الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(887) الثلاثاء 14 ذي القعدة 1430 هـ/3 تشرين الثاني 2009

الثقافية

فضاءات ثقافية

الإيقاع :بنية الاختلاف

عادل بدر

الإيقاع في القصيدة هو العنصر الذي يميز الشعر عما سواه . فالبينة الإيقاعية مجموعة من العلاقات المعقدة بين ما يثور على النظام وما يحافظ عليه ، بل إن تحطيم النظام في حد ذاته نظام ولكن من نوع آخر.

والشعر العربي يجمع بين النسق والخروج على النسق ،ولعلها سمة مشتركة بين الشعر على مختلف أنواعه ،بل لعل لها نظائر في غير الشعر من الفنون ،فالفنون التعبيرية  تحاكي الحياة الإنسانية وهي ليست انتظاماً خالصاً ،بل تجمع بين الانتظام والاضطراب ، فالخروج على النسق له وظائف في الشعر وفي غيره من الفنون ،فهو يقاوم ذلك الخدر الناشئ من التكرار المنتظم ؛فيثير الانتباه واليقظة ،ويدعم الجانب الفكري في مواجهة الجانب الحسي ،ويجعل العمل الفني أقدر على التعبير.

فالشعر يجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق يقول "هو جارت " أن القاعدة في الفن هو تحاشي الانتظام.

والإيقاع في الفنون هو تأليف بين مجموعة من العناصر يجمع بين النظام واللا نظام ويقيم بين هذه العناصر علاقة ،فإذا خلت العناصر من هذا الصراع فهي كذلك خالية من الإيقاع.

 فالوحدة في العمل الفني لا تعني التشابه بين كل أجزاء التصميم ،بل أن يكون هناك كثير من الاختلاف ،فمعظم الفنون تتألف من ثابت ومتغير ،فالملاحظ أن الإيقاع يتوقف على التكرار وتوقع التكرار ،وهذا أمر أجمع عليه.

والنظام الذي لا نجد فيه غير ما نتوقعه بالضبط دائماً ،بدلاً من أن نجد فيه ما يطور استجابتنا هو نظام رتيب ،يبعث على الضيق فهو يقوم على المفاجأة وإخلاف الظن.

،و يجب أن نلاحظ  أن الإيقاع هو المعنى الذي يبحث العروضيون عن مدلوله الخاص في التشكيلات المكونة من مقاطع لغوية ( ويجب على دارس الإيقاع أن يكشف عن هذه الصراعات بين عناصر الثبات وعناصر الانتهاك " فالإيقاع هو حركة المعنى ،وليس بينهما انفصال ،ولإدراك أحدهما ينبغي اكتشاف الآخر معه.

ولا يقف التناسب الصوتي عند المقاطع لكنه يمتد إلى الجناس أو الجرس الصوتي وإلى الأوزان الشعرية والاتباع والازدواج ،وكلها في تشكيل المعنى وتوسيعه وتوسيع دلالة النص الأدبي ويظهر بوضوح عندما يعمد الشعراء إلى استغلال إمكانيات الأصوات وقدرتها على الإيحاء بالمعنى ومحاكاته ،والإيقاع ليس إشارة بسيطة ،بل هو نظام إشاري مركب ومعقد من مفردات عديدة.

ويبدو الإيقاع أمام القارىء شيئاً مادياً محسوساً يعلن له أن الذي أمامه قصيدة من الشعر ،وأن – الإيقاع – هو الذي نظم هذا الفيض من الأصوات والمعاني ،وأنه يستطيع أن يعطيه معنى مختلفاً عن المعنى الذي يلقاه في النثر معنى أكثر كثافة وأكثر عمقاً وأكثر إمتاعاً وأكثر كشفاً عن الأعماق البعيدة للإنسان.

وقد اتسع مفهوم الإيقاع عند الشكلانيين الروس ليشمل سلسلة من العناصر اللسانية التي تسهم في بناء البيت الشعري : فإلى " جانب الإيقاع الذي ينتج عن المد في الكلمات ،يظهر الإيقاع الذي يأتي من نبرات الجمل بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني ( الجناسات ) إلخ.

وهكذا يغدو مفهوم الشعر ذاته مفهوم خطاب نوعي تسهم كل عناصره في خاصيته الشعرية ويصبح من الخطأ القول بأن هذا الخطاب لا يقوم سوى بالتلاؤم مع شكل وزني عن طريق مقاومته ويخلق انزياحات إيقاعية ،والخطاب الشعري هو خطاب منظم فيما يتعلق بأثره الصوتي لكن بما أن الأثر الصوتي هو ظاهرة معقدة فإن واحداً من عناصره فقط يتعرض للتقنين " هكذا فإن العنصر المقنن في العروض الكلاسيكي يتمثل في المدات التي أخضعها ذلك العروض بالتسلسل وقاسها بقوانينه لكن يكفي أن تتعرض سلطة الأشكال التقليدية ببعض الاهتزاز لكي تظهر بإلحاح هذه الفكرة فإن جوهر الشعر لا يستهلك في ملامحه الأولى بل يعيش كذلك بواسطة الملامح الثانوية لأثره الصوتي فإلى جوار الوزن هناك الإيقاع الذي هو كذلك قابل للمعاينة وأنه يمكن كتابة أشعار لا تلتزم إلا هذه الملامح الثانوية فالخطاب يمكن أن يبقى شعرياً حتى مع عدم المحافظة على الوزن.

إن الأنساق الإيقاعية تسهم بدرجات مختلفة في خلق الانطباع الجمالي ،فهذا النسق  أو ذاك يمكن أن يهيمن في أعمال مختلفة وهذه الوسيلة أو تلك يمكن أن تسند إليها مهمة "الظاهرة المهيمنة " فإن الاتجاه نحو نسق إيقاعي معين هو الذي حدد الصفة الملموسة للعمل الشعري.

إن القصائد الجيدة هي تلك القصائد التي تحمل إعلاماً شعرياً ،هي القصائد التي تكون كل العناصر فيها متوقعة وغير متوقعة في آن ويرى الشكليون الروس أن الإيقاع مثله مثل الصور يقصد به الكشف عن النمط التحتي للحقيقة العليا ؛أي غور المعنى الكامل ،وعلى هذا فإن الإيقاع يشير إلى عدد من الدلالات السطحية والعميقة في القصيدة ،إنه قد يبدو صدى لمعنى القصيدة ،وقد يؤكد المعنى ويطرح معاني وتفسيرات وظلالاً للمعنى ويمكن استخدامه لإثارة ،المعنى وللإيحاء بالصراع داخل بنية القصيدة .  الإيقاع إذن لا يحاكي أو يؤكد أو يضيف فقط ،بل إنه يصارع المعنى أيضاً ويكشف الصراع داخل بنية القصيدة.

 

 

الصور الصحراوية في ديوان علي جعفر العلاَّق سيّد الوَحْشَتَين

د. خالد علي مصطفى

نطوي ديوان الشاعر العراقي علي جعفر العلاَّق “سيد الوحشتين على مدٍّ رثائي تفجعي، يتصاعد مع توالي القصائد، إلاَّ من بضعٍ منها. وهو رثاء يقترب، بهذا العدد أو ذاك، من صور الندب في الشعر السومري والبابلي القديم، ولاسيما في قصائد البكاء على تموز القتيل، أو الغائب في ظلمات العالم السفلي، بحسب أساطير ذاك الزمان. إذا كان “الندب” القديم يصدر عن موكب جنائزي جمعي، فإنه في شعر علي جعفر العلاَّق يصدر عن “ذات” ممزقة بين حلم قتيل وواقع قاتل: واقع يختلط فيه “الضحى بالضحايا”، ويتماهى “الحبر فيه بالحرب” ويغني “قابيل فيه لطوابير من الغربان. لقد عاد كل شيء إلى العصور الحجرية الهمجية؛ عاد مشوشاً، غائماً، ملطخاً بـ”قاتل يجتاحه قاتل” فهل يمكن بعد ذلك، إلاَّ أن يتحول الشعر إلى بكائياتٍ ترثي الذات، وترثي البشر، وترثي الوجود؟ يخيل إليّ أن هذه النبرة الرثائية في “سيد الوحشتين” نبرةٌ جديدة في شعر علي جعفر العلاَّق، على حد علمي؛ نبرةٌ تدفع به إلى الوقوف في موكب شعراء الندب العراقيين، الذين يتقدمهم السيّاب العظيم. لا بد هنا إلاّ أن يتذكر الإنسان هذا المقطع من قصيدته مدينة بلا مطر:

