الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (885) الاحد 12 ذي القعدة 1430 هـ/1 تشرين الثاني 2009

دراسات

فدك في التاريخ

الحلقة السابعة عشر

الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر

قبسات من الكلام الفاطمي

يوم جاءت إلى عدي وتيم ومن الوجد ما أطال بكاها تعظ القوم في أتم خطاب  حكت المصطفى به وحكاها ( الازري)

 (عظمة الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم)

نقتبس هنا عدة عبائر من خطبة الزهراء عليها السلام لنعطيها حقها من التحليل والتوضيح ، ونفهمها كما هي في عالم الخلود ، وكما هي في واقعها الرائع ، قالت : ( ثم قبضه إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار في راحة ، قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار).

انظر إلى البليغة كيف تركت النعيم المادي كله ، وملذو ذات الحس حين أرادت أن تقرض فردوس أبيها ، وجنته الخالدة ، لأنها رأت في معاني أبيها العظيم ما يرتفع على ذلك كله ، وما قيمة اللذة المادية جنينية كانت أو دنيوية في حساب محمدصلى الله عليه وآله وسلم الروحي الذي لم يرتفع أحد بالروح الأنسانية كما ارتفع بها ، ولم يبلغ بها أحد سواه أوجها المحمدي ( ولم يغذها مصلح عداه بالعقيدة الألهية الكاملة التي هي غاية العقول في طيرانها الكفري والشوط الأخير للطواف الأنساني حول الحقيقة المقدسة الذي يستقر عنده الضمير وتطمئن إليه الروح )

فهو إذن : المربي الاكبر للروح ، والقائد الفريد الذي سجلت المعنويات الروحية تحت رايته انتصارها الخالد على القوى المادية في معركتهما القائمة منذ بدأ العقل حياته في وسط المادة .

وما دام هو بطل المعركة الفاصلة بين الروحية والمادية الذي ختمت برسالته رسالات السماء فلا غرو أن يكون محور ذلك العالم الروحي الجبار ، وهذا ما شاءت أن تقوله الزهراء حين قالت تصف الفردوس المحمدي : فمحمد عن تعب هذه الدنيافي راحة ، قد حف بالملائكة الأبرار فهو القطب أبدا في الدنيا وا لاخرة ، غير أنه في الاولى متعب لأنه القطب الذي يجاهد ليقيم دروة الحياة الأنسانية عليه ، على اسلوب خالد ، وفي الاخرى مرتاح لأنه المحور الذي يكهرب الحياة الملائكية بنوره ، فتحف به الملائكة لتقدم بين يديه آيات الحمد والثناء .

وما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الطراز الأسمى فلتكن جنته على غراره ملؤها الترف المادي بل هي في أوضح معانيها الترف المعنوي - إن صح التعبير - وأي ترف روحي أسمى من مجاورة الملك الجبار والظفر برضوان الرب الغفار

وهكذا وصفت الزهراء جنة أبيها في جملتين ، فإذا به القطب المتصل بمبدأ النور والشمس التي تحيط بها الملائكة في دنيا النور .

( عظمة الأمام علي عليه السلام ومؤهلاته الشخصية)

وقالت عليها السلام : - ( وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة   العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتفتاتون الورق ، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن للشيطان ، وفغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه مكدودا في ذات الله ، مجتهدا في أمر الله قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد أولياء الله مشتمرا ناصحا مجدا كادحا ، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون.

ما أروعها من مقارنة هذه التي عقدتها الزهراء بين أسمى طراز من الكفاءة العسكرية في دنيا الأسلام يومئذ وبين رجولة مفطومة - إن صح التعبير - من ملكات البطل ومقومات العسكري الموهوب . بين بسالة هتفت بآياتها السماء والأرض.

وكتبت بمداد الخلود في فهرس المثاليات الأنسانية ، وشخصية اكتفت من الجهاد المقدس بالوقوف في الخط الحربي الأخير - العريش - ويا ليتها اقتنعت بذلك عن الفرار المحرم في عرف الأسلام ، وفي عرف التضحية ، وفي عرف المفاداة بالنفس لتوحيد الحكومة السماوية على وجه الأرض .

ولا نعرف في تاريخ الأنسانية موهبة عسكرية بارعة لها من الاثار الخيرة في حياة هذا الكوكب كالموهبة العلوية الفذة في تاريخ الأبطال ، فإن مواقف الأمام في سوح الجهاد وميادين النضال كانت بحق هي الركيزة

التي قامت عليها دنيا الأسلام ، وصنغت له تاريخه الجبار .

فعلي هو المسلم الأول في اللحظة الاولى من تاريخ النبوة عندما لعلع الصوت الألهي من فم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم هو بعد ذلك الغيور الأول ، والمدافع الأول الذي أسندت إليه السماء تصفية الحساب  مع الأنسانية الكافرة .

إن فوز الأمام في هذه المقارنة يعني أن له حقا في الخلافة من ناحيتين : -

(إحداهما ) إنه الشخص العسكري الفريد بين مسلمة ذلك اليوم الذي لم يكن قد فصل فيه تماما المركز السياسي الأعلى عن المقامات العسكرية .

( والاخرى ) إن جهاده الرائع يكشف عن إخلاط أروع لا يعرف الشك إليه سبيلا ، وجذوة مضطرمة بحرارة الأيمان لا يجد الخمود إليها طريقا .

وهذه الجذوة المتقدة أبدا ، وذلك الأخلاص الفياض دائما هما الشرطان الأساسيان للزعيم لذي توكل إليه الامة حراسة معنوياتها الغاية وحماية شرفها في التاريخ.

 

 

المـــرأة... وحـــق العـــمـــل

السيد محمد حسين فضل الله

يَعتبُر الإسلام المرأة إنساناً مستقلاً من الناحية القانونية كالرجل، وليس لأحدٍ أية ولاية عليها إذا كانت بالغة رشيدة، إلا في ما تتنازل هي عنه بقرارٍ شخصي على أساس التعاقد

وعلى هذا الأساس، فإننا لا نجد للزوج سلطةً على زوجته في أن يمنعها من العمل، من حيث طبيعة العمل. ولكن المسألة تتخذ مجالاً آخر إذا اقتضى العمل خروجها من البيت. هنا تختلف الاجتهادات، فهناك اجتهاد لا يجيز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها من غير إذنه. وهذا هو الاجتهاد الغالب لدى الفقهاء. وهناك اجتهاد آخر يراه بعض الفقهاء ـ ونحن نوافقه على ذلك ـ ومفاده أن لا مانع من أن تخرج المرأة من بيت زوجها بغير إذنه، في ما لا يتنافى مع حقِّه الزوجي الخاص في العلاقة الجنسية.

ويمكن للمرأة أن تحتاط لنفسها في هذا المجال، إذا أرادت أن تبقى في عملها بالاتِّفاق مع زوجها، بأن تشترط في نص عقد الزواج أن يكون لها الحق في ممارسة عملها أثناء الحياة الزوجية، كما كان الحال قبلها. فإذا اشترطت ذلك لنفسها فليس للزَّوج أن يمنعها منه.

من خلال ذلك نفهم أن الزوج ليس له أن يمنع زوجته من أيِّ عملٍ محلَّل شرعاً إلاَّ من خلال طبيعة ما يقتضيه هذا العمل من خروج المرأة من بيتها، باعتبار لزوم استئذان الزوج، إما مطلقاً أو في ما ينافي حقه.

وفي مثل هذا المجال، فإننا لا نجد سلطةً للأب في أن يمنع ابنته البالغة الرشيدة من العمل، إلاَّ في الأمور المتعلقة بدائرة الإشفاق الأبوي على الولد. وهذا أمر يستوي فيه الابن والبنت، في تلك الأوامر الإشفاقية التي يكون عصيانها إساءةً للأب وعقوقاً له، في ما يتعلق بالجوانب الحياتية التي تمثل جانب الخطر على حياة الولد، سواء أكان رجلاً أم امرأة، فهي مستقلة عن أبيها استقلالاً كاملاً في كل شيء، كما هو مستقلة عن أي إنسان آخر، مع التحفظ الذي ذكرناه بالنسبة إلى الأوامر الإشفاقية.

وإذا كان بعض الفقهاء يرى أنه لابدَّ من استئذان الأب، في زواج الفتاة العذراء، فليس ذلك داخلاً في باب الولاية، بل هو حكم تعبدي من وجهة نظر هذا الاجتهاد الذي قد تخالفه اجتهادات أخرى ناشئة من بعض المصالح المختلفة في تحييد الفتاة من الوقوع في تجربة صعبة، نتيجة قلة خبرتها أو ما إلى ذلك.

أمَّا بالنسبة للزوج، فمن الطبيعي أن يقيد عقد الزواج حرِّية المرأة، انطلاقاً من أنها تتنازل عن حريتها بموجب هذا التعاقد. ومن الطبيعي أننا عندما نقول إنه ليس للأب أن يمنع ابنته من العمل، وليس للزوج أن يمنع زوجته من العمل إلا في نطاق التحفظ الذي ذكرناه، فإننا نتحدث عن ذلك في الأعمال الشرعية في هذا المجال. أما إذا أرادت المرأة أن تقوم ببعض الأعمال المنافية للشرع فللأب وللزوج، وأيّ إنسان، أن يمنعها. لكن ليس من خلال سلطة الأب والزوج بل من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يمكن منع الرجل من هذا العمل المنافي للأخلاق في هذا الاتجاه.

عمل المرأة الرسالي

يطالعنا القرآن الكريم بنداءات كثيرة تدعو الإنسان إلى أن يتحمل المسؤولية المرتبطة بالحياة، على مستوى حركة الرسالة وعلى مستوى حركة المجتمع، وفي مواجهة التحديات التي يمكن أن تنطلق لتحاصر الرساليين في أداء رسالتهم، والنَّاس في حرِّيتهم، وفي قضاياهم المصيرية العامة. إننا نجد في أن القرآن الكريم في نداءاته لا يفرق بين الرجل والمرأة. وعندما نقرأ كل النِّداءات التي وردت بعنوان: يا أيها الناس، أو بعنوان: يا أيها الذين آمنوا، فإننا نفهم منها النداء الموجه إلى كل الناس وإلى كل المؤمنين من دون فرق بين الرجل والمرأة.

ولعلنا نستطيع أن نستوحي ذلك، ولو من بعيد، في تأكيد القرآن الكريم، عند تعرضه للثواب الذي يعطيه الله تعالى للعاملين في خطِّ الصالحات، فإن هناك تركيزاً في أكثر من آية على تحديد اسم الذكر والأنثى؛ الأمر الذي يوحي بأن كل ما تصدق عليه صفة عمل صالح، فإن المرأة معنيةٌ به كما الرجل معني به. وإن الله يثيبها عليه كما يثيب الرجل على ذلك. من خلال ذلك نفهم أنّ القضايا العامَّة في الإسلام مشتركة بين الرجل والمرأة في حركة المسؤولية، تبعاً للطاقات التي يملكها هذا الفريق أو ذاك، إلاّ ما نص عليه الإسلام. ومن ذلك الجهاد الذي أعفى المرأة منه، ولكنه لم يُحرِّمه عليها، بل ربما رأينا في أحاديث السيرة النبوية أن المرأة تقوم بدور في الجهاد. فكان لها دور المسعفة والممرضة والساقية للعطاشى، وما إلى ذلك من الشؤون التي تتعلق بتلبية حاجات الجهاد والمجاهدين قبل المعركة وأثناءها وبعد انتهائها. إننا نعتبر أن المسؤولية عامة إلا في ما استثناه الإسلام. ومن ذلك الأعمال التي نصت الشريعة على أن تخص بعضها بالرجل، كالقضاء والولاية وما إلى ذلك من الأعمال. نستطيع أن نستوحي ذلك مما جاء في قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (سورة التوبة/ الآية 71)؛ حيث اعتبر الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر مسؤولية النساء والرجال معاً. إننا قد نجد تأكيداً على مسألة دور المرأة الأساسي في تربية الأطفال وفي رعاية الزوج وفي إدارة الحياة الزوجية. ولكن ليس معنى ذلك أن هذا هو دورها الوحيد، فنحن، مثلاً، في المقابل، قد نلاحظ أن الله كلف الرجل بأن يؤمِّن قوت عياله وبأن يسعى من أجلهم، وبأن يحصل الرزق، وما إلى ذلك. ولكن هذا ليس هو دور الرجل الوحيد، كما أن دور المرأة أن تكون ربة البيت ليس هو دورها الوحيد. فللمرأة ساحة واسعة تستطيع أن تقوم فيها بمسؤولياتها، في ما يمكن لها أن تتحمله من مسؤولية في نطاق ثقافتها وفي نطاق طاقتها الاجتماعيَّة التي تملكها، بحيث يمكنها أن تصل إلى نتائج كبيرة في ذلك، كما هو دور الرجل في الساحة العامة خارج نطاق مسؤوليته العائلية.

فإنسانية الإنسان: ذكراً كان أم أنثى تتسع لكل جوانب الحياة. إن الإسلام لم يلغِ إنسانيَّة المرأة، ولم يعفِ المرأة من مسؤوليتها.

فنحن، عندما نواجه المسألة من النَّاحية الشرعية الخاصة، نرى أنه إذا كانت المرأة تعرف أنها تستطيع أن تهدي جمهوراً من النساء أو من الرجال، فإنه يجب عليها أن تقوم بذلك في دائرة إمكاناتها الطبيعية والواقعية، حتى إنها إذا كانت تستطيع توسعة هذه الإمكانات، من دون أن تضغط على ظروفها، فإنَّه من الواجب عليها أن تفعل ذلك. وربما تكون المصلحة في أن يكون القيام بهذا الدور الثقافي من بعض مسؤولياتها الخاصة، بحيث تتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في بعض الحالات. وهكذا نجد أن المرأة تستطيع أن تواجه كل المواقع العملية المتصلة بالرسالة وبالحياة، والمتصلة بالمجتمع بشكل عام، في ما يمكنها أن تقدمه، سواء على مستوى القضايا الإلزامية التي يجب عليها القيام بها أم على مستوى القضايا غير الإلزامية التي يستحب لها القيام بها.

علينا إذن أن ندرس المسألة من خلال النظرة الواسعة التي نستوحيها من دور الإنسان في الحياة، في ما أراد الله تعالى له أن يقوم ببناء الحياة على أساس الخلافة العامة التي تأخذ من كل إنسان طاقته. فعلى كل إنسان أن يبذل طاقته في المجال الذي يستطيع أن يحركها فيه.

إنَّ الفكرة التي تحبس دور المرأة في نطاق خاص، أو تحبس دور الرجل في نطاق خاص، هي فكرة غير عملية وغير صحيحة. وقد اعتاد الناس على أن يجعلوا لكل إنسانٍ دوراً بحسب اختصاصه. كما نلاحظ أن الناس، في بعض المجتمعات الإسلامية، يحصرون دور الفقيه في العمل الفقهي، ولا يريدون له أن يتدخل في الأعمال الاجتماعية أو السياسة من خلال النظرة التي ترى أن الدِّين لا يتدخل في السياسة. وربما يأخذون على المهندس أن يتدخل في القضايا الخارجة عن اختصاصه إذا كانت لديه إمكانات في تحريك حياته. في هذا الاتجاه. إننا نعتقد أن كل إنسان يملك طاقات متنوعة ومتحركة ينبغي له، وقد يجب عليه، أن يحركها بأجمعها لحياة الناس كلها بحسب طاقاته وإمكاناته. وهذا بالنسبة للمرأة قد يكون طبيعياً، لأن لها المجال الواسع في ذلك، إذا أحسنت إدارة وقتها واستغلاله كما هو بالنسبة للرجل. لأننا نجد أن كثيراً من الأمور التي تستهلك حياتنا يمكننا أن نختصرها وحتى أن نلغي جزءاً منها.

 

 

الاســـلام فـــي مســـيرة التنميـــة

لوي غارديه/ محمد أركون

ترجمة: علي المقلد

إن ايديولوجية التنمية تكرّس تناقضاً واضحاً نوعاً ما مع نمط التأريخية المقرر من جانب الأديان، وعلى العموم، من قبل الثقافات التقليدية. إن الفكر لم يعد يكتفي "بتفسير العالم"، بل قرر تحويله: إن النظرة الواقعية والعلاقة المعاشة مع الواقع هما اللذان يتغيران. قد يجد المسلمون الداعون إلى الحداثة أننا نبالغ في اعطاء الأهمية للخط المتشدد الذي يمثله المناضلون المنادون بالعودة إلى الجذور. ونكرر القول بأن هدفنا لم يكن درس فكر المنادين بالتكامل كفكر، بل هو استخلاص الثوابت التي تقوم عليها الشخصية الإسلامية الركيزية، من خلال الخطاب الاسلامي الأكثر فاعلية اجتماعية والأقل مدعاة للاعتراض عقائدياً.

ولتوضيح حالة مبهمة، مشوشة نذكّر بأهم التعابير أو الحدود المطروحة حالياً في مشكلة التنمية، ونحاول فيما بعد وصف العلاقات الحقوقية والعلاقات الواقعية بين الاسلام والتنمية.

1- الاشكالية التنموية

إن التجربة التي عاشتها المجتمعات الأكثر تطوراً تثبت أنه انطلاقاً من حدٍ بنيوي جديد، تبدو كل النماذج التنموية، غير كافية وحتى خطرة، وقد ساعدت أزمة الطاقة أكثر من كل النظريات "العلمية" على اغناء المشاكل الانمائية. في الغرب الليبرالي، ارتبطت النماذج والممارسات التنموية، حتى الستينات، بمفاهيم القرن التاسع عشر أكثر من ارتباطها "بالنظام العالمي الجديد" الذي بُدءَ بالكلام حوله. والنماذج الاشتراكية لا تقل عجزاً _رغم فعّاليتها الكبيرة _ خصوصاً عندما يُنظَر إليها من ناحية كلفتها البشرية.

في مواجهة النموذجين الأكبرين المتزاحمين، تحاول المجتمعات الاسلامية أن تفرض "الخصوصية النوعية" وعلو المكانة "الاسلامية" التي تدمج بين المشروع الحر واحترام الملكية الخاصة، وعدالة توزيع الثروات بين الجميع (بفعل منع الفائدة) والغائية الروحانية الكامنة في كل عمل بشري (إذ كل شيء ملك لله والانسان يحمل مسؤولية الافادة من ريع الأموال التي تقع بين يديه من أجل خدمة الجماعة. هذه الرؤية النظرية، غالباً ما تعرض في أدب غزير حول موضوع: "الاسلام والاشتراكية"، "الاسلام والرأسمالية"، "العدالة في الاسلام". الخ. وتذكر نفس الآيات ونفس الأحاديث إلاّ أنه قلّما تجري المقارنة بين المبادىء المغرية حقاً، والواقع الاقتصادي المعاش في كل بلد، ولا يجري أيضاً التوغل في درس الظروف المحددة _في عالم كعالمنا الحاضر _ لامكانية وجود نظام تقوم وتستمر فيه علاقة عادلة بين حدود ثلاثة: الضغط السكاني، الموارد المتاحة، أو الممكنة، والتوزيع.

2- الاسلام والتنمية

لقد احتكرت الأديان حتى الآن امتياز مراقبة سرد أحداث التاريخ. لقد حددت نظاماً للعالم وذلك بأن حددت للانسان مكانة ومسؤولياته. وقد تترجم هذا التحديد وهذا الاحتكار بمعانٍ مستقرة أسست وبنيت على جذور "اونطولوجية" أي على احساس بالطمأنينة إلى استمرارية وصلاح العمل الانساني المتمشي مع "التعاليم الإلهية”.

والاسلام الذي يُقدَّمُ "كدين ودنيا" _أي بمثابة نظرية وتطبيق تاريخي _ مستهدف بصورة خاصة بالانشقاقات التي تتعمّق وتتكاثر. إن القيمين على التراث الحي يتكلمون (ولكن هل يتصرفون دوماً؟) كما لو أن الكيان المعرفي للدين المنزل الموحى به) يحتفظ، قانوناً، بمزاياه التجاوزية وبفوقيته التاريخية. وبالتالي فالقيمون يرفضون بشدة تسميتهم "دعاة الماضي" التي يطلقها بعض علماء الاجتماع عليهم، في مقابل "منظمي المستقبل". ومن أجل توضيح وضع دقيق ومغبش، من المهم إذاً تفحص علاقات الاسلام والتنمية في القانون وفي الواقع.

أ_العلاقات القانونية:

في المجتمعات الاسلامية التي استردّت استقلالها السياسي، نشاهد عودة إلى الممارسات وإلى النظم وإلى التجمعات الاسلامية. وأغلب الحكومات خصصت وزارة بعينها للشؤون الدينية. والاتجاه الديني المحافظ يتأكّد في كل مكان ويبرز بوضوح أكثر مما كان يفعل في زمن كان الفكر الليبرالي، العلماني المتعقلن يجد مدافعين عنه، من الدرجة الأولى، أمثال طه حسين وأحمد أمين، وسلامة موسى الخ. وننتقل بهذا، وبسهولة من النهضة الاجتماعية السياسية إلى عودة التأكيد على حقيقة ميتافيزيقية تعود أخيراً إلى حقوقها المغتصبة "بالغزو الفكري الغربي". ولا تُرفضُ المنجزاتُ الايجابية للفكر الليبرالي. ولكن يتم التركيز على النقص فيها، وعلى المثالية، وعلى السذاجة، وخصوصاً على التسويات المشبوهة مع الايديولوجية الاستعمارية التي ينادي بها المغتصبون.

إن تراجعات طه حسين وأمثاله في الخمسينات، وسكوت الكثير من المثقفين أثناء صعود الحركة الناصرية، وانتشار الكتابات "الثورية" التي لا تقل رومانطيقية واستلابية عن كتابات البورجوازيين الليبراليين من أيام "النهضة"، تدل على معطى أساسي هو: أن المجتمعات المسلمة خضعت لعنف بنيوي متزايد بفعل العوامل الداخلية والخارجية مجتمعة. إن شروط التحليل الواقعي، الجدي مع النفس، العاري من أي حسابات ايديولوجية، لهذه العوامل لم تتحقق بعد. إن مهمات التنمية الاقتصادية، كما الصراعات من أجل التحرر السياسي، تجعل الأفضلية لفضح العدو الامبريالي، على التحليل الانتقادي للتناقضات الداخلية المتراكمة منذ ثلاثين سنة.

من هذا نفهم لماذا إن العلاقات الحقوقية بين الاسلام والتنمية يجب أن تشكل بالنسبة إلى الفكر الاسلامي القائم، مجال بحث أفضل.

بالنسبة إلى المؤمن، جوهر الانسان كامن في العلاقات بين المخلوق والخالق، الطاعة والأمر، وغرور الحياة الدنيا وكمال الحياة الآخرة الخالدة هذه العلاقة تنتظم نظرياً بعلم الأصول: الأصول التي هي في أساس كل فكر، وكل قرار، وكل سلوك تاريخي يسلكه المؤمن. هذا العلم يطرح أفضلية وأسبقية علم القواعد، وعلم المنطق السليم، على التاريخ، والوحدة والاستمرارية والدلالية "للكتب"، وتنظيم العالم والتاريخ بفضل منطق التضمين، (داخل نظام المعتقدات)، والاستثناء (نظام الانكار) والتكريس والتقديس، والتسامي بالمبادرات الانسانية الأكثر ضعة.

ب_العلاقات الواقعية:

في كل المجتمعات المسلمة المعاصرة، يعمل عدد من المعطيات القديمة والجديدة على سيادة العلاقات الواقعية فوق العلاقات القانونية، في ما بين الدين والتنمية، وليس بالامكان اعطاء وصف دقيق لهذه المعطيات في كل مجتمع. إنما من الممكن تجميع بعض الملاحظات حول الوضع العام.

ننظر، بادئ ذي بدء، إلى الضغط الديمغرافي، لأنه يجعل دون جدوى، الجهود الأكثر تقدماً، والأكثر "ايغالاً في الاشتراكية" من أجل تحسين النوعية المادية والثقافية لحياة الطبقات الشعبية.

في مثل هذا الاطار، يؤمن الدين التقليدي وظيفة فريدة من حيث التوازن السيكولوجي الاجتماعي. ولكن بمقدار ما توظّف السلطة السياسية هذا الدين لغايات سياسية يقع الالتباس بين القصدية الروحية والغائية الايديولوجية. وينتج عندئذ تمزق فعلي في الوجدان الديني المرتبط بلغة تقليدية وببعض الطقوس التقليدية، إلاّ أنه يصرف كل حماسة في أعمال تاريخية آنية، محتملة وبالتالي منفصلة عن "تاريخ الخلاص" الذي بدونه، كما في القرآن، لا يوجد سلوك روحاني قويم.

ومن الجدير بالتوضيح الدور المتصاعد للبنية التقنية من وجهة النظر التي تهمنا. والمخططون سواء كانوا خبراء أجانب أم مسؤولين وطنيين، وكذلك المهندسون من كل اختصاص يتميزون، بتكوين تقني مثاله الأعلى ماثل في معهد ماساشوست التكنولوجي. هؤلاء "المتمسكون بالعلم" يقررون بطمأنينة تتعارض مع التواضع، ومع الشكوكية اللذين يعتريا الباحثين في مجالات العلوم الانسانية. إنهم لا يتصرفون فقط في الحاضر. إنهم يفكرون المستقبل وكأنه مجموعة اجراءات تقنية ومنتجة، حابسين الأجيال القادمة ضمن مسارات ضاغطة. والمؤرخ للاسلام، وعالم الاجتماع، والفيلسوف، واللاهوتي ليس لهم أيّ نصيب في هذه البرمجة لمصير الانسان. بل إنهم عرضة للهزء لأن أعمالهم تعتبر "غير ذات فائدة". هذا الوضع يدل عليه نجاح أيّ كتاب ينشره "رجل علم" حول المسائل الدينية: اثبات أنّ الاسلامَ يتفقُ مع العلم يُصَدقُ أكثر عندما يقوم به مهندس أو طبيب. الواقع أن "رجل العلم" المزوّد باحساس ديني، يتكلم عن الدين بحماس عفوي مثله مثل كل الذين هم بعيدون عن المعرفة التاريخية والفلسفية واللاهوتية.

إن التفوق الاجتماعي والسياسي لجماعة التكنوقراط، على أهل الفكر يتأكّد كل يوم أكثر بفعل الانشقاقات التي تتكاثر عند كل المستويات في العالم الرموزي semiotique المرتبط بالاسلام. وقلّما تدعو الضرورة للكلام عن تحول اللغات الاسلامية إلى لغات تقنية مقتبسة عن اللغات التكنولوجية الكبرى، دون أن تمرّ بالمسارات الفكرية التي تؤدي إلى اكتشاف المفهوم، وإلى لغة في الحياة اليومية تحيل إلى نواحي جزئية من واقع شامل محطم.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق