|
ركائز التجديد في النص الشعري الحديث
محمد عبد المطلب
لقد سارت الشعرية العربية مخترقة الزمان والمكان، وكانت مسيرتها
الطويلة مليئة بالتحولات الصاعدة والهابطة. وبرغم الصعود والهبوط فإنها
أسست إبداعها على ركائز مركزية حافظت عليها في كل تحولاتها، وفي كل
تنقلاتها في الزمان والمكان، حيث أصبحت هذه الركائز محددة لملامح
الهوية الإبداعية للشعرية العربية. وهذه الركائز هي: الركيزة الأولى:
“الإيقاع الموسيقي” الذي صاحب البدايات، وظل فطرياً إلى أن كشف عن
قانونه الخليل بن أحمد في “علم العروض” بعبقريته الموسيقية، وظلت بحور
الشعر على نسقها الموروث إلى أن أصابها نوع من الاهتزاز المحدود في
“الموشحات والمخمسات والمربعات والمسدسات” ولم يكن الاهتزاز محدوداً
فقط، بل كان مؤقتاً أيضاً، إذ سرعان ما استعادت البحور نسقها الخليلي،
وحافظت على هذا النسق إلى أن جاءت مرحلة “التفعيلة” فكانت نوعاً من
التمرد المنضبط على نظام البحر، ثم جاءت المرحلة الأخيرة التي مثلت
هجرة شبه جماعية إلى “قصيدة النثر” التي استبعدت النظام العروضي من
إبداعها.
الركيزة الثانية: "اللغة" أو بمعنى أدق "اللغة الشعرية" التي تخالف
اللغة المثالية من حيث المستهدف الأصيل، إذ إن الهدف الأصيل للغة
المثالية هو "التوصيل" بينما تخلت لغة الشعر عن هذا الهدف، أو أنها لم
تجعله هدفاً مركزياً لها، فهدفها توصيل ذاتها بكل طاقتها الجمالية.
الركيزة الثالثة: "التخييل" أي: الطاقة الداخلية المنتجة للتوهم أو
التوقع بكل توابعهما البلاغية من المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه.
وتتجلى أهمية هذه الركيزة في أن الفارابي أعطاها قدرة إنتاج الشعر، حيث
يقول: "ويبتدئ مع نشوء الصناعات القياسية أو بعد نشأتها، استعمال
مثالات المعاني وخيالاتها مفهمة لها، أو بدلاً منها، فتحدث المعاني
الشعرية، ولا يزال ينمو ذلك قليلاً قليلاً إلى أن يحدث الشعر.
الركيزة الرابعة: "المعنى" وقد جاءت رابعة، لأن أهمية المعنى ليست
أهمية ذاتية وإنما أهمية المعنى في كيفية إنتاجه، ولعل ذلك كان وراء
مقولة الجاحظ التي احتفى بها عبدالقاهر الجرجاني احتفاء بالغاً:
"المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي،
وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع،
وكثرة الماء، وجودة السبك. وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير.
لقد صاحبت هذه الركائز الشعرية العربية في مسيرتها الطويلة دون أن تحجب
بعض التوابع من التدخل في إنتاج هذه الشعرية، ويمكن القول إن كل مرحلة
شعرية قد حافظت على هذه الركائز جملة، ومعظم مغامراتها التجديدية كانت
في إعادة ترتيبها حسب عقيدتها الإبداعية.
وقراءة المدونة التراثية للشعر العربي تؤكد تقدم ركيزة "الإيقاع
الموسيقي" على غيرها من الركائز، وكان الشعراء أنفسهم على وعي بهذا
التقدم وأهميته، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص:
سل الشعراء هل سبحوا كسبحي
بحور الشعر أو غاصوا مغاصي
لساني بالقريض وبالقوافي
وبالأشعار أمهر في الغواصِ
بل إن الشاعر القديم كان يؤثر التجاوز اللغوي على التجاوز العروضي، وهو
ما سنتناوله عند الحديث عن "الضرورة الشعرية"، وقد انتقل الوعي بأهمية
الموسيقى للشعر إلى النقاد، فعندما تحدّث "قدامة" عن الشعر جعل ركائزه
أقساماً، ورتبها حسب أهميتها عنده، وهذه الأقسام: "قسم ينسب إلى علم
عروضه ووزنه، وعلم ينسب إلى علم قوافيه، وقسم ينسب إلى علم غريبه
ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده
ورديئه.
وقد ظلت موسيقى الشعر محافظة على التقدم في الترتيب مع مرحلة
"الإحياء"، وقد عبر عن ذلك حافظ إبراهيم في تحيته لأحمد شوقي:
الشعر في أوزانه لو قسته
لظلمته بالدُّرِّ في ميزانِهِ
م جاءت مرحلة "الرومانسية" التي أطلق عليها الدكتور عبد القادر القط
"الوجدانية"، وهي التسمية الأنسب من وجهة نظرنا، جاءت وعدلت ترتيب هذه
الركائز مقدمة "الخيال" على سواه تبعاً للعقيدة الإبداعية لهذا الحلف
الشعري، وقد عبر خليل مطران عن هذه العقيدة في قوله:
إن كان بعض الشعر هذا شأنه
ما الشعر؟ كل الشعر محض خيالِ
ثم جاءت مرحلة "التفعيلة" لتحدث تعديلاً مزدوجاً، فجعلت التفعيلة
بديلاً عن البحر، ثم قدمت اللغة على سواها من الركائز. وفي مرحلة
الحداثة ومولودها الجديد (قصيدة النثر) لم يحدث تعديل كما حدث في
المراحل السابقة، وإنما حدث إسقاط وحذف، حيث أسقطت قصيدة النثر
"الموسيقى العروضية" نهائياً واعتمدت ركيزتين فقط: اللغة والتخييل.
برغم تقدم ركيزة الموسيقى العروضية في المدونة التراثية، فإن اللغة
كانت تزاحم هذه الركيزة في مكانتها ووعي الشعراء بتقدمها. يقول
"البحتري" كاشفاً عن هذا الوعي في عملية "الاختيار" اللغوي في بناء
الشعر:
بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى
لها اللفظ مختاراً كما ينتقى التبر
وهي العملية التي كانت مساحة لفخر المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ
والوعي بأهمية اللغة ودورها في إنتاج الشعرية كان له صداه عند النقاد
القدامى، وتمثل ذلك في إدراكهم لخصوصية اللغة الشعرية، يقول "خلف
الأحمر": "إذا كان الشعر مستكرهاً، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع
بعضها مماثلاً لبعض، وكان بينها من التنافر ما بين أولاد العلاّت، وإذا
كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضياً موافقاً؛ كان على اللسان
عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة.
لقد كان كلام "خلف" وأمثاله في هذه المرحلة المبكرة مقدمة لنتيجة لازمت
الشعر حتى اليوم هي "لغة الشعر" المغايرة لـ"لغة النثر"، وقد تحددت هذه
المغايرة إجرائياً في مصطلح موغل في تراثيته هو "الضرورة الشعرية" الذي
ضبط حدوده المعرفية "ابن عصفور" في قوله: "اعلم أن الشعر لما كان
كلاماً موزوناً يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن، ويحيله عن
طريق الشعر، أجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا لذلك أو لم
يضطروا إليه.
وإذا كانت "الضرورة" تمثل قانوناً خاصاً للغة الشعر، فإن هذه اللغة
خضعت لقانون عام هو "قانون التطور" الذي يلاحق اللغة في عمومها، وقد
رصد هذا القانون -تنفيذياً- واحد من اللغويين الأوائل هو "أبو عمرو بن
العلاء" في قوله: "اللسان الذي نزل به القرآن، وتكلمت به العرب على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم، عربية أخرى غير كلامنا هذا.
إن كل ذلك يؤكد خصوصية لغة الشعر، وأن للشعراء حقوقاً لغوية ليست
لسواهم من المبدعين، وقد تبلورت هذه الحقوق في "الجملة التراثية":
"الشعراء أمراء الكلام، يقصرون الممدود، ولا يمدّون المقصور، ويقدمون
ويؤخرون، ويومئون ويشيرون، ويختلسون، ويعيرون ويستعيرون.
من الواضح أن ركيزة اللغة وصلت إلى العصر الحديث، ثم مرحلة الحداثة،
محملة بركام كبير من ميراثها القديم، ومحملة ببعض هوامش القداسة، نتيجة
لارتباطها بالنص المقدس. لكنها استطاعت الخلاص من بعض هذا وذاك، بل
إنها تخلصت من بعض هوامشها الاستعمالية، مما أتاح لها قدرة إضافية في
إنتاج دلالتها (الإشارية) التي تمايزت من خطاب إلى آخر، ومن مبدع إلى
آخر. كما أتاح لها مساحة واسعة في تشكيل علاقة الدال بالمدلول جزئياً
وكليا،ً حتى يمكن القول إنها أصبحت "لغة مجازية" موغلة في "الحقيقة"،
وأصبح لها معجم طارئ له مواضعاته الجديدة التي قد تخالف المعجم المحفوظ
في قليل أو كثير. ذلك أن المحفوظ لا ينتج إلا محفوظاً، والشعرية تتعالى
على المحفوظ الذي ابتذله الاستعمال.
ومن الممكن أن نرد جانباً من هذه القدرات التي حازتها اللغة إلى وعي
حداثي يؤمن بتداخل مستويين، كان -وما يزال- بينهما فصل منهجي، هما:
"مستوى اللغة" و"مستوى الكلام". ذلك أن اللغة، برغم فوقيتها ليست إلا
ناتجاً للكلام برغم تحتيته. وقد ساعد هذا الإدراك على تلاشي الفارق بين
المستويين نوعاً ما، وقد تدخل الشعراء بإبداعهم لإزالة هذا الفارق
نهائياً، فما كان من اللغة صار كلاماً، وما كان من الكلام صار لغة. ذلك
أن الشعراء لم يلتزموا بموروثهم اللغوي الذي وصل إليهم، وإنما تحركوا
فيه وبه، حركة واسعة، فاستحدثوا مواضعات لغوية حال إنتاجهم للكلام،
وامتدت حركة الشعراء إلى مجمل الأبنية الصوتية والمعجمية والنحوية،
ووصل الأمر إلى أن بعض الشعراء قدموا إبداعهم بوصفه مقترحات معجمية،
على نحو ما فعل المتصوفة في إنتاج معجمهم الخاص، بل في إنتاج لغتهم
الخاصة.
وعلى هذا النحو تأتي نبوءة أحمد الشهاوي في أحاديثه بامتلاك "لغة
جديدة" يقول في نبوءته:
سيأتيكمو - فجأة - حياً وميتاً
فادخلوه
أوسدوا القلب نجماً
والروح برقاً
والعقل فاتحة من نيازك
ولا تسألوه
سيفيض بحراً
هو عارف لغة جديدة
وقد أخذت اللغة الجديدة تعلن عن نفسها في مطلع الدفقة عندما جمعت
النقيضين: الحياة والموت، في كائن واحد. ثم توالت خلخلة المواضعة
المحفوظة في الجمع بين: القلب والنجم، ثم الروح والبرق، ثم العقل
والنيزك، وهي ثنائيات لا يتقبلها العقل في حالة توحد أو تكامل. أما
بشارة النبوءة فكانت في السطر قبل الأخير، حيث يكون البحر مداداً لهذه
اللغة.
معنى هذا أن شعرية الحداثة تنظر إلى اللغة بوصفها إحدى مبتكراتها، لا
بوصفها ميراثاً فوقياً يجب أن تخضع لقوانينه. ويبدو أن هذه النظرة
الحداثية تمتُّ بصلة نسب للشعرية التراثية ومغامراتها التي بلغت ذروتها
مع أبي تمام، حتى إن ابن الأعرابي عندما كان يستمع لبعض أشعاره يقول:
"إن كان هذا شعراً، فما قالته العرب باطل". وهذه المغامرة التجريبية هي
التي دفعت "أبا سعيد المكفوف" أن يقول لهذا الشاعر: "يا أبا تمام لم لا
تقول من الشعر ما يفهم؟!"، وهو الأمر الذي دفع "أبا إسحاق الموصلي" أن
يقول له: "ما أشد ما تتكئ على نفسك، يعني أنه لا يسلك مسلك الشعراء
قبله، وإنما يستقي من نفسه.
إن شعرية الحداثة لم تكتف بإزالة الفاصل التقديري بين اللغة والكلام،
بل إنها سعت إلى التعالي عليهما معاً، عندما اتجهت للتعامل مع تقنيات
غير لغوية، مجلوبة من فنون غير لغوية مثل تقنيات الفنون التشكيلية في
الرسم والنحت والتصوير، وتقنيات "الصورة المتحركة" مثل: السيناريو،
المونتاج، والصورة المكبرة والمصغرة والقريبة والبعيدة والمواجهة
والجانبية.
ويبدو أن الشعرية في اندفاعها إلى التجريب وتطلعها إلى البكارة أهملت
بعض ظواهر "الجمالية"، وهي المظهر الذي قدسته الكلاسيكية، وحافظت عليه
الرومانسية، واحترمته الواقعية. وكان هذا الإهمال واضحاً في شعرية جيل
السبعينيات وما تلاه، وقد أرهق هذا الإهمال المتلقي العام والخاص على
حد سواء.
وبرغم ذلك فقد احتفظت الحداثة بتقديم ركيزة اللغة، لكن بوعي مخالف؛ إذ
إن اللغة كانت -دائماً- وسيطاً بين المبدع والمتلقي، لكن مع الحداثة
تحول الوسيط إلى طرف أصيل، فأصبحت مهمة الشعر توصيل اللغة ذاتها، فالذي
ينطق ويتكلم في الشعر هو الأبنية الصياغية التي تقدم نفسها مباشرة
تقديماً فريداً، إذ إن الجماعي تحول إلى فردي موغل في فرديته. وبحكم
هذه الفردية أصبح من حق المبدع أن يغامر مع اللغة، ودفعها إلى التعبير
عمّا لم تتعوده، ويطوعها لأداء مهام ليست من مهامها الأصلية. وأصبح عند
المبدع يقين أنه من العبث توظيف اللغة شعرياً فيما يمكن أن يتحقق في
صيغة نثرية، أو توظيفها في إنتاج معلبات دلالية فقدت شرط الصلاحية؛ ذلك
أن المشاعر المألوفة، والانفعالات الفضفاضة، والعواطف المبتذلة،
والأفكار المستهلكة، كلها تدخل دائرة الإبداع شعراً ونثراً، ومن ثم
تجنبها شعراء الحداثة لأنهم يستهدفون الخصوصية، وبلوغ مناطق تستعصي على
النثرية الخالصة، وبسبب ذلك نفرت شعرية الحداثة من "التجربة" بمفهومها
الرومانسي والواقعي، وسعت إلى التجلي في مناطق "الحال والموقف والمقام"
بكل مردودها العرفاني، وهي مناطق تخلص للداخل الذي لم يعد ينتظر واردات
الخارج، لأن هذه الواردات تعتمد "المركزية"، والمركزية عليها تحفُّظ من
أجيال الحداثة، وبديلها هو "الشك والتأجيل" أو "الاحتمال" الذي لا يعرف
قانون الحسم على مستوى المدرك العقلي والواقع الموازي له؛ ولهذا لاحظنا
في شعرية الحداثة عموماً، وقصيدة النثر خصوصاً إقبالها على "المجرد"
و"المطلق" و"المجهول" و"الفراغ"، واختراقها قوانين الوجود في الزمان
والمكان، والشعراء في ذلك أشبه بالمتصوفة الذين أدركوا أن وراء العالم
المعلوم عالماً غائباً أو مجهولاً، يجب أن يقاربوه بالملاينة واللطف
حيناً، والاقتحام العنيف حيناً آخر.
لقد لاحظنا سابقاً إقدام شعراء الحداثة على التعالي اللغوي باستعارة
تقنيات فنون غير لغوية، ونلاحظ هنا أن هذا التعالي يأخذ نسقاً مغايراً،
باتجاه هؤلاء الشعراء إلى امتصاص الخطابات الأخرى غير الشعرية، وبخاصة
الخطاب "الصوفي"، حيث جاء الامتصاص كلياً وجزئياً باستخلاص طبيعته
اللاعقلية، وعندما أجهزوا عليه، تحركوا إلى خطابات السحر والشعبذة، ثم
صعدوا إلى عالم الفلك والكواكب.
يقول محمد فريد أبو سعدة:
كان العاشق نائماً، وكانت جالسة تشاهد
أحلامه، عندما ظهر لها رجل من القصدير
انحنى أمامها ثم دار حول العاشق بعصاه
قالت: وأين شهدائيل
أشار، فوجدت قبة من نور أبيض وأخضر ولها بابان، على كل باب ثلاثة أعوان
وستة ألوية بستة ألوان، وعلى يسار القبة ملك طويل جداً هو صلحائيل رئيس
الأعوان.
قالت: تبارك المشتري، والساكن بفلكه، الآخذ بناصية خدام يومه: الحاء -
الآنك، البارد الرطب السعد المحض.
لاشك في أن هذه المغامرة مع اللغة وفي اللغة حررت الشعرية من موروثها
الشفهي الذي كان يبحث عن الصدى الفوري عند المتلقي. أي إن الشعرية
أصبحت شعرية الكتابة، بمفهوم بارت، لا شعرية الإنشاد بالمفهوم التراثي،
وشعرية الحرية لا شعرية القيود، والشعرية المفتوحة لا المنغلقة؛ وتبعاً
لذلك أسقطت الجدار العازل بين المباح وغير المباح، وأزالت الخيط الفاصل
بين البياض والسواد، وكشفت عن كم وافر من شكوكها في مجموعة القيم
الموروثة والمستحدثة، وبخاصة ما يتصل باللغة بوصفها كائناً قابلاً
للانتهاك الذي يلاحق مراجعها الواقعية والعرفية والوضعية، فلا مرجعية
للنص إلا ذاته.
لقد توافق إهدار المرجعية مع الخروج من الشفاهة. فإذا كانت شعرية
التراث تنال صك الاعتراف بشعريتها على الفور، فإن ذلك يرجع إلى أنها
وحدت بين لحظة الإبداع ولحظة التلقي، أما خطاب الحداثة فإنه لم يعتمد
هذا التوحد، وإنما اعتمد "الوحدة" النافية لكل ظواهر الاحتفال الإنشادي
تأسيساً على تخليص اللغة من طبيعتها المشتركة، وتحويلها إلى أداة فردية
بوصفها الأداة والغاية على صعيد واحد.
وبحق هذه الفردية سمحت شعرية الحداثة لنفسها باستحداث بلاغة تختص بها
تجاوباً مع إيقاعاتها المفارقة للإيقاع الموسيقي المحفوظ، ويبدو أنها
أوغلت في مستحدثاتها البلاغية حتى دخلت إلى "اللادلالة" على معنى أن
المتلقي ليس من حقه أن يطالب النص بمقولة، ومحاولة قهره على القول؛
ستكون ضد طبيعته الروّاغة، فهو أشبه بـ"الأخرس" الذي لا تدل صوتيته على
معنى من المعاني، ومن يريد التواصل معه، عليه أن يتعامل مع ما ينتجه من
إشارات وحركات وأصوات غير منطوقة، أي إنه سوف يتعامل مع صمته لا مع
صوته.
السيّاب بين متاعب الجسد ومتاعب الأنتماء
وائل المرعب
يبدو أن الزمن أثناء جريانه السريع أمامنا , وهو يتركنا نلهث خلف
أحلامنا المنداحة والمطفئة , تتخلله عقود من السنوات فيها الكثير من
الغرابة والأستثناء والفرادة تتوزّع على مساره بفترات تكاد تكون
متقاربة , فمثلا العقد الزمني المحصور بين عامي 1920 و 1930 شهد ولادة
أهم مبدعي العراق في مجال الثقافة المعاصرة بمختلف أجناسها , فعلى
صعيد الشعر , ولد بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة والبياتي وبلند
الحيدري وحسين مردان ولميعة عباس عمارة على سبيل المثال لا الحصر, وقد
غيّروا هؤلاء يحدوهم السيّاب بجسده النحيل وألمعيته الفذة خارطة الشعر
, أذ حددّوا لها خطوط طول وعرض ومدارات جديدة وعيّنوا جهات هبوب الرياح
والأمطار وحالات المد والجزر للقصيدة لم تألفها من قبل.
لقد أحدث السيّاب ومن معه من فرسان الحداثة , خلخلة في هيكلية البناء
العمودي للقصيدة , وأيقظوها من سباتها الطويل , وجرّدوها من تبريرات
وجودها السابقة.
وجعلوها ترمي بنفسها على الورق مرهقة .. متوترة .. حالمة .. في أي وقت
تشاء.
أذ أصبحت تتوهج في ذاكرة الشاعر في لحظات عابرة فتخرج مغسولة بالضوء
المنبعث من روحه ومعطرة برحيقه .. وأضحت القصيدة بعد السيّاب تعيش بين
الناس ,يخرجونها من جيوبهم ومن بين أردانهم ليقرأونها مستعيدين أمزجتهم
الرائقة بعد أن شذبتها رؤى القصيدة.
لقد فعل السيّاب .. هذا البصري الحالم والقادم من جيكور , القرية
الصغيرة في أبي الخصيب, والذي كان يعاني من تواضع هيئته وفقر جاذبيته ,
كل هذا الدوي الذي لا زالت أصداءه للأن تملأ أسماع الكون الشعري العربي
برمته.
في دار المعلمين العالية أواسط الأربعينات من القرن الماضي بدت أوّل
ملامح الأحباطات النفسية لدى الشاعر وأول بوادر تمرّده على هيبة العمود
الشعري وظهور ولادة أول قصيدة حرّة في الشعر العربي المعاصر , كما بدت
أول علامات أنتمائه السياسي تتضح في أوساط الطلبة أنذاك.
أن المشكلة العقديّة التي عمّقت جراحاته النفسية هي ( الكاريزما )
فمظهره لا يساعد على أن يكون عنصر جذب بين مجتمع الطلاب الذي كان خليطا
من الجنسين خاصة وأنه وجد نفسه في هذا الوسط غريبا وهو القادم من قرية
تعيش في آخر السلم الحضاري والمرميّة على الطرف القصي من جنوب العراق ,
وقد لمس منذ البداية السعي الحميم للطلبة الذكور للأقتراب من الطالبات
رغم قلتهن , ولما كان الشعر يسكنه منذ طفولته وخياله متخم بالصور
والأيحاءات .. تمكّن من أن يجد له منفذا للدخول الى حلقاتهن بقصيدته
الشهيرة:
ديوان شعري ملؤه غزل بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرّى تهيم على صفحاته والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهنّ بهــــا وترفّ في جنابته القبل
ولكن لم يجد واحدة من بينهنّ بادلته مشاعر الحب أو العاطفة أو حتى
الرأفة , فكل الذي حصل أنهن أعجبن بشاعريته ليس الاّ , وهذا مارسّخ
لديه شعورا بالمرارة طفح على كيانه الضئيل . وقد لازمه هذا الشعور
المحبط طيلة حياته القصيرة , وحتى حين تزوج وأنجب أستمرت تداهمه دائما
حالة الفشل العاطفي حتى خاطب زوجته يوما وهو يستجدي عطفها , وقد أستعرض
مجموعة من الطالبات الاتي لعبن دورا في أثارة مخياله:
أحبيني .. لأني كل من أحببت قبلك ما أحبوني
ولا عطفوا علي .. عشقت سبعا كن أحيانا
ترفّ شعورهنّ عليّ تحملني الى الصين
حتى يصل الى أن يكتشف حقيقة مشاعره كما كان يظن:
وأنت .. لعلّه الأشفاق
وظلّ يحمل ذاته المتعبة وخيباته التي أثقلت ذاكرته ممّا عجّل في أنهاك
قدرته على المطاولة في الحياة , فوجد السلّ مكانا رخوا في عظامه ليتسلل
اليه ويجهز عليه بعد مرور أربعة سنوات من معاناته.
أمّا تمرّده على القصيدة الكلاسيكية التقليدية المتوارثة بالرغم من
امتلاكه لأدواته وتمكنه منها بما لم يستطع أحد من شعراء العمود مجاراته
بها بأستثناء الجواهري الذي كان هاجسه المقلق حتى صرّح مرّة قائلا : أن
أحد الأسباب المهمّة في لجؤه الى التفكير في أبتداع طريقة جديدة في
الشعر هو وجود الجواهري علم الشعر العربي العمودي وسيده بلا منازع .
يضاف الى ذلك نزوع روحه التوّاقة الى التغيير في أحداث هزّة في بناء
القصيدة وجعلها تفتح ذراعيها لأحتضان كل الأفكار حتى الشاردة منها كي
تدخل عالمها دونما خشية من فخاخ القافية , حتى تغيّرت وظيفة الشعر من
بعده وأصبح أيقاع القصيدة ليس تراتبيا وموسيقاها لم تعد تلامس قشرتها
الخارجية حسب بل نفذت الى داخل الكلمات , أن قصيدته ( في السوق القديم
) التي قالها عام 1947 قد فتحت عهدا جديدا في الشعر العربي.
أمّا بشأن أرتباطه السياسي , أن السيّاب هو من الجيل الذي وعى الحرب
الكونية الثانية وأطلع على ويلاتها ومآسيها , وأدرك وحشية الحزب النازي
وهو المثال الصارخ لكل الأحزاب القومية الشوفينية المؤمنه بأفضلية
العنصر , ثم وقف متأملا الأنتصارات التي حققتها جيوش الأتحاد السوفييتي
بلد الأشتراكية الأول أنذاك في ضد الهجمة النازية ومن ثم الأنقضاض على
آخر معاقلها ورفع راية الشغيلة الحمراء على سطح بناية (الرايشتساغ) ,
وأعلان أنتصار دولة الكادحين , كل هذا يضاف اليه أحساسه بالغبن
الأجتماعي وتلمسّه الفارق الطبقي بين الطلبة أنفسهم.
وقد أنجز خلال فترته الأولى معلقاته الشهيرة ( المومس العمياء ) ( حفار
القبور ) ( الأسلحة والأطفال ) ( المخبر ) والقصيدة ذائعة الصيت (
أنشودة المطر).
وقصائد مهمة اخرى . ولكي نقـّرب صورة المشهد لطبيعة انتمائه نورد هذا
المقطع من قصيدة ( اللعنات ) التي تجسّد بوضوح نظرته الى لا جدوى
الوجود والخليقة ونقمته على غياب العدالة في النظرة الى الناس:
رباه لو أن في طول أنتظار غد
جدوى لما أسمعتك الريح شكوانا
ما كان حتما علينا أن يعذبنـــــا
طــاغ وأن يشهد الرحمن بلوانــا
النار أشهى فهات النار تصهرنا
يوم الحساب ومتعنــا بدنيانـــا
ان كان لا يدخل الجنات داخلها
الاّ شقيا على البلوى وغرثانـــا
وكان أمرك أن نرضى بما صنعوا
فأحفظ عبيدك فالشيطان مولانــا
الاّ أن مزاجية الشاعر وجنوحه نحو الأستئثار بأظهار الأنا الخلاقة جعل
أرتباطه
السياسي وحتى الأيديولوجي في حالة تذبذب مستمر تعمّق عندما بدأت
معاناته
مع المرض أوائل الستينات , وقد تأكد له منذ البداية أن حالته الصحية
متجهة نحو النكوص والتدهور وأن لا شفاء يلوح حتى في أفقه البعيد ,
ولمّا كان حب الحياة والتعلّق بالأمل (وأن لم يكن) طبيعة متأصلة لدى
الأنسان , أوصله أن يقول أكثر من قصيدة في مدح الزعيم عبد الكريم قاسم
الذي أرسله الى لندن للعلاج على حساب الحكومة (لولاك ما عرف الأبناء
أباءا) , وحين قام أنقلاب شباط عام 1963 سارع الى مباركة الأنقلابيين
في واحدة من أسوأ قصائده التي سجلت موقفا انتهازيا لم يغفره له معجبيه
وعشاق شعره حتى لم تشفع له حالة الأنهيار النفسي الذي رافق تآكل عظامه
التي لم تعد يعينه على الحركة , حتى لم يبق من كيانه المهدّم سوى ذهنه
الوقاد وحركة عينيه وقدرته الشعرية التي لم يصبها الهزال اذ قال أكثر
قصائده السوداوية التي ختمت ديوانه الذي لم يره.
واليوم وبعد مرور 45 عاما على رحيله المبكّر يبقى السيّاب شاعر الأحزان
والمطر رغم أهتزاز مواقفه , علامة مضيئة في تأريخ الشعر العربي , ويظل
الدوي الذي أحدثه لا تخبو أصدائه على مر السنين.
قصة قصيرة
غربتان
سمرقند الجابري
في ليل عاصف كهذا إستيقظت لأحدث قلبي عنك، أعني لأجتثك من بستان قلبي
كشجرة يابسة .. هل كنت أسعد عروس في الدنيا ونحن نتسكع في أزقة دمشق
نتذوق مجرة عسل مجتث ؟ هل كان عليَّ ان أترك العاصمةلائذة
بنبضك، غافلة عن سنوات تكبرني فيها ؟ هل كان عليَّ ان أقرأ رواية ذلك
اللعين لاجعل للبكاء سياطا تجلدني لانها تذكرني بوجهك ؟ ربما هو ذنب
أبي حين نزع عني دور المرأة وغمسني في سوق لا ناقة لي فيها غيرالتعب ،
عفوا ، ذنب أمي، فأنا عجولة في إصدارالأحكام كقائد احمق ، إنها أمي
التي احتفت بامراضها لتنساني وتصوغني انثى ملغاة ورهينة لأولاد يكبرون
تحت سفارتها.
طارت السنوات كبجع مفزوع ، كلاهما ماتا ...يا لهما من أبوين! والأولاد
احتفوا بانسالهم ،وأنا.....انا اخترتك وإن عارضوا فلأنهم لا يعرفون
أيها الحبيب معنى الإرتطام الكوني بين نجمين مبتلين بالقصائد.
لماذا كنت أطول مني قامة ولم تأكل السجون هامتك البهية ، فإذا أردت رشف
خضرة عينيك رفعت أصابع قدمي لا حباً بفن الباليه ولا تشبها بلصوص حبال
الغسيل بل سعيا لبساتين أودعها الله أجفانك المبتلة بأحزاني.
أنجبت منك شقرة صبي مجنون له شغبي وغضبك ، فأين تراه الان بعد ان سرقه
الحطابون عندما دخلنا حدود بلادي بعد اغتراب ، ظناً منهم أن الخطف سيدر
عليهم أموال قارون التي لم احزها وأنا كنزي الوحيد خرائب تركها نحيبك.
شهور من الترقب اذن سأهاتفك لأجل فدية أدفعها لهم فأعادوه مكتويا ً
بالحروق كقلبي، اذن أورثناه وهو ذو الست سنوات قدرنا المرهون بالتشظي.
انت اخترت طلاقي حين لم تشرك بحبك لذاتك أحدا، وأنا ككل المصابين
بالصداع اشتريت سلامة رأسي غير نادمة على شباب تفتت بين راحتيك فللفرح
ضرائب مضحكة.
الوطن غير ما نراه في الحلم ، يا للرب كم يبدو اخضرَ عند الأنهار في
الخرائط ومبتسما كأناشيد الاطفال ، ولكنه الوحيد الذي سمع هسهسة أرقي،
وطالبني بالعودة اذا لا من بلد وقتها تحمل سمرة وجهي ،حجابي ،غبائي
،إيماني بأحجار تجلب النوم وخرافات تحمي الصغار من الأمراض.
انا لم أذكرك كل تلك السنوات الثلاث، وإن شابهك من خرج من رحمي لأنني
مسخته ولعا بتعذيبك فلم يقل عن اية صورة لك " هـــذا ابــي" وظل يسميك
العم فلان.
في ليل خرافي الوحشة صحوت لأجتثك مني ، أحرقت رسائل جيران لك اشتريتهم
بالهدايا ليكونوا جواسيس بصورة أصدقاء ، لينقلوا لي احتلال الصدأ بقايا
رئتيك وقرب رحيلك ، فأتبرج لمرآتي وأنجح في عملي ، وشبيهك ينافسني
طولا وينازعني سكائري.
رغما عنا نحن الثلاثة نكبر ونخاف بعضنا، هل كنا اربعة: وطن تتنازعه
المخاوف ،حبيبان تطلقا، وضحية نسميه مواطن بلا هوية ؟
بيت تأكله الأرضة .. وماذا في ذلك ؟ هذا ما قدرت إيجاده بمرتب مخنوق
طالما رفعت جدران قلعتي بوجه آدمهم وتركت جنة أرضية كُنت َ جلادها
الأوحــد.
هناك كرات تتقافز بسرعة حولي أتذكر انهم ...أقرباء...أصدقاء ... أو
ماشابه او....اللعنة.... لا يظهر شيئ غير مخاوفي بأني لم أعد أحب أحدا،
لأنك اشتريت مشاعري كلها، فما عاد لسواك ما يستأجره.
المضحك انهم ..اقصد بعض الأغبياء يصممون حدائق مضحكة لأغبياء مثلي
يجلسون فيها عند المساء مع ضحاياهم ..أقصد ابناءهم كي تمر المساءات في
الوطن بسرعة ، فيجرني من ثوبي " ماما ، يخ خ خ خ خ ..فلنعد الى البيت"
ونعود للزنزانة صاغرين.
غربتان واحدة فيها سعادتي في المنافي بقربك ولم تدم، وأخرى مضغت زجاجها
بين أضراسي تورطا بالكبرياء، مرغمة لأنك بادلتني بنزوة ٍ فرّقتنا.
رغمها حضرة الزيف القابع فينا اعترف لك ، بأنني سأخلص ما تبقى من
الدوامات القادمة وأنني لن أدع غير بيجامته تشاركني أنفاسي على الوسادة
لألف خريف تتري قادم. |