|
بنية السرد في القصة العراقية
عبد الرضا جبارة
حيث أخذ القاص العراقي يستجيب بشكل أخر إلى الواقع الذي أوجد مختلف
المتغيرات ولا يمكن للقاص أن يعيش في ذهنيته كما كان يفعل سابقا فعليه
أن ينتبه إلى الواقع الذي يحيط به أو أن يتحاور بشكل أو بآخر مع هذا
الواقع. وانفتح مثل هذا الحوار مع الواقع فظهرت قصص بنفس جديد وروح
جديدة ومثلت في بعض منها انقطاعا كليا عن تلك الأجواء الستينية والتي
كانت تعتمد على المثلث السردي في أسلوبية البناء للمتن القصصي لذلك
جاءت قصص (حميد المختار) و(زمن عبد زيد) و(إيناس البدران) و(زيد
الشهيد) بتحولات سردية وبثقل دلالي يعطي للسمة الواحدة معاني عدة
وغزيرة ليؤكد حقيقة فنية هي إن هذه القصة لها القدرة على الامتداد
السخي لتحقيق تقنيات سردية.
فـ(حميد المختار) قاص مقتدر حريص على ثقافته وفنه يمتلك نزعة الفنان
الأصيل إزاء مخلوقاته فضلا عن توظيفه المادة المعرفية التي تعمل على
تشكيل التفاعل الإنساني زمانيا ومكانيا عبر مصداقية الفعل الحياتي
المرتبط ارتباطا وثيقا بالفعالية الاجتماعية الممتدة على مساحة القص
لتلتقي في نقطة واحدة تركزت بشكل حيوي في العلائق المتبادلة والمتابعة
والمتفاعلة على أساس أن هذه القدرة الابلاغية المتمركزة في الخطاب
ستتحقق حينما تكون العلاقة (الاستقبالية) بمستوى العلاقة(التوصيلية)
وكلتاهما جديرتان بتحقيق الفاعلية المنشودة بصورة صحيحة لقد جاءت
الحياة الإنسانية التي صورها المبدع حميد المختار بتعبير بلاغي محبوك
وخاصة في قصص (المقبرة الملونة، قيامات، المراحيم) يقول من قصة
المراحيم "(حدثنا المرحوم محمود عن ذلك اليوم.. فقال قابلت في طريقي
المرحوم (رحمة) واتفقنا على المسير.. وكنا قد أعددنا عدتنا بعد أن
نلتقي بأصدقائنا الذين رحلوا عن دنيانا رحمهم الله جميعا وأدخلهم فسيح
جناته ونذهب جماعة مباركة في سفر ميمون (فهو يحيلنا إلى الوجود القيمي
في هذه الحياة وعدم النظر إلى هذه الشخصيات المستلبة التي قد تطرح
هامشيتها لتتغلغل داخل الوجود الإنساني لتؤثر فيه وما اتخذه عامل
المقهى إلا للتعبير عن سطوة الهوية المكانية وانتماء الإنسان إلى هذا
المكان للاحتواء أو الأماني على حد سواء. وفي قصة (الطبل) يستيقظ البطل
صباحا ليجد نفسه(طبلا) ذا أبعاد هندسية وان كانت كينونته (آدمية) في
تحاورها الإنساني مع الأشياء. يقول البطل (أفقت ذات صباح لأجدني وقد
تحولت إلى طبل أجوف تماما له حزام وبوجهين متشابهين له رنين وانين وصوت
عال أصدره في جميع المناسبات، ولكننا إذا ماتناولنا هذه الشخصيات
باعتبارها رمزا فنيا لانهيار هذا البناء المتشابك من التصورات النمطية
المسبقة أو حتى لعملية تبادل الأدوار وتغاير المواقع فأننا سنجد ان
القاص المبدع حميد المختار قد حاول أن يمنحها دلالات متنوعة على مدى
صفحتين كاملتين يقول البطل (أدخلوني في غرفة مظلمة.. وقالوا انه يرقد
هناك؟ لذلك فأنا قصة الطبل" في إحدى مستوياتها هو تجسيد عجز هذا
النموذج الإنساني عن التواصل وصرخته طلب لهذا التواصل في الوقت نفسه
كما إنها تشير إلى فداحة الدور الذي تلعبه هذه التصورات المسبقة في
الحلول دون الإنسان والتحقق في تشويه قدرته على التواصل وفي اصابته
(بالعمى) والإحباط لالشيء إلا لأنه يستجيب لدور مرسوم ويتصرف وفقا لما
يعتقد أو بالأحرى يتوهم إنها القواعد السليمة للتصرف معطلا بذلك قدراته
وملكاته التي لا يستطيع من دونها أن يحقق أي تواصل أو أن ينجح في أي
مغامرة عابرة ويتساوق مع هذا الإبهام الجديد المقلوب بناء قصصي آخر
تختلط فيه الوقائع بالكوابيس ويمتزج السرد بالتأملات فتلتحم الفانتازيا
بالمناجاة والحقائق ويعامل هذا كله بمستوى واحد من التناول الذي لا
يعترف بأي فوارق بين كل هذه الصيغ التعبيرية.
أما القاص زمن عبد زيد في مجموعته (فوبيا) فأن فعالية الخطاب القصصي
عنده تتركز في تجسيد الواقع الإنساني بهمومه ومسراته من خلال كيفيات
سردية متنوعة باعتمادها الوصف الخارجي وسبر أغوار الشخصيات باختيار
النماذج الواقعية التي توحي بأن القاص هو واحد من هذه الشخصيات.
فالقصص في مجموعة (فوبيا) صور منتقاة ومرسومة بعناية وقدرة على التلوين
الموحي، فقصة (البيت) تأكيد على مناخ نعرفه جيدا لكنه مصاغ من زاوية
أخرى، فزمن عبد زيد يتحدث مباشرة إلى القارئ بلغة السارد المتكلم
فيعتمد على الحركة المتشابهة لدورة الزمن المندفعة إلى أمام بالارتكاز
على شخصية ثابتة. ويقول من هذه القصة -ما هذا الذي نحن فيه؟ لسعة أخرى
أطلقتها زوجتي- لم يكن قراري
هل هذا الجواب الذي أطلقته مقنع (انه قرار إخوتي ولكن أين هم الآن؟
في حين يستخدم (حركة دائرية) في بعض القصص لتنظيم الحدث والشخصية ضمن
المحيط الذي اختاره هو لتحييد الزمن وإخراجه نهائيا فاستطاع أن يمزج
صفات واقعية معروفة لبعض الشخوص وخاصة في قصص(نكتة مميتة جدا، المشهد
الأخير، الضوء) فخلق شخصيات قصصية ذات وجود واقعي مثير يزداد وضوح
معالمها وأدوارها خلال مراحل كل منها وهو بهذا الانتقال أسهم في اغناء
وتعميق الشخصية الواقعية فهو يهتم بتعداد صور البطولة وتناولها ونقل
الحالات الأكثر التصاقا بواقعنا وهذا طبيعي بالنسبة لقاص مبدع مثل زمن
عبد زيد يجد الحالة العادية مجسمة ومكبرة أمامه لذا فهو يحاول أن يكوّن
صورا أخرى ذات أبعاد شاسعة،وبعض القصص في المجموعة كما قرأتها قد بني
على معيار رمزي شامل، هذا الرمز الذي لا يقطع صلته بالواقع رغم رفضه
لأنه يريد تجسيمه وإدانته وبالتالي هذه السردية الرمزية والتي استند
عليها الفعل القصصي قد شكلت مهيمنا سرديا في قصة (القوارض، ونكتة مميتة
جدا) يقول القاص المبدع من قصته).
يلبس الثياب المرقعة واقصد (بقايا الثياب) لم يستقر في منزل ثابت(صيفا)
(ثم يدور حوار بينه وبين الصحفي.... حوار يكشف بجلاء عالم بطل القصة
الذي لم يكن بعيدا تماما عن مفردات عالمنا إلا أن القاص بمهارته وبثراء
سردي يتساءل بلسان بطله عن الانسلاخ من الواقع والبحث عن الخلاص
الإنساني المتمثل في حيرة الإنسان وهو يواجه الجبروت يقول:
- سيدي مار أيكم بالعدالة؟
- العدالة أن تعتدل
- اعتدل بقامته
- سيدي ماهو مشروعكم لتوزيع الثروة؟
- لدينا مشاريع..
وشرع يبتسم، ثم شرع يتلمس ربطة عنقه، وشرع مرة أخرى.
أما إيناس البدران فأن السمات الدلالية في قصصها تتسم بكثافة الحدث أو
الصورة المنتقاة والأسلوب الشيق وتكشف عن الدلالات الرمزية في متواليات
النص وتأسيسا على ذلك فأن قصة (الصدع) تلتحم بها الأحداث بشكل يكاد
يكون تلقائيا وعفويا، أو هكذا يبدو للقارئ. تقول القاصة المبدعة
البدران في بنيتها الاستهلالية من قصة الصدع:
مع كل صدع هنالك دوما فسحة يتسلل منها النور.. حين ناداه صوتها المعافى
مؤنسا خوار غرفته كان في خضم البحث عن اسم لذلك الشيء الذي استوطنه
كوباء. اسم يعبر عن حالة الانزواء في ابعد نقطة للنفس"ويستمر الاستطراد
السردي في تحريك النص وقد أعطت القاصة لهذا الاستطراد بعدا جماليا حيث
تنامى النص القصصي وحققت من خلاله ارتقاء لغويا في تجسيد حالة الصراع
بين الذات وما تعانيه من قهر اجتماعي ونفسي وانكسارات وأحداث وقد مهدت
له بــ(الغربة الاجتماعية)تقول: (أيقن إن الوحدة حالة إنسانية لا
يملأها أي من البشر وان التعود عليها يعني الاكتفاء والاستغناء عن
مشاعر الآخرين المتحولة الزائلة"... وفي موضع أخر تقول: (ذات يوم نصحه
صديقه الوحيد باللجوء إلى طبيب نفسي الذي أشار عليه بدوره بمساعدة
نفسه".. وهذا يدل على قدرة القاصة على سبك الحدث والعقد وصياغة الشخصية
وفق رؤية فنية تجسد منهجها إزاء الحياة والواقع والواضح أن إيناس
البدران في هذه القصة وفي بقية قصصها لا تعتمد أسلوب السرد المباشر في
استجلاء معالم وطبائع الشخصية التي حركتها بضمير الغائب لذلك فقد
استخدمت لغة متمكنة لرسم الشخصيتين الرئيستين في القصة وحواراتهما ووصف
حالات الترقب في مواجهة الفشل والعجز الخطير في الميزانية أو إزاء
الهيئة الاجتماعية التي أختار العزلة في مواجهتها، ومن قصص ايناس
البدران أيضا قصة(الليلة الأولى بعد الألف) حيث تنشغل القصة بالتاريخي
وتهجس به بغية تعميق وعيها به وإعادة قراءته من اجل إعادة تأويل أبعاده
ودلالاته تحت الضغط الراهن المستفحل بأزماته وانهياراته الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية وذلك من أجل الوصول إلى إجابات عن أسئلة الراهن
فضلا عن محاولة نقل كتابة التأريخ روائيا من مستواها الرسمي الشعبي وما
يمكن أن تشكله هذه المحاولة من تصويب وتحديد واقعي لسيرورته، الأمر
الذي يجعل هذه العلاقة تعكس في مضمونها أبعادا فكرية وسياسية وجمالية
تجعل هذه القصة تبني سياقها الفكري والجمالي بعيدا عن الارتهان الرسمي
السائد ولذلك تكون هذه الكتابة حفرا في الماضي وإضاءة جديدة ومختلفة
تسعى لتلمس الواقع الحقيقي وتحولاته واستنطاق دلالاته ومعانيه بما
يجعلنا قادرين على وعي الواقع الراهن ومآلاته العاثرة من دون أن يعني
ذلك الارتهان إلى الفكري والسياسي والتاريخي على حساب الفني والجمالي
في هذه القصة التي تحاول أن تستوعب التأريخ بصورة طرحت معها قضايا
عديدة تخص علاقة (التخيلي بالواقعي)ووظيفة الواقعة ودورها داخل بنية
السرد الحكائي وتعود ضمائر الرواة بما بينهم في تعدد الخطابات
والرؤى..وفي القصة اهتمام بالزمن وهذا ما نلاحظه في العودة إلى الماضي
تقول القاصة: (بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أن ذات الخال
كانت فتية مليحة الوجه والصوت اشتهرت بخال كحبة عنبر على صفحة خد
كالبلور حتى صارت تنادى به بعد أن نسي الناس اسمها" فهي تحاول إعادة
بناء وتشكيل الواقع وأحداثه من خلال هذا التناص التاريخي (شهرزاد،
شهريار، والخليفة) والمعروف أن الزمن هنا يحيلنا إلى حركة القص في هذه
المأثورات ولذلك فأنه يبدو أطول بكثير من الزمن على مستوى الوقائع فهي
تقدم (أدبية النص) من خلال تشاكلها الثنائي (القصصي _ التاريخي) وبهذا
قدمت وعيا عميقا آخر وبالتالي فإنها تجاوزت بإبداع وبمثابرة المدى
المنظور للشخصية القصصية.
أما القاص المثابر زيد الشهيد فهو دافق اللغة كعادته واللغة عنده تنتج
المعنى وتتسم معظم قصصه بكثافة الحدث فهو يمزج صفات واقعية معروفة لبعض
الشخوص ويخلق منها شخصيات قصصية ذات وجود واقعي متميز يزداد وضوح
معانيها ومعالمها وأدوارها خلال مراحل كل منها وهو بهذه الانتقالات
التي حققها في قصصه قد أسهم في اغناء وتعميق شخوصه. لقد اهتم القاص بكل
ما يتعلق بشخصيته والمتتبع لفعل القص عند زيد الشهيد يلاحظ انه يستند
على جملة قصصية ذات نبرة حقيقية مشحونة برؤيا الشعر وخيالاته واهم ما
تمتاز به شخصياته هو تلقائيتها في الحياة وعمق دلالاتها وهذه السمات
بتقديري تشكل أعمدة قصص زيد الشهيد فهي تغري بتجريب لون من المقاربة
السوسيولوجية لها من دون محاولة لقسرها. يقول زيد الشهيد من قصة(تمام):
(أدخلتها العتمة موشور الضوء مستبيحة مساحة الانبهار المنهمر من البؤرة
المهيمنة في الانوجاد الفضائي الحالك للغرفة الحسيرة" وهكذا تنبثق
الدوال في المتن القصصي عند زيد الشهيد لتشكل مساحة سردية في (الحكايات
عند الغرف المغلقة) وهي سمة دلالية أخرى يشترك مع حميد المختار وزمن
عبد زيد وإيناس البدران.. بوشائج فنية على الرغم من إن كل واحد منهم
يمثل جيله ورؤاه وتفرده وتمايزه وأسلوبية بنائه.. فحميد المختار منذ أن
كتب (رجل في علبة سردين) يحاول أن يحقق مستويات بلاغية خاصة به ثم حقق
علوه الإبداعي في (خان الدراويش).. وزمن عبد زيد وهو ينتمي لجيل له
تشوفه الخاص كتب بمثلث سردي وقصص ميكروسكوبية له أيضا سمات دلالية
يلتقي بها بمسارات أخرى مع تجارب حميد المختار وإيناس البدران وزيد
الشهيد. والذي أريد أن أقوله هو أن العامل الذي يتحكم في بنية القصة
العراقية وفي السمات الدلالية أما عامل من خارجها أو أن يكون وليد
العلاقات المعقدة التي يرسمها أفق الشخصيات، وفي بعض القصص التي قيض لي
أن اقرأها يمارس المؤلف دورا مباشرا في سياق قصته أي يقوم بشكل مباشر
بعملية ضغط على شخصياته يستنطقها ما يريده هو.. أي أن الأفكار
والملاحظات تأتي في غالبيتها من خارج حقل الممارسة الاجتماعية الذي
تنقله القصة أنها بشكل أساسي مواقف تخضع للتحولات والتبدل لكنها تحافظ
على سماتها المبدئية.. وهنا تكمن عظمة وأهمية هذه القصص التي تحدثت
عنها.. من حميد المختار وزمن عبد زيد وزيد الشهيد وإيناس البدران
وكـــــل المبدعين الذين تركوا في سماوات الإبداع نجومهم الزاهية.
البناء الشعري.. في النقد العربي القديم..
عرض/ عبد الكريم الوائلي
البناء في اللغة.. ضم الشيء بعضه ال بعض، وفي الاصطلاح ورد عن قدامى
النقاد بمعنى التركيب او الصياغة او النضم، وانطلاقاً من هذا المفهوم
اصبحت كلمة البناء تعني الكيفية التي تنتظم بها عناصر مجموعة اي انها
تعني مجموعة اي انه تعني مجموعة من العناصر المتماسكة فيما بينها بحيث
يتوقف كل عنصر على باقي العناصر الاخرى وبحيث يتحدد هذا العنصر بعلاقته
بتلك العناصر وتكون هناك اسبقية منطقية للكل على الاجزاء اي ان اي عنصر
من البنية لا يتخذ معنا الا بالوضع الذي يحتله داخل المجموعة بمعنى انه
لاتوجد اي قيمة للوحدات او العناصر اللغوية.
تتألف رسالة الاستاذ عقيل جاسم العذاري من مقدمة وخمسة فصول.. جاء في
الفصل الاول.. هيكل النص والبناء اللغوي والشكلي.. يبدو ومن العبث ان
نحدد تاريخاً معيناً لنشأة الشعر طافية من تعبير عن المشاعر والاحاسيس
التي تجول في خاطر الانسان ونفسه وهي قديمة، من دون ادنى شك قدم
الانسان نفسه ومن هنا يسوغ لنا القول بان الجاحظ انا عني من تحديده
لنشأة الشعر العربي بنحو مائة وخمسين عاما في نصه المشهور (اما الشعر
فحديث الميلاد صغير السن اول ن نهج سبيلة وسهل الطريق اليخ امرؤ القيس
والمهلهل بن ربيعة تلك القصيدة المتكاملة النضج التي تتألف من اجزاء
وعناصر مترابطة فيما بينها.
اما الفصل الثاني من الرسالة.. فقد بدأ الكاتب عن البناء الشعري وقضية
اللفظ والمعنى.. حيث يقول..لا شك ان النص الشعري كيان هي ينصهر فيه
الشكل بالمضمون او اللفظ بالمعنى ويمتزجان امتزاجا كاملا بحيث لا يبدوا
احدهما مستقلا عن الاخر ولا يمكن ان يوصف كل منهما على انفراد بانه فتي
لان البنية قائمة بينهما هي وحدها الفنية)). فالشكل والمضمون مظهران
اصطلاحيان لجوهر تجربة شعرية واحدة لا يمكن الفصل والمفاضلة بينهما.
اما الفصل الثالث.. فقد احتوى على الالفاظ في البناء الشعري من حيث
الغرابة والجزالة والايحاء والتكرار، اللفظ الغريب هو ما كان بعيد
الفهم او لم يكن مفهوما لدى العامة، وليست الغرابة اخلالا بالفصاحة
اللغوية.... ولعل استعمال اللفظ الغريب يمثل اتجاها شعرياً خاصاً، له
انصاره ومؤيديه من علماء اللغة.
ولذلك ينكر على الشاعر ابي تمام قوله:
قدك اتئب اربيت في الغلواء
كم تعذلون وانتم سجرائي؟
لانه عمد الى حشو الغريب في مصراع واحد لم يفرقه على طريقة الامدي فصار
قوله (( قدك اتئب)) كانه كلمة واحدة على وزن (مستفعلن).
اما الفصل الرابع فيحدثنا الباحث العذاري عن البنية في التراكيب
والوضوح والغموض ووحدة النسج.
ربما تشكل قوة التاثير في المتلقي نقطة ارتكاز الموقف النقدي العربي من
وظيفة الشعر ومدار تلك الوظيفة التأثيرية حول وضوح العبارة لان
((الكلام اذا وضح استطاع ان يصل الى المتلقي ويحدث الامر المطلوب
منه)).
ولذلك لم يستسغ النقاد قول العباس بن الاحنف:
ساطلب بعد الدار عنكم لتقربوا
وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
على لطافة معناه ورشاقة الفاظة لغموض المعنى.
اما الفصل الخماس والاخير من الرسالة.. فيحدثن الغراري عن انماط
التصوير.. الصورة التقديرية.. والصورة الايحائية..
لقد تبلور مفهوم البناء الشعري في الفكر الفقدي العربي بمعنى التركيب
او الصياغة ويعد الجاحظ اول من وضع اسس ذلك المفهوم او اسس لذلك
المصطلح النقدي من خلال حدة الشعر الذي يقوم عنده على الصياغة
والتصوير، والنظرة المتطورة للشعر التي تلتقي مع الفكر النقدي المعاصر
والتي يتخلص منها مفهوم الشعرية او البناء الشعري بانه نظام من
العلاقات.
واخيراً.. فان رسالة الدكتوراه للاخ عقيل جاسم الغراري والتي نال بها
الدكتوراه في اللغة العربية بدرجة جيد جداً.. جديرة بالقراءة لتضاف الى
المكتبة العراقية والمكتبة العربية خدمة للباحثين وطلاب العلم.
وفق الله الدكتور الغراري.. على هذا الانجاز الرائع ومن الله التوفيق..
أقيم منازل للنمل لا يسكنها
كاظم الجماسي..التغيير ألغى الحدود الوهمية بين برزخين
فهد الصكر
يكاد أن يوصف المشهد السردي شأنه شأن المشهد الابداعي الثقافي
العراقي.بمارد أزيل غطاء قمقمه فأنطلق بعد طول أحتباس أنطلاقا يبدو
للناظر المتعجل فوضويا وعشوائيا..غير أنه بالنسبة للناظر المتريث روحا
منظمة غاية بالدقة.ولكنه يلبس لبوس الفوضى.وربما كان للتغيير فضيلة
ألغاء الحدود الوهمية القسرية بين برزخين.
أدب المحنة في الداخل وأدب المنافي.وهما في الحقيقة نتاج روح عراقية
خالصة وواحدة في ذات الوقت.
هذا بعض بوح القاص والاعلامي_كاظم الجماسي- الذي أحتفت به جمعية
الثقافة للجميع الخميس الماضي 22/10/2009 قارئا لي ومشخصا المشهد
السردي في ثقافات ما بعد التغيير.متحدثا عن تجربته الادبية في عوالم
القصة في رؤى لا تحتمل التأويل من خلال قراءته لشهادته المعنونة ((اقيم
منازل للنمل لا يسكنها)) اذ يبوح مرة اخرى.
النملة ماضية في كدح البناء، تريد ان تقيم بيتاً لتسكنه او لا تسكنه،
بالنسبة لها لا فرق، هي ماضية في كدحها وكفى، الفارق الوحيد بين
خياريها سيكون معنياً به، اذ سأحيله، وهي لحظة مناي، اموراً تحسبها
شتى، حفرة او قصرأً، الحفرة مربعة او دائرية، تتصل فيما بعد بحفر اخرى،
عبر مسالك سرية. تومئ ولا تبوح، في ايلاماء ساوجد، كلب يتشمم، روائح
السوائل بحذق فريد، رائحة الدم الفريدة، الدم لونان، واحد يولد، واخر
يموت.. سأجهد في الفرز والتحديد، دقة اكثر فاكثر، الحياة في السوائل))
ليضيف في لجة القصة وعياً اخر ((لم تزل القصة حية، نابضة في صدغي،
وجيبها يرتفع، يتسارع مادام الشطب، الممحو لم يفتأ حياً هو ايضاً،
تمسي الورقة البيضاء ورقة بيضاء، فيما القلم روح هائم يخبط كما
الضرير، خبط عشوائي في ليل بهيم، النسغ جمرة في حبره هي وحدها تهديه
سواء السبيل، السبيل الذي من المحتم ان ينبلج على الرغم من عنت الظلمة،
الان او بعد حين، شاخصاً في رسالة، تجهل ألماً قبل وألماً بعد.
تنشئ ذاتها من نسيج ذاتها... كل مناذرة مفردة في الكون.
ليبوح بصوت عالٍ مختتماً شهادته ((فأنبشوا ما ترتؤون ايها الاخوة
الالداء، ان القصة وحدها كيفلة بالمؤاخاة بين رسائلكم على اصقاع روحها
الشاسعة)) ليجئ صوت الشاعر والاعلامي (احمد المظفر) معبئاً بالدفأ
والموسيقى وهو يصدح قارئاً قصه ((الديك)) للقاص (كاظم الجماسي) من
مجموعته الاولى (لغو... لا... اكثر) حيث قرب تفاصيلها لنا بنفس وروح
الكاتب.
هذه المجموعة التي اشاد بها الناقد (بشير حاچم) وطالب الكاتب بأعادة
طباعتها مرة اخرى لثراءها الفني والادبي، حيث نشرت في زمن الاستنساخ،
والذي اسميه قاصداً ((مرحلة المنشور السري)) وفعلاً كلفته المجموعة
المسائلة الامنية من قبل ضابط الامن في وزارة الاعلام انذاك.
وتحدث الناقد (حاچم) في مداخلته ((لكاظم الجماسي امكانية في تحويل
الاعتيادي الى استثنائي، اي تحويل الحكائي الموضوعي الى قصصي فني، هذا
واضح جداً في نصوصه الاخيرة المنشورة في الصفحات الثقافية للصحف
والمجلات العراقية، لكنه واضح ايضاً منذ مجموعته الاولى، والوحيدة حتى
الان، وهي ((لغو... لا... اكثر)) ويتم هذا التحويل عبر التقنيات
الحديثة للسرد القصصي فضلاً عن استثماره ((الاليغورية)) و((المفارقة))
لاحداث صدمات استقبالية لدى المتلقي.
وتحدث الشاعر (علي العقابي) عن تجربة القاص (كاظم) مؤكداً التقاطه
المغاير في سردياته القصصية التي اكدت حضورها في المشهد القصصي
العراقي.
ويذكر ان القاص (كاظم الجماسي) كتب العديد من سيناريهات افلام وثائقية
وفاز سيناريو (ميزوبوتاينا) بالجائزة التقديرية في مهرجان القاهرة
الدولي وكان من انتاج الفضائية العراقية، وله تحت الطبع مخطوطتان
رواية، الكلمة الاولى للقصيدة، ومجموعة قصصية (وساوس) واخرى مازال
عنوانها قيد المخيلة.
وفي ختام الاحتفالية قدم الدكتور (عبدجاسم الساعدي) هدية الجمعية
للمحتفى به.
ضيف الخميس- القاص والاعلامي- كاظم الجماسي
قدم الاصبوحة الفنان التشكيلي- قاسم العزاوي
لـعـيون العـــجب
هزاع مقبل
كلُّنا والترابُ هنا للعجبْ
كلّنا والسحابُ
ورقصُ السنين هنا للعجبْ
كلّنا ها هنا عجبٌ في عجبْ
لعيون العجبْ
كلّنا يزدهي ببناء العجبْ
كلّنا راكضٌ رافلٌ بالعجبْ
نبضنا عجبٌ
عشقنا كلُّهُ عالقٌ بالعجبْ
لعيون العجبْ
كلُّنا واهبٌ زاخرٌ بالعجبْ
كلّنا نافخٌ روحَهُ في العجبْ
كلّنا واحدٌ فوق وحدتنا
بخيوط العجبْ
لعيون العجبْ
قد مددنا البلاد بوحدتها
ساحةً روضةً
لحياة العجبْ
فلتعش آمناً هانئاً يا عجبْ
لا تخفْ ما ترى
من نفور الهوى
والخطى.. لا تخفْ
كلُّ خَفْقٍ بنا في حدود العجبْ
كلّ أحلامنا حطبٌ دائبٌ
مثل أيامنا- وعليها اللّهبْ
لا تخف أبداً من زوابعنا
من مناراتنا وشراراتنا
من صواعقنا وطوافِ الغضبْ
ذاك في زهونا بعض ما يقتضي
فَنُّنَا في العجبْ
لا تخف يا عجبْ
نحن نُعلي الهوى
أنت تدري بنا
وصباباتنا لم تزل بالندى
ملءَ صدر السماء على جِدِّها
ما انطفت مَرَّةً
وحمائمها لا تكفُّ الصَّخَبْ
ذاك في رسمنا بعض ما يقتضي
طولُنا في العجبْ
فلتعش يا عجبْ
آمناً هانئاً
لن تنال يدٌ للزمان يداً
ها هنا تصنعُكْ
لن تجيء الفصولُ التي لا تحبُّ
ولا أيُّ ريحٍ لها أن تمرَّ
بما يوجعُكْ
لن يقلَّ الجدارُ الحصين بنا
لن يقلَّ الفداءُ
وتدري بنا
إننا مَجْمَعُكْ
فلتعش يا عجبْ
أرضنا جنةٌ
وبنوها ذهبْ
عربٌ يا عجبْ
كلُّنا واحدٌ فوق وحدتنا
خالصٌ للعجبْ
قد قلبنا الحياة على حاجبيها
قلبنا الزمانَ
مضينا على الخُلْف في كلِّ قصدٍ
قلبنا الأسامي
قلبنا المعاني
قلبنا الدروبَ
قلبنا الخطى
وقلبنا الرُّتَبْ
فلتعش يا عجبْ
لم يعد أحدٌ
حافظاً وتراً
من أصول الهوى
لن ترى بيننا
من له ذِكْرٌ لمنابعهِ
من يميلُ بنا لمساراتنا
من يقيمُ مدىً
أو يعيد الخُطبْ
فلتعش يا عجبْ
لا أميرٌ هنا |