الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (886) الاثنين 13 ذي القعدة 1430 هـ/2 تشرين الثاني 2009

الثقافية

فضاءات ثقافية

رائعة وردة من دماء للشاعر الدكتور حسين على محمد

د. نادر أحمد عبد الخالق

يقول الناقد العربى الكبير عبدالقاهر الجرجانى فى معرض حديثه عن المجاز. الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده .. وضرب آخر أنت لاتصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذى يقتضيه موضوعه فى اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. واللغة تعبير ووجدان ومن بين التعبير والوجدان يخرج الأسلوب مصورا صاحبه ومقدما عوالمه الذاتية وكاشفا عن ثقافته وملامحها وتكوينها ومركباتها وكما كولراد "يصبح الأسلوب تعبيرا عن الموهبة الذاتية. وهنا تمر اللفظة بمراحل من التحول عند استخدامها فى المجاز حيث تصبح تعبيرا عن التجربة والموقف الذى يريده الشاعر والكاتب على السواء. وفى ذلك يقول د. صبحى البستانى: لغة الكاتب هى تعبير عن هذا الموقف ومن خلال كل ذلك تغدو اللغة الأدبية المجازية " تعبيرا عن أفكار وإحساسات الأفراد إذتمتزج بهم ومن خلالهم عن نفسية شعب وعاداته وتقاليده عندها لايمكن التعرف فى اللغة على أشكال لغوية مشتركة وموجودة مسبقا فى المعجم، الحياة واللغة يشكلان وحدة متماسكة. "لذلك فإن التأويل المباشر للعنوان يحتاج إلى تفسير دقيق ليس للمردود اللفظى فقط وإنما لمجموعة العلاقات التى نشأت من هذه التركيبة الدقيقة التى تكون منها هذا الرسم الانحرافى تماما والذى يجمع بين أمرين: الأول فقدان الدلالة الاولى القريبة المعروفة لكلمتى "وردة – دماء" والمعنى القريب للحرف " من " وهنا يصبح البحث أمراً لا مفر منه، البحث عن الدلالة الجديدة التى فرضها التركيب، والتى سيبنى عليها النص، وتتحدد معالمه حتى النهاية، حتى نستطيع قراءة الصورة قراءة واعية صحيحة خالية من العبث والاغتراب. ونستطيع معرفة ثقافة الشاعر وصدقه فى التعبير. وبداية نتوقف عند كلمة "ردة" توقفا ضروريا استكشافيا، فالدلالة الأولى المعجمية لا تكفى لبيان حال اللفظة فى هذا الموضع الافتتاحي، وهو عنوان القصيدة كذلك لا ينسجم المعنى عند إضافتها للماء، ولايعطى فائدة، أو طاقة تعبيرية تصويرية مرئية ، اللهم إلا الدلالة الشمية والجمالية للوردة، والعلاقات التراثية العرفية المتداولة بيننا جميعا ،وحتى يسقيم المعنى الجديد يجب البحث عنه، ولكى تتم عملية البحث هذه بدقة يجب أن تدور فى علاقات ثلاثة.

العلاقة الأولى: المعنى الحقيقى وقد عرفناه وهو المعنى المتعارف عليه مسبقا.

العلاقة الثانية: وهى المفهوم القريب من ذاتية الشاعر وموهبته التى أفضت إلى هذا التركيب البيانى المنحرف عن معناه الأصلى، وهى هنا ذات دلالة ثابتة، إذ تعين القصد مباشرة، من أن الشاعر سيطوف بنا عبر عالم من إنشائه وليس عالما من مخزوننا وما تحمله الذاكرة، مما يجعل عملية الإبداع لها خصوصية التغلغل فى المتاح وفى غير المتاح على المستوى الإصلاحى النفسى، وعلى المستوى الاجتماعى.

العلاقة الثالثة : وهى العلاقة التى فرضها المعنى المجازى الجديد

وردة ــــ دلالة الصورة الشمية الجمالية (المشبه به) ويمكن تسميتها بالدلالة الخارجية.

وردة ــــ دلالة الرؤية الشعرية وعلاقة ذلك بالتجربة عند الشاعر، ومدى تطبيقها أومدى تراجعه فى ذلك ، ويمكن تسميتها بالدلالة الذاتية.

وردة ــ الدلالة الانتقالية للمعنى واللفظ ومن ثم إنشاء الصورة، ويمكن تسميتها بالدلالة المجازية.

من – دماء ــــ دلالة استعارية استثنائية يمكن تسميتها بثقافة الشاعر.

 بالإضافة إلى الهيئة التى وردت عليها الكلمة لغويا.

والحقيقة أننى سأكتفى فى ذلك بالهيئة اللفظية الإنكارية حيث وردت الكلمة نكرة غير معرفة وذلك يعطيها صفة العموم والشمول فى بنى جنسها ، ولايخصها بوردة معينة ،ذات خصوصية معلومة، وتلك دلالة جديدة على شمولية المجاز ، وعلى شمولية التصور"المشبه والمشبه به"، ومدى ثقافة الشاعر الفطرية المتأصلة وليست المكتسبة. كذلك إضافتها تخصيصا إلى الدماء والصعود مباشرة إلى قمة المجاز والاستعارة والانتقال من التمثيل الحسى المباشر إلى التمثيل المعنوى الوجدانى، مما يؤكد الانحراف وأن هناك علاقات قادمة من هذا التركيب خاصة إذا اعتبرنا أن الجملة " وردة من ماء" هى جملة تأمل واستعطاف ، مبنى على تقدير حذف المنادى والأصل:

يــا ـــــــــــــ وردة مـن دمـاء

تكلمى    بو حى

وهذا التأويل يفتح المجال أمام الحوارات الداخلية والمنولوجات التى تختفى وراء التراكيب والألفاظ، وهنا تتحقق العلاقة والدلالة الانحرافية إذا اعتبرنا أن الملاءمة المعنوية بين أداة النداء وبين الوردة لا يمكن تحقيقها؛ مما يجعل التأويل مفتوحا أمام مجموعة أصوات ربما تكون متداخلة فى النص لكنها لا تقل فى أهميتها عن المعنى الحقيقى المقصود من الكلمة واللفظ والتركيب.

 

 

منظومة القراءة -مفهوم الالم-

قراءة في مفهوم الألم تجربة الألم في حضارة وادي الرافدين

عزيز التميمي

لم يكن الألم مفردة غرائبية في مفهوم القارئ لنصوص إبداعية شكلت على امتداد حقبة زمنية طويلة سمة مميزة لشيء إسمه الثقافة العراقية أو التجربة العراقية في ميدان الثقافة ولا سيما نحن ندرك أبعاد العملية الإبداعية من حيث هي نحت في الواقع بتصورات المنطقي والمعقول وتوليف أحياناً بتصورات اللاوعي ، أو الاثنين معاً في استنطاق تراكمات حياتية تفاعلت فيها إحداثيات الروحي والعقلاني والخرافي وحتى الأسطوري المبني على تكهنات الأخيلة ذات البعد الميتافيزيقي ، ومن هذا المزيج الذي رصد حركة الحياة في بلاد الرافدين شيدت الرؤيا المفاهيمية لنتاج حضارة سبقت محيطها لتتجلى في فصولها إرهاصات المأساة متخذة من مفهوم الألم حالة تعبيرية عن نشاط فكري أُنتج كرد فعل لاستفزاز معين.

فجاءت طقوس الماء والطين في سفر أساطير الخليقة البابلية كاستجابات لنداءات الواقع وممارسات الحياة وتلبية في الوقت نفسه لرغبات الإنسان المتوحد مع إيقاعات الطبيعة في استقراء محيطه وبناء رؤى يعتقد إنها تنسجم وحالة التكوين التي يفهمها ، فإنسان وادي الرافدين أو بلاد ما بين النهرين على علاقة وثيقة ومنذ نشوء الخليقة بمفردات لها مساس مباشر بمشاعره وأحاسيسه ولا سيما عناصر الحياة المتكونة من مفردات الطين والماء والشجر والمعابد والآلهة والمرأة والرغبة الجسدية والولادة والموت والتي من شأنها أثارت في هذا الإنسان حس التهيؤ أو التأهب لمواجهة نتاجات هذا الخليط من صور متعاقبة للحياة في ظل بيئة محكومة بعوامل التطور الفكري خصوصاً بعد احتضانها لحضارات تعد الأعرق في سلّم الحضارات التي شهدتها الإنسانية ، ولهذا نجد أن مفهوم الألم في الثقافة العراقية يعبر بشكل دقيق عن عمق التجربة المنجزة وامتداد متواصل مع حالة من الإستحالات ابتداء من الملحمة السومرية التي شكلت علامة مميزة من الوعي تجاه تكوينات المجتمع البشري فكانت الألواح المكتوبة توجز حالة مرهفة من التأثر بعناصر البيئة إضافة إلى بروز حالة الهم المؤدي إلى إنتاج وسيلة التعبير المغايرة في تناولها للنسق الإشاري عن الحالة البدائية المتمثلة بالإيماءة والرقصة التي تحاكي الطبيعة ، فانحاز إنسان بلاد الرافدين إلى مؤازرة شعوره إزاء حركة القصب والبردي والنخيل والموسيقى التي تولدها الريح من خلال مرورها في تشابكات الأغصان إلى تدوين تصوراته في حكايات وأساطير تجنح أحياناً الى المثالية التي تؤسس مفاهيم ملتزمة بعيداً عن حالة الهمجية والبدائية ، أي كان إنسان بلاد الرافدين مسكوناً بهم التعبير عن ذاته ضمن تشكيلات حياة تتسم بالتنظيم والمؤسساتية التي سميت بالحضارة فيما بعد ، فكان الألم يأتي مفردة قابلة للتدوين ضمن مؤثرات تفرض على الواقع حالة الاستجابة لا الإهمال.

ونتيجة لتطور مفهوم الإنسان تبعاً لتطور منظومته الفكرية بفعل عوامل التأثر ورد الفعل والتأمل أحياناً كانت الرؤيا تأتي معبرة عن تبريرات إنسانية للوجود والاستمرار والتفاعل ، وحينما نستقرئ واقع يتشكل من هكذا مفاهيم نستطيع أن نميز حالة الألم كقيمة منتجة توازي حجم المؤثر ، حتى عندما يستحيل الألم جحيماً نتيجة لفقد عنصر التوازن بين الخير والشر نشعر أن مفردة الجحيم لم تكن مفتعلة أو مقحمة في جملة تصورات تسمي حالة التعبير عن التأثر ، وبعد نشوء مجتمع حضاري نمت فيه وبشكل واضح مفاهيم التعبير عن حالة الوعي نجد أن العامل الحسي الذي ساهم في تصوير بل في تأكيد حالة القهر الموجهة ضد الإنسان من خلال وعي دقيق بجملة مفاهيم تخص الخير والشر يكمل اليقين ببنية مجتمعية استثمرت عناصر الطبيعة في إنشاء مفاهيم قادرة على تفكيك الواقع واستقرائه برؤية شمولية وتحليلية وانعكس ذلك في أدب بلاد الرافدين الذي جاء غنياً بمعالجاته لحالات الحزن التي امتزجت وتكوين الشخصية لابل ساهمت كثيراً في تدوير بعض سمات هذه الشخصية فجاء الألم بعمق التجربة ، فجلجامش الذي جنح إلى فكرة الخلود إكتملت في ذاكرته فكرة الخوف من الموت والفناء وعدم الاستكانة لحالة من اللاجدوى التي صارت تلح عليه ، وكاستجابة لقناعة أفرزتها قواه الفكرية أخضع رغباته وقدراته لمفهوم صارم أنتج ألماً استثنائياً انعكس في حب عشتار الذي تبلور فيه تداخل الواقعي بالأسطوري من خلال عبثية مارستها الآلهة ضد أسوار أوروك ، ولم تكن فكرة الموت هي الفكرة الوحيدة المهيمنة بل كانت فكرة العذاب هي الأخرى تجد لها صدىً في تصميم منظومة مفاهيم الألم ، فالثور المجنح ما هو إلا أداة استخدمتها الآلهة لتدعيم فكرة العذاب والانتقام بعد أن تسامق الحب في قلب عشتار والذي جاء معبراً عن حالة إنسانية واعية ومتيقضة لتداعيات نوازع النفس الإنسانية آنذاك ، فبعد تجلي ماهية عناصر الخير والشر وإخضاعها لشبكة من الرؤى والتأملات صار الألم يمثل حالة استغاثة عميقة إزاء انتهاك لقيمة مفرزة ضمن قيم الخير ومن هناك بدأ صراع إنسان بلاد الرافدين الذي أنتج تراكماً كان في جانب من جوانبه صوراً واضحة للألم وحتى الجحيم ، لذالك عانى تجربته بذاكرة متوثبة مستفزة لم تكن انتحال أو تمظهر لأنه يعي مبررات كينونته والأبعاد النفسية التي تعكسها تجربة الحضارة على الشعوب المجاورة التي كانت تمارس طقوسها ببدائية تقترب من الوحشية ، وبدافع من هذا الوعي انبرى الملك حمورابي إلى تدوين هذا التراكم لينتج منظومة مفاهيم جديدة تؤسس للعقلاني أكثر مما تسمح للحسي دون أن تلغيه ليحكم حالة التوازن بين عناصر الحياة كقيم احتمالية مثل قيم الخير والشر مما أوجد نمطاً جديداً من العلائق التي ارتقت بالإنسان العراقي وبطريقة تفكيره وتعامله بإحساسه بالموجودات وردود أفعاله إزاء نتاجات هذا التنظيم الذي أزاح بنية المجتمع بعيداً عن الغابة واللامنطقي فجاءت التجربة في ظل التنظيم أكثر إنسانية وأعمق في تصوير حالات التفاعل بين الإنسان ومحيطه ، وتجلت رؤية إنسان وادي الرافدين في التعبير عن ذاته بأسلوب متفرد من خلال حالة الحزن التي تعكس درجة الإحساس ، الحرص ، الخوف ، على مفاهيمه التي صارت تتعرض الى انتكاسات بين فترة وأخرى نتيجة تعرض هذا التكوين الحضاري لهجمات خارجية رصدتها الذاكرة العراقية من خلال نصوص إبداعية توجت فيها لمسة الحب العميق لأرضه وكيانه المتمثل بهذا النتاج الحضاري الذي اعتبره صورة مشرقة له ومقياس لرقيه وتطوره ، فحينما نقرأ الأساطير البابلية نشعر أن إنسان بلاد الرافدين مستفز تجاه أشياء كثيرة تتعلق بكيانه ونزواته ورغباته ، وفي كل الأسفار التي تلت نجد الإنسان العراقي يصارع فكرة الخنوع لحالة من التقوقع ويحاول دائماً أن يفترض وجود حالة من التساؤل إزاء قضايا كثيرة تخص الوجود والحياة وبنفس الوقت كان دقيقاً في تدوين الآثار ومخلفات الهزات التي تعرضت لها المؤسسة فارتقت كتابات الأدباء إلى حالة وجدانية صارخة عكست جانباً من المعاناة ، ولم ينس الإنسان العراقي وهو يتواصل مع فصول حياته أثر البيئة وتقاليدها وتراكماتها على حالته النفسية وعبثيته ورغباته ، فكانت الكلمات التي انتظمت في أهازيج شعبية تعكس عمق إحساس هذا الإنسان بقيمه الإنسانية التي تم الارتقاء بها من حقل الممارسات السادية الى حالة الممارسات التأملية التي تعكس الوعي المسبق والفهم الدقيق ، ونتيجة لاختلال التوازن بين عنصري الخير والشر في الفصول الزمنية اللاحقة وما نتج عنه من صراعات مثيرة شهدتها منطقة وادي الرافدين جعل من ذاكرة الإنسان العراقي أكثر استفزازاً للتعبير عن حالات الحزن التي تختزنها النفس الإنسانية ، إضافة إلى انتشار الإسلام في العراق أضاف للإنسان العراقي شيئاً من التمييز وذلك لتطابق الرؤى والمفاهيم من خلال دعوة الإسلام إلى ترسيخ قيم الخير ومحاربة قيم الشر مما وجدت تلك التعاليم صدىً في الذاكرة العراقية التي تعي ماهية تلك المفاهيم عبر منظومة تكوينية سبقت بآلاف السنين ، حتى وصف إقليم العراق فيما بعد بصفة العقل لما يتميز به من عمق في الرؤيا والتحليل نابع من عمق في الإرث الحضاري والإنساني وعلية لا نستطيع أن نقول أن إنسان الجزيرة كان قادراً على تدوين رؤاه بذات العمق الذي رأيناه في العراق ، لأن الصيرورة التاريخية لايمكن أن تتخطى مسميات المنطق والمعقول ومن هنا نؤكد أن الإنسان الذي لا يجيد القراءة والكتابة مثلاً لا يستطيع أن ينظِّر في اللغة وكذلك الإنسان الذي لا يملك مقومات التعبير عن كينونته لايمكن أن ينتج إرثاً يستطيع من خلاله أن يبرز سمات شخصيته ، ومن هنا جاءت النتاجات الأدبية في العراق محملة بدواعي التأمل ، ومترفة بتدوينات الألم التي اعتبرت حالة صحية من عدة نواحي ، منها حالة الرقي الفكري والإنساني التي من خلالها تم رصد إحداثيات الواقع المطعم بالاضطهاد والبؤس المقصودة من جهة وحالة الاستهداف التي تعرض لها المجتمع العراقي منذ نشوء براعم حضاراته ، فجاءت الفنون الموسيقية مغرقة في التراجيديا أحياناً وكذلك اللغة المسرحية التي جسدت حركة عناصر الألم والمعاناة وكذلك فن الغناء الذي نحى منحىً مأساوياً متأثراً بالبيئة ومكتسباً منها ، وتعتبر المراثي الحسينية من أكثر النتاجات التي جادت بها الذاكرة العراقية تأكيداً لحجم المأساة ة و تأكيداً لعمق الحس الإنساني إزائها.

لم يكتف الإنسان العراقي بتدوين حالات الألم والضغط التي تعرض لها كحالة من الاستهداف والقصدية ، استثمر إرثه لإنتاج منظومة مفاهيم حسية قادرة على التفاعل مع مرصودات الواقع بكل تجلياتها ، خصوصاً بعد شيوع هيكل المؤسسة وبروز تيارات خارجية تحاول استثمار هذا الهيكل في تحقيق مصالح ذاتية ، أمثال حالة الاستعمار الحديث الذي وظف المؤسسة لصالح أطماعه الذاتية ، لذلك نجد الذاكرة العراقية تنسجم وحضارية عمقها في تأكيد حالة الرفض بتقاسيم إبداعية مميزة سواءا في المنتج الأدبي أو الفني أو التاريخي متناولة حالات السلب والإيجاب ، مثل النمط الإقطاعي كإحداثي سلبي والتراكم التقاليدي القبلي ، إلى ظهور قوى مستبدة مدفوعة من التيارات الخارجية وكأسلوب من أساليبها ، كل هذا التراكم جعل من الألم مفردة متوفرة ممكنة الاستهلاك قابلة للتأويل والاستنطاق ، متمادية أحياناً لحد الجحيم الذي طال أكثر من مفصل من مفاصل التجربة العراقية ، ولا نستغرب إذا ما أنتفض الإله يا نكي في موسم ختام نومه وهو يرى مستنقعات الجنوب قد جفت وقامات النخيل دمرتها سرف الدبابات والقبور ملأت الأرض وصور آخر فصيل من رجال الكاوبوي تغزوا الحيطان لتكتب الألم بصورة أكثر التهاباً فوق ملامح الوجوه التي سمحت للسكوت أحياناً في حرث تجاعيدها كعنوان آخر للغة سريالية تنسج مفهوم الجحيم.

 

 

قصة قصيرة

دجـــلـــة

عباس عبد معله

وهو يعبر نهر دجلة كل صباح كان يردد في قرارة نفسه..

حييت سفحك عن ( قرب) فحييني

لأنه يعرف ارتباطه العميق بهذا الكائن الخرافي - النهر - الممتد طولاً من شمال بلأده حتى جنوبها , السائر بهدوء الواثق من نفسه .... وأذ تمرق به السيارة على الجسر بسرعة خاطفة فلاينسى أن يدير وجهه صوب الماء السائر الى الجنوب , وكأته يمنحه تحية الصباح .. أو ربما يرد عليى النهر التحية التي لم يستمع لصداها أحدٌ في السيارة سواه ... وربت عليه كان مشغولاً في قراءة كتاب أو صحيفة ولكنه كان يتوقف دائما حينما تمر سيارته فوق صدر النهر ليلتفت التفاتته الأعتيادية اليومية بأتجاه الماء , ثم يعود الى مشاغله وقراءاته وأفكاره , وكأنما هنالك جرس خفي في خافقه يرن لحظة تلامس الجسر بأطارات السيارة التي يستقلها  ينبئه بأن صديقه النهر ينتظر منه التحية.

حتى جاء اليوم الذي جلست فيه تلك الفتاة قبالته وسط الحافلة ... وأذ التقت عيناها بعينيه حتى شعر بتيار من مس أصابه من رأسه ليستقر في كل أجزاء جسده .. كانت دهشته , بقدر أضطرابه .. وكان هدوءها يزيد من تشتته بين العيون التي باتت تراقبه والعينين اللتين بات لايستطيع زحزحةعينيه عنهما.

غير أنها فاجأته بابتسامة وتحية:

- صباح الخير استاذ

- ص صب باح الخير

- أتتذكرني

عندها شرعت تسرد له كيف كان أحد أهم اساتذتها الذين مروا عليها في سني دراستها , وكيف انها كانت تنتظر محاضراته بلهفة وشوق , وبأن طريقة درسه مازالت عالقةً في تفكيرها , و ,و ...و  كان يستمع لها ويبتسم.. يبتسم لطريقة كلامها ... ويبتسم لكونه تعلق بطالبة كان هو استاذاً لها ومدرسا في سنوات خدمته في التعليم ... ويبتسم لأحساسه المفاجيْ بكهولته وهو يرى احدى طالباته الصغيرات وقد اصبحت فتاةً تخفق لها القلوب عشقا  وترتبط بها الأبصار لهفة.

وهو في ظل ابتسامته تلك , كانت قد اخذته من الاجواء المعتادة داخل الحافلة الى أجوائها  بحديثها العذب المتصل , وجملها الرشيقة ... منصتاً حيناً الى نبرة صوتها ... وناظراً حينا الى استدارة فمها ... ومنقطعا حينا الى أفكاره ووسوستها..

حتى اذا كانت المحطة الأخيرة للحافلة , وحين ترجل معها كان هذا السؤال المفاجيْ لها وله قد انطلق من فمه دون سابقة..

 لم تقولي لي .. مااسمك؟

- دجلة..

حينها تذكر أنه - ولأول مرة - كان قدعبر النهر دون ان يحييه ,وهذا موقف لم يمر به من قبل في سني حياته..

لكنه استدرك - في قرارة نفسه - ( باسما).

أن دجلة كان معي منذ انطلاق الحافلة حتى محطتها الأخيرة.

 

 

شظـــايـــا

جودت فخر الدين

(1)

طريق

طريق إلى بيتنا في الجنوب

سلكتهُ الحروبُ كثيراً

ونحن نُرمِّمه كل يوٍم

نرمِّم أعمارنا  فوقهُ

لنتابع سيْرَ الحروبْ

(2)

تين

شجرٌ نالنا منه كلُّ الوفاء

نشأنا على حبِّه

كان يقوى على يأسنا، كلّما نالنا اليأسُ

تصفرُّ أثمارهُ إذ يرى خوفنا

فنرى عطفهُ وصفاء سريرته

إنه التينُ، أصل الحديقة

تيْبس أغصانه

فيُفرِّخ جذعُ الحديقة من أصلهِ

إنه بهجةُ الصيفِ

يحملهُ، ويتيهُ به في النهار

وفي الليل يهمسُ في أذنه

فيُثير نسائمه

إنه التينُ، أصل الحديقة، بهجتُها

عندما جاءه القصفُ

أطرق مُنخطفاً، لا يقولْ

ثمّ أومأ للصيف

أن يتنكّر كالمتشرِّد بين الحقولْ

(3)

نحلة

نحلةٌ جثمتْ قرب حوض الزهور التي ذبلتْ

والطنينُ الذي أطفأتهُ الشظايا

تململ كالشوك، فوق الترابْ

(4)

ضباب

إلى من تحدّث ذاك الضبابُ؟

ضبابُ الوهاد التي تتنفسُ فجراً

إلى من تحدّث حين أتى

وتبيّن وجه القرى غائراً في حطام البيوت

التي انقبضت كالأجنةِ ؟ هل ضاع فوق الدروبِ

يحاول أن يتلاشى، فلا يستطيعُ ؟

ضبابٌ أضاع الجهات

أضاع وجوه القرى

وتقوَّض بين الحطام

تقوَّض مختنقاً مثل فجرِ الوهادْ

(5)

شرفة

شرفةٌ هزَّها العصفُ

كادت تنوءُ بأهوال ما شهدتهُ

ولكنها صمدت في مكانٍ لها مشرف

فتراءى لها السهلُ، والليلُ

والشجرُ المستباحُ، وعشب

يُقاوم في كلِّ منعطف

وتراءى لها الخوف، والبأسُ

واليأسُ، والأمل المتجدِّد

في كلِّ خوف، وفي كلِّ يأسٍ

تراءى لها كل شيء، ولم ترَ شيئاً

وظلّت هنالك، من حيث تشرفُ

تهفو لظلٍ، لغصنٍ، لطيرٍ

تحدِّق في السهل بين الشروق وبين الغروبِ

تحدِّق في الليل بين الغروب وبين الشروقِ

فلا السهلُ سهلٌ

ولا الليلُ ليلٌ

 تراءى لها كل شيء، ولم ترَ شيئاً

وظلّت تطل ُّ، وتهفو

يمرُّ بها زمنٌ عطلتهُ الحروب

فتعلو عليه

وتسبح في غيم وحشتها

شرفةٌ هالها العصفُ

لكنها صمدت في مكانٍ لها مشرفٍ

صمدتْ في الزمان المعطّلِ

ظلَّت تطلُّ، وتهفو، وتعلو

لعلَّ زماناً جديداً يلامسُ وحشتها العاليةْ

شرفةٌ تتقصى الحياة

فتصعدُ في برهةٍ نائيةْ

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق