظاهرة هي الأولى من نوعها في العراق حيث لم يعتد الشارع العراقي على ان يردد الفقيه الشعار بنفسه مع الجمهور ، وبالتأكيد ان الشعار له فلسفته الخاصة في صناعة الوعي ، وفي ظل رفض الصدر الثاني ووكلائه المتكرّر لطلبات السلطة في الدعاء لحاكم بغداد ، وفي سياق تصاعد وتيرة المواجهة ، ضاعفت السلطة من طلباتها واقدم حمزة الزبيدي  ونيابة عن صدام على مطالبة الإمام الصدر قبل يومين من عملية الإغتيال بفتوى لتحرير الكعبة  واخرى لتأييد دعوة صدام الشعوب العربية للاطاحة بحكّامها ، وثالثة تتعلق باغتيال الشهيدين البروجردي والغروي ، ورابعة لاعلان الجهاد بما يتوافق وسياسات صدام الاجرامية ، بالإضافة الى رفض الدعاء وطلبات إصدار الفتاوى تلك فان الصراع مع السلطة على طول خط ما قبل وقوع جريمة الإغتيال استبطن رفضاً صدرياً لأمور عديدة تحقق رغبة السلطة إذ لم يكن اغتيال الصدر مفاجئاً ، وسبقته سلسلة من الاحداث والمواجهات الساخنة منذ شهر عاشوراء وشهر شعبان وشهر رمضان من عام الاغتيال ، حيث طلبت السلطات منه منع المسيرة السنوية التي يقوم بها عشرات الآلاف من المشاة من مختلف مدن العراق متوجهين إلى كربلاء ، لكنه أصدر أمراً إلى الناس بالتوجه إلى المدينة ، وذلك خرقاً للمنع الذي كان النظام العراقي أصدره بالشكل الذي لا يضر بالدولة ولا يمت إلى سياستها وكيانها بأية صلة ، بعد ذلك اتصل صدام حسين بالصدر تليفونياً وطلب منه منع التحرك فرفض فصدر امر بوضعه في الإقامة الجبرية واعتقل وكلاؤه في المدن العراقية ، حتى خرق الصدر امر الإقامة الإجبارية مع ولديه مصطفى ومؤمل ، وواقع الحال ان المواجهة في أشكالها السرية والعلنية بدأت بشكل حاد بين الشهيد الصدر الثاني والسلطة مُنذ الأسابيع الاولى لاقامة صلاة الجمعة وحتى اغتياله ، وقد برزت مؤشرات واضحة قبل ان يشرع المرجع الصدر بصلاة الجمعة ، فقرر النظام العمل على تحجيم مرجعية الصدر الشهيد بكل الوسائل فسحب منه حق التأييد لطلبة الحوزة العلمية لغير العراقيين في النجف الأشرف للحصول على الإقامـة ، كما حاول الإيحاء للعامة ان الشهيـد محمد محمّد الصـدر هو مرجع السلطة للتقليل من شأنه ، لان اعلان مثل هذا الامـر يثير حساسية الناس ونفورهم ، ومارس ضغوطاً شتى على وكلائـه وزوّاره ، وقام بنشر عيونه وجلاوزته حول منزلـه ومجالس دروسـه ، ولما لم تنفع مثل هذه الأساليب حاول التقرب اليـه وتقديم كل ما يطلبه مقابل مدح الطاغيـة أو النظام ، أو على الاقل تحاشي كل ما من شأنه ان يفهم من قبل الناس بأنـه حديث ضـد السلطة ، ولما فشل في ذلك ايضاً اتخذ قراره قبل اكثر من ثلاثة اشهر باغتياله ، حيث اصـدر حزب السلطة تعميماً إلى اعضائه يتضمن اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر والاستعداد للمرحلة القادمة التي ربما ستشهد حالة اضطرابات ومواجهات حسب ما جاء في التعميم بدعوى ان هنالك معلومات تفيد ان مجموعة من المخربين ستقوم باغتيال المرجع محمد الصدر وستدّعي ان النظام من فعل هذا الأمر!! ويومها بدأت استعدادات النظام ، لقد اعتاد الشهيد الصدر ان يقيم مجلس التعزية في البرانية  يوم الجمعة ، ليلة السبت وينتهي المجلس في الساعـة 8،5  ليلا ، وبعدها يخرج سماحته إلى بيته مع ولديه ، حيث يوصلانه إلى هناك ويعودان إلى داريهما ، وفي الليلة التي استشهد فيها خرج السيد على عادته مع ولديه بلا حماية ولا حاشيـة نظراً لان المسافـة إلى البيت كانت قريبـة ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة ( الحنانة ) في احدى ضواحي النجف القريبة وعند الساحة المعـروفة بساحة ثورة العشرين جاءت سيارة اميريكة الصنع ( اولدزموبيل ) ونزل منها مجموعـة من عناصر السلطة وبأيديهم اسلحة رشاشة وفتحوا النار على سيارة السيد ، فقتل اولاده على الفور ، وبقي سماحته على قيد الحياة لكنه نقل إلى المستشفى مصاباً برأسه ورجليه ، وبقي قرابة الساعة بالمستشفى ثمّ قضى نحبه شهيداً ، وبعد استشهاده حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى ، وذهب آخرون إلى بيته ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته ، ولذا قام ابناء السيد الشهيد بتشييعه ليلا ومعهم ثمانية رجال وبعض النساء ، حيث  تم دفنه في المقبرة الجديدة في وادي الغري ، لقد ترك الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر حضوراً عميقاً في قلوب العراقيين وضمائرهم ، وتحوّل هذا الحضور إلى حب ورابطة قلّما تجسّدت بين الشعب العراقي وبين فقيه من الفقهاء ، ولا يمكن حصر مظاهر وتجليات هذا الحب في سلوكية الناس قبل وبعد اغتيال الصدر الثاني ، فبعض هذه المظاهر والتجليات كانت تعكسها صور ودرجات التفاعل معه المعلنة من خلال خطب الجمعة ، لعن الله صدام حسين وجلاوزته الذين شاركوا بأغتيال الشهيد الصدر ، واسكن الله عبده الصالح محمد محمد صادق الصدر ونجليه مصطفى ومؤمل فسيح جناته وحفظ الله السيد مقتدى ليكمل مابدأه الافذاذ من عائلته انه سميع مجيب.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق