|
فدك في التاريخ
الحلقة التاسعة عشر
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
(حزب السلطة الحاكمة)
قالت عليها السلام : ( تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار)
هذا الخطاب موجه إلى الحزنب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته الزهراء
إلى مخاط بيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف من
الفتنة .
وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطا ن واتخاذ التدابير اللازمة
لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص الفرصة
السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها
.
وقد رأينا في الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق وأبي
عبيدة رضى عنه الله مما تعززه الظواهر التاريخية
.
ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من كلام الزهراء الذي بينا اشعاره
إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف العصيبة
.
فلا ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه أقرب
إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين
.
ومن حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت - إن لم يكن زوجها هو
المعلن الأل - عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة واتهمتها بالتآمر
السياسي ، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير المؤمنين ( صلوات
الله عليه ) ومعاوية بن أبي سفيان - كما عرفنا سابقا
.
وما دام هذا الحزب الذي تجزم بوجوده الزهراء ويشير إليه الأمام ويلمح
إليه معاوية هو الذي سيطر على الحكم ومقدرات الامة ، وما دامت الاسر
الحاكمة بعد ذلك التي وجهت جميع مرافق الحياة العامة لخدمتها قد طبقت
اصول تلك السياسة
وعناصر ذلك المنهج الحزبي الذي دوخ دنيا الأسلام ، فمن الطبيعي جدا لا
نرى في التاريخ أو على الأقل التاريخ العام صورة واضحة الألوان لذلك
الحزب الذي كان يجتهد أبطاله الأولون في تلوين أعمالهم باللون الشرعي
الخاص الذي هو أبعد ما يكون عن الألوان السياسية والاتفاقات السابقة
.
قالت عليها السلام : - ( فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم هذا
والعهد قريب ، والكلم رحيب ، الجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر ،
أبدرا زعمتهم خوف الفتنة ؟ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة
بالكافرين . أما لعمر الله لقد لقحت
فنظرة ريثما تحلب ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا هنا لك يخسر
المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا
وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا
وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم )
لئن كان الصديق وصاحباه يشكلون حزبا ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر
منهم تصريحا بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية
لمنهاجهم ويبرروابها موقفهم يوم السقيفة ومع هذا : فلا بد من مبرر . .
. ولا بد من تفسير . . . فقد ظهر في ذلك الموقف تسرعهم إلى إتمام
البيعة لأحدهم وتلهفهم على المقامات العليا تلهفا لم يكن منتظرا بالطبع
من صحابة على نمطهم ، لأن المفروض فيهم أنهم اناس من نوع أكمل وعقول لا
تفكر إلا في صالح المبدأ ، ولا تعبأ إلا بالاحتفاظ له بالسيادة العليا
.
أما الملك الشخصي واما اقتناص الكراسي فلا ينبغي أن يكون هو الغاية في
حساب تلامذة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
.
أحس الحاكمون بذلك وأدركوا أن موقفهم كان شاذا على أقل تقدير ، فأرادوا
رضى عنه الله أن يرقعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على الأسلام من
هبوب فتنة طاغية تجهز عليه ، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها وأن الخيوط
المقحمة في الثوب تشي بها
.
ولذا دوت الزهراء بكلمتها الخالدة : زعمتم خوف الفتنة ( ألا في الفتنة
سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين )
نعم انها الفتنة ثم هي ام الفتن بلا ريب
.
ما أروعك يا بضعة النبي حين تكشفين القناع عن الحقيقة المرة وتتنبئين
لامة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في افقه سحب حمراء ! ماذا أقوال
؟ . . بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على سلفها.
الصالح فعلهم وتقول : ألا أنهم في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة
بالكافرين
الفتنة
الكبرى
كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة وكانت ام الفتن
كانت فتنة في رأي الزهراء - على الأقل - لأنها خروج على الحكومة
الأسلامية الشرعية القائمة في شخص علي هارون النبي صلى الله عليه وآله
وسلم والأولى من المسلمين بأنفسهم
ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه ، بأنه خاف الفتنة وهو لا
يعلم ان انتزاع الأمر ممن أراده له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
باعتراف عمر هو الفتنة بعينها المستوعبة لكل ما لهذا المفهوم من ألوان.
قيم ثقافة السلام في الديانات السماوية
محمد عابد الجابري
سأنطلق في هذه المقاربة الأوّلية الهادفة إلى رسم معالم القيم المشتركة
بين الأديان السماوية الثلاثة والتي من شأنها أن تساهم في إرساء ثقافة
السلام في عالمنا المعاصر الذي يواجه الإنسان فيه تحديات شتى، سأنطلق
من قضية أصولية، قضية تنتمي إلى علم أصول الدين في الإسلام: علم
التوحيد أو أصول العقيدة من جهة، وأصول الفقه من جهة أخرى.
تدور مسائل علم التوحيد في الإسلام حول ثلاث موضوعات رئيسية: ذات الله،
وصفاته، وأفعاله. والمسألة الأساسية التي يدور حولها الكلام في
الموضوعين الأولين هي التنزيه: تنزيه الله عن كل مشابهة مع أي شيء آخر،
انطلاقاً من قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" (الشورى: 11). والتنزيه يقتضي
الكمال المطلق، وبالتالي الاستغناء المطلق عن كل شيء. وعندما انتقل
المتكلمون إلى الباب الثالث في علم التوحيد، وموضوعه أفعال الله، كان
لابد أن يلاحظوا أن من جملة أفعال الله، إضافة إلى خلقه العالم، أنه
يبعث رسلاً إلى الناس تدعوهم إلى عبادته. وفي هذا المجال طرح سؤال:
لماذا يبعث الله الرسل إلى الناس ليطلب منهم عبادته وامتثال أوامره
ونواهيه، وهو المنزه عن الحاجة إلى العبادة أو غيرها كما ورد في
القرآن: "الله غني عن العالمين" (آل عمران: 97).
كان هناك من قال إن هذا سؤال غير مشروع لأن الله يفعل ما يريد ولا يجوز
أن يسأل لماذا يفعل كذا أو لا يفعل كذا، بمعنى أن أفعال الله لا تعلل
بل يجب أن تؤخذ أوامره ونواهيه كما هي وعلى الإنسان أن يمتثل وليس له
أن يسأل عن القصد منها.
وفي مقابل هذا الرأي كان هناك رأي آخر يقول إن جميع أفعال الله هي
لحكمة، وهو منزه عن فعل شيء لا لحكمة ولا لغاية وقصد، لأنه سيكون فعله
من قبيل العبث. والله "حكيم" "لطيف بعباده". ومن هنا قال أصحاب هذا
الرأي إنه لابد أن يكون هناك وراء أفعال اللهن وفي مقدمتها بعث الرسل،
حكمة، أي قصد وغاية. وإذا تقرر هذا عاد السؤال السابق ليطرح بشكل مشروع
هذه المرة كما يلي: ما هو مقصد الشرع، أو ماذا يريد الله، من وراء
إرسال رسل للناس.
وبما أن الأمر يتعلق برسل وأنبياء تعاقبوا منذ آدم، وليس برسول واحد،
وبما أن الإسلام يدعو إلى الإيمان بجميع الرسل والأنبياء وفي مقدمتهم
رسل وأنبياء الديانات السماوية الثلاث، فقد عمد علماء أصول الدين في
الإسلام إلى التماس الجواب لا من الدين الإسلامي وحده بل من جميع
الأديان السماوية. وهكذا قاموا باستقراء الغايات والأهداف والمقاصد
التي تشترك فيها الأديان السماوية والتي تبرر بعثة الرسل، فوجدوها ترجع
إلى مبدإ واحد، وهو أن جميع الديانات السماوية إنما تهدف من وراء مختلف
تعاليمها، أوامرها ونواهيها، إلى شيء واحد، هو مصلحة الناس، مصلحة
البشرية كلها. ومن هنا برز الجواب عن السؤال الذي طرحوه: لماذا بعث
الله الرسل؟ بعثهم من أجل أن يبينوا للناس منافعهم في الدنيا والآخرة.
هذا الجواب يطرح سؤالا آخر هو الذي سينطلق بنا مباشرة إلى موضوعنا. هذا
السؤال هو: إذا كانت الديانات السماوية إنما جاءت لتقرير مصالح الناس،
وما هي المصالح التي تشترك الديانات السماوية في تقريرها والدعوة إلى
الحفاظ عليها.
قام علماء أصول الدين إذن باستقراء المصالح التي تشترك الأديان الثلاثة
في تقريرها فوجدوها ثلاثة أصناف:
1. مصالح ضرورية لوجود الإنسان المادي
والمعنوي وسموها الضروريات: ضروريات الحياة.
2. مصالح يحتاج إليها الإنسان
لاستقامة حياته ماديا ومعنويا وسموها الحاجيات.
3. مصالح ترتقي بحياة الإنسان نحو
مزيد من السعة والفضل والتحلي بكل ما هو مفيد وحسن، وسموها التحسينات.
هناك فروق واختلافات بين الأديان الثلاثة في تقرير الحاجيات
والتحسينات، ولكنها تتفق كلها في تقرير الضروريات، وهذا ما سنركز عليه
هنا.
وجد علماء الأصول أن الديانات الثلاث تتفق كلها حول ربط الغاية من بعثة
الرسل والمصالح التي تقررها شرائعهم بالضروريات الخمس التالية: حفظ
النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال، حفظ الدين. وجعلوا من هذه
الضرورات الخمس أصلا للحاجيات والتحسينات والتكميلات.
أعتقد أن من جملة الموضوعات التي يمكن أن يهتم بها الحوار بين الديانات
السماوية الثلاث من أجل بناء تصور مشترك لثقافة السلام موضوع الضرورات
الخمس المذكورة. ذلك لأن هذه الضرورات، أعني حفظ النفس والعقل والنسل
والمال والدين هي أساس كل سلام وبدونها لا يتحقق السلام، لا السلام مع
النفس ولا السلام مع الجار ولا السلام بين الأمم. وفي هذا الصدد أرى
أنه بالإمكان تأسيس رؤية جديدة سلمية وسليمة للمشاكل والتحديات التي
يواجهها الضمير الديني والأخلاقي في عصرنا، وذلك بالارتكاز على هذه
الضرورات الخمس. وفيما يلي أمثلة:
1. ففي مجال حفظ النفس يمكن بناء تصور
جديد لمفهوم "الحفظ" يستجيب لمتطلبات عصرنا. إن الأصل في مفهوم "حفظ
النفس" هو كف الأذى عنها مهما كان نوعه، والإذاية التي تلحق النفس
البشرية تمتد على مسافة واسعة، لا نهائية الصغر ولا نهائية الكبر معا:
من الخبر المشؤوم والمنظر القبيح والكلمة غير الطيبة والتمييز بجميع
أشكاله، العرقي والديني والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي الخ… إلى
التعذيب والقتل الفردي والإثناء الجماعي الخ… لقد شرع الله في الديانات
الثلاث أن النفس بالنفس، ولكن ليس انتقاما ولا ثأرا، بل كبحا للميول
العدوانية وردعا لها. فليس القصد الإلهي من "النفس بالنفس" أن القاتل
يجب أن يقتل انتقاما أو ثأرا، بل إن القصد الإلهي أسمى من ذلك. إنه
تنبيه للناس إلى أن الذي يقتل غيره أو يهم بقتله هو كمن يقتل نفسه أو
يهم بقتلها. ولذلك قرر الشرع "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ"
(النساء: 92).
يدور الحديث اليوم حول "أسلحة الدمار الشامل". ولكن ما هو "الدمار
الشامل"؟ هل هو الذي تقوم به القنبلة الذرية وحدها كتلك التي ألقيت على
هيروشيما ونكازاكي مثلا، أم أنه القتل الجماعي سواء كان بقنبلة تلقى
باليد أو تطلق من الطائرة أو من الصواريخ الموجهة البعيدة المدى التي
تقلق من البواخر الحربية أو كان بالغاز أو بالجراثيم الخ… إن حفظ النفس
يجب أن يشمل ليس فقط نفس الفرد البشري من القتل الذي من هذا النوع
الفردي والجماعي بل يجب أن يشمل في نظرنا توقيف العمل بعقوبة الإعدام،
وهي عقوبة صار من الممكن الآن أداء القصد منها بالسجن المؤبد. فالسجن
المؤبد لم يكن ممكنا في الأزمنة القديمة ولا في جميع المجتمعات، لأنه
يتطلب وجود دولة تتصف بالاستمرارية في مؤسساتها وقوانينها مما يجعل من
عقوبة السجن المؤبد حكما بالإعدام مؤجل التنفيذ إلى حين حلول الأجل
المحتوم. ويجب أن يشمل مفهوم حفظ النفس ليس فقط نفس الفرد البشري
الواحد، بل أيضا نفوس الجماعات والشعوب والأمم. ومن هنا ضرورة منع
الأسلحة التي تؤدي إلى القتل الجماعي مهما كان مستواها ونوعها.
باختصار تقرر الديانات السماوية الثلاث أن "الله خلق الإنسان على
صورته". وحفظ النفس يجب أن يرقى إلى مستوى حفظ صورة الله، حفظها في
الأفراد والجماعات والشعوب والأمم.
2. هذا النوع من الفهم لـ"حفظ النفس"
يتطلب عقلا سليما، عقلا يعقل، يكبح ويحبس، الميول العدوانية في الناس
مهما كان نوعها. ومن هنا ضرورة بناء فهم جديد لـ"حفظ العقل”.
العقل في أصل معناه هو القدرة التي تمكن الإنسان من التمييز بين
الأشياء، بين الخير والشر، بين الحسن والقبح، بين الصواب والخطإ. وكلمة
"عقل" في اللغة العربية، كما في لغات أخرى، تفيد الكبح والتقييد،
وعندما يوصف بها الإنسان فالمعنى ينصرف إلى أنه قوة كابحة للميول
العدوانية مقيدة للشهوات الخ… بعبارة قصيرة العقل معيار يمكن الإنسان
من التمييز بين الصواب والخطإ على صعيد المعرفة، وبين الخير والشر على
صعيد الأخلاق، وبين الحسن والقبح على صعيد الفن والجمال.
ومن خلال التمييز بين الصدق والكذب أو الصواب والخطإ، وبين الخير
والشر، وبين الحسن والقبح تبرز وظيفة أخرى للعقل تاتي في الحقيقة
كنتيجة، وظيفة التمييز بين النافع وغير النافع، بين المفيد وغير
المفيد، بين ما يؤدي إلى النجاح وبين ما ينتهي إلى غير نجاح. وهكذا
فالنافع في الأصل هو المبني على الصواب والصحة والخير والحسن. وغير
النافع هو المبني على عكس هذه. ذلك هو العقل المعياري، العقل كما يذكره
الدين ويمجده وتتحدث عنه الأخلاق وتشيد به، وهو الذي كانت له القيمة
الأسمى في العصور الماضية.
أما اليوم فنحن نشاهد العقل يتحول من معيار منطقي وأخلاقي إلى مجرد
أداة حتى أصبح يوصف بالعقل الأداتي: مهمته تحقيق النجاح بدون اعتبار
لأي شيء آخر، فأصبح النافع هو الحق وليس العكس. وبعبارة أخرى تعرفون
مرجعيتها الفلسفية: العقل الأداتي هو العقل الذي يربط الحق والخير
والحسن بالمنفعة والنجاح، شعاره كل ما يحقق النجاح فهو حق وصواب وجميل.
ومن الطبيعي أن ينساق هذا "العقل الأداتي" مع شعار "الغاية تبرر
الوسيلة”.
حفظ العقل عملية يجب أن ترمي إلى إعادة الاعتبار للعقل المعياري الذي
شعاره: الحق هو النافع وليس العكس.
الإنسان حيوان عاقل، بالعقل ينفصل عن الحيوان، ولكن في أي مجال؟ هل في
مجال العمليات الحسابية الراقية وحدها التي يعجز الحيوان عن القيام
بها، وقد أصبح الحاسوب يقوم بها؟ هل في المهارات اليدوية التي تبتديء
من الأكل باليد والفرشاة بدل تناول الطعام بالفم كما يفعل الحيوان؟
الروبوات تفعل ذلك وأكثر.
3. أعتقد أن أول واقعة سلوكية يتحقق
بها انفصال الإنسان عن الحيوان هي الواقعة الطبيعية الأولى المعبر عنها
بـ"حفظ النسل". الإنسان وحده يميز بين أولاده وإخوته وآبائه وبين
غيرهم. الإنسان وحده يقال عنه إنه ابن فلان. إذن يمكن القول الإنسان
حيوان له نسب. أجل على الإنسان وحده تصدق العبارة التالية "النسب"
"الأرحام" "الوالدين" "الحفدة" الخ… والإنسان وحده يبني لنفسه "مدينة"
فهو حيوان مدني، اجتماعي، سياسي. كل ذلك يدخل في مجال الضرورة الثالثة
ضرورة "حفظ النسل". ولكي ندرك أهمية هذه الضرورة في عالمنا المعاصرقد
يكفي أن نتصور ما أصبح بإمكان التقدم العلمي القيام به في مجال
البيولوجيا والطب. من أطفال الأنابيب إلى التدخل في الهندسة الوراثية
إلى ما يعرف اليوم بالاستنساخ. ومنذ سنين ارتفعت أصوات بضرورة وضع
أخلاقيات للبيولوجيا والطب، وأعتقد أن ضرورة "حفظ النسل" تتطلب فعلاً
وضع أخلاقيات في هذا المجال مجال حفظ النسل.
4 –
حفظ المال والمقصود: الخيرات المادية
بمختلف أنواعها والتي هي ضرورية لحياة الإنسان. وحفظها يعني حمايتها من
الضياع والتبذير والاحتكار وسوء الاستعمال الخ.. لقد سنت الديانات
السماوية قوانين لذلكـ بعضها على سبيل الأمر الملزم، وبعضها على سبيل
الحث والندب والترغيب. ومعلوم أن الديانات السماوية تقرر أن المال مال
الله، باعتبار أنه وحده خالق كل شيء ومالك كل شيء. وغني عن البيان
القول إن الحث على التوزيع العادل للثروة أمر تشترك فيه الديانات
السماوية، وقد شرعت لتطبيقه بأساليب متنوعة ومرنة بحيث يمكن تطبيقها في
كل عصر حسب معطياته الخاصة.
وما يتحدى عصرنا اليوم، على صعيد المال والاقتصاد، هو هذه الظاهرة التي
يكثر عنها الكلام الآن، ظاهرة العولمة. العولمة ظاهرة حضارية جديدة،
وهي كجميع الظواهر الحضارية لها إيجابيات ولها سلبيات. وأخطر سلبياتها
في نظرنا هو ذلك المبدأ الاقتصادي الذي تقوم عليه والذي يتلخص في
الشعار التالي: "أكثر ما يمكن من الربح بأقل ما يمكن من العمال". ومن
هنا ظاهرتان خطيرتان: "تسريح العمال وانتشار البطالة من جهة، وتشغيل
الأطفال والنساء في الدول "النامية" بأقل أجر من جهة أخرى.
يمكن القول بصفة عامة إن اقتصاد العولمة يتجاهل الأخلاق إن لم يكن
يتنكر لها. لقد ظهر ذلك واضحا في المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة
العالمية الذي انعقد بسنغافورة في ديسمبر 1996، حيث رفضت معظم الوفود
مناقشة قضية تشغيل 250 مليون طفل في العالم، أغلبهم بين السادسة
والرابعة عشرة من أعمارهم. وقد انتهت المناقشات في هذا الموضوع
بالمناداة بضرورة "الفصل بين التجارة والسوق، وبين معايير العمل والقيم
الثقافية والاجتماعي”.
ماعلاقة الإعجاز العلمي الإعجاز القرآني؟
سعيد الأعرجي
يعد الاعجاز العلمي في القرآن احد انواع الاعجاز القرآني والمقصود
العالم هنا هو العلم التجربي والذي هو اعم و اوسع من العلوم الطبيعية
كالفيزياء والكيمياء والاحياء والعلوم الانسانية والحياتية اي العلوم
المحسوسة والملموسة والتجربية والتي تقع تحت المشاهدة والحواس والمعنى
بالاعجاز العلمي للقرآن هي تلك الايات التي وردت في القرآن لتكشف لنا
حقائق علمية قبل معرفتها بمئات السنين، حيث أن علماء الطبيعة والتجربة
لم يكونوا قد عرفوا حتى أولياتها.
وان القرآن الكريم قد سبقهم باكتشاف أسرار الكون والحياة وما في
السماوات والارض من علوم ومعارف.
وقد سبق العلم الحديث ومكتشفاته اما بالتصريح او بالتلويح بالحديث عن
تكوين الانسان والحيوان والنبات، وما في ذلك من اعجاز قرآني وعلمي يبهر
العقول وهناك بحث عن الذرة في القرآن الكريم والعلم الحديث، هل كل ذلك
جاء مصادفة ام عن خلق خالق عظيم مدبر؟
ان مبحث الاعجاز العلمي للقرآن المنضوى تحت مجموعة الاعجاز القرآني هذا
من جهة ومن جهة ثانية التفسير العلمي للقرآن هناك ارتباط وثيق بينهما
ولزيادة الايضاح يكشف لنا تفسير الآيات التالية بان الخالق الاحد هو
المالك والمدبر الحقيقي لاشياء ومخطط في خلقها كما انه مخطط لها في
فنائها وتلاشيها.
قال تعالى (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش
وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم
بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل
الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم
يتفكرون. وفي الارض قطع متجاورات وجنات من اعناب وزرع ونخيل صنوان وغير
صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك الآيات
لقوم يعقلون)/ (الرعد 13/2-4).
يقول صاحب الميزان: ومن هنا يظهر ان قوله "بغيرعمد" متعلق برفع
و"ترونها" وصف للعمد والمراد رفعها بغير عمد محسوسة مرئية، واما من
قوله من يجعل "ترونها" جملة مستأنفة تفيد دفع الدخل كأن السامع لما
قوله "رفع السماوات بغيرعمد" قال: ما الدليل على ذلك؟
فأجيب وقيل "ترونها" اي الدليل على ذلك أنها مرئية لكم، فبعيد الا على
تقدير ان يكون المراد بالسماوات مجموع جهة العلو على مافيها من اجرام
النجوم والكواكب ولهواء المتراكم فوق الارض والسحب والغمام فانها جميعا
مرفوعة من غير عمد ومرئية للانسان.
اقول: وهذا ما يكشف لنا الجاذبية وقانونها عبر مئات السنين حيث لم تكن
على عهد رسول الله (ص) تدرك ذلك.
التفسير الأول: ان الله رفع السماوات بلاعمد أساسا فهي معلقة بدون
اعمدة.
والتفسير الثاني: ان الله رفع السماوات على عمد ولكنكم لا ترون تلك
العمد فهي اشبه ما تكون شفافه او غير محسوسة او مرئية.
ثم بعد ذلك قال (كل يجرى لاجل مسمى) اي كل منها يجرى الى أجل معين يقف
عنده ولا يتعداه كذا قيل ومن الجائز بل الرايج ان يكون الضمير المحذوف
ضمير جمع راجعا الى الجميع والمعنى كل من "السماوات والشمس والقمر يجري
الى اجل مسمى" فان حكم الحرى والحركه عام مطرد في جميع هذه الاجسام.
اقول: وقد كشف العلم ان الاجرام السماوية جميعا لها آجال واعمار بما في
ذلك الشمس حيث لها اجل ثم تتلاشي وتندثر وبتلاشيها تتلاشى معها
مجموعتها المرتبطة بها حيث تنعدم الحياة، لذا نجد العلماء جادين في
الاكتشافات لامطردة للكواكب وللاستفادة حديثا من المذنبات التي تعد
بالمليارات والانتفاع بها لتوليد الطاقة وللمياه وغيرها.
اذن فالإعجاز العلمي المنتشر في كثير من سور القرآن وآياته لم يظهر
دفعة واحدة وانما ظهر تباعا. ليكون القرآن دائما وأبدا معجزة ظاهرة
وآية بينة كلما الف الناس ما فيه من المعجزة، وفترت هممهم عنها لألفهم
لها، ظهرت معجزة جديدة تلفت نظرهم اليه وتدلهم عليه فتجدد هممهم وتبعث
نشاطهم.
لقد جاء العصرالحديث مع الانسان الحديث بمعارفه الحديثة التي اكتشفت
الذرة ثم حطمتها، وادركت جاذبية الارض ثم خرجت منها وعرفت القمر ونزلت
عليه وأرسلت سفن الفضاء الى الكثير من الكواكب سيما المجموعة الشمسية
بعد ان كشفت الكثير من اسرارها وعرفت عمر الارض وكشفت عن أحقابها
الجيولوجية، ووضعت يدها على الجميع او معظم عناصرها، وسخرتها لخدمتها،
وكل هذا كان في اغلب الاحيان على يد اناس لايمتون الى الايمان بصلة، بل
في كثير من الاحيان كان الكثير منهم يهزأ من الايمان والغيب والالوهية
والنبوة.
قد تنبه العلماء المسلمون الى هذه الآيات واخذوا في عرضها عرضا جديدا
يتفق مع مدلولها اللغوى القديم وهو في نفس الوقت ينطق بما وصلت اليه
العلوم المعاصرة في نهاية مطافها وذروة مجدها مما جعل كل انسان في
الارض مؤمن وملحد يقف موقف الدهشة والذهول والاعجاب والاكبار اما
المؤمن فزادته هذه الآيات المعجزة ايمانا وصار يعاين المعجزة القرآنية
كما عاينها العرب الاوائل تماما ولكن بلغه اعلم لا باساليب البلاعة
والبيان فحسب.
فالاعجاز العلمي يعد الآن من ابرز انواع الاعجاز القرآني وذلك لان
البشرية الان عجت وضجت بالاقمار الصناعية وغزو الفضاء وعالم الانترنيت
والفضائيات والذرة وبد أن تخطط لغزو الفضاء بشكل واقعي بما تستطيعه مما
يحدو بالاهتمام المباشر لكون العالم اصبح قرية صغيرة واحدة واي حدث
ينقل لكلها بلحظات وثواني معدودة مما يؤدى الى الاهتمام باي ظهور علمي
سيما كالقرآن الكريم الذي حمل بطياته عبر القرون اسرار لم تكتشفها
المختبرات وقاعات الارصاد...
صحيح ان القرآن لم ينزل كتاب علوم يقرر في المدارس والجامعات حيث يتلقي
الناس من خلاله معارفهم الكونية، وانما نزل القرآن كتاب هداية وارشاد
للبشرية الحائرة ودستورا ونظام حياة للانسانية وتضمن اعجازا علميا
مشهودا واشارات علمية ثبتت دقتها لألفات النظر.
قال تعالى(ذلك الكتاب لاريب فيهاهدى للمتقين)
وقال تعالى (قد جاءكم من الله نوروكتاب مبين يهدى به الله من اتبع
رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى
صراط مستقيم) وقال تعالى (وما انزالنا عليك الكتاب الالتبين لهم الذي
اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). |