الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(883) الاربعاء 8 ذي العقدة 1430 هـ/ 28 تشرين الاول 2009

الثقافية

فضاءات ثقافية

كشف دلالات المعنى الشعري

زهير الجبوري

حين يرقى الفن الشعري بالأحاسيس ويشذّبها ، تنفتح العديد من المدارك والهواجس في تناوله أو تذوقه.. فالكلمات بإيقاعياتها المؤثرة تعطي للمتلقي ميزة الاستسقاء من محيط الجمال الفني في هذا الشعر مهما كانت طرق طرحه أو إلقائه.. وليست المسألة تكمن في كشف هذه الجماليات وحسب، وإنما في عملية خلق إيقونات غير مألوفة في ذلك ، تتكرس فنياً في صياغة المعنى، وكشف دلالات تدخل في بنية اللغة وآلياتها الحرفية، وهنا ندخل إلى شعر أديب كمال الدين في مجموعته الشعرية (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة).. وحين نضع الشاعر(أديب) في خبرات فنية لشعرية لم تهدأ في البحث عن مكامن وأسرار الحرف العربي، فأننا نرافقه بعيون راصدة لكشف خفايا كتابة النص الشعري وتشظياته المعرفية لديه، كما وان تمثلاته في تشكيل الصور الشعرية النقية، أعطت انزياحاً واضحاً باستخدام الحروف كشفرات للدخول إلى المتن.

وثمة إشارة سريعة لشعر (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة)، إنها تحمل أسرار الكشف عن صياغة (معنى) .. لتتحول وظيفة الحرف كمعطى أيديولوجي .. لتصبح العملية مبطنة ، شاعر يكتب حرفاً .. وحرف يكشف معنى ، وهذا بحد ذاته يعد إثراءً شعرياً مؤطراً بالعديد من آليات الاشتغال الشعري الحديث.

إنّ نصوص هذه المجموعة ليست سوى تنويعات متجانسة لمحورية (ممركزة) تنفجر لحظه انفعال هذه المحورية مع ذات الشاعر، فالحرف أحياناً لا يحمل قيمة دلالية فحسب، بل  يستخدمه الشاعر كعنصر له خصوصيته لتكون مهمته وظيفية، ولعلنا نجد التلاقح بين أدوات اللغة وبين حروفها تناظراً في خلق الرؤيا الشعرية ، وليس الحرف هو جزء لا يتجزأ من منظومة اللغة ،الحرف صفة رمزية ، شكل لسحب  المعنى .. والمعنى بكل ما جاءت به التعريفات (الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توفرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى )(د.أحمد عمر/ علم الدلالة ص11) .ولكننا لا ننكر بأنّ السمة الاساسية التي طرأت في شعر أديب كمال الدين  تعتمد بالدرجة الأساس على ذهنية عالية، واعتقد بأن حداثة الشعر الحالي تسير بالخطوات هذه. ولنصارح الشاعر في قصائده هذه: إلى أيّ أفق يمكن أن ننظر اليه وسط تعدد ألوان قصائده، رغم الهاجس المشترك والإحساس بوجود نكهة مشتركة أيضا؟ وأقصد انّ الحروف كلها تتنازع الأداء ولكنها لا تنفصل عن حدودها المرسومة لديه - أي الشاعر- إذ نقرأ في نص (يابائي وبوابتي)

 مع أنني أطلقتُ عليكِ اسم الباء

ثم أطلقتُ عليكِ اسم النقطة

(بعد إن قيل لي أن كلّ الباء في النقطة)

فإنني لم أشفَ من جراحي التي سببتها

سكاكينكِ وشراشفكِ وروائحك

 بتأثير الحس الصوفي المنطلق في استخدام (الباء) واستخدام (النقطة) تكمن المقارنة واللعبة الشعرية في تشكيل الصور كما ذكرنا. وحين تقف الحروف بهذه الطريقة فإنّ الانسلاخ المدروس في خلق العديد من الصور ينتقل لتصير أكثر مجازاً وانزياحا:

كان المشهد أكثر كابوسية مما أحتمل

إذ كان يتطلّب أن أقلع عينيّ

كما فعل أوديب

وأن أقطع رأسَ الحروف

وأعلّقها على بواباتِ العبث

ولم تكن لديّ حروف بالمرّة.

من جانب آخر، هل يمكن أن نصف اشتغالات الحروف هنا انها أعطت فعلا (تشبيهيا) ؟ ف( التشبيه حين يكون معادلة واضحة النسب والدلالة طرفاه من جنس واحد ) كما يقول الناقد (عبد الجبار عباس) .. ولكن ميزات الإلقاء وتأثيرها على المتلقي ، ضمن انفتاح الآليات الشعرية تستقبل رؤيةً جدّيةً من الشاعر أديب كمال الدين في محاولة تأسيس نمط شعري (منفرد) لتصبح الشعرية (شعرية / تصميمية).. (شعرية/ موضوعية).. (شعرية/ شعرية).. واللمحة الابتكارية التي جاءت سريعة في تشبيه بعض قصائد  هذه المجموعة تمحورت حول موضوعة (الضمائر) ، ولكنها جاءت مطلقةً أيضاً، وتحمل دلالات مفتوحة بين(هو) و(أنت)، كما في قصيدة (هو أزرق وأنتِ زرقاء):

أنتِ تشبهين البحر في كلّ شيء

نعم

هو أزرق

وأنت زرقاء

هو ساذج أخرق

وأنتِ ساذجة أكثر مما ينبغي

(ثم بعدها تتكرر)

أنتِ تشبهين البحر

لا شك في ذلك

ولكن أيّ معنى يختفي خلف هذي الحقيقة ؟

لقد ضعتُ بين يديكِ قبل أربعين قرنا

فبين نسق الجملة داخل النص وبين تأطير المعنى المشفّر، ثمة ملامح واضحة من أداتي الإشارة (هو .. أنت)، لتصبح تعادلية بين(ذوات) فيها هواجس وأحاسيس، وبين صور لها دلالة مكانية: ( البحر.. فراشة..الطين.. المشاعل والسكاكين.. ثلج، وغير ذلك). ولعلنا هنا نبحث عن دور الحرف وانسجامه مع (المعنى) .. مهما كانت منهجية الشعر أو تجربيتة أو نمطيته، ومهما كانت وظائف الجملة المنسجمة، فبالرغم من النزعة الصورية المتشكلة والتي أشرنا اليها ( مجازاً وانزياحاً) ، فقد نهل (الحرف) من  ينبوع المعنى في نهاية القصيدة هذه:

كما تنتقل الحروف من كلمةٍ إلى كلمة

 ومن قصيدةٍ إلى قصيدة

 ومن موتٍ إلى موت)

 يمكن القول أيضاً انّ المفردات الشعرية في (ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة) مناهضة إلى حد كبير من النماذج الشعرية السابقة مدى تجربة الشاعر إذ نجد الجرأة الواضحة في تأثيث الحرف ومميزاته المطلوبة بأساليب فنية (المعنى) مع الانفجار التصويري المركّب لوظائف تستلزم مهارة نادرة بانت من خلال العلامات المثبتة ودلالاتها، ولا نعتقد ان الشعر الذي قرأناه هنا يحاول توثيق الزمن من خلال الذاكرة بل يكشف الشعر نتائج الزمن بذاكرة الشاعر. وهذه ميزة أخرى وأساسية فيها من الحيوية المقتدرة والتفاؤل و التفاعل الذي بان من خلال الحرف كأداة منفذة.

(النقطة ..الوظيفة)

الآليات الشعرية الحديثة أساسيات مهمتها مهمة عملية وفعلية إذ تقوم على التأطير الموضوعي بوظائف كشف الشعرية هذه بتجانس من لدن الشاعر، لتدخل عوامل التقنية في عملية الاستخدام في صميم المفردات المطروحة، ومن ذلك تقوم الآليات بتكريس نسيجها لفني وفق توصيفاتها المحسوبة، ولعل (النقطة) كأنموذج تطبيقي لهذه الآليات.. تقوم كعنصر أساسي لكشف المعنى مع الحرف ذاته لدى  أديب كمال الدين، توزعت كقصائد (من جهة) واجتمعت في قصيدة واحدة (من جهة أخرى) ، كما في قصيدة (جسور) التي استهلت بأربع فقرات

(1)

 مقارنة النقطة للحرف:

 لم يكن قلبكَ مولوداً في برج الحمل

بل في برجِ العذاب

(2)

قال الحرف للنقطة

هل تتذكرين الجسور التي عبرناها؟

كانت جسورا

مليئةً بالفراتِ والسمكِ اللابطِ تحت أشعة الشمس

كانت جسوراً مليئةً بالدويّ والدخان.

 وثم بعدها باستهلاليين – (3 ) و (4)

  وعلى الرغم من الحركة المتنامية نحو تصعيد إيقاعية الحوار بين الطرفين فإنها كشفت صوراً أيقونية متداخلة ومتشابكة، حققت منافذ متعددة لكشف (المعنى).. فالنسيج الشعري مهما كان فنياً لدى الشاعر، فانه أعطى مضموناً مختزلاً ومكثفاً للغة عالية. ولكن حين نقرأ: قالت النقطة .. وقال الحرف، فانّ ذلك يحيلنا إلى دراسة اللغة المسرحية في اللغة الشعرية وهي ميزة تكررت في نصوص هذه المجموعة، وبالتحديد في قصيدة (اعترافات النقطة).

 

 

التلقي بين غموض النص وآليات التأويل في الشعر العربي المعاصر

د.عبد القادر عبود

لظاهرة الغموض في حركة النقد العربي المعاصر مساحة كبيرة من التحليل والجدل بين رفضه بوصفه ظاهرة سلبية أدخلت فهم النص الشعري وتذوقه مجال الغرابة والتعقيد، بل وجعلت من لم يسعفهم الإبداع أن يعلّقوا امتيازهم على مشجب الإبهام لتسويغ ذلك، وبينما رأى بعض الدارسين أن تغيّراً في طبيعة الشعر ووظيفته جعل من الإبهام عنصراً جمالياً يسهم في تكثيف الدلالة الشعرية ويعمّق الصورة والمعنى، غير أنّ هذا التباين في المواقف توضّح من خلال القراءات التي ناقشت الإبهام وعلاقته بالعمل الشعري من جهة، وبالتأويل من جهة أخرى. لا نعود بالتحليل إلى إبراز الغموض في تراثنا النقدي العربي وبلاغته مع شعر المحدثين الذي دفع بالنقد إلى إعادة النظر في كثير من المفهومات التي رسّخها التواتر الشعري بوصفه نموذجاً في فصاحة الكلمة وقرب التشبيه وجزالة اللفظ وإصابة المعنى، وما دار من جدل حول شعر أبي تمام والبحتري وغيرهما، وأيضا ما دار حول أشعار الصوفية الذين اختبروا طاقة اللغة التعبيرية في رمزيتها وإيحائية الكلمة.

ليس التوجه نحو موقع الغموض في البلاغة العربية التراثية من هدف هذه الدراسة التي تتجه نحو البحث التلقي لأشعار الحداثة والتي خلقت جواً من الجدل والحجاج بين النقاد والقراء المعاصرين، حتى ارتفعت أصوات تنادي بمصادرة هذا الشعر المبهم واعتباره ردة قومية ولغوية ومؤامرة على النموذج الشعري الخالد في الذاكرة الجماعية، بينما راح جمهور قارئ يتدرّب على عقد الألفة مع هذا الشعر وترويض الذائقة على تمثّله وتَملِّيه، أما نقاد العصر فراحوا يبرزون مظاهر التعمية والتعقيد في هذا الشعر بحثاً عن الوضوح وعن المعنى والمناسبة وسهولة الفهم والتذوق المباشر كما كان سائداً مع قراءة الشعر الكلاسيكي، وقد مثّل توجّههم القرائي هذا جانباً من التلقي الذي تحكّمت فيه عناصر ثقافية وفكرية وذوقية معيارية، لها خلفيتها ومقصديتها، بينما قرأ نقاد آخرون الظاهرة من وجهة أخرى عدّوها من صميم الإبداع الشعري ومن طبيعة اللغة الشاعرة، ولهذا رحنا نقرأ عناوين لدراسات تناولت الإبهام كظاهرة وإشكالية وقضية وبلاغة وتيار وغيرها من المسميات الأخرى التي لها صلة بالإبهام.‏ حركة الحداثة الشعرية العربية أرادت أن ترتفع بالشعر إلى مستوى يتحقق فيه الدور الفلسفي أو المعرفي، أي أن يستوعبَ الشِّعُر "ما يطرح من المسائل الفلسفية وقضايا اللاهوت وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا فضلاً عن السياسة والأسطورة والتاريخ.‏ وعلاقة هذا التحول في وظيفة الشعر وطبيعته التي كشفت عنها الحداثة بخطابها النقدي تبيّن علاقة الشعر بالفلسفة ومن ثمّ بالتجريد وبالقضايا العقلية التي يمتصها النص الشعري الحداثي ويصهرها في بنيته الجمالية والفكرية مما يستدعي تحولاً في الأدوات والعناصر الجمالية، وعن الحديث عن هذه العلاقة فإن النقاد يتحدثون عن ارتباط عفوي لا تكلّف فيه، ارتباط يستلهم آفاق الفلسفة ومناخها لا تقنيتها وأدواتها.‏ وحتى يكون الشعر كثيفاً وموحياً ومؤثراً ينبغي "تناول الأفكار الفلسفية والتعبير عنها منسجماً مع طبيعة الشعر الإيحائية وقيمته الجمالية، ومنصهراً برؤية ورؤيا شعريتين، وليحذر الشاعر من انزلاق شعره أو قصيدته بسبب هذه الأفكار الفلسفية إلى دوامة من التجريد الذهني الذي لا يلامس الواقع، أو إلى المعادلات الرياضية التي ربما تصلح في كل شيء إلاَّ في الشعر. ولقد اتُهِم أدونيس وهو شاعر ومنظر حداثي معروف، في كثير من شعره بشيء من هذا، وبأن شعره غير مفهوم ربما لهذا السبب إلى جانب غيره من أسباب.‏ وقارئ أشعار الحداثة يدرك المحاولة التي يرومها أكثر من شاعر في نقل التجربة الشعرية من مجرد كونها تفجيراً للعواطف أو استجابة تلقائية لها، إلى الولوج بها إلى عالم الفكر وإعمال العقل، وهذا ما جعل القراء يجدون صعوبة في تلقّيه، بسبب ما علق به من إبهام وغموض نتيجة نزوعه إلى الفكري التأملي.‏ وأدونيس ذاته يرى أنَّ المزج بين الأدبي والفكري ضرورة أملتها الحضارة والتجربة الشعرية، والتي يقصد بها أدونيس تجاوز الشاعر ذاته إلى عصره "فالفرق اليوم بين الشاعر الكبير والشاعر الصغير هو أن الصغير حين يعبر عن نفسه لا يعبر إلا عنها، أما الكبير فحين يعبّر عن نفسه فإنه يعبر عن عصره كله، أي عن جوهره الحضاري.‏ من هنا فإن الفلسفة التي نادى بها دعاة الحداثة الشعرية ليست تلك المنطقيات والبراهين والقياسات، وإنما هي الموقف والرؤيا، فهي رأي في العالم وموقف منه، وهي تجسيد للبعد والحدس والعمق في الشعر، وهي انصهار الأفكار في نفس الشاعر.‏ وفي ردٍّ حول ما أثير من تغليب العنصر الفكري والشحنة الثقافية في العمل الشعري، كان رد هيئة تحرير (مجلة شعر) من أنّ الشعر الميتافيزيقي تجربة شخصية يسبرها الشاعر ويفجرها في حدوس ورؤى وصور وبروق بحيث تصبح الأفكار "كفلذ من البناء الذاتي ملتحمة جنباً إلى جنب مع شتات العناصر الأخرى من انفعالات وعواطف ورؤى وغيرها من ذرات النهر النفسي.. فالشعر الميتافيزيقي استبطان وتطلع وجهد للقبض على العالم ـ دون بنيان أو فكر منطقي: أي دون حل أو جزم، أو تحديد، وخارج كل نسق أو نظام وكل شعر عظيم هو بهذا المعنى شعر ميتافيزيقي.

والحديث عن البعد الميتافيزيقي في الشعر العربي الحداثي يقودنا حتماً إلى المنحى الصوفي في هذا الشعر الذي يعد من أبرز مداخله، ويمثّل تجربة تحمل مفهوم المعاناة والممارسة الواعية، ولهذا يعد أحد العناصر الفاعلة فيه، ولذا يرى الناقد "إحسان عباس" أن اتجاه الشعر الحديث إلى التصوف هو في مستوى من القوة يجعله أبرز سائر الاتجاهات فيه. ويشير بعض النقاد إلى أن ارتباط التجربة الصوفية بشعر الحداثة راجع إلى خيبات الأمل التي أصابت هؤلاء الشعراء في نضالاتهم وطموحاتهم الثورية الوطنية والقومية، مما تسببت في تسرب الإحباط والكآبة في نفوسهم، يشير إلى ذلك "أدونيس"‏ في حقول الكآبة، في العشب أرسم أيامي الحجرية كاسراً صفحة المرايا‏ بين شمس الظهيرة والماء في البركة الآدمية‏ وقد تعددت العوامل التي أسهمت في إذكاء هذا التوجه الصوفي في أشعار الحداثة، منها مادية العصر وجفاف العلم الذي طغى على حياة الشاعر وما حولها، فكان البحث في اللامرئي والمجهول عن المعرفة والحقيقة من خلال الحدس والرؤى، وهذا يعني أن التجربة الصوفية انعكست بكل ما تحمل من قيم تعبيرية وظلال روحية على تجربة الإبداع الحداثية بما يتجانس معها.‏ وهذا ما جعل أدونيس يؤكد أن التجربة الصوفية تمثّل جوهر هذا الشعر ومنبعه وليس فقط رافداً من روافده، وفي ذلك يقول: "نستطيع أن نرى كثيراً من القيم الحضارية العربية مستمرة في الحركة الشعرية العربية الجديدة، لكن هذه القيم لا تنبع من النصوص الشعرية، بالمعنى التقليدي القديم، بقدر ما تنبع من نصوص التصوف. فالتصوف حسّ شعري ومعظم نصوصه نصوص شعرية صافية. ولهذا فإن القيم التي يضيفها الشعر العربي الجديد أو يحاول أن يضيفها، إنما يستمدها من التراث الصوفي، في الدرجة الأولى‏ والمتأمل هذا التفاعل الشعري بين التجربة الصوفية ببعديها الجمالي اللغوي والغيبي يدرك مكانة الإبهام في التداخل النصي بين هذه النصوص المتقاطعة في منحاها الحدسي واللامرئي، فأدونيس الشاعر يفتتح ديوانه "كتاب التحولات في أقاليم النهار والليل " بعبارتين "للنفري":‏ كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"‏ وقوله:‏ وقال اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح، وإذا‏ دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه، وإذا خرج فلا تمده‏ وافرح فإني لا أحب إلاَّ الفرحان.‏ ويظهر جلياً التداخل النصي بين الشاعرين في قول "النفري":‏ أوقفني في نور وقال...‏ يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر واخف واظهر، فانقبض وانبسط‏ ويقول "أدونيس":‏ وقلت:‏ أيها الجسد انقبض وانبسط واظهر واختف‏ فانقبض وانبسط وظهر واختفى‏ أما الشاعر "محمد عفيفي مطر" فيعود إلى التجربة الصوفية مستلهماً منها ما يكثف تجربته الشعرية من فتوحات محي الدين بن عربي وهو يتحدث عن الحروف في قوله: "اعلم وفقنا الله وإياكم أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون، وفيهم رسل من جنسهم ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا أما "عفيفي مطر" فيقول في قصيدته:‏ الكتابات ـ البروق الورق الأخضر والماء الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون)‏ ينابيع دم معتمة تصحو،‏ خيول طلعت من جزء "عم"‏ اتسعت دائرة الأرض‏ سلام هي حتى مطلع الفجر... سلام.‏ هذا الاستحضار للنصوص الصوفية ولشخصياتها وطقوسها وعبارتها يدخل في مجال آخر من الدراسة التي تبحث في التقاطع والتداخل وتقنية التوظيف الشعري لهذه النصوص.‏ يسجل الدكتور (عبد الرحمن محمد القعود) صاحب الدراسة النقدية والموسومة بـ: "الإبهام في شعر الحداثة ـ العوامل والمظاهر وآليات التأويل ـ المسارب التي نفذ منها الغموض والإبهام إلى الشعر الحداثي ومنها:‏ *ـ المسرب الأول: أسلوب الأدب الصوفي نفسه، هذا الأدب الذي استعمل الأساليب الرمزية والأخيلة الشعرية الغريبة والألفاظ والعبارات الرمزية الغامضة، فلغة التصوف هي لغة الكشف بخلاف لغة الوصف أو الإخبار. وهذا ما نجده أيضاً في لغة شعر الحداثة الذي خرج باللغة وكلماتها إلى دلالات مختلفة ومعان مطلقة غير محددة تأثراً بالتجربة الشعرية الصوفية التراثية.‏ *ـ المسرب الثاني: يتمثل في القلق والحيرة والشكوى من الضياع والعدمية، والبحث عن المطلق واللامتناهي في تجربة الصوفي. هذا القلق النفسي والفكري طبع حياة الشاعر الباحث عن اللامرئي خروجاً وتمرداً على الواقع الملموس، وبالتالي اتحدت التجربتان في الغاية واللغة.‏ ‏ *ـ المسرب الثالث: هو أن التجربة الصوفية هي أحد مصادر "الرؤيا" في شعر الحداثة العربية المعاصرة، يصبح الشاعر قريباً من حالة تماه صادق خالص مع الحالة، أي يتحقق اندماجه الكلي في الموقف في أثناء معاناته الإبداعية، فتتداخل الحدود وتختلط المعالم فينعكس هذا على القصيدة إبهاماً وغموضاً.‏ *ـ المسرب الرابع: التقريب الذي حصل ما بين الصوفية والسريالية في الشعر العربي الحداثي، ومن خلاله نفذ الإبهام إليه، وقد أشار إلى ذلك منظر الحداثة الشعرية "أدونيس" في كتاب له بعنوان (الصوفية والسريالية) حاول فيه التقريب والمقابلة بينهما يقول: "إن أهميتها ـ أي الصوفية ـ تكمن في الفضاء الذي فتحته، وفي كيفية الإفصاح عنه باللغة خصوصاً. وهذا نفسه مما يمكن قوله عن السوريالية؟‏ بينما يرى "صلاح فضل" أن السريالية والصوفية تلتقيان في منطقة واحدة هي "التجريد"، وهذا ما حاوله المتصوّفة عندما نزعوا عن الكلمات دلالاتها المألوفة وأعطوها دلالات جديدة من خلال "الترميز أو التشفير اللغوي في الشعر القديم بنزع الدلالات الحسية والدنيوية المتصلة بالجنس والخمر وربطها رمزياً بدلالات جديدة ترتبط بعالمهم ومواجدهم، والشعر التجريدي يمارس العملية ذاتها أي نزع الدلالات المألوفة للكلمات وإعطاءها دلالات جديدة دون مرجعية سوى التجربة اللغوية والشعرية.

وخلاصة الأمر في هذه النقطة أن التقارب بين السريالية والصوفية يعدّ مسرباً من مسارب الإبهام والغموض إلى شعر الحداثة العربية.‏

 

 

قصة قصيرة

رمـاد البسمة

احمد الحيدري

ان تمسكك القلم ويبحر بك الي المجهول المضئ.

وتسمع خربشة الاحرف السوداء وهي تقفز الى الحنين.

لن تعلم ولن يعلم الى اين ومن اين تبدآ الحكاية.

كانت تبتسم وعيناها الزرقاوان لهما اشعاع الفجر الذي يآتي بلا زقزقة ولا خرير ولا صوت تلامس الغيم الحالم المسافر. كانت هي تبتسم وانا اجلس قبالتها ابحث عن اسئلة في اجوبتها وشذي صوت احصنة التاريخ يعبرني مع كلماتها . يدها تكمل ما نسيته الكلمات واراقبها واراقب العابرين المنسيين. كلماتها فلٌ في زاوية وحريق في زاوية واشتعال القهوة بالهال وحزن يختبآ بين رمشين في عينها اليمني ، ولم افهم بقية الزوايا المنحنية. كنت اسالها عن حياة كبار السن الآن في دور العجزة وهي تحكي لي عن حبها وقلبها المشتعل بنور الشيب ومسامات جلدها التي تحمل خوف المراهقة . اعود بها الي آنية الزمن وتاخذني هي الي فسفور جليد الذاكرة. هل قلت ان صوتها عاشق وان الالفاظ المتكسرة الذاهبة الى لا أفهم معناها الا عندما تصطدم باذني وتعود الى الفضاء فترسم المعني بلا تعاريج ولا اخاديد . الهواء البارد اجبرني على اشعال السيجارة وامتصاصها على نكهة الكلمة وصداها . الدخان شاركني السماع وتوقفت هي عن الكلام ، اردت ان اطفئ سيجارتي وابقى على نار اشتهائها عندما ارتسم على شفتيها رماد ابتسامة..

قالت: لا تفعل ابقها ، ابقي هذي التي عاشت معي ومعه ومع الهواء الذي حاصرنا بالهوي . ابقها... دخان سيجارتي بخور سحري ، تشممت الدخان الخارج من فمي ومن انفي ، دخان محمل بالاسئلة اللاهثة . اردت ان اعيدها الي مآساة حياتهم ، اولائك المتجمعون حولنا ولا احد يراهم لانهم منسيون . قلت لها: هل يزورك احد ؟ وهي تطيل النظر الى السماء قالت! زارني ، يزورني كل يوم . قلت : من هو؟ قالت: عندما احببته سمعت رعدا اهتزت الارض قليلا فاض فنجان الشاي وتكسرت اوراق الخريف وبعد ذلك ولدت انا . قلت لها : الاكل هنا هل هو جيد؟ قالت : كنت آكل كثيرا ، كنت آكل اي شئ حتي دخان السجائر لكنه....لكنه... وقفت ومشت ، ناديتها سيدة... نظرت الي والزرقة في عينيها تقول : اسكت انت لا تفهم ما يفهم . تركتها تكمل السير البطئ ووقع الخطوات ياتيني ولم ابارح مكاني ،اعقاب السجائر تكدست تحت قدمي والليل جاء ، رفعت راسي حيث اطالت النظر ورايت ضوء القمر يتسرب من الغيم. ...اسكت انت لاتفهم ما يفهم .... لكنني فهمت اننا نطلب منهم ان يحرقوا ذاكرة الطفولة بضوء القمر.

 

 

يوم الشمس

((إلى روح شهداء الأحد الدامي))

د. هناء القاضي

كانت ليلة قمر

وأنا أغط في نوم عميق

صحوت على ضجيج مركبات

وجسورٍ تحادث النهر

كنتُ في الأمس

وكان يوم ..شمس

أومى إليّ غلام

يحمل على كتفه..صينية حلوى

مشينا في درابينَ..أبوابها خشب

شناشيلها تتعانق وتتهامس

يمرّ من بينها شعاع

بلون الذهب

وقف

الغلام

قلتُ...ياصغيري

جعلتني أسرحُ معك..بين العقود

وهذه الجدران..تحكي تاريخ مجد

هيا

أتريد شيئا من النقود؟

أم لديك شيئا تبيعُني؟

يصمتُ الغلام...ولا يُجيبني

أشاح بوجهه

وأشار بأصبعه إلى آخر الزقاق

رأيت باحات لونها

أحمرٌ قاني

أختلطت فيها الدماء باللهب

رأيتُ أشلاءً..وأوصالا متقطّعة

وحناجرَ من الصراخ..ممزقة

أشار الغلامُ إلى جُثتهِ المحترقة

تناثرت بجانبها صينية الحلوى

قال

فجرّوا الشمس في بلادي

شوهوا الأزهار ..واللُعَب

أمي ..ستفتش عني

سيصبح قلبها حطب

أمي لن تحتمل ..فراقي

فبيتنا من البكاء والعويل

قد تعب

اسئليهم...ماذنبُ بلادي

ماذنبُ الطفولة

تحرَقُ في المهد؟

اكتبي ..اكتبي عنا سيدتي

اكتبي عن يوم الشمس الدامي

واسئليهم من الملام

ومن الجاني؟؟

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق