|
فدك في التاريخ
الحلقة الخامسة عشر
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
(بواعث الثورة)
إننا ندرك بوضوح ، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية
، أن البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له كل بواعث الثورة
على الأوضاع القائمة ، والانبعاث نحو وتغييرها وإنشائها إنشاء جديدا ،
وأن الزهراء قد اجتمعت لها كل إمكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي
قرر المعارضو ن أن تكون منازعة سلمية مهما كلف الأمر . وإننا نحس أيضا
إذا درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع
تلك الثورة ، ونتبين بجلاء أن
هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا
وألوانها التي بدت للزهراء بعيدة عما تألفه من ضروب الحكم ، ولم تكن
حقا منازعة في شئ من شؤون السياسة المالية ، والمناهج الاقتصادية التي
سارت عليها خلافة الشورى ، وإن بدت على هذا الشكل في بعض الأحايين
وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من اصولها ، أو ما يصح أن
يعتبر من اصولها ، فعلينا أن ننظر نظره شاملة عميقة لنتبين حادثتين
متقاربتين في تاريخ الأسلام ، كان أحدهما صدى للاخر وانعكاسا طبيعيا له
، وكانا معا يمتدان بجذورهما
وخيوطهما الاولى إلى حيث قد يلتقي أحد هما بالاخر أو بتعبير أصح إلى
النقطة المستعدة في طبيعتها إلى أن تمتد منها خيوط الحادثتين .
أحدهما : الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت أن تزعزع كيانه
السياسي ، وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ .
والاخر : موقف ينعكس فيه الأمر فتقف عائشة ام المؤمنين بنت الخليفة
الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة على أبيها . وقد شاء القدر
لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارق بينهما مرده إلى نصيب كل منهما من
الرضا بثورتها.
والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل منهما من الانتصار في حساب الحق
الذي لا التواء فيه وهو أن الزهراء فشلت بعد أن جعلت الخليفة يبكي
ويقول : أقيلوني بيعتي ، والسيدة عائشة فشلت فصارت تتمنى أنها لم تخرج
إلى حرب ولم تشق عصا طاعة.
هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والأشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى
أسباب متقاربة وبواعث متشابهة.
ونحن نعلم جيدا سر الانقلاب الذي طرأ على السيدة عائشة حين إخبارها بأن
عليا ولي الخلافة يرجع إلى الأيام الالى في حياة علي وعائشة حينما كانت
المنافسة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين زوجته وبضعته.
ومن شأن هذه المنافسة أن تتسع في آثارها فتثبت مشاعر مختلفة من الغيظ
والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الأنصار
والأصدقاء ، وقد اتسعت بالفعل في أحد الطرفين فكان ما كان بين السيدة
عائشة وعلي ، فلا بد أن تتسع في الطرف الاخر فتعم من كانت تعمل ام
المؤمنين على حسابه في بيت النبي.
نعم إن انقلاب ام المؤمنين إنما هو من وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح
فيها علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلقها في قصة الأفك
المعروفة
وهذا النصح إن دل على شئ فإنه يدل على انزعاجه منها ومن منافستها
لقرينته ، وعلى أن الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع في معناه
وشمل عليا وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسة وأطوارها.
( المواجهة السلمية )
انتهى الأمام إلى قرار حاسم ، وهو ترك الثورة وعدم التسلح بالنصوص في
وجه الحا كمين جهارا وعلانية إلا إذا اطمأن إلى قدرته على تجنيد الرأي
العام ضد أبي بكر وصاحبيه ، وهذا ما أخذ يحاوله علي في محنته آنذاك .
فبدأ يطوف سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة ، يعظهم ويذكرهم
ببراهين الحق وآياته ، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في جهاده
السري ، ولم يكن يقصد بذلك التطو اف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به
لأننا نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه ، وحاول الالتفاف
حوله وإنما أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه .
وهنا تجئ مسألة فدك لتحتل الصدارة في السياسة العلوية الجديدة ، فإن
الدور الفاطمي الذي رسم هارون النبوة خطوطه بإتقان ، كان متفقا مع ذلك
التطواف الليلي في فلسفته وجديرا بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي
خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية لا كما يقوض حكم مركز على
القوة والعدة .
وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصديقة الصديق بما انتزعه منها
من أموا ل ، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة الأساسية
وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا للحظة التي عدلوا فيها عن
علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ ، وأنهم بذلك أخطأوا
وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم
ولما اختمرت الفكرة في ذهن فاطمة اندفعت لتصحح أوضاع الساعة وتمسح عن
الحكم الأسلامي الذي وضعت قاعدته الاولى في السقيفة الوحل الذي تلطخ به
، عن طريق اتهام الخليفة الحاكم بالخيانة السافرة ، والعبث بكرامة
القانون ، واتهام نتائج المعركة الانتخابية التي خرج منها أبو بكر
خليفة بمخالفة ا لكتاب والصواب).
شبابنا.. والتحولات الحالية والمستقبلية
د. محمود أمين العالم
الشباب هم القوّة الطالعة والمؤهّلة ـ موضوعياً ـ لإنجاز التحوّلات
المنشودة ومواصلتها، والتي تتطلع إليها بلادنا حالياً ومستقبلاً في
اتجاه الديمقراطية الحقيقية، والوحدة القومية، والتجدّد المتصل،
والمشاركة الإيجابية في تنمية الحضارة الإنسانية، علماً وثقافة
وإنتاجاً، وسلاماً وحريّة، ورؤى روحية وعقلائية إيجابية ملهمة. ولهذا
ما أكثر المحاولات المعاكسة والمضادة لهذا التوجّه الشبابي البنّاء،
التي تسعى إلى تجنيد الطاقات الشبابية لخدمة المصالح الذاتية الضيّقة،
أو الطبقية المتعالية، أو الشوفينية المعرقلة لإرادات التفتّح وقيم
التجدّد والتحرّر والتقدّم الإنساني، ذلك أنّ الشباب هم دائماً ساحة
معركة سياسية وثقافية واجتماعية حاسمة من معارك التجميد أو التجديد،
التوعية أو التعمية، التي تخوضها مختلف القوى السياسية والاجتماعية،
مستعينة بمختلف الوسائل التعليمية والإعلامية والتثقيفية عامة، تحقيقاً
لمصالحها وأهدافها الخاصة.
وهذا في الحقيقة بعض ما يعنيه الصراع الأيديولوجي أو الثقافي، الذي
يخفي في طيّاته مختلف الأهداف والمصالح داخل كل مجتمع وعلى المستوى
العالمي العام. إنّه صراع المصالح وإنّ تجسّد في قيم ومفاهيم ثقافية
مختلفة ومتناقضة، وليس صراع حضارات كما يتم الترويج له أحياناً إخفاءً
لحقيقته.
وتأسيساً على هذا، يصبح الموضوع المقترح للحديث والحوار في لقائنا هذا
هو: أين موقع أو موقف شبابنا العربي عامة ـ هذه القوى الطالعة الواعدة
ـ من مختلف القضايا الحالية؟
لعلّنا نتفق جميعاً على أنّ بلادنا العربية تعاني، بمستويات مختلفة، من
أمور ثلاثة بمقاييس عصرنا الراهن: فهي تعاني أولاً من تخلّفها العام في
المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية. وتعاني ثانياً من
تمزّقها القومي الذي يبلغ أحياناً حدّ التناقض والتصارع بين بعض الدول
العربية نفسها، وداخل بنية الدولة الواحدة كذلك، وتعاني ثالثاً من
تبعيتها العضوية المباشرة أو غير المباشرة للنظام الرأسمالي العالمي،
المتمثّل اليوم أساساً في هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. فأيُّ
تحوّلات حالية أو مستقبلية في بلادنا العربية، في إطار هذه الأوضاع
المحلية والعالمية السائدة، يتم الوعي بها والتصدّي لها، شبابياً، أو
شعبياً بوجه عام؟
لا شك أنّ هناك مواجهات واعية وبطولية خارقة يشارك فيها الشباب أساساً،
وخاصة في بعض البلاد العربية الواقعة مباشرة تحت القبضة العسكرية
العدوانية المباشرة، الإسرائيلية والأمريكية، كما هو الشأن في فلسطين
والعراق. على أنّ هناك قيوداً في مختلف البلاد العربية على التحركات
السياسية عامة والشبابية خاصة، إذا كانت في تعارض مع السياسات الرسمية.
هذا فضلاً عن النسبة الكبيرة للبطالة الشبابية، مما يرجّح صحة
الإحصائية التي تؤكد أنّ أكثر من 50% من الشباب العربي المتقدّم كفاءة
وسنّاً يتطلّع للهجرة والعمل في البلاد الغربية. وما أخطر دور الإعلام
الرسمي والصحفي والسمعي والمرئي، فضلاً عن مناهج التعليم ومؤسساته،
وتشتّتها بين التعليم الديني والمدني والأجنبي بتعريفاته المختلفة، مما
يجزئ بل يهمّش الوعي ويغلّب روح السطحية والنفعية وفقدان الاتجاه
العقلاني، بل القومي عامة. ولهذا، عندما يعود حديثنا إلى التحوّلات
المحلية أو المستقبلية في بلادنا العربية في إطار هذه الأوضاع
والملابسات المحلية والعالمية، أتساءل: ما طبيعة هذه التحوّلات؟ ولا
أتردّد في القول بأنّ ما نشهده بالفعل اليوم عملياً من تحوّلات جدلية
ومستقبلية داخل بلادنا العربية، ليست في الحقيقة تحوّلات تصبو إليها
وتسعى لتحقيقها شعوبنا العربية، بمختلف قواها السياسية وفئاتها
الاجتماعية وطلائعها الثقافية الواعية، بل هي تحوّلات مخطّطة ومفروضة
من جانب الاستقطاب الرأسمالي الأمريكي المهيمن، بتوافق وتواطؤ وتنسيق
مع مختلف المؤسسات والهيئات العربية السائدة بمستوى أو بآخر، فضلاً عن
التبرير والترحيب من جانب طائفة من المثقفين والكتّاب والإعلاميين في
مجالات الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي، التي تسيطر عليها هذه
المؤسسات السياسية السائدة.
إنّ الهيمنة الأمريكية، كاستقطاب سياسي واقتصادي وعسكري وثقافي وتقني
للعولمة الرأسمالية عامة، تضرب عُرض الحائط بكل القيم العقلانية
والحقوق القومية والديمقراطية والمشروعية الدولية، رغم تشدّقها بها،
وذلك من أجل تعميق هيمنتها العالمية وتوسيعها، وتجد في بلادنا العربية
من يتبناها مصلحة أو غفلة، ويسهم في تحقيقها.
ولعلّ المنطقة العربية، هذا الموقع الغني بكنوز تاريخه الحضاري وكنوز
أرضه، وتوسطه بين قارات العالم ومواقعها الحضارية الرئيسية، ليس مجرّد
موضع جغرافي، على حدّ تعبير مفكّرنا جمال حمدان، وإنّما هو موقع
استراتيجي يَصلح منطلقاً إلى ما هو أبعد وأعمق، سواء في منطقة الشرق
الأوسط نفسها أو فيما يتجاوزّها من مناطق ومواقع متحضّرة أخرى توشك أن
تهدّد هذه الهيمنة الأمريكية الصاعدة. ويتمثّل ذلك في بعض دول آسيا،
كالصين وكوريا الشمالية والحركات البازغة، المنتصرة الجديدة، في
إسبانيا والهند وبعض دول أمريكا اللاتينية، وما استجد من تحوّلات
وانتصارات ديمقراطية واجتماعية وسياسية أخرى، تكاد تبشّر بها الأوضاع
العالمية الراهنة.
ولهذا سعت وتسعى الولايات الأمريكية المتحدة إلى الهيمنة على هذا
الموقع الاستراتيجي الفريد؛ لاتخاذه منطلقاً لتوسيع هيمنتها في اتجاه
الشرق البعيد وتعميقها.
ولعل اقتراح نابليون بونابرت في غزوته القديمة لبلاد الشام، استكمالاً
لغزوته المصرية، بإقامة دول يهودية في هذه المنطقة، تكون قاعدة
ومنطلقاً للامتداد إلى غزو الشرق، أن تكون نقطة البداية لوعي النظام
الرأسمالي المتطلع للتوسع آنذاك، وإلى الأهمية الاستراتيجية لهذه
المنطقة. وما قيام إسرائيل بعد ذلك، أواخر الأربعينيات من القرن
الماضي، إلا بداية التجسيد لهذه الإستراتيجية، وتحويلها تدريجياً ـ
وبخاصة اليوم ـ في إطار الهيمنة الأمريكية الراهنة، إلى قاعدة ارتكاز
وانطلاق وسيطرة على منطقة الشرق الأوسط عامة، بل وما وراءها كذلك.
وخلاصة الأمر أنّ التحولات الحالية، التي تفرض اليوم على بلادنا
العربية، هي تحولات تتحقق أساساً لمصلحة الهيمنة الأمريكية ومخططاتها
التوسعية الاستغلالية، وقد أتجاسر تارريخياً بالقول بأن نقطة البداية
لهذه التحولات قد بدأت إلى حد كبير بالانقلاب الساداتي على توجهات
المرحلة الناصرية ومشروعاتها، بصرف النظر عن الاختلاف في بعض أساليب
إنجازها، وتكاد تتلخص نقطة البداية الفارقة نظرياً آنذاك في مقولة
السادات المشهورة عندما تولى السلطة: (إنّ 99% من أوراق اللعبة في يد
أمريكا). وقد تكون هذه المقولة صحيحة نسبياً من حيث القياس الكمي، أي
القدرة العسكرية والاقتصادية، إلا أنها من حيث الدلالة الموضوعية كانت
تخفي حقيقة هذه اللعبة وطبيعة ممارساتها وأهدافها؛ ولهذا تصبح دعوة إلى
الاستتباع والخضوع. وهذا هو ما أخذ يتحقق بمستويات مختلفة منذ ذلك
الحين، فيتم الاعتراف بإسرائيل، وتتفجر التناقضات العربية، وتتوالى
عمليات تفكيك التوجه السياسي والاقتصادي والقومي السابق، مع ازدياد
الاندماج الهيكلي مع النظام الرأسمالي العالمي والأميركي، خاصة في هذه
المرحلة من الاستقطاب العالمي. وتتحول مقولة (أوراق اللعبة الأمريكية)
إلى مقولة أخرى في المرحلة السياسية التالية هي مقولة (إن الإستراتيجية
الأمريكية هي إستراتيجيتنا). وتتدفق المعونات والأسلحة والعلاقات
التجارية الأمريكية إلى مختلف البلاد العربية، وخاصة لتأكيد الوحدة
الإستراتيجية والمصالح، وتبنى القواعد العسكرية الأمريكية، وتفتح
الأجواء لطائراتها، والمياه لسفنها، ويستشري الكيان الإسرائيلي عسكرياً
وتوسعاً وتدميراً للبيوت والحقول الفلسطينية، وقتلاً لأطفالها ونسائها،
واغتيالا خسيساً لقادتها المناضلين. ولم يكن حادث 11 سبتمبر في تقديري
ـ على الأقل ـ خارج الرؤية الأمريكية أو بعيداً عن خيوطها الحريرية
المخابراتية، التي تفسح الطريق وتهيء الأجواء. ومع 11 سبتمبر تبدأ
أمريكا مشروعها الكبير. وتكون خطواتها العملية الأولى أفغانستان، لتعيد
الوهج للحروب الصليبية الدينية، ولتُضفي مسحة مقدسة على مشروعها
التوسعي. وهكذا يصبح عدوانها على أفغانستان بداية حربها التحريرية
المتحضرة ضد (الإرهاب الإسلامي).
ثم تكون خطوتها التالية بشارة أخرى لتخليص الإنسانية من خطورة أسلحة
الدمار الشامل، التي يمتلكها حليفها العراقي السابق. وهكذا يتم احتلال
العراق والسيطرة على بتروله الغزير النادر. كما تتاح الفرصة لإجراء
تجارب جديدة على ما تملكه هي نفسها من أسلحة دمار شامل جديدة، تشاركها
في امتلاكه حلفتها الحميمة إسرائيل، فضلا عن مشاركتها في محاولة
السيطرة على المفاتيح الاجتماعية الأساسية للمجتمع العراقي. على أن
إسرائيل لا تتوقف في الوقت نفسه عن مواصلة خطتها التاريخية الخاصة
بتخريب القواعد الأساسية للمجتمع الفلسطيني، مما ييسر لها بعد ذلك
تفكيك وحدته القومية واستيعابه بشكل كامل في الإطار الصهيوني.
وفي موازاة مع هذا وفي تواقت معه، لم تتوقف الولايات المتحدة عن
الاعداد لرسم خريطة سياسية ثقافية جديدة شاملة للشرق الأوسط الكبير
والشمال العربي لأفريقيا. وكي لا تتهم الخريطة الجديدة بأنها مفروضة
منها، أو من خارج الإرادات والمصالح العربية الرسمية نفسها، كان لابد
أن تكون نقطة البداية لصياغة هذه الخريطة بداية عربية، فينعقد في مكتبة
الاسكندرية بين 12 ـ 14 مارس من عام 2003 مؤتمر عربي يشترك فيه مثقفون
عرب من مختلف البلاد العربية؛ ليصوغوا مشروعاً إصلاحياً عربياً للشرق
الأوسط الجديد، منبثقاً من الضمائر والعقول والمصالح العربية الصميمة.
ويُعلن المشروع في نهاية المؤتمر زاخراً في بدايته وثناياه بالعديد من
القيم المعنوية الرفيعة، التي لا خلاف حولها، مثل قيم الحرية
والديمقراطية والعقلانية والعدالة والإبداع وحقوق المرأة والأقليات
العرقية، وأهمية النشاط والعمل المدني، وحرية الصحافة.. إلى غير ذلك.
ثم يحدد التقرير، بشكل قاطع في مجمله ومقترحاته العملية، هوية النظام
العربي المنشود، الذي يتحقق به الإصلاح الاقتصادي العربي ـ كما يقول ـ
والذي يتمثل أساساً، على حد قوله، في تحرير الاقتصاد العربي من تدخل
الحكومات العربية، وخصخصة مختلف المشروعات الإنتاجية، والسعي إلى
الاندماج الهيكلي في النظام الرأسمالي العالمي. وتحقيقاً لهذا؛ ينبغي
لسياسات التعليم في العالم العربي عامة أن تتجه إلى السوق أساساً، وذلك
لتحقيق المواءمة ـ كما يقول التقرير ـ بين مُخرجات التعليم واحتياجات
سوق العمل. هذا فضلاً عن أن تصبح المشروعات الصغيرة ومساندتها من
العناصر والسياسات الأساسية في بنية هذا المشروع الإصلاحي، أو بتعبير
آخر، التحرير الاقتصادي. وهنا يحدد التقرير أن دور الدولة الإنتاجي
والخدماتي في عملية الإصلاح لا يخرج عن أن يكون مجرد (محفزة للنشاط
الاقتصادي وتشجيع برامج الخصخصة).
وفي تقديري أن القضية المطروحة في هذا التقرير ليست مجرد دعوة إلى
الانتقال من النظام الشمولي الناصري، الذي يقوم على تسلط الدولة ـ على
حد تعبير الأستاذ الفاضل سيد ياسين في مقال له في جريدة الأهرام،
تعليقاً على نتائج مؤتمر الإصلاح هذا، وإنما هو دعوة واضحة ملحة إلى
الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي في هذه المرحلة، التي يتحول فيها
هذا النظام نفسه إلى استقطاب رأسمالي أمريكي مهيمن.
ولهذا فالدعوة الاقتصادية الليبرالية، في ظل هذا النظام الجديد ـ كما
ذكرت في مقال لي تعقيباً على مقال الأستاذ السيد ياسين ـ لن تكون دعوة
(دعهُ يفعل دعه يمر)، كما كان شأن الدعوة الرأسمالية الكلاسيكية في
بدايتها، وإنما لتصبح اليوم دعوة للاقتصاد الرأسمالي الأمريكي المعولم
أن يفعل ما يشاء، وأن يمر كما يشاء، وليس أمامنا إلا الاستقبال المرغم،
والاكتفاء بالمشروعات الصغيرة التي يقترحها مشروع الإصلاح هذا، مواصلة
وتعميقاً لتبعيتنا لدولة الإنتاج الصناعي الكبير، ولهذا لا مجال
للتعليم كذلك في بلادنا، إلا أن يكون تعليماً من أجل السوق، سوق
الاستهلاك والإنتاج الصغير التابع.
ولست بما أقول ـ وكما ذكرت في مجال سابق ـ أتجاهل أو أدعو إلى إدارة
الظهر للواقع الرأسمالي المعولم الراهن، السائد في ملامحه الأمريكية
التي تسعى للهيمنة الكاملة، وإنما القضية هي كيف أتعامل معه تعاملاً
موضوعياً مستقلاً، ولا أقول منعزلاً، بحرص واجب على التنمية الذاتية
لاحتياجاتنا المادية والروحية والمعنوية وخصوصيتنا القومية، في تحالف
حر مع قوى سياسية واقتصادية واجتماعية أخرى في العالم، قد أخذت تشق
طريقها للحد بل للتمرد على هذه الهيمنة الاقتصادية والسياسية
الأمريكية.
وكاد مؤتمر الإسكندرية للإصلاح أن يكون بالفعل ـ رغم لهجته التي توحي
بالخصوصية القومية ـ تمهيداً وتوطئة لمشروع الدول الثماني الكبرى
لإصلاح الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، الذي انعقد في سي أيلاند
بولاية جورجيا الأمريكية في 9 يوينه عام 2004. وبالتالي تعبيراً عن
مصالح وسياسات ومعتقدات مشتركة بين هذه الدول، التي تقف على رأسها
الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمات المجتمع المدني العربية، والمثقفين
العرب الذين اشتركوا في مؤتمر الإسكندرية، والذين وافقوا على مقرراته،
فضلاً عن جميع بلدان الشرق الأوسط الكبير التي تمتد من المغرب
وموريتانيا شرقاً إلى تركيا وباكستان وأفغانستان غرباً، دون إغفال
إسرائيل واسطة العقد في الاستراتيجية الأمريكية.
ويقدم بيان الدول الثماني خططاً ومشروعات ومقترحات وتعديلات في مختلف
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ويرصد ميزانيات
ضخمة للتشجيع العملي على تنفيذها، ويضع جدولاً لاجتماعات دورية لوزراء
دول المنطقة العربية وشمال أفريقية مع وزراء الدول الثماني، هذا فضلاً
عن اجتماعات مع ممثلي رجال الأعمال وممثلي منظمات المجتمع المدني حول
قضايا محددة، على رأسها الإصلاح الديمقراطي السياسي الذي لا صلة له
بالحقوق الاجتماعية أو الاقتصادية، اللهم إلا الإلحاح في الدعوة إلى
الالتزام بالليبرالية الاقتصادية وآليات السوق، والانفتاح على الشركات
متعددة الجنسية، بمقتضى توصيات صندوق النقد الدولي والببنك الدولي، ثم
الدعوة إلى التصدي للإرهاب، دون أدنى إشارة إلى العوامل والدوافع إلى
هذا الذي يكتفون بتوصيفه (بالإرهاب) ولا يشير المؤتمر أدنى إشارة إلى
القضايا الملحة التي يتطلع العالم العربي إلى تحقيقها من سوق مشتركة
وتكامل اقتصادي، تمهيداً لوحدة سياسية، فهذا الهدف التاريخي العربي هو
ما يسعون إلى مقاومته، فضلاً عن ذلك لا كلمة واحدة بالطبع عن الوجود
العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، والأسلحة النووية التي تنفرد
بامتلاكها وإنتاجها إسرائيل، ولا إشارة إلى حقوق الشعب الفلسطيني
المهددة في أرضه المنهوبة، ووحدته الممزقة، وجرائم الإبادة المتصلة،
قتلاً للنساء والأطفال، وهدماً للبيوت وتجريفاً للأراضي الزراعية،
واغتيالاً لأبطال الجهاد الفلسطيني: أبو علي مصطفى، والشيخ أحمد ياسين،
وعبد العزيز الرنتيسي، واستمرار اعتقال الآلاف من أبناء الوطن
الفلسطيني، وعلى رأسهم مروان البرغوثي، الذين يعانون السجن والتعذيب،
ولا إشارة من هذا المجتمع الثماني إلى العدوان المتصل على الشعب
العراقي، هذا العدوان الفاقد لكل شرعية دولية. هذا فضلاً عن التربص
المتصل بسوريا، وإيران، تمهيداً لتوسيع مشروع الهيمنة الأمريكية على
المنطقة العربية وشمال أفريقيا، استعداداً لخطوة عدوانية أبعد نحو
الهيمنة النفطية على هذه البقعة الممتدة، وخاصة أنه بحلول عام 2020
ستنضب المصادر النفطية في أمريكا نفسها.
خلاصة الأمر أن مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقية هو جوهر
التحولات المستقبلية في بلادنا العربية، وهو تعبير عن الاستراتيجية
الأمريكية لوقف إمكانية إقامة أي شكل من أشكال التوحد أو التنمية
المشتركة بين البلاد العربية، وتحقيق وحدتها، فضلاً عن تسييد إسرائيل،
تجسيداً فاعلاً للهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أساساً،
واتخاذ هذه المنطقة قاعدة وثوب سياسية واقتصادية وعسكرية لاستكمال
الهيمنة الأمريكية على العالم.
ولهذا، فما أتعس أن نقرأ لأسماء كبيرة في بعض جرائد ومجلات عربية ذات
قدر كبير من الوقار التاريخي والسمعة الطيبة، وهم يهللون لهذا المخطط
الأمريكي، باعتباره طريقنا الوحيد لتحقيق الديمقراطية والتقدم في
بلادنا. فإذا كنا لا نستطيع أن نحققها بأيدينا فماذا يمنع أن نحققها
بأيدي غيرنا. هكذا يقولون.
ولكن ما هو أتعس من هؤلاء الكتاب هو مسلك بعض السلطات العربية التي
تشارك في تحقيق هذا المخطط سياسياً وأيديولوجياً، بوسائلها الإعلامية
والتعليمية، بل تقوم كذلك بتقديم مختلف التسهيلات التشريعية والبرية
والمائية والجوية لدعم السيطرة الأمريكية على المنطقة العربية،
والمشاركة تشريعياً وعملياً وثقافياً في تبريرها وترسيخها، وتحقيق
أهدافها الآنية والمستقبلية، هذا في الوقت الذي نتبين فيه بتقدير عميق
المواقف الحازمة، التي تتخذها القيادات السياسية في بعض بلدان العالم
على رأس شعوبها، في آسيا وأمريكا اللاتينية، خاصة في مواجهة هذه
المخططات الاستتباعية الأمريكية، دفاعاً عن مصالحها الحيوية وخصوصيتها
القومية. فضلاً عن هذا، فما أكثر وأعمق ما يحتدم به العالم اليوم من
قوى شعبية وثقافية، علمية وأدبية وفنية وسياسية ودينية واجتماعية
واقتصادية، متطلعة إلى بديل عالمي ديمقراطي للعلاقات الدولية في مواجهة
هذه العولمة والهيمنة الأمريكية المعادية للحضارة الإنسانية نفسها.
ولعل هذا ما ينقلنا إلى النقطة الأخيرة في حديثنا، وهو التساؤل الذي
نخلصُ إليه، إذا صح ما يمكن أن نسمّيه تشخيصاً مؤقتاً لواقع ما يجري في
بلادنا العربية حالياً، من تحولات نرى أنّها تتعارض مع المصلحة القومية
لأمتنا، وواقعنا العربي بعامة، ورفعه إلى مستوى ما يفرضه علينا العصر،
من وعي بحقيقته، وارتفاع إلى مستوى القدرة الفاعلة للتغيير والتجديد،
بما يتفق ومصالح أمتنا العربية، فضلاً عن المساهمة في تحقيق مستقبل
أفضل وأسعد، وأكثر حريّة وعدلاً وسلاماً وتفتحاً وإبداعاً لنا وللحاضرة
الإنسانية الراهنة.
وهو أمر لا يتم إلا بتنمية الوعي الذاتي بالحقائق الموضوعية، والوعي
الشعبي الجماعي وبخاصة بين الشباب، وبالقدرة على الفعل التغيري للواقع
العربي الراهن.
وفي تقديري أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا وفق شروط أساسية سبق تفصيلها
في بعض دراسات سابقة، وأكتفي هنا بتلخيصها:
الشرط الأول: في ضوء الخبرات السابقة، هو الحرص على التركيز على العمل
البناء من أسفل أساساً، أي البناء في نسيج العلاقات الشعبية المجتمعية
الوطنية والبينية القومية على السواء.
ومن هذا الشرط الجوهري الأول تتبع شروط أخرى:
* أولها: السعي إلى تنمية الرؤية العقلانية والعملية والتاريخية
النقدية المتجددة في تناول مختلف القضايا العملية والفكرية، وتعميمها،
لا على المستوى النخبوي فحسب، بل على المستوى الشعبي المجتمعي القومي
العام والشبابي بخاصة، سواء في مناهج التعليم أو الإعلام أو التثقيف،
دون أن يعني هذا تنميطاً لفكر أو حجراً على تنوع الاجتهادات وحريتها،
أو على هجر الرؤى والعقائد الدينية.
* والشرط الثاني: أنه ليس بالفكر العقلاني النقدي وحده ـ على أهميته ـ
يتم تغيير الواقع السائد، وإنما بالممارسة الواعية الفاعلة. القادرة
على امتلاك قوانين هذا الواقع وتغييرها. وهذا يفرض بالضرورة وضع خطة
تنمية شاملة، متكاملة للجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، تعتمد على القوى الذاتية أساساً، سواء على مستوى كل قطر على
حدة، أو على المستوى القومي العام، مع توفير الإمكانية المفتوحة لتنوع
أنماط هذه التنمية، بتنوع الأوضاع العربية والاختيارات الشعبية في
الإطار القومي الموحّد.
*والشرط الثالث: هو ضرورة تغيير المفهوم السائد للوحدة العربية والعمل
العربي العام، بحيث يقوم على احترام التنوع ومراعاته، وحرية الاختيار
في معالجة الخصوصيات الوطنية والتشكيلات السياسية، والأنماط التنموية
المختلفة، داخل المشترك القومي العام.
* أما الشرط الرابع، فيتعلق بالعامل الإنساني، الذي بدونه لا سبيل إلى
تغيير أو تنمية أو نهضة،وأقصد به كتلة الجماهير العربية المنتجة
والمبدعة، والحاملة للتراث المتنوع الإبداعي للأمة العربية، فلا سبيل
إلى تغيير جذري بغير إطلاق حرية التعبير والتفكير والاعتقاد والنقد
والإبداع، والدفاع عن حقوق الإنسان الفردية والمجتمعية، فضلاً عن حرية
تشكيل الهيئات والتنظيمات المدنية والشبابية، والأحزاب المعبرة عن
مصالحها، والمشاركة في صياغة المصير السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
*الشرط الخامس: هو أن أي عمل وطني قومي في عصرنا، غير معزول بالضرورة
عن الأوضاع العالمية، وما يجري فيها من سياسات وتحالفات وصراعات
وخبرات، وبخاصة في إطار هذه العولمة المهيمنة، التي أصحبت واقعاً
موضوعياً لا سبيل إلى تجاهله. |