وفي غُرُفاتِ عشتارِ

تظلُّ مجامدُ الفخار خاوية، بلا نارِ

ويرتفع الدعاءُ كأنّ كلّ حناجر القصبِ

من المستنقعاتِ تصيحُ

لاهثةً من التعب

 تؤوبُ إلهةُ الدّم، خبزُ بابلَ، شمسُ آذارِ

ونحن نهيم كالغرباء

من دارٍ إلى دارِ

لنسأل عن هداياها

جياع نحن -وأسفاهُ!- فارغتان كَفاها

وقاسيتان عيناها

وباردتانِ كالذهب

 وما من شكٍ في أن "سيد الوحشتين" يذهب، في نبرته التفجعية، ما ذهب إليه السيّاب من قبلُ، وإن بصورةٍ مختلفة؛ ذلك أن تفجُّع السياب يتم من خلال تصور أسطوري، تغيب فيه ذات الشاعر، وهو الأمر الذي يكسب قصيدته ما يمكن أن أسميه "موضوعية التصور الشعري". أما في "سيد الوحشتين" فإن التصور الشعري يقوم على الغنائية الذاتية المباشرة، على الرغم من تقنع بعض قصائده بأقنعةِ شعراء قدماء (المجنون، امرؤ القيس، مالك بن الريب).

جاء الغناء الرثائي الذاتي في "سيد الوحشتين" تعبيراً عن ردودٍ انفعاليةٍ حادة، تتوالى في حالات كثيرة على هيئة نفثات حارقة مؤلمة صادرة عن طبعٍ لا تطبع. وهذه هي حال الشعراء العراقيين عامة؛ فهم ينطلقون في الأعم الأغلب، عن إحساسٍ بالجرح، لا عن احتفالٍ بالبسمة؛ تراهم بين نادب وغاضب، وقلما تراهم بين متأمل، أو متدبر، إلا في حالات استثنائية، يستوي في ذلك الشاعر المتزيي بزي القدماء، والشاعر المتزيي بالحداثة وما بعدها. وإذا استثنينا محمود البريكان، فإن الشعر العراقي، سواءٌ أكان عمودياً! أم حراً، أم نثراً، لا تمتد إليه يد التنقيح والتحكيك والتثقيف، إلا على نحو عارض.

يميل شعر علي جعفر العلاَّق، في دواوينه السابقة، إلى شيء يختلف عما اعتاد عليه الشعراء العراقيون، من ندبٍ وتفجع. وبكاء يميل إلى الهدوء، بل إلى الهمس- منتزعاً مفرداته وصوره مما يدل على التفتح والخصب في الطبيعة والإنسان. ولا أذهب بعيداً حين أقول: إن شعر العلاَّق، قبل "سيد الوحشتين" ينطبق عليه قول الشاعر العربي القديم ذي الرُمَّة: "كأنّ الندى في ريشهِ يترقرقُ". ولذلك نرى أن "الماء"، دالاً ومدلولاً، يشيع في شعره شيوعاً ظاهراً. وقد عجزتُ، سابقاً ولاحقاً، عن أن أجد قصيدة له تخلو من "الماء" على وجه التحديد، وليس على ما ينضوي تحت حقلها الدلالي.

ومع ذلك، لا يفارق شعر علي جعفر العلاَّق، حسيّةَ الشعر العراقي، ودنيويته. لقد ظل بعيداً أيضاً، عن التأملات البعيدة في النفس والوجود، وعن التجريدات الذهنية؛ شعر يبتسم لكَ بهدوء، ويحدثك بهدوء، ويحاول أن يسير بكَ في وادٍ "ينوِّر في مجراه الزَّهرُ"، على حدّ تعبير عبيد بن ربيعة.

لعل شعر العلاَّق يقتربُ، في هذه الناحية، من الرومانسية المطعمة ببعض رواسم الرمزية الأسلوبية، كالإيحاء في التفكير، والتصوير في التعبير؛ كالتشخيص، وتراسل الحواس، ودلالة الصوت على المعنى..

أما في "سيد الوحشتين"، فقد وقف شعر العلاَّق على حافة الواقع، الحادة الخشنة الجارحة، يصيح من ألمٍ، ويتفجع بسببٍ من الانهيارات التي اختلط فيها "الحابل بالنابل"؛ شعرٌ تفيض منه اللوعة والحسرة، وكلٌّ منهما تتجاوز حدود اليأس، لتدخل في سديم العَدَمْ.

ومع ذلك ظل "سيد الوحشتين" محتفظاً بكثير من رواسمه السابقة، ولكن على نحو يزيد من حدة اليأس المفضي إلى العدم.

اتخذ التعبير عن الواقع الحاد الخشن الجارح، في "سيد الوحشتين"، صوراً دالةً على "الصحراء"، ليس باللفظ نفسه، ولكن بما توحي به الصور نفسها. وفي ظني أن هذا شيءٌ جديد في شعر العلاَّق. فإذا كانت "صور الماء" تطغى على شعره السابق؛ فإن "صور الصحراء"، في هذا الديوان، أصبحت "سيدة الوحشة"، أزاحت "صور الماء" وهيمنت عليها، وجعلتها متنحية عاجزة عن تأدية وظائفها في الطبيعة والإنسان، من خلال الشعر طبعاً! لقد دخلنا إلى "الأرض اليباب" وليس ثمة من "كأسٍ مقدسة  تنقذها من الجدب الذي يحيق بها.

لم ترد لفظة "الصحراء" صريحةً في الديوان إلا في موضع واحد فقط (إن لم تخنّي عيناي)، جاءت في صيغة الجمع "صحارى" لتتماهى معنوياً مع لفظة "حصارات"، ولتشكل كلتاهما جناساً ناقصاً، على المستوى الصوتي. أما في غير هذا المكان فإن "الصحراء" تأتي بوصفها معنى مُجسداً في صورة موحية بها، أو لوحة دالة عليها، أو رمز مُشيرٍ إليها.

إذا عدنا إلى تجسيدات هذا المعنى الصحراوي، نجد أنه اتخذ منحيين تعبيريين مختلفين في الوجه، متحدين في الدلالة:

الأول: تقنُّع "الصحراء" بشخصيات مستقاةٍ من التاريخ الأدبي، عاشت حياة الصحراء، فأهلكتها (مجنون ليلى)، أو طوحت بها في الغربة بانتظار الموت (مالك بن الريب)، أو وقفت تنظر الهوادجَ الراحلة، من غير أن تحظى بغير "الأطلال" دالاً على الراحلين.

الثاني: صورٌ مستقاة من الواقع الخشن الحاد، تدل على "الصحراء" مباشرةً. وهي تأتي تعبيراً عن مشاعر ذاتية ترى الوجود (أو الواقع) منهاراً. وهو ما نتلمسه في معظم قصائد "سيد الوحشتين" على هيئة التماعاتٍ متوالية، كما في قصيدة "أوهام" أو متشظية في فضاء القصائد في مواضع مختلفة منها

يهطل الليل على الليل كثيفاً.

الحصى جاثم على أغانيه هوادج في الريح

إهدأي كالحصى يا طيور المنافي

أمن ذاك أم هاويةٌ؟

ليس إلاَّ الذئاب تسطع في الليل

الحقول حصى..

لا شيء غير اصطدام المها بالمهالك... إلخ

ومع قليل من التفصيل، نجد أن "الصحراء" المقنعة تتناوح بين قطبين: موجودٍ ومفقود. أما الموجود فهو صوت القناع نفسه (وجميع الأقنعة الثلاثة هم من الشعراء)؛ وأما المفقود، فهو الحبيبة الغائبة (ليلى)، في قصيدة (المجنون) أو الحبيبة الراحلة في الهودج الغائم، في قصيدة (امرئ القيس) أو الحلم البعيد المنال (مملكة الرمان والندامى) في قصيدة (مالك بن الريب). هذا المفقود هو المثير الذي يؤدي بالمثار؛ فله السيطرة عليه، وقدرته على مد القصيدة بالانفعالات والمشاعر، التي تتجلى (في ذات المثار) دلالة على العجز واليأس والوحدة، فالميدان من حجرٍ في قصيدة (المجنون) والموت هو النهاية الحتمية (مالك بن الريب)، والطلل وحده هو الشاخص (امرئ القيس)؛ وهي جميعاً (الحجر، الموت، الطلل)، ذات فضاء صحراوي، يمكن أن يكون كلّ رمز منها دالاً على الآخر، على وفق مبدأ "تحولات الرموز"، وهي: تعددية الأسماء، ووحدة المسمى.

لا أريد أن أقع، هنا، في وحدة التفسير. غير أنّ هذه القصائد الثلاث المقنعة تجد تفسيرها المباشر في ختام إحدى رباعيات الشاعر العراقي علي الشرقي:

لم أجد في العراق ليلى، ولكن

كلَّ آن "أمُرُّ في مجنونِ

 ومن هذا الواقع الذي يشد المثير بالمثار على طبق من اليأس، تنبثق المشاعر المحبطة في هذه القصائد، من خلال توالي الصور الصحراوية فيها أيضاً. جاء في قصيدة المجنون

1- من ترى أوصلك اليوم إلى هذا المتاه

2- خفاف الابل الحمقاء

3- حفرت البئر حتى بكت الإبرة

4- قبرة الوحشة، إبل هائجة

هذه الصور الصحراوية، المباشرة منها وغير المباشرة، تعبير عن ردود فعل المثار (الشرود الذهني والعجز والضياع . وهي حالات من اليأس الذي لا راد له).

تتحقق الوحدة الشعورية والبنائية، في هذه القصائد، جمعاً وشتى، من خلال أمرين:

الأول: علاقة الانقطاع بين المثير والمثار؛ وهذا سبب موضوعي مفروض على "ذات القناع"، ومن ثم على ذات الشاعر، إذا ذهبنا إلى أن صوت القناع هو صوت الشاعر نفسه، سواءٌ أكان الموضوع يستحق التقنع أم لا يستحق.

الثاني: ما تؤدي إليه علاقة الانقطاع من تعبير عن ردود فعل انفعالية يائسة ترى الواقع والوجود قد تحول إلى "أرض يباب". وهو (أي التعبير) نتيجة عاطفية ذاتية.

لا أريد أن أُحيل قصائد علي جعفر العلاَّق، حين اتخذت هذه الطريقة البنائية، إلى بيانٍ عقلي موصولةٍ أوائله بأواخره على نحو منطقي؛ لأن هذا أمرٌ يقع خارج الشعر تماماً؛ وإنما الأمر وما فيه، أن الشعر، في جوهره، تعبير عن حالة الاصطدام الحادة، أو الهينة بين ذاتٍِ وموضوعٍ متصلين اتصالاً حيوياً، وتتنافر فيه الصور، فصلاً أو وصلاً، على نحو غير منطقي بسبب من منحاه التخييلي وآثاره العاطفية. غير أن هذا الاتصال الحيوي، لا يمنع بعد الإحساس الجمالي به، استجابةً إيجابية أو سلبية، أن نتلمس له ما يسوغ وجوده التخييلي الانفعالي.

أما إذا أتينا إلى الصور الصحراوية الأخرى المبثوثة في جملة قصائد الديوان، فإنها تأخذ المنحنى نفسه، في التعبير عن مشاعر اليأس المتفاقمة. وليكن تمثيلنا بهذه القصيدة القصيرة:

لك أن تتوهم أن المتاهات أشرعةٌ

والحصى سُحُبٌ ممطرة

ولك أن تتوهمَ... لكن

أهذا الذي أنتَ فيه خرابٌ وتيهْ

أم هو الوهمْ، يا سيدي؟

إذا نَحينا "الوهم" عن الذات الشاعرة، في القصيدة؛ تعود "المتاهات" إلى حقيقتها الصحراوية، ويعود "الحصى" إلى جموده العاقر، ويعود "السراب" إلى تلامعه الكاذب. هنا، الذات الشاعرة تكون عرضة للجذب من جانبين: جانب في النفس يتمثل بـ"أضغاث الأوهام"، وجانب في الواقع يتمثل بالخراب والتيه... وهذا هو اليأس التام الذي يستعيده الشاعر في قصيدة "سيد الوحشتين" بأسلوب التشخيص:

أتدفأ بالحلم حيناً، وبالوهم حيناً

أرجع

شيخٌ من البرد بين عظامي

وشيخُ من الوهم بين اليدين

أي أن "لحقيقة الصحراوية" تطرد التمنيات الكاذبة التي يستجلبها الوهم، أو الحلمُ، أو كلاهما. وفي كل الأحوال فإن "الصور الصحراوية" في جملة الديوان، تحقق مرة أخرى وحدة شعورية تشع بيأسها، ويتلامع فيها سراب الأمنيات الكاذبة، في جميع القصائد التي اتخذت من "الأرض اليباب" حقلاً صالحاً للحداثة الشعرية. وهي قصائد تنساب في مدّ غنائي متلون بألوان الصحراء (إن كان للصحراء ألوان متعددة)، ويتصاعد منها نغم يائس حد الفجيعة، بل حد العدم.

من حق الشاعر علي جعفر العلاَّق أن يبكي، وأن يتفجع، وأن يندب، على نحو مباشرٍ أمام وضعه البشري أو على نحو غير مباشر، في قصائده. ومن حقنا نحن أن نشاركه التفجع والبكاء والندب، لأننا جميعاً في وضع بشري واحد.

 

 

المهرجان الشعري الثالث في بغداد

بغداد/ يعقوب يوسف عبدالله

اقيم في بغداد مهرجانا شعرياً (لرابطة ادبيات العراق) الثالث بعد ان كان الاول في بابل والثاني في ذي قار وذلك يوم السبت الماضي في العاشرة صباحاً في منطقة حي الجامعة.. حيث استهل المهرجان بتلاوة ايٍ من الذكر الحكيم ثم عزف بعد ذلك النشيد الوطني العراقي.

وقد القى الشيخ ماجد الجنابي كلمته والتي جاء فيها: (نحن اذا اخذنا مجموعة من الاشخاص وادخلناهم المدارس ووفرنا لهم فرص التعليم وتخرج المهندس والطبيب اواي شهادة اخرى لا يمكن لنا ان نصنع شاعرا او اديبا فهذه فطرة الله في خلقه لذا نطالب من هذا المكان الاهتمام بالشعراء والادباء والمفكرين لكونهم ثروة وطنية ونهر لاينضب نتقدم بالشكر الجزيل لكل من حضر المهرجان ومن ساهم فيه وبعدها القت السيدة آمال كاشف الغطاء كلمتها بعد ان شكرت الاديبات والشاعرات والحضور لتلبيتهم الدعوة قائلة (السلام عليكم ايها الحضور الكرام ونشكركم لتلبية الدعوة.. نرحب باديبات العراق انها اصوات مدوية بوجه الارهابيين الذين استهدفوا الطفل الرضيع والمراة التي تنتظر ابنها لتزغرد العروسة يا اديبات العراق لتكن دعوتنا التعاون فيم اتفقنا عليه وليتعذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا عليه والسلام عليكم).

ومن ثم اعتلت المنصة الشاعرة المبدعة فليحة حسن بقصيدتها (الصدى)..

هذا زمان الريح

كل الدروب قبلك ناحلة

كل الشوارع اضنت بالقحط

والخجل المزخرف بالرحيل

واجوب فيك تحول الاحلام

نحو جارتها المقاصل

لا انت تاخذ شكل نسياني

ولا..

الهجر يفقأ عين الصبر

سلتذ باسدال الدموع والحلم يفقس شوكة

وطريقنا شزر العين اذا تطلع نحو سارية البعيد

وبعدها ارتقت المنصة الشاعرة المبدعة منى الخرسان بقصيدتها (قبعات الظل)

هم

من ورائي

وفوق ارصفتي

بقيت الشمس تسعل

وتسعل

وهم

يتسلقون رئتي المتعبة..!!

وبعد كانت فاكهة الاديبات الطفلة الموهوبة والتي صفق لها كثيرا (فاطمة يعقوب) بقصيدتها (عودة مهجرة)

لميلادي اغنية التبعثر

وجارتي

ورحيل ازقة موطني

اسطورة الاحداث

جمعت ازهاري

كي اغسل امي

من جماجمهم

اليكم

البس ثوب عرس

واحتفل بطفولتي

بغداد تعزف من رسوم

ملامحي

اعيادها المتواجدون

حولي الان

اليكم

ازف اصابعي

وارسم وجه داري قيس

اليكم

اقدم عنواني

مهجرة تعود

ثم جاء دور التشكيلية والشاعرة ايمان الوائلي لتلقي بقصيدتها (بغداد مدينتي الاغلى)

هي التي ما امرأة تدانيها

فهي ناطقة رغم صمت شفاهها

وكثير كلامها في مقلتيها

وذائبة كالعطر سرياً في فيا فيها

وساكنة كان تريها لا حراك فيها

وخفيفة كالطين في وقت الضحى

وطاهرة كالمسك والكافور والحناء تلقيها

هي من ركع الزمان لحلقها

وهي من استعصت على الكلمات تشبيها

وكانت للشاعرة المبدعة سمرقند الجابري قصيدة جميلة بعنوان (بعض الضوء)

كلما رأيت خارطة بلادي

عاتبت ربي

اي نوع من الجيران اعطينا

كلما ناموا صغاري غطيتهم بدعاء مخنوق

للوطن الذي نام على ضوء شموعه شكراً

فرغيف الخبز يكفينا واكفينا يا رب محمد

شر القادم كي لا تغدو الاسابيع بلون الطين

سانحني وادلق على ساحة بيتي

دلاء اللون واقول

يا كل يتامة هذي الحرب تعالوا

والقت القاصة المبدعة مائدة الربيعي والتي تشجعت عناء القدم من محافظة النجف بقصة قصيرة وفاجئة المهرجان الاستاذة الدكتورة آمال كاشف الغطاء بمقطوعة من الشعر الشعبي فكانت ابيات جميلة الهبت الحاضرين بالتصفيق.

وكان لرابطة الاديبات لون وطعم خاص في مشاركة الشعر الشعبي حيث فاجئت الحاضرين ابنة ذي قار بالباس الريفي الاصيل وتغنت بحب الوطن والهبت الحاضرين بالتصفيق عدة مرات، وبعدها جاء دور الشاعرة الشعبية جميلة رحيم بشعر نال استحسان الحاضرين بمفردات شعبية جميلة وبعد انتهاء المهرجان قم توزيع الشهادات التقديرية للمشاركات المبدعات.

 

 

للفراشات مساراتها الصامتة

محمد العديني

ها أنذا أضع مسودةً لأيامي الطاعنة

في أحزانها..

محاولاً الإمساك بظلالها الهاربة

والهجس بها

أعْبُرُ –الآن- أطراف العالم..

تلتمع الضحكات المبعثرة في خابيته كالخناجر.

أحاول جمع شتات ذاكرة شجرية..

واللحاق بأقلام فارّة من تاريخها

لا شيء يصحو في هذه المدائن اللدنة..

غير فراشاتي الملتاعة..

حين تقودني خطواتها الرشيقة

 لينابيع الضوء

فراشة واحدة تكفي لزلزلة قلب الغريب

تكفي لشمس أكثر سطوعاً ومباغتة

تومئ للنهر فيشهق للغصن فيتأود

للحجر فيحلم

للغيم فيهمي... تومئ لي فأضيء وأتحوّل

أغمس قلبي في عينيها فيفيض العالم عسلاً مختلفاً ألوانه

لكني حين يفيض كثيراً أخشاه

أخشى اكتمال القمر قبل نضوج النهر

أخشى الأبدي في مملكة بشرية

أخشى النهايات السريعة والطرقات الواضحة

فكل بدايةٍ حديقة، شرفة، فتح

وكل نهاية معتقل، مصيدة، خديعة

وللفراشات مساراتها الصامتة

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق