الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (880) الاحد 5 ذي القعدة 1429هـ/25 تشرين الاول 2009م

دراسات

فدك في التاريخ

الحلقة الثالثة عشر

الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر

وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الأغراء ، واكتساب الأصوات حتى اتهمته بذلك معاصرة له من مؤمنات ذلك الزمان فقد ورد أن الناس لما اجتمعو ا على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت : ما هذا ؟ قال : قسم قسمه أبو بكر للنساء ، قالت : أتراشوني عن ديني ؟ والله لا أقبل منه شيئا . فردته عليه .

وأنا لا أدري من أين جاء إلى الخليفة ( رضي الله تعالى عنه ) هذا المال ما دامت الزكوات التي جمعها الساعي قد صارت من نصيب بطنه وحد ها ، إن لم يكن من بقية الأموال التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أهل البيت يطالبون بها .

وسواء أصح هذا التقدير أو لا ، فإن المعنى الذي نحاول فهمه من هذه الرواية هو أن بعض معاصري الصديق أحس 40 بما نحس به على ضوء معلوماتنا التاريخية عن تلك الأيام . ولا ننسى أن نلاحظ أن الظروف الاقتصادية العامة كانت تدعوا إلى  الارتفاع بمالية الدولة والاهتمام بإكثارها استعدادا للطوارئ المترقبة ، فلعل هذا حدى بالحاكمين إلى انتزاع فدك ، كما يتبين ذلك بوضوح من حديث لعمر مع أبي بكر يمنعه  فيه عن تسليم فدك إلى الزهراء ويعلل ذلك بأن الدولة في حاجة إلى المال لأنفاقه في توطيد الحكم ، وتأديب العصاة ، والقضاء على الحركات الانفصالية التي قد يقوم بها المرتدون .

ويظهر من هذا رأي للخليفتين في الملكية الفردية ، هو أن للخليفة الحق في مصادرة أموال الناس لأنفاقها في امور المملكة وشؤون الدولة العامة بلا تعويض ، ولا استئذان . فليس للفرد ملكية مستقرة لأمواله وعقاره في حال احتياج السلطات إلى شئ منها . وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من  الخلفاء الذين انتهى إليهم الأمر بعد أبي بكر وعمر ، فامتلأ تاريخهم بالمصادرات التي كانوا يقومون بها ، غير أن أبا بكر لم يطبق الرأي إلا في أملاك بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة . وقد تردد الحزب الحاكم في معالجة الاسلوب الثاني من المعارضة بين الثنتين : -

( إحداهما ) أن لا يقر للقرابة بشأن في الموضوع ، ومعنى هذا أنه ينزع عن خلافة أبي بكر ثوبها الشرعي الذي ألبسها إياه (والاخرى ) أن يناقض نفسه فيظل ثابتا على مبادثه التي أعلنها في السقيفة ، ولا يرى حقا للهاشميين ولا امتيازا لهم في مقاييس الرجال ، أو يراه لهم ولكن في غير ذلك الظرف يكون معنى المعارضة فيه مقابلة حكم قائم ووضع تعاقد عليه الناس . واختارت الفئة المسيطرة أن تثبت على آرائها التي روجتها في مؤتمر الأنصار وتعترض على المعارضين بأن مخالفتهم بعد بيعة الناس للخليفة ليست إلا إحداثا للفتنة  المحرمة في عرف الأسلام . 

وهذا هو الاسلوب الوقتي الذي اتخذه الحاكمون للقضاء على هذا الجانب من المعارضة الهاشمية ، وقد ساعدتهم الظروف الأسلامية الخاصة يومئذ على نجاحه كما سنوضحه .

غير أننا نحس ونحن ندرس سياسة الحاكمين بأنهم انتهجوا منذ اللحظة الاولى سياسة معينة تجاة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقضاء على الفكرة التي أمدت الهاشميين بقوة على المعارضة كما خنقوا المعارضة نفسها .

ونستطيع أن نصف هذه السياسة بأنها تهدف إلى إلغاء امتياز البيت الهاشمي ، وإبعاد أنصاره والمخلصين له عن المرافق 41 الهامة في جهاز الحكومة الأسلامية يومئذ وتجريده عما له من الشأن والمقام الرفيع في الذهنية الأسلامية .

وقد يعزز هذا الرأي عدة ظواهر تاريخية : ( الاولى ) سيرة الخليفة وأصحابه مع علي التي بلغت من الشدة أن عمر هدد بحرق بينه وإن كانت فاطمة فيه  ، ومعنى هذا إعلان أن فاطمة وغير فاطمة من آلها ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتخذ معهم نفس الطريقة التي سار عليها مع سعد بن عبادة حين أمر الناس بقتله

ومن صور ذلك العنف وصف الخليفة لعلي بأنه مرب لكل فتنة وتشبيهه له بام طحال أحب إلى أهلها إليها البغي  ، وقد قال عمر لعلي بكل وضوح : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

منا ومنكم .

(الثانية ) أن الخليفة الأول لم يشارك شخصا من الهاشميين في شأن من شؤون الحكم ا لمهمة ، ولا جعل فيهم واليا على شبر من المملكة الأسلامية الواسعة مع أن نصيب الامويين في ذلك كان عظيما.

 

 

الخصوصيّة الحضاريّة للمصطلحات

د. محمد عمارة

من العبارات الشائعة على السنة جمهرة المثقفين، وفي كتابات كثير من المفكرين والعلماء، عبارة: (إنه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات) .. بمعنى: أنه لا حرج على أي باحث أو كاتب أو عالم في أن يستخدم المصطلح، وبصرف النظر عن البيئة الحضارية أو الإطار الفكري أو الملابسات المعرفية أو الفلسفية والعقدية التي ولد ونشأ وشاع فيها.. فالمصطلحات والألفاظ ذات الدلالة الاصطلاحية هي ميراث لكل الملل والمذاهب والحضارات، ولجميع ألوان المعرفة ونظرياتها، ولكل بني الإنسان..أما إذا نحن نظرنا إلى الألفاظ والمصطلحات من زاوية (المضامين) التي توضع في أوعيتها، ومن حيث (الرسائل الفكرية) التي حملتها (الأدوات المصطلحات) فسنكون بحاجة _وحاجة ماسة وشديدة _ إلى ضبط معنى هذه العبارة، وتقييد إطلاقها، وتحديد نطاق الصلاح والصلاحية التي يشيع عمومها من عموم ما تحمل من ألفاظ.

هنا سنجد أنفسنا عند الفحص والتدقيق، وفي كثير جدا من الحالات وبإزاء العديد من المصطلحات، أمام "أوعية" عامة "وأدوات" مشتركة بين الحضارات والانساق الفكرية والعقدية والمذهبية، وفي ذات الوقت أمام "مضامين" خاصة، و "رسائل" متميزة تختلف فيها، وتتميز بها هذه "الأوعية" العامة و "الأدوات" المشتركة لدى أهل كل حضارة من الحضارات المتميزة، وعند كل نسق أو مذهب أو عقيدة من الأنساق الفكرية والمذاهب الاجتماعية والعقائد الدينية، وخاصة منها تلك التي امتلكت وتمتلك من السمات الخاصة والقسمات المميزة ما جعلها ويجعلها ذات مذهبية خاصة وطابع خاص..

إن أحداً، لا يماري في أن مصطلحا مثل مصطلح "السنة" قد شاع ويشيع استخدامه لدى مذاهب إسلامية متميزة، وفي علوم إسلامية متعددة.. ولا مشاحة في استخدام كل هذه المذاهب وجميع تلك العلوم لمصطلح "السنة".

لكن.. من الذي يماري في اختصاص هذا المصطلح لدى كل مذهب، وفي إطار كل علم بمضمون متميز ورسالة خاصة متميزة عن المضمون والرسالة التي له عند الآخرين؟.

فالسنة عند اللغوي لها معنى.. وعند عالم الحديث لها معنى آخر.. وعند عالم الفرق والمذاهب لها معنى ثالث.. فلا مشاحة في وضع المصطلح ولا في استخدامه.. لكن المشاحة قائمة في إغفال التمايز بين المعاني والمضامين الموجودة في هذا الوعاء الواحد.

وإذا كانت هذه المشاحة واردة في مضامين المصطلح ومعانيه ورسائله الفكرية، في إطار مذاهب الحضارة الواحدة... فأحرى بها أن ترد، بل وتتأكد في مضامين المصطلحات التي تشترك في وضعها واستعمالها حضارات متميزة في السمات والقسمات.

وليس كضرب الأمثال سبيلا لجلاء المعنى، وتأكيدا لصدق هذا المفهوم.

مصطلح: "الشارع"..

فمن المصطلحات الشائعة في ميدان "التشريع" للقانون، مثلا مصطلح "الشارع" يوصف به من "يشرع" القانون فردا كان أو جماعة _مؤسسة _ فواضع القانون "شارع" و "مشرع" له.. والمجالس النيابية التي تمثل سلطان الأمة في "تشريع" القوانين هي "هيئات تشريعية" تشرع القوانين.

"فالشارع" _هنا _ و "مصدر التشريع" و "واضع الشريعة" هو إنسان فردا كان أو هيئة تشريعية.

هذا هو حال مصطلح "الشارع" و "التشريع" و "الشريعة" في ميدان "القانون".. فهل _حقا _ "لا مشاحة" في وضع واستخدام هذا المصطلح الشائع، وفيما يحمل "وعاؤه" من "مضمون"؟؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون واحدة لدى أبناء كل الحضارات الإنسانية، وفي إطار كل الأنساق الفكرية ومن قبل كل المعتقدين بمختلف المذاهب والمعتقدات..

إن ابن الحضارة الغربية _الذي لا يؤمن بوجود شريعة إلهية تنظم الجانب المدني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة والاجتماع البشري والعمران الإنساني _يؤمن بأن الإنسان، فردا كان أو طبقة أو أمة، هو المصدر الأول الأخير للشريعة والتشريع.. فالإنسان هو "الشارع" سواء أكان ذلك في إطار أصول الشريعة قواعد ومبادىء القانون الطبيعي، كما تسمى في الحضارة الغربية والتي هي تحسين وتقبيح عقليين. أي فعل إنساني خالص، بمقاييس إنسانية خالصة من أية ضوابط _أو كان ذلك في إطار فروع الشريعة: القانون.

فهذا المصطلح "الشارع" بهذا المعنى طبيعي وصادق في هذا الإطار: إطار الحضارة التي لا تؤمن بوجود "شارع" غير هذا الإنسان، وخارج هذا "الواقع المادي".. سواء أكان السبب في ذلك هو الطابع المادي الإلحادي لهذه الحضارة، أم المنحى والتوجه العلماني الذي يرفض وجود مدخل لـ "الإلهي" في شئون "الدولة والعمران".

ولما كان هذا الموقف هو "شأن غربي" خالص وسمة خاصة من سمات الحضارة الغربية، وقسمة متميزة ومميزة من قسمات طابعها المادي ومذهبها العلماني، فإنه ليس من المشترك الإنساني العام.. حتى يصبح مصطلحها فيه ومضمون هذا المصطلح مما، لا مشاحة فيه في أية حضارة من الحضارات..

مصطلح: "الإقطاع"..

ومثال رابع على إمكانية "المشاحة في الألفاظ والمصطلحات" نجده إذا نحن وقفنا امام مصطلح "الإقطاع"!

ففي الحضارة الغربية، حيث فلسفتها المالية تجعل الملكية المطلقة _الملكية الحقيقية _ ملكية الرقبة في الثروات والأموال للإنسان، فردا كان في النموذج الليبرالي _أو طبقة الأجراء في النموذج الشمولي الماركسي في هذه الحضارة نجد "الإقطاع" كمصطلح إنما يعني: الملكية الكاملة للسادة الإقطاعيين لوسائل الإنتاج _الأرض الزراعية _ مع الملكية المقيدة للعاملين فيها الأقنان.

أما في الحضارة الإسلامية حيث صاغت الوسطية الإسلامية مذهبا اقتصاديا متميزا، جعل الملكية المطلقة الحقيقية، ملكية الرقبة في الأموال والثروات لله سبحانه وتعالى، مع تقرير حقوق الملكية المقيدة ملكية المنفعة المجازية أي ملكية الوظيفة الاجتماعية للمال، مع تقرير هذه الحقوق للإنسان الحائز للمال، باعتباره مستخلفا في حيازته واستثماره والانتفاع به عن الله سبحانه وتعالى، من حيث صفته كإنسان مستخلف _مطلق الإنسان المستخلف _ وليس بصفته كفرد أو كطبقة، في هذا النموذج الحضاري ذي الفلسفة المالية المتميزة نجد لمصطلح "الإقطاع" مضمونا متميزا: فهو تمليك "للمنفعة" لا "الرقبة". ولقد كان في التطبيقات الإسلامية وسيلة لإحياء الأرض الموات والانتفاع بها مع بقاء ملكية الرقبة _الملكية الحقيقية في الأرض _لله سبحانه وتعالى. أي للإنسان الأمة _ الناس المستخلفين عن الله في الأرض، وفي كل الثروات والاموال!

فنحن هنا بإزاء مصطلح "لا مشاحة في لفظه" لكن المشاحة واردة في المضمون على نحو أكيد!

ولن يستطيع قارىء أن يقرأ، ولا دارس أن يدرس التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للإسلام وحضارته، ويعي معنى: "إقطاع" الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء أرض كذا لفلان.. وناحية كذا لفلان.. ومرفق كذا لفلان.. إلا إذا هو وعى المضمون المتميز لمصطلح "الإقطاع" في حضارتنا عن نظيره في الحضارة الغربية.. وإلا فستكون "كارثة _ فكرية" إذا نحن درسنا "الإقطاع" في تاريخنا بمضامين مصطلحه لدى الآخرين؟!

مصطلح: "الاحتكار" !

ومثال خامس على هذا الذي نقول نجده إذا نحن وقفنا أمام مصطلح "الاحتكار".

ففي الحضارة الغربية بتياراتها الاجتماعية المختلفة، وحتى عند الذين يدركون المساوىء الاجتماعية لسيطرة الاحتكارات على النظام الاقتصادي لمجتمع من المجتمعات.. نجد النظرة إلى "الاحتكار" هي النظرة إلى مرحلة حتمية من المراحل التي لابد وأن يمر بها المجتمع على درب تطور الامتلاك لأدوات الإنتاج.. فالاحتكار _في هذه النظرة الغربية _ هو نبت طبيعي، حتمي.. حتى وإن رآه البعض ضارا..!

أما في المذهبية الاقتصادية الإسلامية، التي حكمت وتحكم حيازة الإنسان للمال ببنود عقد وعهد استخلاف الله _المالك الحقيقي للمال _ للإنسان في هذا المال.. فإن الاحتكار ممنوع، ومرفوض من الأصل والأساس. ومحال أن يتسق وجوده _فضلاً عن سيادته _ مع مذهبية الإسلام في الأموال.. "من احتكر للمسلمين طعاما ضربه الله بفقر وإفلاس" كما يقول الحديث النبوي الشريف _وذلك وعيد للمجتمع والحضارة التي تبيح الاحتكار _ الذي يقودها إلى فقر الأمة، وإفلاس نظامها، وعجزه عن تحقيق الغاية من تحضر الإنسان! وهذا الاحتكار الذي يقتل الأمة عندما يغتال العدل في حياتها الاقتصادية والاجتماعية هو الذي يتحدث الرسول (ص) عن أهله فيقول: يحشر الحكارون وقتلة النفس في درجة واحدة؟! كما يقطع بأنه "لا يحتكر إلا خاطىء"!

مصطلح: "اليسار"

فمن الناس من ينطلق من مقولة "انه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات" إلى الدعوة لاستخدام هذا المصطلح _مصطلح "اليسار" في الدلالة على التيار الاجتماعي الداعي إلى استخدام "الصراع الطبقي" أداة لتسويد طبقة الأجراء على طبقة الملاك تمهيدا لإلغاء التمايز الطبقي، وإقامة المجتمع اللاطبقي الذي تلغى فيه سائر ألوان الملكية الخاصة.

من الناس من يدعو إلى استخدام هذا المصطلح ذي النشأة الغربية والمضمون الغربي بدعوى أنه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات، بل ومنهم من يحاول "أسلمته"، و "أسلمة" مضمونه عندما يدعوه "اليسار الإسلامي"؟!

أما نحن فإننا نرى أن "المشاحة" واردة وقائمة بل وواجبة تجاه هذا المصطلح _مصطلح "اليسار _ فـ "اليسار" في العربية لغة امتنا وتراثنا وديننا وحضارتنا وأداة إبداعنا إنما يعني اليسر المقابل للعسر والغنى المقابل للفقر والإعسار _ (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).. ومن ثم فإن "أهل اليسار" والاتجاه الفكري والاجتماعي لأهل اليسار _في اصطلاح العربية _ هم أهل الغنى _ لا الفقر_ واتجاه اليسر _ لا البؤس_؟!.. فكيف تقسر لغتنا على أن يقبل جسمها الاصطلاحي هذا الضد الغريب الذي يبلغ في الإعراب درجة النقيض؟!

مصطلح: "عقلي" و "عقلاني":

وهو الذي غدا _في الحضارة الغربية _ وصفا لمذهب في الفكر والبرهنة والبحث والاستدلال.. فهو فيها _وفي قواميسها _ "مذهب يقول بسلطان العقل وحده.. فلا يفسح المجال للظواهر الوجدانية ولا الإرادية في الأعمال الذهنية.. ويرفض الحقيقة النقلية التي لا يقرها العقل".. فهو "وصف للنظريات والاتجاهات الفلسفية التي تجعل العقل المصدر الوحيد لكل ضروب المعرفة الإنسانية.. فالإنسان لا يحصل على المعرفة من الخارج بل من عقله هو.. وأحكام العقل مطلقة فوق شروط الزمان والمكان، وضرورية وكلية، وعامة مشتركة بين جميع الناس.

بل إن هذا المذهب الغربي في العقلانية قد ذهب إلى حد "تأليه" العقل، عندما تحدث فلاسفته العقلانيون عن ما أسموه "العقل المكون" بكسر الواو وهو الذي جعلوه "المبدأ الواضع للقيم والقواعد العامة في النظر والعمل، وهو المنتج لجميع المقولات، والمشرف على تطورها "أي الواضع والمنتج" للعقل المكون _بفتح الواو _.

أما الإسلام الذي لا يقيم ثنائية متناقضة بين "العقل" و "الوجدان" ولا بين "العقل" و "النقل".. بل يرى المعرفة الإنسانية قائمة على ساقين اثنتين: كتاب الوحي وعلومه: وكتاب الكون _وعلومه _ فإنه يرى في العقل ملكة من ملكات الإنسان، معبرة عن فعل التعقل والإدراك، وليست عضوا ماديا من أعضاء الإنسان. ويرى لهذه الملكة _التي يعرفها بأنها "لطيفة ربانية" _تعلقا بـ "القلب" _أي جوهر الإنسان ومصدر الوجدان _ لا القلب كعضلة صنوبرية في القفص الصدري؟.

 

 

التعرية الاركيولوجية/ نقد لافكار اركون

علي حرب

يصرح أركون مراراً وتكراراً بأنه يستعمل أمضى الأسلحة الفكرية وأكثرها فاعلية. أولاً لانه يستخدم أحدث الأدوات المنهجية والتقنيات العقلية؛ ثانياً لأنه لا يعتمد على منهجية واحدة، بل يتبنى استراتيجية منهجية "تداخلية متعددة الاختصاصات"، مستفيداً من كل الانجازات المعرفية التي تحققت في العقود الأخيرة، وهي فترة شهدت فيها الفلسفة وعلوم الانسان "طفرة" أدت إلى تغيير خارطة الفكر وقلب الرؤية إلى العالم.

وهو يعتمد بشكل خاص على المنهجية الحفرية الأركيولوجية. ولا شك أن لهذه المنهجية ميزتها قياساً، مثلاً، على المنهجية الابستمولوجية الباشلاردية التي يعتمدها محمد عابد الجابري. ففي المنهجية الأخيرة يُقيّم النتاج المعرفي على أساس الفصل الحاسم بين الخطأ والصواب، أو بين العلمي والخرافي، أو بين المعقول واللامعقول... أما المنهجية الحفرية فإنها تتعدى هذا المستوى للبحث عن آليات الخطاب في تشكيل المعنى أو عن ألاعيبه في إنتاج الحقيقة. بحسب منهجية الجابري ثمة أنظمة معرفية عقلانية وأخرى غير عقلانية، ثمة خطابات تتسم بالمعقولية وأخرى تفتقر إلى المعقولية، ثمة فرق ومذاهب تمثل أهل العقل وأخرى تمثل أهل النقل واللاعقل. من هنا يُدرج الجابري أهل التصوف والتشيع في خانة الغنوص والأسطورة والخيمياء وسواها من مظاهر اللامعقول. في المنهجية الحفرية التي يتبعها أركون تجري الأمور بصورة مختلفة. إذ هنا يمكن أن نضع السنة والشيعة على قدم المساواة، ذلك أن التحليل الحفري يبين أن الفرقتين، بالرغم مما بينهما من تضاد عقائدي أو فقهي، تستخدمان في خطاباتهما نفس المبادىء والقواعد والآليات، بمعنى أننا نجد عندهما نفس النظام المعرفي، ونفس العقلية الدوغمائية، ونفس المفهوم الأحادي للحقيقة، ونفس استراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى. هذه هي ميزة المنهجية الحفرية. بها نتجاوز منطوق الخطاب للبحث عن مضمراته والكشف عن آليات اشتغاله. ولهذا فإن هذه المنهجية تفتح آفاقاً جديدة أمام التفكير وتقدم أدوات مفهومية تتيح قراءة ما لم يُقرأ في النصوص.

ومع ذلك فإن أركون لا يتابع حفرياته حتى النهاية. فهو يقرأ نصوصاً بعين حفرية، بينما يقرأ نصوصاً أخرى بعين ابستمولوجية. من هذا القبيل قراءته للتراث الصوفي والاشراقي. إنه يستبعد هذا التراث من دائرة العقل والتفلسف. ذلك أن أركون، كناقد للعقل، يميز على نحو حاسم بين العقل واللاعقل على طريقة ديكارت، معتبراً اللاعقل هو نقيض العقل. وهذا ما لا يُسلم به النقد المعاصر الذي يبيّن أن لا خطاب من دون استراتيجية عقلية ظاهرة أو باطنة، ولا نص من دون شكل من أشكال العقلانية أياً كان منطوقه اللاعقلاني. ولهذا فأنا لا آخذ مثلاً بما يقوله ابن عربي عن خطابه. فالنص اللامعقول في منطوقه قد ينكشف عند الحفر والتنقيب عن عقلانية واسعة من حيث بنيته وأجهزته المفهومية. ولو أخذنا صدر الدين الشيرازي، مثالاً آخر، نجد في خطابه انصهاراً لمختلف أنواع العقلانية، المشائية والإشراقية والعرفانية فضلاً عن النبوية. فهل نستبعده من دائرة التفكير الفلسفي؟ تقديري أن أركون لم يطلع على "الحكمة المتعالية" الكتاب الأبرز عند الشيرازي. أعرف أنه يعترض على كلامي بقوله إن الموقف الفلسفي يختلف عن الموقف الصوفي والاشراقي، من حيث كونه موقفاً نقدياً ورهاناً عقلانياً. ولكن ما العقل وما العقلانية؟ من الذي يفكر ويعقل ويشرع؟ أليس الموقف العقلاني نوعاً من الوهم مؤداه تطابق العقل والواقع؟ إننا نعرف اليوم أن الحديث عن ذات عاقلة تتصور العالم وتقبض عليه هو موضع للمساءلة والنقد. فالأنا أفكر هذه المقولة لم تعد بداهة من البداهات. وها إن فيلسوفاً كفوكو يعتبر أن التفكير فعل يشبه رمي النرد. حقاً إن المرء يتساءل: من يفكر في النهاية؟ أو بمعنى أدق، ما هو هذا الشيء الذي يفكر؟ أياً يكن إن الفلسفة هي انفتاح على العالم وقراءة للتجارب. قد تكون التجارب باطنية عرفانية. لا يهم ذلك، وإنما المهم أن تصاغ بلغة مفهومية تكشف عن علاقة بالوجود والحقيقة. لا يهم الموقف الذي نصرح به. وإنما المهم قدرتنا على الخلق والابتكار. فما هي المفاهيم التي يبتكرها أركون وما هي الحقول التي يفتتحها في قراءته للفكر الاسلامي؟.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق