|
فضاءات ثقافية
قصيدة النثر وفنون السرد
شاكر ليعبي
أزعم أن لا شيء في منطق الحداثة نفسها يمكن أن يمنع شاعراً من استخدام
جميع التقنيات المتاحة له في كتابة نص حديث. القافية لا علاقة لها، من
قريب أو بعيد، بالنص الحديث، لأن الأمر يتعلق برؤيا مغايرة للعالم.
علينا الاحتكام للنصوص وليس إلى التقنيات المجرَّدة. إن (السردية)
المفترضة كسبيل وحيد لقصيدة النثر هي أحبولة فوّاحة بالعرفانية تلقمنا
حجراً، ولا تبرهن عليها آلاف نصوص قصيدة النثر السردية الباهتة
المكتوبة اللحظة. لكن السردية تلك، من جهة أخرى، قد اُسْتخْدِمتْ
بتقنيات كلاسيكية وبقافية يونانية تقليدية، على ما يبدو، لدى شاعر مثل
كفافيس (انظرْ قصيدته المشهورة "في انتظار البرابرة"، لنسأل على الأقل
العارفين بالقافية اليونانية). إن جهالة الناقد باللغات الأجنبية
واعتماده على الترجمة له عواقب وخيمة. سوف أستشهد كذلك بشاعر مثل رينيه
شار الذي لا يستبعد من تقنياته إي أمر يعتبره الصقر دليلاً على النكوص
والجهل والأمية الشعرية، مثل القافية (انظر نصّ قصيدته الحديثة "أغنية
لنهر السارغ"، وقد ترجمناها من الفرنسية). دع عنك إيلوار، ودوغي،
وبساوو البرتغالي، وأوكتافيو باث، والمئات من الشعراء غيرهم. إن تاريخ
الشعر والشعرية لا يتوقف عند النمط الفرنسي (سأقول نمطا فرنسياً) من
قصيدة النثر. ولولا خوف الإطالة التي لا طائل من ورائها، لوضعت أمام
القراء العشرات من الأمثلة، بلغتها الأصلية، على استخدام القافية في
الشعر العالمي الحديث، خاصةً في الشعر الفرنسي وبعض ضروبه التي لا
تعتمد بالضرورة على الأوزان. من الممكن للغاية أن يلقي الصقر أمامي
ببراهين شعرية مغايرة، لكنه لا يمكن أن يتوقف فحسب أمام تقنية استخدام
أو عدم استخدام القافية في محاججته الافتراضية المأمولة عن قصيدة
النثر. سيتكلم عن (أرضية نظرية إيقاعية غير مقبولة) في استخدامي
للقافية في قصيدة النثر. هذه الفكرة غير حصيفة لأن الشعر لا يطلع من
النظريات الإيقاعية وإنما من منابع أخرى قد تكون النظريات الإيقاعية
جزءاً منها، وهو ما كان مشكلة الزهاوي على وجه الدقة. أما إضافته
للكلمتين (غير مقبولة) فهي حكمُ قيمةٍ لا يليق بالنقد، من جهة، ومن جهة
أخرى، كأن الكلمتين تقولان امتلاك الناقد القرار الفاصل بين المقبول
وغير المقبول، أو كأن قداسة قصيدة النثر قد انجرحت بالقافية الأمر لا
تحتمله فكرة الحداثة في العالم العربي التي تقتنع على الفور بالقوانين
المريحة والأنساق الثابتة. يُقَعِّدُ الصكر إذنْ لعمودٍ آخر في الشعر
العربي الحديث، يُعْرَف بقصيدة النثر المضاف إليها مؤخراً صفة
(السردية) مفرِّغاًً فكرة الحداثة من جوهرها إلا وهو تجدّدها المستمر
وتجريبيّتها. إننا في الغالب الأعم أمام خطابٍ لناقدٍ حديثٍ مناهضٍ
لفكرة الحداثة نفسها.
منظـومـة القـراءة: …مـركـزيـة المـــرجع..
عزيز التميمي
المرجعية المعرفية في منظومة القراءة تمثل الأصالة والدافع ، الجذور
والتكوينات في جغرافية المنشأ ، الركائز والإنطلاقات في الرغبة لممارسة
القراءة ، القراءة فعل مقصود ، والفعل المقصود نتاج نوايا وتحريضات
تتشكل لتحريك الرغبة ، في عملية القراءة يتوزع الفعل بين مؤثرين ،
القارئ والنص ، وفي كلا المؤثرين يؤدي المرجع وظيفة تأسيسية ، وظيفة
تشترك في رسم الملامح الأولى لبوادر أجوبة ، إستنتاجات لرؤية تفسيرية ،
رؤية ترتكز إلى الدافع الذي يمثل أحد البواعث المنطقية لفعل القراءة ،
وفيما يتعلق بالقارىء يشكل المرجع الخلفية المعرفية التي تؤسس لخطوة
إستكشافية تتمثل في لحظة التماس بين الشكل الخارجي للنص وذاكرة القارئ
، ومن خلال الهوية المرجعية يتجسد فعل القراءة إلى منتَج معرّف ، منتَج
منتمي ، فيه التأصيل يشتبك بالتجديد من خلال رؤية تؤدي وظيفة تنويرية ،
وظيفة بناء معرفي يطال عنصر الوعي ، المنظومة الإرثية التي تمثل أحد
تكوينات سلطة القارئ تمثل جانباً من تلك المرجعية المعرفية ، لأن
المرجع لايمكن تحديدة من خلال البعد الإرثي وإن ساهمت المفاهيم
المتعلقة بالإرث في صياغة جانباً مهماً منه ، لأن المنظومة الإرثية
تعكس بطبيعة الحال حقيقة العوامل المرتبطة بالبيئة والتراكيب
الإجتماعية والمفاهيم السايكولوجية التي تشكلت من خلال تفاعل وتداخل كل
تلك العوامل والمفاهيم السالفة الذكر ، وعليه يمكن تعميم مفهوم مرجعية
القارئ ليطال المنظومة الإرثية التي تشكل الخلفية المعرفية المرتبطة
بالمجتمع وسلوكياته وأساطيره وخرافاته ودياناته وطيف التقليد التراكمي
المتنامي زمنياً مع دورة الحياة إضافة إلى الوعي الآني الذي يمثل
الرؤية الفلسفية للقارىء ، وأقصد بالوعي الآني الوعي الحاضر المتشكل مع
عمر الفرد من خلال التجربة الحياتية والثقافة المنجزة بفعل الإطلاع على
الثقافات الأخرى والتجارب الحضارية للمجتمعات المعاصرة ، كل هذه
الإحداثيات تساهم في تكوين مفهوم معرفي أزاء المنتج الذهني أو المنتج
الحضاري سواء كان منتَجاً مكتوباً أو ممثلاً بطريقة أدائية معينة.
فالمرجع يتشكل ضمن بيئة القارئ من تلاقح وعي موروث ووعي مكتسب ، وهذا
التلاقح أو التمازج يعكس حقيقة المرجعية المعرفية التي تمثل المحفز
الأساسي لفعل القراءة ، لأن القارئ في لحظة توجهه لملاقات النص لابد أن
يكون محفزاً بدافع معين ، هذا الدافع يولد حدساً لإستفهامية ما ،
أستفهامية حول ماهية النص أو لنقل إستفهامية تدفع للإكتشاف ، وعليه
يمكن تدوين فعل المرجع في تلك اللحظات على أساس فعل تحريضي ، فعل مقصود
لتأدية وظيفة معرّفة ، وبعد حدوث الفعل التحريضي يكون المرجع قد ساهم
في تحقيق أولى خطوات عملية القراءة ، فلحظة التلاقي ما بين النص
والقارىء تسجل بداية القراءة الإستكشافية ، وإذا حدث وكان النص ينتمي
لبيئة إرثية وإجتماعية تختلف عن بيئة وإرث القارئ نجد أن الفعل الحدسي
في لحظة الإكتشاف الأولى يرتكز بشكل كبير إلى الرؤى المرتبطة بالمرجع ،
هذا الإرتكاز يعمل على تشخيص شبكة الإشارات والرموز المعرّفة ضمن وعي
القارئ الحاضر والتي من شأنها أن تشكل تقابلاً ذهنياً مرحلياً مع شبكة
الرومز والإشارات الخاصة بعالم النص ، وبطبيعة الحال فإن تأثير المرجع
يبرز بشكل جلي في رؤية النص المنتَج.
وفي الكثير من المحاولات التي أنجزت في بدايات القرن العشرين كان جل
إهتمام الباحثين في تأكيد صلة المرجع بالرؤية المطروحة كنتاج واقعي
لفعل القراءة بعيداً عن كون هذه القراءة تمثل قراءة عفوية لاتتجاوز
دوافعها الحسية المرتبطة بالحالة النفسية أو قراءة تأملية حاذقة ، فهي
بكل الأحوال كانت تطرح مفهوماً والغالب على معظم تلك المفاهيم أنها
كانت تميل إلى تعضيد الرؤى المرتبطة بالملامح الخارجية للنص ، أو
بالأحرى المفاهيم التي تجد صدىً أكثر في تأسيساتها المرجعية كالمفاهيم
التاريخية والإجتماعية والنفسية ، والتي تمثل في حقيقتها مقتربات
خارجية للنص ، وحتى في هكذا موقف نجد أن القارئ في لحظة التماس مع النص
يلجأ إلى تحسس دلالات الشكل اللغوي المهيمن للنص والتي تتناغم مع
التأسيسات السيميائية في مفاهيمه المرجعية ، فحينما يصطدم بدلالات
تاريخية طاغية ومهيمنة في رؤية النص يحاول أن يسقطها من خلال المرجع
التاريخي المتشكل ضمن خلفيته المرجعية المعرفية كرؤية تاريخية للنص
المنتَج ، وإلى أي مدى يحاول أن يستحضر المفاهيم التاريخية في مرجعية
النص كي لا يغيب رؤية النص التاريخية ؟ ربما تكون الإجابة عن هكذا
تساؤل بنسبة ضئيلة إلى جانب الأخذ بعين الإعتبار مرجعية النص وبنسبة
كبيرة لتغليب الرؤية المرتبطة بمرجعية القارئ ، وهذا الإستنتاج في تلك
الفترة ربما يكون منطقياً لعدّة أسباب منها ما يتعلق بالرؤية التاريخية
والتي تنسجم مع تاويلات اللغة الخارجية أو ما يسمى بالمقتربات الخارجية
دون الخوض في البنى والتراكيب الداخلية التي تعكس بشكل أكثر تفصيلاً
النوايا والإيحاءات والرؤى المرتبطة بالمفاهيم المرجعية سواء كانت
تاريخية أو إجتماعية أو نفسية وينطبق نفس التعليق فيما لو مارس القارئ
ضمن نفس المقترب تشكيل رؤية إجتماعية أو نفسية للنص المنتَج إنطلاقاً
من الدلالات والمفاهيم المرتبطة بمرجعيته الإجتماعية أو النفسية
(السلوكية).
ويمكن أن يقال عن البعض من المحاولات التي أنجزت في بدايات القرن
العشرين أنها كانت تؤسس من خلال المرجع الرؤية الكليّة للنص ، الرؤية
المتصلة بالمقترب الخارجي ، أي تستثمر المرجع كدافع ومحرّض مثلما أشرت
في بداية الكلام ومن ثم قوة منجِزة للرؤية على أساس إحتواء وإسقاط ،
وبالتالي نرى أن الرؤية المنتجَة ترتبط إلى حد كبير برؤية القارئ من
خلال تسيّد ومركزية المفاهيم المرجعية ضمن منظومته المعرفية ، وهذا
يؤدي إلى تعطيل طاقات غاية في الأهمية ضمن إمكانات المرجع ، لأن المرجع
لا يمكن إختزال تأثيره في حدود التحريض والإسقاط ، اي تجاوز الفعل
التحاوري والقدرة الإستنطاقية الكامنة في أنسقة المرجع كمفهوم معرفي ،
فتداخل المفردات والمفاهيم ضمن مصطلح المرجع الذي يتشكل من تناسق زمني
وبيئي ونفسي وإجتماعي وتاريخي يجعل منه إحداثي فاعل وديناميكي ضمن
عملية القراءة ، فالتحريض يمثل مقدمة إستهلالية لطرح إستفهامية ،
إستفهامية ضمن حدود المنطقة التلامسية أو المترددة التي تحتمل وقوف
القارئ في آهاب شواطىء النص وقفة تحتكم على لحظة القرار الذي يمثل (
العودة والتراجع أو المضي قدماً صوب بيئات النص الخارجية أو الداخلية).
وفي المحاولات اللاحقة التي أنجزت في أواخر القرن العشرين وما زالت كان
واضحاً الجهد المنصب حول إستثمار مزايا المرجع كمنظومة معرفية في تأكيد
مفهوم الخوض في متاهات النص الداخلية ، أي عدم الإكتفاء بتمرير مفهوم
القراءة النمطية والذي بقي سائداً لحد الآن في البعض من القراءات
المتخصصة أو الأكاديمية ، أي الميل نحو القراءة بمفهومها الإكتشافي
والتأويلي ، مع إسقاط الوصايا المرجعية التي من شأنها تحدد مسارات
الرؤية المنتَجة ، وبالتالي تحرير المرجع من النظرة الكلاسيكية التي
تدعو إلى تسيد المرجع وبطولته في صياغة مفهوم القراءة النمطي أو
المفهوم الذي يربط ما بين الرؤية المنتجة وأحد مفاهيم المرجع الخاضعة
لسلطة القارئ ، بعبارة أخرى تحرير المرجع من دكتاتورية القارئ وتحرير
رؤية النص المنتَج من دكتاتورية المرجع ، ودفع المرجع في خوض رحلة
تحاورية تؤدي وظائف إستكشافية ، وظائف تحليلية، وأخرى تأويلية من خلال
إستثمار شبكة العلاقات والرموز والتكوينات التاريخية والإجتماعية
والنفسية وحتى الأسطورية في تعليل وتوظيف هذه المفردات في تأسيس مناخات
جديدة تحتوي مركبات المرجع ضمن بيئة مؤسس لها أن تتجاوز الحدود
الوظائفية التقليدية للمفاهيم ، على سبيل المثال : إشراك المفاهيم
التاريخية في توظيف رؤية جديدة ترتبط بالمفاهيم الإجتماعية ، تفعيل
عنصر الأسطورة في تشكيل الوعي التاريخي ، تمكين الإحداثي الديني من
أنتجت مفاهيم إجتماعية تعكس تفاعل الدين مع الحياة ، المناخ النفسي
للخرافة في تشكيل مسرح كوميدي لرؤية فنطازية ، وبالتالي تفكيك المنظومة
المرجعية إلى مركبات تعمل مع الأدوات الأخرى في قراءة مفردات النص التي
تأتي بنفس السياق ، أي تفعيل كل المفاهيم المرجعية المعرفية التي تخص
كل من القارئ والنص ضمن بيئة مشتركة ، بيئة يؤسَسْ لها لإحتواء مركبات
مرجعيات قد تكون غير متوافقة في دلالاتها ضمن بيئات تشكلها ، وهنا يكمن
التساؤل : إلى أي مدى يسهم المرجع في كل من سلطة القارئ وسلطة النص في
صياغة مفهوم المرجع بالنسبة للنص المنتَج ؟ وهل مرجعية النص المنتَج
تخضع لوصاية أو تغليب لأحد المرجعين ؟ في الواقع يمكن إدراج عدة
تفسيرات كمحاولة لإيجاء رؤية تعكس جانباً من الإجابة على تلك التساؤلات
لأن الإجابة الكلية قد لاتكون متيسرة في ضوء عدم التوصل بعد إلى مفهوم
مستقر حول ما يسمى بنظرية القراءة ، فالمحاولات التي أنجزت في بدايات
القرن كشفت بشكل واضح وصريح تسيد رؤية المرجعية التي يمثلها القارئ
وبالتالي كانت تعكس لحد كبير مقتربات تلك الرؤية ، على الرغم من عدم
تجاهل رؤية مرجعية النص بشكل كلي إلاّ أن تأثيرها في رسم الملامح
العامة لرؤية النص المنتَج كان ضعيفاً ، في المحاولات اللاّحقة
وبالتحديد في النصف الأخير من القرن العشرين وبعد طرح الرؤية البنيوية
للنص من قبل مجموعة من المثقفين الفرنسيين أصبح الإهتمام يتمحور حول
بنيات النص الداخلية وتأثيرها في تأسيس رؤية النص المنتَج ، وهنا تجدر
الإشارة إلى القوى التحليلية والتفكيكية التي تسهم في إستحضار مرجعية
كل من النص والقارىء معاً ، وهذا الإستحضار يؤدي إلى تحييد بواعث
الهيمنة في كلا الطرفين بحيث ينتج آليات مرجعية تتشكل في حضور سلطة
حيادية ، في بيئة النص المنتَج التي تحتوى تأثير المرجعيات المساهمة في
تنفيذ فعل القراءة يتم تحليل المرجعية الخاضعة لسلطة القارئ إلى مجموعة
مفردات ومفاهيم تختزن رؤى دلالية لثيمات تتطابق إلى حد بعيد مع الثيمات
والدلالات في مرجعية النص ، أي يتم إبعاد الدلالة الأحادية التي تشير
إلى مفاهيم منقطعة تنتمي لبيئة أحد الطرفين ولاتملك في عمقها الطاقات
المعرفية التي تؤهلها للإشتراك في تأسيس مرجعية تطمح في تدعيم رؤية
تنفتح وحاضر الفعل التأويلي للقراءة ، وبالتالي فإن المحاولات التي
أرست مفهوم التأويل من خلال البنى الداخلية للنص إستطاعت أن تستثمر
طاقات المرجعية المعرفية التي تخص كل من القارئ والمقروء ، أي الطاقات
التي تؤسس للفعل التحريضي للقراءة والطاقات التي تسهم في بناء الرؤية
الجديدة للنص من خلال إعادة تفعيل كل المفاهيم المعرفية المختزنة في
الوحدات المرجعية بطريقة حيادية تدعم النَفَس التأصيلي لتلك الوحدات
وتشيد رؤية تأويلية تستحدث مفاهيم معرفية تسهم في تشكيل الهوية
المعرفية للنص المنتَج ، ويمكن تلخيص وجهة النظر هذه على أساس أن
المرجع هو وحدة مركزية في تنفيذ فعل القراءة ، وطاقات المرجع تنطوي على
دوافع تحريضية وأخرى تأويلية في كلا المقتربين الخارجي والداخلي للنص ،
ومرجعية النص المنتَج هي مرجعية تعكس بشكل نسبي كل من تصورات المرجعية
العائدة لكل من النص والقارىء ، ورؤية النص المنتَج تعكس بشكل مباشر
تصورات المرجعية المؤسس لها في بيئة النص الجديد ، ربما تميل لتغليب
مفاهيم مرجعية تخص القارئ في أحيان وفي أحيان أخرى تميل لتغليب مفاهيم
مرجعية تخص النص ، وأحياناً تعكس رؤية جديدة لمرجعية تشكلت من خلال
فعالية تحليلية وإستنطاقية لوحدات المرجعية الخاصة بالطرفين ، وفي كل
الأحوال تشكل المفاهيم المعرفية للمرجع بمختلف تصوراتها بعداً تأسيسياً
مهماً في إنجاز عملية القراءة.
قصة قصيرة
الـــخـــبـــز
دون منبه. كان يتسلل، من فراشه. عندما كان ضوء الفجر يقتحم الغرفة، من
خلال ألواح الزجاج السليمة في النافذة الوحيدة. وكان يسحب الأغطية
المتكورة تحت أولاده الصغار. ويعيد تغطيتهم، بها. وهو يلتقط قطع ثيابه
من على الأرض.
عند عتبة الباب. كان يرتدي ثيابه. وهو يدس قدميه في الحذاء. كان يطمئن
على ثمن الخبز، وهو يفرد الوريقات النقدية، ويعدها. ثم يعود، ويلفها
جيداً، وهو يضغط عليها، في قبضة يده.
كان يعتبر شراء خبز الصباح، أهم عمل يقوم به في يومه. وعندما كان يعود
بعد ساعة من الفرن. ويفرد أرغفة الخبز المشروح والمحمص، على الخرقة
السميكة، التي كانت تمدها زوجته. كان يفرك يديه حبورا. وهو يقف عند
عتبة الباب. وتمد له زوجته يدها، بكأس الشاي فيرتشف السائل الحار،
مسرعاً. وهو يلوك لقمة الخبز. الكبيرة نسبياً. ويضع الكأس الفارغ، على
الأرض. ويخرج مسرعاً. وهو يتأبط نصف رغيف. يزدرده في الطريق، على مهل.
فقد تأخر، عن العمل. كالعادة..
في سوق الهال. يلتقيه أصحابه من الحمالين. يقول أبو أمين مبتسماً:
-تأخرت كالعادة..
يرد مصطفى من الطرف الآخر:
-من أجل الخبز.. طبعاً.
يقول أبو أمين، وهو يرفع صندوقاً، على كتفه:
-أخذت للبيت. من عند السمان المجاور... ثلاث ربطات خبز، من الفرن
الآلي، والسلام..
لم يرد على رفاقه. إلا بهزة من رأسه. وتغلغل في السوق. يبحث عن عمل
يبدأ به يومه.
كان يقول دوماً أن خبز الفرن الآلي غالي الثمن. ويصبح (جافرا) بعد
ساعة، من تعرضه للهواء. ويفقد طعمه، بعد ذلك. أما الخبز المشروح.. من
فرن الحارة. فهو أرخص، ثمناً لأنه من الطحين الأسمر. لذلك فهو يأخذ
منه، كمية كبيرة. وطمعه الطيب، وهو ساخن يجعل المادة المغمسة به
مستساغة.. ولو كانت، الشاي الحاف. أو اللبن أو الزيت النباتي، مع
الزعتر. إن وجبة الصباح من هذا الخبز المحمص، تغري بتناول المزيد منه.
فتمتلئ به، بطون أطفاله. مما يؤخر الغداء. ويجعله قريباً من العشاء.
فيوفر، وجبة في كل يوم. وحتى إذا بقيت منه، بقية. وأصبح (جافرا) فإن
قوامه اليابس، عندما يملأ فتاته (صينية) العدس. يجعل طعم هذه الشوربا
طيبا. وقد سمع أن المطاعم، في الفنادق الكبيرة، في العاصمة، تستعمله في
(الفتات)
ذات يوم. عاد من الفرن، وهو يحمل الرزمة المعتادة. لكنه ألقاها، على
الخرقة الممدودة. دون أن يفردها. وجلس خلافاً لعادته، متكوراً عند
العتبة، وهو ينفخ، محنقاً. خبطت زوجته، بيدها. على صدرها، وهي تتكور
إلى جانبه. وقالت وهي تقترب منه:
-أخبرني.. ماذا جرى.
-أبلغني الفران. أنه سوف يتوقف، عن العمل. منذ الغد. سيحول فرنه.. إلى
الخبز السياحي.
لم تفهم زوجته. إلا أمراً، واحداً.. أن الفرن سوف يتوقف، عن العمل.
قالت:
-لا تهتم.. الأفران كثيرة. ابحث عن سواه، منذ الغد.
نظر إلى زوجته. وهو يقوم واقفاً، ويغادرها. دون أن يتناول كأس الشاي،
الذي كانت تمده، إليه.
إنها لا تدرك المصيبة التي سوف تحيق بهم هو وحده يدركها. إنه يعرف
جيداً، ما يجري. بعد فرن الحارة. سوف تتسابق كل الأفران، إلى إنتاج
الخبز السياحي. لقد سرقوا، كل شيء.. حتى خبز أولاده.
نصـــوص شعـــريـــة
منى الخرسان
(قبعاتُ الظل)
(1)
لأنهم
رحلوا بلا هويات
تركوا جلودهم للذئاب
برئات ٍ
مسمومة ٍ
(2)
لأنهم تركو ا أقلامَهم
رفعتْ المطابع ُ يافطات ِ
الموت ِ
(3)
لأنهم
بلا أنوف ٍ
كانت ْ الذكريات ُ
بلا شوارع
والطفولة ُ
عيون ٌ كالإبر
(4)
لأنهم
لم يضربوا عن الأكل ْ
شَرِبوا الدسائسَ
وجاعوا
ثم تنهدوا
من الشتائمْ
(5)
لأنهم
بلا كفن ْ
تركوا مآذنهم عاريات ٍ
وتلاواتـِهم
في الجيوب
(6)
لأنهم مُتخمون َ بالعشق
استعاروا
قلوبا ً ورقية ً طيرتـْها الرياح ُ
نحو مفترقات ِ طرق ٍ آثمة ْ
(7)
لأنهم
ارتشفوا همهمة َ القصائد ِ
صوب َ الثكنات ِ
ختمت ْ الحربُ
آياتـَهم
لأنهم
(8)
أبوابُهم موصدة ٌ ..
ــ قال َ الظل ُ :
البيوت ُ لم تكنْ مقلوبة ٌ
في الأحلام ْ
(9)
لأنهم
من ورائي
وفوق َ أرصفتي
بقيتْ الشمس ُ تسعل ُ
وتسعل ُ
وهم
يتسلقون َ رئتي المـُتعبة ْ
(نداء)
في الأرض
تحتَ سريرتِها
شبح
يغسلُ وجهَ العالم
تلتفُ عليهِ عقارب
ساعتِها الأولى
ـ عيدانُ ثقاب ـ
شبحٌ يكتب للأرض
وجهَ أبيهِ
يكتب
كلمات ملامح قرد
تراقصه
لا تسألهاا
تحتَ سريرتِها
شبح ٌ
يتمشى... قالتْ
يتمشى
في الأرض
وستعصمُها
ـ حتما ً ـ
ساعتُها الأولى |