الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (881) الاثنين 6 ذي القعدة 1429هـ/26 تشرين الاول 2009م

دراسات

فدك في التاريخ

الحلقة الرابعة عشر

الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر

وأنت تفهم بوضوح أن هذا وليد سياسة متعمدة من محاورة وقعت بين عمر وبان عباس أظهر تخوفه من تولية الثاني حمص ، لأنه يخشى إذا صارد الهاشميون ولاة على أقطار المملكة الأسلامية أن يموت وهم كذلك فيحدث في أمر الخلافة ما لا يريد.

ونحن إذا عرفنا من رأي عمر أن ظفر ببيت من البيوت الطامحة إلى السلطان بالولاية في الأقطار الأسلامية يهيؤهم لنيل الخلافة والمركز الأعلى ، ولا حظنا أن الامويين ذوي الألوان السياسية الواضحة كان فيم ولاة احتلوا الصدارة في المجالات الأدارية أيام أبي بكر وعمر ، وأضفنا إلى ذلك أنه كان يعلم على أقل تقدير بأن الشورى التي ابتكرها سوف تجعل من شيخ الامويين عثمان خليفة ، خرجنا بنتيجة مهمة وتقدير تاريخي تدل على صحته عدة من الظواهر ، وهو أن الخليفتين كانا يهيئان للسلطان الاموي أسبابه ومعداته ، وهما يعلمان حق العلم أن إنشاء كيان سياسي من جديد للامويين خصوم بني هاشم القدامى معناه تقديم المنافس للهاشميين في زعيم اموي ، وتطور المعارضة الفردية للبيت الهاشمي إلى معارضة بيت مستعد للنزاع والمناقشة أكمل استعداد .

ومن شأن هذه المعارضة أنها تطول وتتسع لأنها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير ، ونستطيع أن نفهم من هذا أن سياسة الصديق وعمر هي التي وضعت الحجر الأساسي لملك بني امية حتى يضمنا بذلك المنافس لعلي وآل 42 علي على طول الخط (الثالثة ) عزل الخليفة لخالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا لشئ إلا لأن عمر نبهه إلى نزعته الهاشمية وميله إلى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكره بموقفه تجاههم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولو كنا نريد التوسع في دراسة هذه الناحية لعطفنا على هذه الشواهد قصة الشورى العمرية التي نزل فيها عمر ( رضي الله تعالى عنه ) بعلي عليه السلام إلى صف أشخاص خمسة لا يكافئون عليا في شي من معانيه المحمدية ، وقد كان الزبير وهو أحد الخمسة يرى يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخلافة حق شرعي لعلي ، فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الرأي من عقله وأعده للمنافسة بعد حين ، إذ جعله أحد الستة الذين فيهم علي وإذن فقد كانت الفئة الحاكمة تحال أن تساوي بين بني هاشم وسائر الناس وترتفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الاختصاص بهم لتنتزع بذلك الفكرة التي كانت تزود الشهاشميين بطاقة على المعارضة .

ولئن اطمأن الحاكمون إلى أن عليا لا يثور عليهم في تلك الساعة الحرجة على الأسلام ، فهم لا يأمنون من انتفاضه بعد ذلك في كل حين ، ومن الطبيعي حينئذ أن يسارعوا إلى الأجهاز على كلتا قوتيه المادية والمعنو ية ما دامت الهدنة قائمة قبل أن يسبقهم إلى حرب أكول .

ومن المعقول بعد هذا أن يقف الخليفة موقفه التاريخي المعروف من الزهراء في قضية فدك ، فهو موقف تلاقى فيه الغرضان وتركز على الخطين الأساسيين لسياسته ، لأن الدواعي التي بعثته إلى انتزاع فدك كانت تدعوه إلى الاستمرار على تلك الخطة ليسلب بذلك من خصمه الثروة التي كانت سلاحا قويا في عرف الحاكمين يو مذاك ، ويعزز بها سلطانه ، وإلا فما الذي كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته الوعد القاطع بأن تصرف منتوجاتها في سبيل لخير ووجوه المصلحة العامة ؟ !  إلا أنه خاف منها أن تفسر وعدها بما يتفق مع صرفها لغلات فدك في المجالات السياسية .

وما الذي صده عن إرضاء فاطمة بالتنازل لها عن حصته ونصيب ا لصحابة إذا صح أن فدك ملك للمسلمين سوى أنه أراد أن يقوي بها خلافته ؟ وأيضا فإننا إذا عرفنا أن الزهراء كانت سندا قويا لقرينها في دعوته إلى نفسه ، ودليلا يحتج به أنصار الأمام على أحقيته بالأمر ، نستوضح أن الخليفة.

كان موفقا كل التوفيق في موقفه تجاه دعوى الزهراء للنحلة ، وجاريا على المنهج السياسي الذي كان يفرضه عليه الظرف الدقيق ، إذ اغتنم الفرصة المناسبة لأفهام المسلمين بصورة لبقة ، وعلى اسلو ب غير مباشر بأن فاطمة امرأة من النساء ولايصح أن تؤخذ آراؤها ودعاويها دليلا في مسألة بسيطة كفدك فضلا عن موضوع كالخلافة ، وأنها إذا كانت 43 تطلب أرضا ليس لها بحق فمن الممكن أن تطلب  لقرينها المملكة الأسلامية كلها وليس له فيها حق .

ونخرج من البحث بنتيجة وهي أن تأميم الصديق لفدك يمكن تفسيره :

1-بأن الظرف الاقتصادي دعى إلى ذلك .

 2-بأن أبا بكر خشي أن يصرف علي ثروة قرينته في سبيل التوصل إلى السلطان .

وإن موقفه من دعاوى الزهراء بعد ذلك واستبساله في رفضها قد يكون مرده إلى هذين السببين :

 1-إلى مشاعر عاطفية كانت تنطوي عليها نفس الخليفة رضى عنه الله عرضنا لجملة من أسبابها فيما سبق .

 2-وحدة سياسية عامة بنى عليها الصديق سيرته مع الهاشميين وقد تبيناها من ظواهر الحكم يومئذ.

 

 

الضروري أصل الحاجي والتكميلي

 د.عبد الرحمن الكيلاني

أولاً: بيان معنى القاعدة,وموقف الأصوليين منها:

في هذه القاعدة يكشف الإمام (الشاطبي) عن مكانة الضروريات ومرتبتها التي تعلو ماسواها,بحيث يؤهلها ذاك العلو والاعتبار أن تكون أساساً للمرتبتين الأخريين الحاجية والتحسينية,وهو أمر محل اتفاق بين الأصوليين,بدليل تصريحهم بتقديم المقاصد الضرورية الخمسة على غيرها من المراتب,أي على غيرها من الحاجية أو التحسينية.

يعلل الإمام (الشاطبي) بأسلوب تحليلي عميق السبب الذي أقتضى اعتبار الضروريات اصلاً للحاجيات والتحسينيات,يظهر ذلك بقوله:"فلو فرض اختلاف الضروري بإطلاق,لاختلا باختلاله بالإطلاق,ذلك لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة,فإذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود بالنسبة للمكلفين والتكليف,ولم يكن للأمور الأخروية أن تقوم إلا بهذه الخمسة أيضاً”.

ومما يؤكد هذا الأمر الأمثلة المبينة لهذه الحقيقة:

فلو عدم مقصد الدين لعدم ترتب الجزاء المرتجى,ولو عدم مقصد النفس لعدم من يتدين ويقوم بالتكليف,ولو عدم العقل لارتفع التدين,ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء,ولو عدم المال لم يبق عيش,فثبت بذلك أن ارتفاع هذه الضروريات مؤذن بفوات مصالح الدين والدنيا,ولذا اعتبرت أصلاً لما سواها”.

فإذا كان هذا هو حال الضروريات من حيث إيجادها لأصل المصلحة الدنيوية والأخروية,"فإن المصالح الحاجية تتردد على المصالح الضرورية لتكملها,بحيث ترتفع في القيام بها واكتسابها المشقات,وتميل هذه الحاجيات بحياة المكلفين الى التوسط والاعتدال في المور,حتى تكون جارية على وجه لايميل الى أي من طرفي الإفراط أو التفريط”.

وإذا كان هذا البيان من الإمام (الشاطبي) يظهر قدر الضروريات,فإنه في الوقت ذاته يظهر قدر الحاجيات,إذ إن مرتبة الحاجيات مكملة لمرتبة الضروريات,ووظيفتها تقوية اصل المصلحة التي تقوم عليها الضروري فلا تفوت أصل المصلحة بفوات الحاجي,ولكن تقل أو تتطرق اليها اسباب الضعف والانحلال.

وتظهر هذه الصلة بين هاتين المرتبتين – أقصد الضرورية والحاجية – بالنظر الى التكاليف التي راعت أحوال المكلفين: كالترخيص للمسافر بالصلاة قاعداً أو مضطجعاً حسب الحال,والتيسير على المسافر بترك الصيام في سفره,والرخصة له بالجمع والقصر,فإن مثل هذه الحاجيات التي ترفع الحرج عن المكلف دائرة في حمى الضروري من حيث إضفاؤها صفة اليسر على الحياة ورفعها لمعاني العسر والمشقة,فلذا كانت مكملة للضروريات ومتممة لها.

كذلك الأمر بالنسبة لمرتبة التحسينيات,والتي تدور أحكامها حول معنى الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات,فإن موقعها من الحاجي والضروري هو موقع المكمل من مكمله,حيث تضفي على حياة المكلفين بعد إقامتها وتحقيق يسرها عوامل التزيين والتحسين لها,الأمر الذي يعود على الحاجي والضروري بزيادة الحفظ والتمام.

ومثال ذلك:

إن حفظ العورات,وإن كان من التحسينيات التي لاتدعو إليه ضرورة,ولاتلح على وجوده حاجة,فإنه عائد على الضروري بتأكيد وزيادة رعايته,ذلك أن كشف العورات مدعاة الى تهديد النسل وهو من جملة الضروريات,وتهديد النسل مدعاة الى إهدار النفس,ولذا كانت الدعوة الى حفظ العورات وسترها سعياً الى صون الضروري انتهاءً,هذا ماعناه (الشاطبي) بقوله:"فالتحسينية – أي المصالح التحسينية – كالفرع للأصل الضروري ومبني عليه" واستند في ذلك "على أن التحسيني مكمل للحاجي,والحاجي مكمل للضروري,والمكمل للمكمل مكمل”.

فالتحسينيات تتخذ وصف الحائل دون تسرب اسباب الإهدار للضروري,وتعمل على زيادة الإكمال والتتميم.

وهنا نلحظ البراعة والتجديد في بيان الإمام (الشاطبي) حيث استطاع من خلال مفهوم المكمل والمكمل أن يظهر الخيط الواصل بين هذه المراتب الثلاث وما بينها من انسجام وتآلف بحيث تشكل معاً وحدةً واحدة في إقامة مصالح الدنيا والآخرة وتكميلها وتحسينها.

وبهذا يتبين خطأ بعض الأصوليين كالإمام (الآمدي) مثلاً,حين عزل رتبة التحسينيات عن الرتبتين الأوليين – الضرورية والحاجية – ونزع عنها وصفها المكمل لما فوقها من المراتب وكأنها قائمة بنفسها مجتثة عن أصليها المرتبطة بهما,ظهر هذا من خلال مابينه الآمدي لمرتبة التحسينيات,حيث قال فيها:

وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجيات الزائدة فهو القسم الثالث,وهو ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية احسن المناهج في العادات والمعاملات,وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة في أن العبد نازل القدر والمنزلة,لكونه مستسخراً للمالك مشغولاً بخدمته,فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم خطرها,جرياً للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات,وإن كان لاتتعلق به حاجة ضرورية ولازائدة,ولا هو من قبيل التكملة لأحدهما”.

