الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (882) الثلاثاء 7 ذي القعدة 1429هـ/27 تشرين الاول 2009م

الثقافية

فضاءات ثقافية

القصة العراقية القصيرة وتبني نظرية السرد أو وجهة النظر

د. حسنين غازي لطيف

ليسَ خافيا ماتمثله القصة العراقية القصيرة في النتاج الادبي العراقي او العربي ،اذ ان القصة العراقية القصيرة قطعت شوطا طويلا على طريق الابداع القصصي ،ومنذ البدايات المتمثلة في كتابات (محمود احمد السيد) و(عطاء امين) فانها تشكلت بقالب خاص بها يمتاز بكل ما تمثله ثقافة المبدع العراقي.

اضف الى ذلك الكم الهائل من الالم المتراكم لعشرات السنين ،الذي تحول بدوره الى نزيف من الابداع الفني ،وهو ما يمكن استشفافه بنظرة موضوعية ،لاي مجموعة قصصية من كتابات الرواد امثال القاص (جليل القيسي) ،ثامر معيوف ،احمد خلف ،جهاد مجيد ،موسى كريدي ،غازي العبادي ،عبد الرحمن مجيد الربيعي ،فؤاد التكرلي ،عبد الستار ناصر ،فهد الاسدي ،كاظم الاحمدي ،محمد خضير ،مهدي عيسى الصقر ،محمود جنداري ،شوقي كريم ،وارد بدر السالم ، يوسف الحيدري ،لطيفة الدليمي ، ميسلون هادي ،بثينة الناصري ،نعيمة مجيد ،ديزي الامير ) وغيرهم ،وما لم نذكره من المبدعين لايقل شأنا عن هؤلاء المبدعين من كتاب القصة.

وما نروم توضيحه هنا في هذه السطور ، وهو قدرة القاص العراقي على استيعاب نظرية السرد او وجهة النظر بمضمونيها النظري والتطبيقي ،وما يلفت الانتباه حقيقة الحرفية المذهلة التي تمكن بها القاص العراقي من التعامل مع هذه التقنيات السردية التي لم تكن موجودة سابقا. وان وجدت فهي كانت تنسج عفو الخاطر او على سبيل المصادفة ، واذا علمنا ان وجهة النظر تعني في ابسط مقاربة او حد لها (النقطة او الزاوية التي يضع السارد فيها نفسه لسرد قصته ) وما يتميز به القاص العراقي القدرة على توجيه مركزية الروي نحو زاوية معينة للوصول الى حبكة القصة دون ان يشعر المتلقي بتوقفات المشاهد السردية وذلك عندما يهيمن الوصف على محور العملية السردية ،ولقد استطاع القاص العراقي بذكاء الفنان المبدع ان يجد عوالمه الخاصة وفضاءاته المتخيلة احيانا والواقعية المرمزة احيانا اخرى.من نتائج دراستنا واطلاعنا المستمر في اكثر من مستوى دراسي او بحثي اتضح لنا ان القاص العراقي مدرك تماما لاهمية نظرية السرد والياتها وهو يمتلك فعلا القدرة على توظيفا ،بكل التقنيات الحديثة ،اذ يمكن بسهولة ملاحظة قدرة القاص على التخفي خلف مصطلح (الراوي ) واستخدامه كاداة لتوجيه اغلب شخصياته ،عبر رؤيا خارجية ،او داخلية مضمورة او مبطنة ،اذ يتجرد فيها الراوي ليتحمل جزءا كبيرا من العملية السردية واحيانا العملية السردية كاملة باستخدام الراوي المتعدد ،وهنا بدأ القاص العراقي التفلت من سلطة راوي الدرجة الاولى الذي يروي بضمير المتكلم والتوجه بنسبة عالية الى الراوي المراقب الذي يروي حكايته بضمير الغائب ،وما يمكن استنتاجه ايضا هو التواصل الغريب للقاص العراقي مع العالم الخارجي أي ما يحيط بالعراق من دول ينشط فيها الابداع الفني والادبي ،أي كل ما ينتج في العالم العربي من نتاج قصصي او روائي في الوقت الذي كان الحصول على لقمة العيش هو الشغل الشاغل لاغلب طبقات المجتمع العراقي ،وهو محاصر بكل ما حوله من هموم ،وظروف قسرية تمنع القاص من الابداع ،وحقيقة ان القاص العراقي نال بجدارة لقب المبدع وهو جدير به ،ليس لانه يكتب القصة القصيرة ،بل لانه استطاع ان يجعل من القصة القصيرة فنا ابداعيا ، لايقل شأنا عن كل ما يكتب في دول اخرى ليس لها نفس ظروفه ،وبدراسة احصائية بسيطة يمكن التوصل الى الكم الهائل من المقالات والكتابات النقدية عن القصة العراقية التي تدلل بمضمونها عن اهتمام بالغ بالقصة العراقية ،واليوم نجد القصة العراقية ونحن في بداية الالفية الثالثة ،طوطما ابداعيا ونظريات فلسفية وطروحات منتقاة بدقة متناهية.واود ان اضيف مسألة مهمة وهي ان القاص العراقي مع اهتمامه الكبير بمعطيات نظرية السرد الا انه لم يحول القصة الى رموز وشفرات تتحدى المتلقي بكل اجناسه وثقافاته ،لان القاص العراقي لجأ الى توظيف الموروث الشعبي ممتزجا مع الثقافات الدينية او الاعراف الاجتماعية ،وخاصة النتاج القصصي ما بعد الثمانينيات مما منح القصة العراقية نكهة عراقية اصيلة ولونا يدلل بكل اشكاله على قدرة المبدع ان يصنع فنا راقيا وخير مثال على ذلك مجموعة (بخور للقاصة المبدعة ) بثينة الناصري عام 1998 م ومجموعة (المعدان للقاص ) وارد بدر السالم عام 1995م.

ولو اخذنا مثالا على التطور النوعي في الكتابة القصصية فأننا نجد في نتاجات القاص (احمد خلف) مثالا للتطور الفكري والفلسفي والبنائي ، وهما ثقافيا متراكمان في شخصيات الابطال ،وهم جزء لا يتجزأ من شخصية القاص ونتاج القاص يبدأ بمجموعة ( نزهة في شوارع مهجورة ، عام 1974 م ، ومجموعة (منزل العرائس ) عام 1978 م ثم روايته (الخراب الجميل) عام 1981 م ومجموعة (الحد الفاصل) عام 1985م ،ومجموعة (القادم البعيد عام 1988 م ،ومجموعة (صراخ في علبة) عام 1991م ومجموعة (خريف البلدة عام 1994 م ، ثم مجموعة (تيمور الحزين عام 2001 / ،ثم رواية (موت الاب) عام 2002 م ثم رواية حامي الهوى عام 2005 واخير رواية محنة فينوس عام 2007 م وغيرها من النتاج الفني المتفرق للقاص ، اذ نجد فيه فهم دقيق للنظرية السردية ، وتطبيقها باستعمال اليات السرد الحديثة كالدمج والمراسلات والتقطيع والتشطير والحذف والاستباق وتنوع الراوي وتعدده ،دلالة لما يحمله هذا القاص من ذكاء حاذق وقدرة على المطاولة في المشاهد الوصفية ،ومجموعة (خريف البلدة ) يمكن ان تعد انموذجا ومثالا يحتذي به للقدرة على التحكم في زمام العملية السردية ،واتخاذ بؤرة مركزية للسرد ،اكاد اجزم انها تحسب للقاص ولفنه القصصي.

وتحتوي هذه المجموعة على ثيمات وطروحات نادرا ما يتطرق لها كتاب القصة.

فالبطل الرمز فيها معذب بعذاب لا لسان له ، وفيها صورة الظالم كما في شخصية الباشا في قصة (لعبة شطرنج) وفي نفس القصة يجسد القاص صورة البطل المثقف الذي تغتاله يد الظلم وهو مدرس التاريخ الذي جسد بموته واقعية للقاصْ (احمد خلف).

 

 

خطاب المعرفة الشعرية ومشكلة المفاهيم

ناظم عودة

إنّ الشيء المؤسف حقاً، هو أنّ هذا الخطاب يختزل الشعر عادة في (الشكل) بوصفه ترسيمة توضع مسبقاً؛ بمعنى آخر، أنها تسبق زمنياً لحظة ولادة النصّ بشكله المنجز في قوالب اللغة. وسوف يعثر القارئ هنا، على تنظيرات لا حصر لها، لشكل القصيدة أو النصّ، قد تكون باهرة على صعيد التصور الذهني المجرّد، بيد أنها لم تكن كذلك على صعيد النصّ المنجز. وهذا ما عانيته شخصياً،  فأنت تقرأ أفكاراً ذات مرجعية ثقافية عصرية متنوعة لهؤلاء الشعراء، لكنك عندما تكون قبالة نصوصهم الشعرية، تصاب بخيبة أمل كبرى.

وهذه مشكلة ـ أعني تنظيرات الشعراء حول الشعرـ ناتجة من تزايد اهتمام الشاعر بـ (المعرفة الشعرية)، وانتقاله من موقع (المبدع) إلى موقع (المفسّر)؛ لاعتقاده بقصور النقد الأدبي عن إيجاد تفسير معقول لكثير من الظواهر الشعرية، وهو ما أفضى إلى أنْ يقول الناقد ما لا يعرفه الشاعر، أو ما لا يرضى عنه، أو إلى أنْ يقول الشاعر ما يجده الناقد تطفلاً على مجال عمله، فيكون كمن يعوم في مكان غير صالح للعوم كالتراب مثلاً.

وفعلاً، يندر أنْ يتفق شاعر وناقد على معنى محدد، وتطور هذا إلى عدم الاتفاق على رؤية محددة للشعر، أو استجادته، أو استنباط لقوانينه، أو تقدير لقيمة جمالياته. وهذا هو سبب اللغط الذي لا ينتهي بينهما، منذ تلك المناظرة النقدية الشهيرة بين النابغة وحسان بن ثابت. وهذه كما تلاحظون مشكلة معرفية وليست إبداعية، إذْ الإبداع مستمر في سنّ قوانينه المتغيرة على الدوام، والنقد مستمر في التفسير المغاير لتفسير المبدع، استناداً إلى أسباب تتعلق في الذهنية النظرية التي تغلب على رؤية الناقد عادةً. وهنا أود أنْ أشير إلى الدعوة التي أطلقها الشاعر خزعل الماجدي إلى الشعراء، بأن ينهضوا بمهمة التنظير للشعر؛ أي أنْ يتضمن عملهم: كتابة الشعر، وكتابة النظرية الشعرية.

لاشكّ في أنّ إنتاج الشعر الخلاق، يقتضي ضرورة أنْ يتزامن وعيان هما: الوعي بكيفية نقل العالم وتمثيله في الشعر، والوعي بمقتضيات التحديث الجذريّ [ نظام القصيدة] أو الموضعيّ [ المناحي الأسلوبية]. والدليل أنّ التجارب الخلاقة، لم تفصح لنا في يوم من الأيام أنّ عملاً شعرياً خلاقاً، كان نتيجة ترسيمة معدّة سلفاً. النصّ الخلاق، نسيج متشابك من: المساهمة الخلاقة في تفسير العالم الواقعي الذي يكون الإنسان حاضراً فيه بقوة، والمساهمة في دفع عجلة التطور الشعري إلى أمام. ويضعنا هذا الافتراض أمام مسألة جديرة بالاهتمام، وهي أنّ لا أهمية لأيّ مشروع جماليّ أو تحديثيّ في الشعر، دون أنْ ينبع من ضرورة تاريخية ملحّة. وليست التاريخية هنا، سواء إدراك عميق لمشكلات الإنسان، وصراعه الأبدي مع الزمن الذي يستبدل كائناته بكائنات أخر، لها طرائقها في تحقيق وجودها في ظرفَي الزمان والمكان. وأنتجت لنا هذه الكائنات الزمانية المتحكمة بإدارة التاريخ، مفهوم السلطة الذي طبع سيرة الوجود بطابع الصراع الأزليّ بين: الإنسان، والسلطة.

وهذا الوعي، لا يمكن التحدّث عنه بتجزأته إلى عنصرَي: الشكل والدلالة، إنما القضية أعمق من ذلك بكثير، فالعمل الشعري ليس لعباً غير منضبط ينتج أشكالاً غير منضبطة، بل لحظة أزمة كيانية صارخة يتوهج فيها الشاعر كلاً متكاملاً؛ مخيلة ومعرفة ووعياً وموقفاً من العالم، والتوهج هو الكفيل بحرق الأشكال التقليدية، وإتلاف ما تبقى من الثمرات المتعفنة في سلة الشعر المبدع الخلاق، الذي أدعو أنْ يكون شرطاً للكتابة الشعرية، وشرط تفسيرها ونقدها.

ولكن ما جذور هذه المعرفة أو الوعي، بأنّ الشعر يتطلب ترسيمة مسبقة؟. نحن نعلم أنّ الحركة الشعرية التي شكلّت حضوراً متميزاً في الشعرية العربية قبل حداثة ما عُرِفَ بـ: (الشعر الحرّ)، إنما هي الشعرية الرومانسية، وقبلها كانت الشعرية الإحيائية، وهاتان الشعريتان مازالتا تتمثلان في ذلك الوقت الروح الكلاسيكية للشعر العربي القديم، وهي: أنّ الشعر طبع لا ثقافة. وأثبت فشل العقاد في كتابة قصيدة جديدة مؤثرة، أنّ الثقافة لم تكن قادرة على إنقاذ الشعر من هاوية الفشل الذريع. مما أفضى إلى تعضيد فكرة أنّ الشعر تدفق عفوي ينبع من قريحة صافية، وطبع غير متكلف. وكان ردّ الفعل القوي على هذه السكرة الرومانسية، هو التفكير الجدّي عبر الثقافة بالخروج من هذا المأزق المعرفي. ولو نظرنا بإمعان إلى بداية التحديث الحقيقي الذي جاء به الرواد، لاكتشفنا أنّ (الثقافة) كانت ظاهرة بقوة في التخطيط للتحديث، وفي نصّ القصيدة التي أنتجها هؤلاء الرواد. والقراءة الواعية لشعر الرواد سوف، تفصح لنا عن عصارة ثقافية امتصّها ذلك الشعر، وتَمَثَّـلَها في كلّ عنصر من عناصره. بيد أنّ التطور اللافت في قصيدة الرواد، تمثّل في المحافظة على تناسب مقبول بين (الطبع) و(الثقافة). ومع مرور الوقت، أخذ هذا التناسب يفقد توازنه لصالح الثقافة وعلى حساب الطبع، مما أغرق التاريخ الشعري الحديث بموجات من التجريب تحت مؤثر الثقافة.

ونتيجة لهذا النمط من المعرفة التي توهمت بأن فلسفة الحداثة، تقتضي ثقافة مسبقة وظيفتها ابتكار ترسيمة هيكلية للنصّ الشعري، كانت الشعرية العراقية عبر أكثر من ثلاثين عاماً تنطوي على قائمة طويلة من التجارب غير الفاعلة. وظلت التجارب المتميزة لا تتعدى أصابع اليد. ولعلّ فهم الرواد للتحديث الذي جرى للقصيدة العربية، هو أحد أسباب تعثر مشروع ذلك التحديث. ولكن كيف؟. إنّ الذي يقرأ الكتابات التي أسميتها بخطاب: (المعرفة الشعرية) وكان أنجزها شعراء الحداثة بالعراق، سوف يكون أمام سيل من الأفكار التي رسّخت نمطاً من الفلسفة التفسيرية لمضمون التحديث، الذي اختُزِل إلى تفكيك البنية العروضية للقصيدة العربية التقليدية. وهذه الفلسفة آمنت بها كثيراً نازك الملائكة، ودافعت عنها في كثير من تنظيراتها، وتكاد تكون قاسماً مشتركاً لدى عدد واسع من شعراء الحداثة العربية في طورها الرياديّ. ولم أعثر في تلك المرحلة على دراسة، أو وجهة نظر، تفسر الأسباب الحقيقية التي دعت إلى هذا التطور من نظام القصيدة القديمة إلى النظام الجديد. وفي ظني، أنّ هذه الأسباب تكمن في تحوّل المجتمع العربي الجديد في الأربعينيات إلى مجتمع آخذ بإدراك ذاته ثقافياً، وهو يسعى بقوة إلى تمثيلها في نظام ثقافيّ يحمل بصمته وهويته العصرية، هذا بالإضافة إلى تزايد إدراكه بـ (الوحدة العضوية) التي صار يراها في التطور المادي لحضارة القرن العشرين، وهو ما أفضى به إلى تأسيس حسّاسية جمالية تقوم على المتعة بنسيج الكلّ بدلاً من نسيج الجزء؛ أي المتعة بنسيج (النصّ) بدلاً من المتعة بنسيج (البيت الشعري). ونظراً لأنّ هذا النسيج، لا يتحقق إلا بـ (النصّ الحرّ)، فكان الاكتشاف الجماليّ الذي طربت له الثقافة العربية آنذاك، ووجدت فيه بداية الطريق للانقلاب على كلّ أنظمتها التقليدية المتحجرة. بيد أنّ هذا النسيج الذي اعتقد آباؤه أنه يستمدّ قوته من مجرد التلاعب في النظام العروضيّ، بلغ أزمة حقيقة في الستينيات، ولم ينقذه منها إلا التحوّل الثاني للحداثة العربية، التي خلّصت (الشعر) من ملازمة الشكل الموسيقيّ التقليديّ، ووسعت من مفهوم الشعر ليكون هذه المرة أكبر من الإطار الهندسيّ الموروث.

في الحداثة الأولى، كان الشكل لم يتخلص بعد تماماً من أبوّة التفعيلة، وفي الحداثة الثانية كان الشكلّ هيكلاً شاملاً يتكون من عدة عناصر لم تكن التفعيلة من بينها. وصار الشعر يساوي: الشكل مجرّداً من أيّ تقنين موسيقيّ، وزحفت فلسفة التخلص من التقنين الموروث إلى نظام الجملة اللغوية، وإلى الجملة الأسلوبية، وسائر المحددات الشكلية. وهو ما أحال الممارسة الشعرية إلى ممارسة تستمدّ شرعيتها من الاستمرار في الخروج على التقنين، ومن تحوّ الشعر إلى (شكل) قبل أنْ يكون منظوراً تفسيرياً مغيراً للواقع. ولأنّ الشكل ينتعش في التجريدات، والعالم الباطنيّ الضاج بصور وأخيلة غريبة، تحوّل النصّ إلى (تقنية صياغة)، لا إلى صياغة منظورية للعالم لم تكن لها سابقة لا من قبل ولا من بعد. الشعر هو أنْ تقبض على حركة فريدة لها جذر في الحياة، في الوقت الذي تقبض على جذر جماليّ فريد. ولذلك فقد فشلت البراعة في تشكيل لغة وأساليب وأشكال مفرّغة من حرارة الحياة، ومتعالية على الثقافة، والقارئ، والحياة نفسها. إنها يوتوبيا شكلية معلقة في السماء البعيدة، ولم يكن بمقدورها أنْ تهبط إلى الأرض قطّ.

وهنا يلزم أنْ نقول: ليس للشعر أنْ يكون خارج الثقافة، كونها نظاماً تشكّل في أوضاع تاريخية معينة، وتطور المجتمع الحديث يرفض أنْ يكون الشعر كذلك. وكلّ التيارات التي ذهبت إلى تكوين (إمارة انفصالية) للشعر خارج مملكة الثقافة، أصيبت بفشل ذريع. هذه التيارات التي نظرت إلى الشعر، كونه موهبة تتحكم فيها قوى غيبية، أو مجالاً للتجريب الشكلاني، أو خاضعاً لفلسفة تاريخية كونية كالنهضة والحداثة وما بعد الحداثة وما بعد الـ...، هذه المابعديات التي لا تنتهي، وتشكل أفقاً فلسفياً ومرجعياً يستوعب كلّ النـزعات الجديدة في الشعر. وتكمن فكرة (استقلالية) الشعر، أو محايثته، في السعي إلى ضرب المفاهيم، والأفكار، والغايات التي ينهض بها هذا اللون من الفن الإنساني. ولكي لا نقع في التجريد، أو الكلام غير الواقعي، أحاول أنْ أقدِّم مثلاً من واقع الشعر العراقي منذ السبعينيات، إذْ تمّ إقصاء الموسيقى المقننة، والجملة البلاغية، واللغة المرجعية، والتدوير، والمعنى، والإفادة من شبكة الرموز والإنجازات التي توصلت إليها القصيدة العراقية في تاريخها المعاصر.

 

 

قصة قصيرة

نـــقطـــة الصـــفر

وصال سمير

مدت بصرها إلى البعيد.. إلى حيث تصطدم الهضاب بالأفق المقفر..

إلى تلك النقطة.. التي تلاقت بها الروابي السمر مع زرقة السماء المختفية خلف تلال أشحبها غبار المدينة.

من حاضرها المضطرب بدأت تناجي ماضيها.. وقد عصمت عينيها عن رؤية المستقبل.

المجهول.. يختفي خلف هذا الأفق المتعرج، الذي رسمته التلال الصاعدة والهابطة دون أي نظام.

مشاعر متضاربة ومتفاوتة في الشدة، تركها في صدرها هذا اليوم الشتوي المعربد.

الغيوم السودا، تبشر بليلة ممطرة.. والجبال الجرداء تستجدي منابع الغيث أن تأتي.

غرقت وحدها في لحظات الدفء.. وأنستها الراحة، التي تنعم بها للحظات هموم الحياة.

الريح الحرون، هزت أشرعة النوافذ، ولسعت وجوه المارة بفيض برودتها.. تساءلت باسترخاء: أيستطيع الإنسان أن يحيا بمعزل عن الآخرين؟؟ ولكن تعبها الأصم أسكتها، وكبّل حركاتها تاركاً سؤالها بلا جواب. الأيام الطويلة التي عاشتها، فتحت عينيها على أمور كثيرة لم تتبينها من قبل.

ازدادت الرياح شدة، فطردت السحاب، بعد أن نهشته وشتتته ومزقت خيوطه.. فتلاشى دون أن يخلف وراءه شيئاً من المطر.

غضبت وهي ترى العاصفة تقضي على كل شيء.. تدمر وتخرب، وتترك الأرض ظامئة.

الدفء الحنون، أعادها من جديد إلى سكينتها.. فاكتفت بمراقبة الكون من خلال النافذة العريضة الممتدة أمام ناظريها.

منذ مدة طويلة.. لم تعد الأحداث تعنيها، وكأنها مسافرة في قطار سريع.. تطل عبر النافذة إلى المشاهد المتتابعة بسرعة عجيبة.. يصعب معها تحليل ما ترى.. وسرعة القطار تجعلها ترى الأشياء متشابهة.. متعاقبة.. مكرورة.. لا يحمل أحدها، ما يثير الدهشة، أو يرضي الظمأ إلى شيء جديد..

أسعدها دور المراقبة المحايدة.. تمثله على مسرح الحياة..ترى، وتلمح، وتلاحظ.. ولكنها لا تحاول أن تتعمق في الأمور لتصل إلى مغزى الوجود.

فهي تأخذ ما يأتي- كما هو عليه دون الدخول في التفاصيل، كمن يرى الحياة معروضة على شاشة "تلفاز" لا يملك جهازه.. بل يراقب ما يجري من خلال نافذة كبيرة، تفصل بينه وبين جيرانه.

ارتاحت لهذا الدور المسلي.. فبدت مستسلمة تملؤها الغبطة وقد عقدت مصالحة مؤقتة بينها وبين العالم.

لن يدفع بها حب الاستطلاع من جديد إلى استجلاء مضامين الأحداث.

سنوات طويلة مشحونة بالأحداث الغريبة عاشتها وكانت كافية لرفع الأسوار بينها وبين العالم الخارجي..

لذا.. أصرت على أن تضيف في كل صباح سوراً جديداً.. حتى غدت بعيدة عما يحدث في المجتمع، ولكن.. هل حققت سعادتها؟

تركت هذا السؤال معلقاً في الفراغ.. لا يلقى جواباً.. فالجواب بحاجة إلى إعمال الذهن.. وهي حريصة على ترك رأسها في حالة عطالة. فلماذا تفقد دماغها الفوسفور المختزن فيه؟

نعم.. ستوفر هذا الفوسفور إلى الأوقات العصيبة.. وربما لن تأتي تلك الأوقات أبداً..

وحين حاول الشك أن يتسلل إلى روحها.. أمسكت بيدها سوطاً، وهوت به علىجسده الشوكي، فطردته قبل أن يتسلل إلى مخدعها.. استمرت في مقاومتها، فاغتالت القلق.. فبيتها لا يتسع لتلك المشاعر السلبية.

امتلأ رأسها بالاستسلام والاطمئنان.. واحتفظت بظل ابتسامة على شفتيها الرقيقتين..

ولكن سؤالاً خبيثا فاجأها..

هل أصبحت قدرية إلى هذا الحد؟؟

وجاء الجواب على هذا السؤال سريعاً لا يحتاج لأي عناء:

-نعم.. صرت قدرية.. أدركت تلك الحقيقة قبل سنوات، وأحست أنها تأخرت في معرفة هذه الحقيقة.. التي انجلت أمامها بوضوح، حين تأملت حياتها الماضية فوجدت -ولسوء الحظ- أنها لم تختر شيئاً من هذه الحياة.

كانت تجد نفسها في كل مرة أمام مفارق الطرق.. وفي كل مرة كانت تشعر بأيد خفية تسحبها صاغرة، وتمضي بها إلى حيث تشاء..

همست لنفسها من جديد: يا ترى.. لو رجعت إلى نقطة الصفر.. ماذا كنت سأختار؟؟

وجاءها الجواب لا لبس فيه ولا غموض..

سأرفض كلّ ما مرّ بي.. نعم سأرفضه بكل ما فيه.. بنيت حياتي على أوهام كاذبة.. كأجنة خارج الأرحام.. من اللاحقيقة صنعت بيتاً.. وأنجبت أطفالاً، وها أنذا.. أعانق الوحدة والاغتراب..

هاجمتها قوة جديدة.. انتزعت نفسها من أحضان غطائها الصوفي الناعم.

قاست بقدميها الحافيتين ممرات البيت جيئة وذهاباً.. هزتها ثورة غضب واحتجاج.. أشعلت كل ما سكن في روحها من مواجع..

لم تجد أمامها مخرجاً سوى ارتداء ملابسها بسرعة جنونية، غادرت المنزل، وقد غطت عنقها النحيل وأعلى كتفيها بغطاء سميك.. حملت معها مظلتها السوداء.. وهرولت في الدرب وهي تحمل همومها، ونوبات جنونها إلى حيث يتواجد الآخرون.

 

 

اتركني لآلامي

د. ناهدة التميمي

اتركني لآلامي

اتركني لاحزاني

اتركني لوحدتي

يكفيني حرماني

فقد غادرني السلام

وشعور الاهتمام

ونسيت الابتسام

ولم يعد ذاك الغرام

الا نسيجا من خيالي

لم تعد ضحكاتك تورق شوقا

ولا كلامك يقدح وجدا

وما حنوك الا سرابا في الليالي

همساتك التي اينعت

فاورقت املا

لم اعد فيها ابالي

وضحكاتك التي ارعدت

فامطرت شوقا

ذاب صداها ببالي

انا من عصرت لك روحها

بكأس لترتوي

انا من قدمت لك ماتشتهي

ما عاد تلويحك لي بالخصام

يهمني

وما عاد عالمك الوردي الفسيح

يلمني

ولاغابات عصافيرك في الخيال

تشدني

وما عاد تدليلك لي في الكلام يسرني

ولا وعودك في الغرام تغرني

ولاصوتك ولاضحكاتك تهزني

فصدرك الدافي لم يعد كوكبي

او جنتي

وغرامك وهم من خيال محبتي

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق