|
فدك في التاريخ
الحلقة الثامنة عشر
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
(مقارنة بين مواقف الأمام عليه السلام والاخرين )
اقرأ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتاريخ الجهاد النبوي ، فسوف
ترى أن عليا هو الذيأدهش الأرض والسماء بمواساتهوأن الصديق رضى عنه
الله هو الذي التجأ إلى مركز القيادة العليا الذي كان محاطا بعدة من
أبطال الأنصار لحمايتهحتى يطمئن بذلك عن غوائل الحرب . وهو الذي فر يوم
احد
كما فر الفاروق ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت
في تلك الساعة الرهيبة التي قل فيها الناصر وتضعضعت راية السماء وبايع
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الشهادة ثمانية ، ثلاثة من
المهاجرين وخمسة من الأنصار لم يكن هو واحدا منهم ، كما صرح بذلك أرباب
التاريخ ، بل لم يرو له رواة المسلمين جميعا قتالا في ذلك الموقف مهما
يكن لونه
وإذن فلماذا وقف مع الثائبين إن كان لم يفر ؟ ألم يكن القتال واجبا ما
دام المدا فعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابلة العدو الذي أصاب النبي
صلى الله عليه وآله وسلم بعدة إصابات اضطرته إلى الصلاة جالسا ؟ !
ولعلنا نعلم جميعا أن شخصا إذاكان في وسط الصراح ومعترك الحرب فلن ينجو
من الموت على يد عدوه إلا بالفرار ، أو الدفاع بالاشتراك عمليا في
المعركة .
والصديق إذا لم يكن قد فعل شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب فمعنى هذا أن
عدوا وقف أمام عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه ، فهل أشفق المشركون
على أبي بكر ، ولم يشفقوا على محمد وعلي والزبير وأبي دجانة وسهل بن
حنيف ؟ ! وليس
لدي من تفسير معقول للموقف إلا أن يكون قد وقف إلى جوار رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وكسب بذلك موقفا هو في طبيعته أبعد نقاط المعركة
عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص في ا لجهاد يومئذ برسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم .
وليس هذا ببعيد لأننا عرفنا من ذوق الصديق أنه كان يحب أن يكون إلى
جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب لأن مركز النبي صلى
الله عليه وآله وسلم هو المركز المصون الذي تتوفر جميع القوى الأسلامية
على حراسته والذب عنه
وخذ حياة الأمام علي عليه السلام وحياة الصديق وادرسهما ، هفل تجد في
حياة الأول خمودا في الأخصلاص أو ضعفا في الاندفاع نحو التضحية أو
ركونا إلى الدعة والراحة في ساعة الحرب المقدسة ؟
فارجع البصر هل ترى من فطور ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر
خاسئا وهو حسير ) لأنه سوف يجد روعة واستماتة في سبل الله لا تفوقها
استماتة ، وشخصا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فيه
استعداد للخلود ما خلد محمد استاذه الأكبر لأنه نفسه صلى الله عليه
وآله وسلم ثم حدثني عن حياة الصديق ( رضي الله تعالى عنه ) أيام رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل تجد فيها إلا تخاذلا وضعفا في الحياة
المبدئية ، والحياة العسكرية ، يظهر تارة في التجائه إلى العريش ،
واخرى في فراره يوم احد وهزيمته
في غزوة حنين وتلكثه عن الواجب حينما أمره رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بالخروج تحت راية اسامة للغزو مرة اخرى في هزيمته يوم خيبر
حينما
بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاحتلال الوكر اليهودي على رأس
جيش فرجع فارا ثم أرسل الفاروق ( رضي الله تعالى عنه ) وإذا به من طراز
صاحبه حيث تبخرت في ذلك الموقف الرهيب حماسة عمر وبطولته الرائعة في
أيام السلم التي اعتز بها الأسلام يوم أسلم كما يقولون.
ورجع عمر مع أصحابه يجبنهم ويجبنونه فقال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم : إني دافع الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله
ورسوله لا يرجع حتى يفتح له
يشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز
صريح بعليه العظيم الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله
يا خليفتي المسلمين - أو بعض المسلمين - رضي الله تعالى عنكما أهكذا
كان نبيكما الذى قمتما مقامه ؟ ألم تتلقيا عنه دروسه الفذة في الجهاد
والمعاناة في سبيل الله ؟ ألم يكن في صحبتكما له طوال عقدين حاجز:
يحجز عن ذلك ؟ ألم تستمعا إلى القرآن الذي اسندت إليكما حراست والتوفر
على نشر مثله العليا في المعمورة وهو يقول : - ( ومن يولهم يومئذ دبره
إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم
وبئس المصير )
وقد توافقني على أن مقام الصديق والفاروق رضى عنه الله في الأسلام
يرتفع بهما عن الفرار المحرم ، فلا بد أنهما تأولا ووجدا عذرا في فرار
هما ونحن نعلم أن مجال الاجتهاد والتأويل عند الخليفة كان واسعا حتى
أنه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما متعمدا بأنه ( اجتهد فأخطأ ) عذرتكما
إن الحمام لمبغض وإن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت
طالب فكيف يلذ الموت والموت مطلوب ولنعتذر إذا كان فيما قدمناه سبب
للاعتذار وقد اضطرنا إلى ذلك الوقوف عند المقارنة الفاطمية وما تستحقه
من شرح وتوضيح.
الإســـلام..وثقافة تحرير العقل والفكر
يسري عبد الغني عبد الله
عندما نتحدث عن الإسلام وثقافة تحرير العقل والفكر، أو بمعنى آخر: منهج
الإسلام في تحرير العقل والفكر، يجب أن نضع في الاعتبار أنّ الإسلام
حرر الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وربّاه على حرية الفكر واستقلال
الإرادة، كما حرره من أصفاد الجهل وظلمته، لأن الجهل يقتل مواهب الفكر
والنظر، ويميت عناصر الحياة والقوة في الأفراد والأمم، كما أنه دعاه
إلى عدم طاعة الأهواء، والانقياد الأعمى. وعبر هذه السطور سنحاول أن
نوضح كيف واجه الإسلام
الحجر العقلي:
- في مواجهة الحجر العقلي:
لقد حرر الإسلام الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية
العمياء المقيتة، ورباه على حرية الفكر، واستقلال الإرادة، ليكمل بذلك
عقله، ويستقيم تفكيره، وتكتمل له شخصيته وإنسانيته، فإن كمال العقل،
واستقامة التفكير، واستقلال الإرادة، هي أسس صحة العقائد، واستقامة
التدين، ورقي الأخلاق، ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل
الذي يجب أن يجتنب، وقد أشار إلى ذلك رسول الله (ص) حينما قال: "ما
اكتسب رجل مثل فضل عقل، يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ضلال" [متفق
عليه].
فالإيمان لا يتم عند الإنسان، وكذلك الدين لا يستقيم، حتى يكمل العقل،
وقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى، وذلك من عدة زوايا:
- أولاً: البرهان أساس الإيمان
لقد جعل الإسلام البرهان أساساً للإيمان الصادق، والعقيدة الصحيحة،
وبين أن كل اعتقاد، أو عمل لا يقوم على دلائل الحق فهو مردود على
صاحبه، كما أنذر بشدة الذين يجادلون في الله، وفي آياته بغير علم، ولا
هدى، ولا كتاب منير.
يقول سبحانه وتعالى: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له، فإنما
حسابه عند ربه، أنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 17].
وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى، ولا كتاب
منير، ثاني عطفه، ليضل عن سبيل الله، له في الدنيا خزي، ونذيقه يوم
القيامة عذاب الحريق} [الحج: 8 - 9].
هذا، وقد وردت كلمة (برهانكم) في القرآن الكريم أربع مرات.
- ثانياً: ضلال القادة
وكشف الإسلام عن ضلال القادة الدينين، الذين انحرفوا عن العهود
والمواثيق المأخوذة عليهم، وافتروا على الله الكذب، وتاجروا بالدين
والعقيدة، وانتحلوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم إرضاءً
لأهوائهم، وتحقيقاً لمصالحهم الدنيوية، وإشباعاً لشهواتهم، وتلبيساً
على الناس في دينهم.
قال الله تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لنبينه
للناس، ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً،
فبئس ما يشترون} [آل عمران: 187].
وقال عز وجل: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من
عند الله، ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل
لهم مما يكسبون} [البقرة: 79].
ويقول جل شأنه: {ولا تقولوا لما تصفوا ألسنتكم الكذب هذا حلال، وهذا
حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب، لا
يفلحون} [النحل: 116].
وقال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل، وتكتموا الحق، وأنتم تعلمون}
[البقرة: 42].
- ثالثاً: الدعوة إلى الحق
كما دعا الإسلام البشر جميعاً إلى كلمة الحق، التي هي جوهر الخيرية،
والتي يستجيب لها كل ذي قلب سليم، وعقل رشيد، والتي لم يختلف فيها نبي
مرسل، ولا كتاب منزل.
قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، بيننا
وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً
أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران:
64].
- رابعاً: النظر في عوالم السماوات والأرض
لقد طلب الإسلام من كل ذي عقل، أن ينظر ويتأمل في عوالم السماوات
والأرض، وما فيها من الدلائل الواضحة على وحدانية الله سبحانه وتعالى
في ألوهيته، وربوبيته.
فعلى الإنسان أن ينظر إلى السماء التي فوقه، كيف بنيت، وكيف زينت، وإلى
الأرض كيف مدت، وكيف ألقيت فيها الرواسي، وكيف أنبت فيها من كل زوج
بهيج، وما هذا الخلق العظيم إلا تذكرة لكل قلب يشعر ويعي، ولكل عقل
يدرك ويفهم.
يقول تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت،
وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت} [الغاشية: 17] .
وعلينا أن نعي جيداً أن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل
والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله
تعالى من السماء من ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل
دابة، وكذلك تصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، كل ذلك
آيات لأهل العقل والرشاد، الذين يمشون في طريق النور والمعرفة.
إن الإنسان إذا نظر إلى نفسه، وعرف مما خلق، وأنه خلق من ماء دافق،
يخرج من بين الصلب والترائب.
وإذا نظر الإنسان إلى الأرض التي هي مصدر الحياة، ونظر إلى طعامه، يجد
أن الله تعالى بقدرته صب الماء صباً من السحب، ثم شق الأرض شقاً، فأنبت
فيها حباً، وعنباً، ورطباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق وافرة
الثمر،وفاكهة ومرعى، كل هذا متاعاً لنا ولإنعامنا، وبهذا التأمل
المقترن بالتدبر والنظر العقلي، يزداد الإنسان علماً ومعرفة، ومن ازداد
علماً ازداد إيماناً، ومن ازداد إيماناً ازداد رقياً وأخلاقاً وتحضراً.
لقد دعانا الله سبحانه وتعالى أن نمعن الفكر في هذا الكون الفسيح،
ونمعن النظر فيما حوى من موارد عديدة، وطلب منا أن نسعى لمعرفة أسراره
الكثيرة، وأسباب الحياة فيه.
قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} [العنكبوت: 20].
ويجدر بالذكر هنا أن قوله تعالى: {سيروا في الأرض} ذكر في القرآن
الكريم أربع مرات.
وقال تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تنظرون}
[الذاريات: 20].
- خامساً: الدعوة إلى استنهاض العقول
استنهض الإسلام العقول، ووجه الأفهام، وأيقظ الحواس، ونبه المشاعر،
وذلك بالتعقيب على بيان الآيات الكونية والتشريعية، وذلك بمثل قوله
تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الروم: 24]، وقال تعالى: {إن في
ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3]، وقال: {إن في ذلك لآيات لأولي
النهى} [طه: 54]، ونفس تعبير (أولي النهى) ورد في الآية (128) من سورة
طه أيضاً.
ويقول تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} [يونس: 67]، وقال: {ويبين
آياته للناس لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221]، وقال: {إنما يتذكر أولوا
الألباب} [الرعد: 19]، و(أولوا الألباب) هم أصحاب العقول الراجحة،
الفاهمة، الواعية، المدركة، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم (16) مرة.
- سادساً: نظرة الناقد البصير
لقد دعا الإسلام البشر جميعاً إلى أن ينظروا إلى ما يستمعون من أقوال
نظرة الناقد الواعي البصير، الذي يستطيع أن يقيم الأمور تقييماً عقلياً
سديداً، فيتبعون منها ما يدل على الحق ويهدي إلى الخيرية، وإلى
الرُّشد، هؤلاء هم الذين يستمعون إلى القول، فيسيرون على طريق الهدى،
ولما لا؟، وقد هداهم الله، لأنهم أصحاب العقول الراجحة.
قال تعالى: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين
هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب} [الزمر: 18].
- سابعاً: الذم للغافلين
لقد ذمّ الإسلام الغافلين المتبلدين، ونعى عليهم غفلتهم، وإعراضهم عن
دلائل الآيات الكونية التي يشاهدونها، ويرونها رؤية العيان، في كل
لحظة، وهم عنها غافلون، معرضون، هذه الآيات الكونية المعجزة تطالعهم
بدلائلها في كل الآونة، وهم كما يقال: لا حياة لمن تنادي !، وهم معرضون
عن كل آيات الله، ألم يسيروا في الأرض الممتدة،ليروا نعم الله التي لا
تحصى، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو أذان يسمعون بها؟، حقاً وصدقاً:
إن الأبصار لا تعمى، ولكن القلوب التي في الصدور، التي هي أساس المشاعر
والأحاسيس، هي التي تعمى.
هؤلاء الذين في غفلة وإعراض عن دلائل الله الكونية لهم قلوب لا يفقهون
بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم أذان صماء لا يسمعون بها، حقاً
أنهم كالأنعام، بل هم في غفلتهم أضل منها.
قال تعالى: {وكأ ين من آية في السماوات والأرض، يمرون عليها، وهم عنها
معرضون} [يوسف: 105].
- ثامناً: في مواجهة أسرى التقليد
لقد عاب الإسلام على أسري التقليد إعراضهم عن الحق الذي جاء به أنبياء
الله، ورسله، وجمودهم على إتباع ما وجدوا عليه آباءهم، وأجدادهم، وهم
إذ يرتكبون الفواحش باسم الدين، فهم يفعلون ذلك تعصباً للجمود والتبعية
العمياء المخالفة للعقل والمنطق السليم.
قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول، قالوا
حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا
يهتدون} ]المائدة: 104[.
وهؤلاء النفر من الناس إذا قيل لهم اتبعوا منهج ما أنزل الله، منهج
الهدي والرشاد، ردوا قائلين: بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا، حتى لو
كان هؤلاء الآباء لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.
وإذا فعلوا فاحشة، كرروا القول: بأن الآباء والأجداد كانوا يفعلون ذلك،
وكانوا يأمرونهم بها. وعليهم أن يدركوا جيداً أن الله تعالى لا يأمر
بالفحشاء، إنهم يقولون على الله مالا يعلمون!!، والله سبحانه وتعالى
يوضح لنا عاقبة التبعية العمياء ومدى جنايتها على الناس.
يقول تعالى: {يوم نقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله،
وأطعنا الرسولا. وقالوا: ربنا آنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا
السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب، والعنهم لعناً كبيراً} [الأحزاب:
66 - 68].
- تحليلنا لظاهرة التقليد الأعمى:
إنّ التقليد الأعمى أكبر شر يبتلى به الأفراد والجماعات، لأنه يميت
مواهب الفكر والإبداع والابتكار، ويقف حجر عثرة في طريق النظر الواعي،
والتفكير السليم، فهو يجمد قدرات الإنسان الفكرية، وطاقاته الإبداعية،
ويجعلها راكدة، آسنة غير متحركة أو متطورة.
إنّ التقليد الأعمى يجعل الإنسان لا يميز بين الحق والباطل، ولا بين
الصواب والخطأ، ولا يفرق بين التقليد في الخير والتقليد في الشر، ويحمل
أهله على الإعراض عن الحق، ومعاداة أهله.
إنه يدعوهم إلى الوقوف في طريق الإصلاح والمصلحين، ويدعوهم إلى الجمود
على العقائد، والمذاهب الموروثة، أضف إلى ذلك التعصب الجماعي لحمايتها،
وذلك لأن قيام العقائد على أساس الوراثة، وتقليد الآباء والأجداد دون
وعي وإدراك، يضفي عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها، وتصرفهم
عن التفكير السليم في صحتها، أو بطلانها.
إنّ التقليد الأعمى يدفعهم دفعاً إلي التعصب الجماعي لحماية المذاهب
والأفكار الموروثة، والإبقاء عليها، ومعارضة كل إصلاح جديد يخالفها أو
ينتقص من قداستها، حتى لو كان هذا الإصلاح أساسي وجوهري لخير الناس
وصالحهم.
وقد أشار القرآن الكريم إلي هذه الحقائق في آيات كثيرة كقوله تعالي في
شأن معاداة الأمم الماضية لدعوة رسلهم:
{وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير، إلا قال مترفوها: إنا وجدنا
آباءنا على أمة، وإنا على آثارها مقتدون. قال: أو لو جئتكم بأهدى مما
وجدتم عليه آباءكم؟، قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: 23 -
24].
وكان نفس الأمر في شأن معاداة قريش للدعوة المحمدية، فقد كان عجبهم أن
جاءهم منذر منهم، فما كان منهم إلا أن اتهموا محمد (ص) بالكذب والسحر
وسخروا منه أشد السخرية، مدافعين عن آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع،
رافضين طريق الهدى والرشاد.
- ما يترتب على التقليد الأعمى:
وهكذا - كما أوضحنا في الجزئية السابقة - يفعل التقليد الأعمى الضار
للأفراد والجماعات، والذي تقدس فيه المعتقدات القائمة على الوراثة، لقد
كان أهل قريش يعرفون الرسول الكريم محمداً (ص) معرفةً جيدة، بل يعرفونه
حق المعرفة، ويعلمون صدقه، وأمانته حق العلم، أضف إلي ذلك درايتهم
الكاملة بحسن أخلاقه، وطيب معشره، ولكن التعصب الجماعي القائم على
التقليد الأعمى وتقديس ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، حملهم حملاً على
أن يتعجبوا من دعوته، ويتنكروا لها، ويسخروا منه.
وهذه الحقيقة التي ذكرناها، مقررين إياها، وهي: أن قيام المذاهب
والعقائد على أساس الوراثة والتقليد الأعمى، دون درس أو تمحيص، يضفي
عليها هالة من التقديس الزائف، فالذي ينجم عن استحواذها على عواطف
الوارثين، انصرافهم عن التفكير الواعي السليم في فسادها وبطلانها،
وبالتالي يأتي تعصبهم الأعمى الجماعي من أجل حمايتها من كل دعوة
تخالفها، أو تنتقص من قداستها.
وقد علمنا الإسلام التسامح، وعدم التعصب، وقبول الأخر لأن الجميع في حق
الحياة سواء، كما علمنا احترام الرأي والرأي الأخر، والحوار بالتي هي
أحسن.
كما أن الإسلام يؤمن بالتعددية الفكرية، ويرفض أحادية الرأي، في نفس
الوقت الذي ينادي فيه بالأخذ والعطاء، والحوار المفيد بين الثقافات،
فقد خلقنا الله تعالى لنتعارف ونتفاهم، من أجل واقع أفضل للبشرية
جمعاء، ويكون ذلك عن طريق تبادل الأفكار والآراء، والمنافع والخبرات،
وليس عن طريق الصدام والخلاف.
إنّ الأمم والطوائف والجماعات التي تتمسك بالعقائد والمذاهب الموروثة،
رغم أنها لا تستند إلى نظر صحيح، ورؤية سليمة واعية، هؤلاء يكون مصيرهم
الجمود والتخلف والتأخر، لأن ما يتمسكون به لا يقوم على أساس من الحق،
وقصارى ما يعتمدون عليه هو التقليد القائم على التبعية العمياء، وتقديس
مواريث الآباء والأجداد، دون أدنى إعمال للعقل والفكر.
بين العنوان والمضمون
تختلف الأسماء من حيث انطباقها على المسمّى، وصدق تعبيرها عنه اختلافاً
كبيراً حسب الكيفية التي وضع بها الإسم عنواناً للمسمّى، والطريقة التي
أطلق فيها للدلالة عليه.
إذ قد يطلق الإسم تارة على المسمّى إطلاقاً إرتجالياً، بلا مناسبة
بينهما، ولا دلالة حقيقية في الإسم تدلّ عليه.. كما هو الحال في كثير
من الأسماء والعناوين والأوصاف التي نتعامل معها يومياً، ونلتقي بها
كثيراً..
مثال ذلك الشخص الذي نسمّيه خزعلاً.. فنحن بتسميتنا لهذا الشخص لم نراع
العلاقة الحقيقية بين الإسم الذي نطلقه على هذا الشخص، وبين الحقيقة
المتجسّدة فيه.. فخزعل في لغة العرب هو الضبع، ولا علاقة بين ذات
الإنسان وماهيّة الضبع.. ومع ذلك فنحن نطلق هذا الاسم على أفراد النوع
الإنساني، بلا علاقة حقيقة، ولا مناسبة بينهما.. فيكون اختيارنا لهذا
الاسم، واطلاقنا له اختياراً مرتجلاً، وإطلاقاً بلا مناسبة، ولا دلالة
حقيقة تعبّر عن ذات المسمّى.
وقد يطلق الاسم تارة أخرى على المسمّى، وقد اختير اختياراً دقيقاً،
ووضع وضعاً صادقاً بشكل يجعل من المسمّى أو المضمون والمحتوى المندرج
تحت هذا الإ سم، أو المصطلح، حقيقة كلّية تنطوي في صيغة هذا الاسم
والعنوان، وتكمن في أرجائه.
وهكذا فعل القرآن حينما اختار اسم "الإسلام" عنواناً لشريعة سيد
المرسلين محمّد(ص) وإسماً لمطلق الخضوع والعبوديّة لله وحده.. فالقرآن
بفصاحته، وبلاغته، وعمق تعبيره، ودقة اختياره للكلمة، والمفهوم،
والأسلوب.. لا يمكن أن يكون إلاّ دقيقاً حينما اختار هذا الإسم عنواناً
عالماً لهذا الدين.. وإلا معبّراً في اختياره هذا أصدق التعبير عن واقع
هذا الدين وحقيقته.. لذا فقد جاء هذا الاختيار القرآني دقيقاً وشاملاً
بشكل حافظ على التناسب والارتباط بين منهاج الشريعة وأهدافاً من جهة،
وبين الاسم "الإسلام" الذي سمّيت به الشريعة من جهة أخرى.
ونستطيع أن نكتشف هذه العلاقة القائمة بين الشريعة وبين مضمونها
وأهدافها إذا عدنا إلى قواميس اللغة أولاً، وعرفنا أنّ كلمة "الإسلام"
تعني في لغة العرب الخضوع والاستسلام.. ثم انتقلنا (من قواميس اللغة)
إلى محتويات الشريعة.. العقائدية، والتشريعية، والتوجيهية، وقمنا
بدراستها وتحليلها واستنتجنا من خلال ذلك أنّ هذه البنية الدينية بكامل
وحدتها تستهدف (الخضوع والاستسلام لربّ العالمين، والتحرر من كلّ خضوع
واستسلام لطواغيت البشر، وخرافات الوهم).
فإذا قمنا بمثل هذه المتابعة والإستقراء، استطعنا أن نكتشف السرّ
الكامن في العلاقة بين عنوان الشريعة وهويتها، المناسبة التي دعت
القرآن إلى نقل هذه الكلمة "الإسلام" من معناها اللغوي إلى وضعها
الاصطلاحي، واعطائها دلالة شرعية خاصّة. |