فقوله :"إن كانت لاتتعلق به حاجة ضرورية ولازائدة" بيان أن هذه المرتبة ليست من قبيل الضروريات ولاالحاجيات.ثم قوله بعد ذلك :"ولاهو من قبيل التكملة لحدهما",نزع وصف المكمل عن التحسيني,بحيث لايعود له وجه صلة بمرتبة الضروريات مطلقاً,وهذا مابين (الشاطبي) مخالفته للواقع التشريعي,حيث إن التحسينيات,وإن كانت أخفض رتبة من الضروري والحاجي,فإنها تعود على المصلحة التي تقوم عليها المرتبتان الأخريان بزيادة الحفظ والتكميل والتتميم.

ثانياً: بعض التطبيقات والمسائل المتفرعة عن هذه القاعدة:

عندما ذكر الأصوليون هذه المراتب الثلاث مبينين تقديم الضروري على الحاجي,والحاجي على التحسيني,بينوا أن فائدة مراعاة الترتيب تظهر في حال تعارض مصلحتين,فينظر عندئذ الى أي المراتب تنتمي هذه المصالح وتقدم المصلحة الأولى بالاعتبار حسب الترتيب المعهود,الضروري فالحاجي فالتحسيني.وإن الأمثلة على هذه الموازنة بين مراتب المصالح الثلاث كثيرة:

أ‌مانص عليه الحنفية والشافعية من جواز التداوي بالنجاسات,إذا لم يجد المريض طاهراً يقوم مقام الدواء النجس,لأن ترك تناول النجاسات هو من المصالح التحسينية,وحفظ عافية الإنسان وتحقيق سلامته هو من الضروريات أو الحاجيات على أقل تقدير,والتحسينيات متأخرة في الرتبة والاعتبار عن كل من الضروري والحاجي,وهذا ما نبه اليه (العز) بقوله:"لأن حفظ الأرواح أكمل مصلحة من اجتناب النجاسات”.

ب‌ما اتفق عليه الفقهاء من جواز نظر الطبيب الى العورة ولمسها للتداوي,وسند ذلك:الموازنة بين المفسدة الناشئة عن كشف العورة والمتعلقة بالضروريات إن كان يترتب عليها حفظ النفس أو الحاجيات إن ترتب على عدم التداوي الوقوع بالمشقة والحرج,وكلا المرتبتين مقدمة على المرتبة التحسينية.

ج- مايتعرض له أبناء المسلمين في بعض الدول الغربية (خاصة في أمريكا الجنوبية) من فرض التسمي بالأسماء النصرانية,ولايسمح بتسجيل المواليد إن لم يكن الاسم مما تقبله الدولة وتختاره.

حيث يمكن رد هذه المسألة الى فقه التحسينيات والحاجيات,ذلك أن التسمي بالأسماء الإسلامية هو داخل ضمن مبدأ التحسينيات,إذ لا يتوقف عليه حفظ ضروري ولايترتب عليه دفع مشقة,ولكنه أمر يتصل بمحاسن الأخلاق وكريم الصفات بأن يكون الاسم حسناً في عرف الشرع.

فإذا كان التسمي بالأسماء الإسلامية الحميدة من التحسينيات,وتعارض هذه التحسيني مع حاجي,كأن يكون في إسلامية الأسماء حرج شديد,أو مشقة بالغة تغدو معها الحياة عسرة لاتطاق,كونه يحرم من حقوق المواطنة وامتيازاتها,ومن حقه في التعليم والعلاج والمسكن,فهنا يطبق مبدأ الموازنة بين الحاجيات والتحسينيات ليقال بجواز التسمي بالأجنبي من الأسماء ما دام سيلحقه حرج ومشقة غير معتادة,عملاً بالقاعدة التي توجب تقديم الحاجي على التحسيني.

على ان يراعي في ذلك كله,أنه إذا كان قادراً على اختيار أسماء مشتركة بين المسلمين وغيرهم: كداود,وإسحاق,ونور,كان عليه أن يختار هذه الأسماء,فإذا عجز عنها,وتعين عليه اسم غير إسلامي ولامشترك,فالحكم على وفق البيان المتقدم.

د- مايسأله المسلمون في الغرب عن حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين,حيث لايسمح بالدفن خارج المقابر المعدة لذلك,ولاتوجد مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات الأمريكية والأقطار الأوروبية.

يمكن بيان حكم هذه المسألة بالقول على الوجه الآتي:إننا في هذه المسألة أمام مفسدتين,مفسدة تنجم في حال دفن المسلم في مقبرة غير إسلامية,ومفسدة أخرى تترتب في حال ترك هذا المسلم من غير دفن.

(وإن من إكرام الميت واحترامه,دفنه ومواراة جسده,صوناً له عن الأذى,وحماية لكرامته الإنسانية,وهو أمر حاجي فيما يظهر حيث إن الحياة ستغدو لاتطاق لو أن الأموات تركوا من غير دفن ولامواراة لأجسادهم,فيعتريها النتن والقذارة.

وتعارض هذا الحاجي مع مصلحة تحسينية تتعلق بمكارم الأخلاق,وهو أن يكون الدفن في مقابر المسلمين,وكونه لايمكن تحصيل هذا التحسيني إلا بفوات الحاجي,قدم الحاجي,وجاز دفن الميت المسلم في مقابر النصارى استثناءً,مادام قد تعذر قبره في مقابر المسلمين).

ذلك أن المفسدة الناجمة في حال دفن الميت المسلم في مقابر النصارى أقل ضرراً من تركه بغير دفن.

ثالثاً: الضروريات:وإن كان أصلاً للحاجيات والتحسينيات,فإنها ليست على وزان واحد.

إذا كانت القاعدة المتقدمة قد أشارت الى أن الضروريات هي أصل للمصالح الحاجية والتحسينية,فلا بد من الإشارة الى أن هذه الضروريات ليست على درجة واحدة من حيث الرتبة والقدر والمكانة والأهمية,وهذا ما نبه (الشاطبي) اليه بقوله: "الأمور المتعلقة بالضرورية,ليست كالأمور المتعلقة بالحاجية والتحسينية,ولا الأمور الضرورية ليست في الطلب على وزان واحد,كالطلب المتعلق بأصل الدين ليس في التأكيد كالنفس,ولا النفس كالعقل الى سائر الأصناف”.

هذا أمر يقرره جمهور الأصوليين,حيث يصرحون بتقديم حفظ الدين على كل مقصد آخر يليه حفظ النفس.على أنه قد جرى الاختلاف بينهم في ترتيب ما عدا هاتين المرتبتين: فالإمام (الغزالي) يجعل الترتيب :حفظ الدين فالنفس فالعقل فالنسل فالمال.بحيث قدم في ترتيبه للضروريات حفظ العقل على حفظ النسل.

أما الإمام (الآمدي) :فإنه مع اتفاقه على تقديم مقصدي الدين والنفس على ما عداهما من رتب,فهو يرى أن يكون حفظ النسل مقدماً على حفظ العقل,لأن حفظ النسل إنما كان مقصوداً لأجل حفظ الولد حتى لايبقى ضائعاً لا مربي له,فلم يكن مطلوباً لعينه,بل لإفضائه الى بقاء النفس,فلذا كان مقدماً على حفظ العقل,فيكون الترتيب:حفظ الدين فالنفس فالنسل فالعقل فالمال.

على أنه لايمكن الجزم بأن تقديم الإمام (الغزالي) لحفظ العقل على حفظ النسل بالذكر دال على تقديمه من حيث الاعتبار,حيث لم يتعرض (الغزالي) للمقارنة بين المراتب المتأخرة على الدين والنفس,بذلك فإنني أرى أن الأمام (الغزالي) عرض هذه المراتب مع جزمه بتقديم الدين و النفس,وتأخير ما عداهما دون تعرض للمقارنة بين الرتب الثلاث على سبيل التفضيل.

وعلى ذلك,يمكن الجمع بين ترتيب (الآمدي) و (الغزالي),بأن (الآمدي) فصل ما أجمله (الغزالي) في المراتب المتأخرة عن الدين والنفس,إذ قدم حفظ النسل على حفظ العقل وأخر المال عنهما فلا اختلاف بينهما وفق هذا البيان والفهم.

أما الإمام (الشاطبي),فهو,وإن كان يجوز بتقديم حفظ الدين والنفس على كل مرتبة,فإنه لم يعقد موازنة بين المراتب الثلاث الأخرى,وما أظنه أقام للتقديم في الذكر دلالة على التقديم في الاعتبار والمكانة,يشير الى ذلك أنه تارة يقدم حفظ النسل على المال والعقل فيقول:"حفظ النسل والمال والعقل".وتارة يؤخره عن حفظ العقل ويقدمه على حفظ المال فيقول:"وحفظ العقل والنسل والمال”.

وبناء على ذلك أرى التزام ترتيب الإمام (الآمدي) وأحسبه المعتبر عند جل الأصوليين,ذلك أن الختلاف في الترتيب أحياناً,ليس دليلاً كافيا على الاختلاف في الاعتبار.

 

 

مفهوم الحداثة

محمد أركون / لوي غاردي/ ترجمة/ علي المقلد

إن تعريف مفهوم الحداثة في القاموس (أنظر قاموس روبير) يجرّده من كل مدلول عملياتي في علم الاجتماع التاريخي. وإذا كانت كلمة "حداثة" تُردّ إلى كل "ما هو من زمن المتكلم" يصبح من المستحيل تخصيص "الحداثة" بزمن وبفضاء تاريخي محدد. والساعي وراء فهم كيف تتحد علاقة "الاسلام بالحداثة" يتعين عليه بصورة أساسية أن يعرف كيف يدرك ظاهرة الحداثة دون أن يتحيز لتجلياتها في الغرب. ويبدو لنا أن هناك خطين يفرضان نفسيهما في مسار البحث هما: 1_ لابد في المنطلق، من تصحيح المنظور التاريخي حول نشأة الحداثة في النطاق الأغريقي السامي. (2) ثم إنه من الضرورة بمكان، اخضاع الحداثة الراهنة _في مكوناتها التكنولوجية والفكرية الاساسية _ لتحليل نقدي في ضوء ما يسميه ج.بالانديه بـ "انثروبولوجيا التنازع والخصام". هذه المهمة المزدوجة المشار اليها هنا هي من اللزوم إذ أنها تتضمن استباق اعتراض شائع ومحق من جانب المسلمين، خصوصاً في الاوضاع الراهنة: فهؤلاء المسلمون يرفضون بشدة، كل اولئك الذين يقولون، بتبسيط، بتعارض اسلام متداخل مع تقليد القدماء وتراث تكراري ونزعة محافظة، مع الحداثة المنبثقة والنامية في الغرب، باعتبارها مسيرة حثيثة نحو التقدم، وقبول لا تحفظ فيه للتجديد، ودينامية تاريخية. كثير من المفكرين المسلمين أقرّوا ويقرّون بالتمثيلات المفروضة بفعل مناورات أو الاعيب ايديولوجية حول العلاقة بين التراث والحداثة. ولهذا يجب أن نوضح، أن ادراك هذه العلاقة محكوم إلى حد بعيد، ومنذ القرن التاسع عشر، بوعي متنام، للاختلال الفاضح، في كل مستويات الوجود التاريخي، بين المجتمعات الاسلامية والمجتمعات الغربية. وبدلاً من أن تعمل المقالات الاسلامية على ادراك الظروف الواقعية لوجود الاسلام، في اطار من العداء لا تتكافأ فيه الأسلحة، عمدت هذه المقالات الى الاسترسال في التقريظ الدفاعي أو إلى الهجوم، تغذيها مقالات في علم الاسلاميات تحوي الكثير من الاطروحات العرقية. وسوف نرى كيف نستطيع وكيف يجب أن نتجاوز عصوراً من الخصومات ومن سوء الفهم

مقاربة للحداثة في المجال الاغريقي السامي

إن الموقف الذي وقفه الغرب من خط نموه التاريخي الخاص، كان له آثار أكثر ظلماً فيما يتعلق بالتصور التاريخي للحضارة العربية الاسلامية. إذ لم يُكتفَ بطرح هذه الحضارة ضمن "ظلمات" العصر الوسيط، بل كان عليها أن تتحمل الآثار المتفاعلة للأحكام المسبقة المسيحية، وللأهواء المغرضة التي خلقتها "عملية الاسترداد" الاسبانية، ولتعصب الفرق (الاخويات) المتكاثرة داخل الاسلام عقب القرن الثالث عشر. وانمحت الوظيفة الابداعية والتوسطية للحضارة العربية الاسلامية التي قامت بين القرنين السابع والثاني عشر، بصورة تدريجية من المؤلفات التاريخية الغربية: وكانت النتيجة أنه حتى في أيامنا هذه، قليلون هم المفكرون والعلماء العرب المسلمون الذين يُشار إليهم حتى في الكتب الأكثر توثيقاً وإسناداً”.

ويصبح من المفهوم، ضمن هذه الشروط، سخط العرب _المسلمون عندما يكتشفون أن الحقبة المنتجة "الحديثة" من عدة اعتبارات، في تاريخهم، تُدرس تحت الاسم "المهين": العصر الوسيط. وتتجلى ردة الفعل الأعنف في المغرب وبصورة خاصة في الجزائر، ضد هذا المفهوم، لأن عدداً كبيراً من المغاربة تمثّلوا في المدرسة، وفي الكلية، مقتطفات وتعاريف التأريخ الرسمي الفرنسي المختصر في كتاب "ماله وايزاك" الشهير. ولكن في المناخ السياسي للصراع ضد الامبريالية، تصل ردة الفعل، المبررة علمياً، إلى درجات مفرطة ومسرفة في ايديولوجيتها أو في تقريظها الدفاعي: إن فورة الحداثة الفكرية، والعلمية، والتقنية، في الغرب، انطلاقاً من القرن السادس عشر، تجد أصولها في الجهد الخلاق للفكر وللعلم العربيين، خلال "العصر الذهبي". بل إن الثورة الاجتماعية ذاتها، وبواكير الديمقراطية قد تحققت أو دوّنت في القرآن، وفي سُنّة النبي، وفي نهج الصحابة.

إن التجديدات التي ولّدت الحداثة في الغرب، لم تتوصل حتى اليوم الى الاستبعاد الكامل لكل مسلمات المدرك الاغريقي السامي (الميتافيزيقية الكلاسيكية بمكوناتها المتعددة منذ أفلاطون + الميتافيزيقا التوراتية بصيغها اليهودية المسيحية والاسلامية). لقد ظلّ علم الاثنولوجيا يعتقد أنه يستطيع أن يميز المجتمعات الغربية بأنها ذات تاريخانية دينامية عن المجتمعات البدائية الجامدة المتقوقعة ضمن اعادة الانتاج الطقوسي لميكانيزماتها. واليوم، نكتشف تاريخانية ضمن المجتمعات الأكثر قدماً، ونشهد، بدهشة أو بخيبة أمل، احياء للاعقلاني، وللنزعات المهدية الخلاصية والخرافات والأوهام، والفرق. الخ في المجتمعات حيث تكون جميع صفات الحداثة هي الأعرق والأكثر نشاطا. في حين أن ما نلحظه ونصفه اليوم بفضل ما قدمته أوجه العلوم المرنة، والفعالة والمنفتحة، يصح، بصورة اولى، بالنسبة إلى كل مراحل المجتمعات السابقة.

وإذا كانت كل هذه الاشارات صائبة، فلا بدّ من التسليم بأن الحداثة ينبغي أن تُحدّد في المناخ الاسلامي كما في المناخ الغربي المسيحي، بالنسبة إلى قطبين: قطب الماضي وبه يتعلّق، العتيق والقديم، والتقليدي، والعرفي، والكلاسيكي؛ ثم قطب المستقبل وبه يتعلّق التجديد، والمبادهة، والقرار التطلعي الاستكشافي.

من وجهة النظر التي تهمنا، يجب أن نعلم أن من آثار القرآن وتعاليم محمد، التاريخية، وضع وتطوير، (في اللغة العربية اولا، ثم في اللغات الاسلامية الأخرى كالفارسية والتركية، والاوردية، الخ) النواة الميتافيزيقية للتحالف القديم: فالشعوب التي تأثرت قليلاً أو لم تتأثر، حتى القرن السابع، بتيارات الفكر الأغريقي _ اليهودي _ المسيحي، تحوّلت بدورها، إلى هذه "الحداثة" التي يمكن تعريفها كارادة القضاء على الانسان القديم (الموصوف بالكافر = الخائن للميثاق الأساسي في القرآن) لصالح الانسان الجديد أو المؤمن.

مرفوض في الاسلام عموماً، وما يزال، التمثل التاريخي والسوسيولوجي، الذي بموجبه يُعتبر الشرع المسمى بالاسلامي بأنه قانون وضعي أضفيت عليه الشرعية بنظرية من نظريات أصول الفقه، ربطت الحلول العملية التي وضعها القضاة الأول (خلال القرن الأول للهجرة)، بمنابع دينية أصولية (القرآن والحديث). وكذلك، ما يزال بعض المؤلفين من السنة والشيعة، يقدّمون الخلافة أو الامامة وكأنهما مؤسستان ترتكزان منذ البداية، على أساس ديني أصيل، في حين أن إضفاء هذه الشرعية، هنا أيضاً، هو عمل لاحق. وقد نجد في اليهودية وفي المسيحية المعاصرتين، مواقف وممارسات مشابهة. وينعقد التوتر بين لغات العصر الكلاسيكي واللغات التي تحاول أن تفرض نفسها، في، وبواسطة العلوم الانسانية، من جراء صراع الايديولوجيات المتحاربة: فهذه تطرح مزيجاً ناشطاً ومحركاً، من الرسيمات التفسيرية الكلاسيكية ومن بديهيات جدلية اجتماعية تحاول اعادة توزيع السلطات والممتلكات. وهذا ما يبدو بوضوح، من خلال أدب كاسح حول لاهوتية الثورة، والتحرير، والثقافة... الخ، عند المسيحيين. ولاهوتية الأرض الموعودة، والشعب المختار، والهجرة، عند اليهود؛ واضفاء الشرعية على الاشتراكية، وعلى معارك التحرير، وعلى السلوكات العصرية، بالقرآن، وسنة النبي وصحابته عند المسلمين. وينتج عن ذلك مناخ من الفوضى الفكرية وحرب توصف بأنها أيديولوجية في الأوساط السياسية، وبالابستيمولوجية في الأوساط "العلمية”.

من المهم التعمق أكثر في تحليل هذه الظروف الجديدة، حيث تُدعى كل فكرة إلى التطبيق اليوم. يجب أن نفهم تماماً بأن المعارضات والخلافات، والانشقاقات التي نقوم بوصفها، لا تُعزى فقط إلى مفكرين أسرهم التفكير والبحث المجرد. إن العلم والتكنولوجيا الحديثين يفرضان في كل مكان الاضطراب الذي يلامس الوجود البشري بالذات: فالراديو الترانزيستور، والتلفزيون، والطائرة، والصواريخ العابرة للقارات، وحبة الدواء، وأسلوب الانتاج الصناعي، والمطالبة بنظام اقتصادي جديد وعالمي.. الخ.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق