|
فدك في التاريخ
الحلقة العشرون
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في
السلطان إلا بمقدار ما يتصل بصالح الأسلام أن يسألوا رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم عن خليفته أن يطلبوا منه أن يعين لهم المرجع
الأعلى للحكومة الأسلامية من بعده ، وقد طال المرض به أياما متعددة ،
وأعلن فيها مرارا عن قرب أجله ، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن
كيفية غسله وتفصيلات تجهيزه ، ولم يقع في أنفسهم مطلقا أن يسألوه عن
المسألة الأساسية ، بل لم يخطر في بال اولئك الذين أصروا على عمر بأن
يستخلف ولا يهمل الامة وألحوا عليه في ذلك خوفا من الفتنة أن يطلبوا
نظير هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهل ترى أنهم كانوا
حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بفتن كقطع الليل المظلم ؟ ! حتى إ ذا لحق سيد البشر بالرفيق
الأعلى توهجت مشاعرهم بالغيرة على الدين ، وملأ قلوبهم لخوف من الفتنة
والانعكاسات السيئة
.
أو تعتقد معي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اختار للسفينة
ربانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون ! ! دع عنك هذا واختلق لهم ما
شئت من المعاذير ، فإن هؤلاء الغيارى على الأسلام لم يكتفوا بترك
السؤال ، بل منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مقاومة الخطر
المرتقب حينما أراد أن يكتب ( كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا )
والفتنة ضلال ، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبدا فهل كانوا يشكون في
صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو يرون أنهم أقدر على الاحتياط
للأسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبي الأسلام ورجله الأول ! وخليق
بنا أن نسأل عما عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتن التي جاء
ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اخريات أيمه إذ يقول : لينهكم ما
أصبحتم فيه قد أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم ولعلك تقول : إنها فتن
المرتدين ، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو : أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم كان يتخوف على موتى البقيع من الارتداد ، فأما إذا لم يكن
يخشى عليهم من ذلك كما - هو في الواقع - لأنهم على الأكثر من المسلمين
الصالحين ، وفيهم الشهداء فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الأيام ؟ ولا
يستقيم في منطق صحيح أن يريد بهذه الفتن المشاغبات الاموية التي قام
بها عثمان ومعاوية بعد عقود ثلاثة من ذلك التاريخ تقريبا
.
وإذن فتلك الفتن التي عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن
تكون فتنا حادثة بعده مباشرة ، ولا بد أيضا أن تكون أكثر اتصالا بموتى
البقيع لو قدرت لهم الحياة من فتن الردة والمتنبئين . وهي إذن عين
الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها : ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم
لمحيطة بالكافرين .
وهل من غضاضة بعد أن يصطلح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بالفتنة أن تمنح لقب الفتنة الاولى في دنيا الأسلام
.
وقد كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة من ناحية اخرى ، لأنها فرضت
خلافة على امة لم يقتنع بها إلا القليل من سوقتها الذين ليس لمثلهم
الحق في تقرير مصير الحكم في عرف الأسلام ولا في لغة القوانين
الدستورية جميعا .
تلك هي خلافة الصديق ( رضي الله تعالى عنه ) عندما خرج من السقيفة (
وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى أزبد شدقاه ) وجماعته تحوطه ( وهم
متزرون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده
فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى )
ومعنى هذا أن الحاكمين زفوا إلى المسلمين خلافة لم تباركها السماء ولا
رضي بها المسلمون . وأن الصديق لم يستمد سلطانه من نص نبوي - بالضرورة
- ولم ينعقد الأجماع عليه ما دام سعد لم يبايع إلى أن مات الخيلفة ،
وما دام الهاشميون لم يبايعوا إلى ستة أشهر من خلافته - كما في صحيح
البخاري. قالوا : إن أهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى . ولكن ألا يحتاج
هذا المفهوم إلى توضيح وإلى مرجع يرجع إليه في
ذلك ؟ فمن هو الذي اعتبر مبايعي أبي بكر أهل الحل والعقد ، وأعطاهم هذه
الصلاحيات الواسعة ؟ ليس هو الامة ولا النبي الأعظم ، لأننا نعلم أن
أبطال السقيفة لم يأخذوا أنفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر ، ولم
يستفتوا المسلمين في تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح عليهم في
العرف القد يم بأهل الحل والعقد
.
كما أنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء هذه
الصلاحيات لجماعة مخصوصة ، فكيف تمنح لعدد من المسلمين ويستأمنون على
مقدرات الامة بغير رضى منها في ظل نظام دستوري كنظام الحكم في الأسلام
كما يزعمون ؟ ! ومن العجيب في العرف السياسي أن تعين الحكومة نفسها أهل
الحل والعقد، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا. وأعجب من ذلك إخراج علي
والعباس وسائر بني هاشم وسعد بن عبادة والزبير وعمار وسلمان وأبي ذر
والمقداد وجميع أهل الحجى والرأي - على حد تعبير ابن عباس لعمر - من
أهل الحل والعقد إذا صح أن في
الأسلام طبقة مستأثره بالحل والعقد . وقد جر وضع هذه الكلمة في قاموس
الحياة الأسلامية إلى تهيئة الجو لأرستقراطية هي أبعد ما تكون عن روح
الأسلام وواقعة المصفى من الطبقية والعنعنات
.
وهل كانت تلك الثروات الضخمة التي امتلأت بها أكياس عبد الرحمن بن عوف
وطلحة وأضرابهما إلا بسبب هذا اللقب المشؤوم على الأسلام الذي لقبوا به
، فرأوا أنهم من الطراز الرفيع الذي يستحق أن يملك الملايين ويتحكم في
حقوق الناس كما يريد ؟. وقالوا : إن الأكثرية هي مقياس الحكومة الشرعية
والمبدأ الذي لا بد أن تقوم على أساسه الخلافة.
وقد استهان القرآن الكريم بالأكثرية ولم يجعل منها في حال من الأحوال
دليلا وميزانا صحيحا إذ جاء فيه
: (
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله )
)
واكثرهم للحق كارهون )
) .
وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) (ولكن أكثرهم يجهلون )
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحاح السنة أنه قال :
( بينا أنا قائم - يعني يوم القيامة على الحوض - فإذا زمرة ، حتى إذا
عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، فقلت أين ؟ فقال : إلى
النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم
هم القهقرى - إلى أن قال - : فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ).
ولا يمكن أن تكون هذه الأكثرية الجهنمية التي حدث عنها رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم مصدر السلطة في 65 الأسلام ، لأنها لا تنشئ بطبيعة
الحال إلا خلافة مطبوعة بطابعها.
وإذا خرجنا بالأكثرية عن حدود المدنيين الذين عرفنا أنفا مراكزهم
الجهنمية على ا لأغلب في الحياة الخالدة ، واعتبرنا أكثرية المسلمين
عموما هي المقياس الصحيح ، فلا بد أن نلاحظ أن المدينة هل كانت وحدها
مسكن المسلمين ليكتمل النصاب المفروض بالأكثرية المدنية أو أن أبا بكر
لم يكتف بها وإنما بعث إلى المسلمين المنتشرين في أرجاء المملكة بالخبر
ليأخذ آراءهم ويستشيرهم ؟ ! كلا لم يحدث شئ من ذلك وإنما فرض حكومته
على آفاق المملكة كلها فرضا لا يقبل مراجعة ولا جدالا حتى أصبح التردد
في الخضوع لها جريمة لا تغتفر وقالوا : إن الخلافة تحصل ببعة بعض
المسلمين ، ولا ريب أن ذلك قد حصل لأبي بكر . ولكن هذا مما لا يقره
المنطق السياسي السليم ، لأن البعض لا يمكن.
الامام علي (ع)..في الفكر المسيحي المعاصر
راجي
أنور هيفا
لو وقفنا أمام كل مفكر أو باحث مسيحي ممن كتبوا عن سيرة محمد المصطفى
(ص) عموماً, وعن الامام علي المرتضى “عليه السلام” خصوصاً,
واستنطقناهم سائلين: لماذا الامام علي!!... أو بتعبير أخر: ماذا وجدتم
في شخصيتة الامام علي “عليه السلام” حتى كتبتم عنها دون غيرها على
الرغم من أنه لم يكن رسولاً مرسلاً كالسيد المسيح أو كالنبي المصطفى؟
لا شك في أننا لا نملك الحق في الاجابة نيابة عنهم, ولكن الذي يملك
الحق في الاجابة عنهم حقاً هو ذلك الكم المميز من كتبهم التي خطتها
أقلامهم المحايدة عن شخصية الامام "كرم الله وجهه”.
فهم بلا ريب, وكما ذكرنا سابقاً,قد غاصوا في كتب التأريخ وفي مؤلفات
الرواة, وحتى في الكثير من دواووين الشعر العربي, باعتبار أن الشعر
ديوان العرب, ثم أعملوا فكرهم واستخدموا نور بصائرهم الى جانب نور
أبصارهم في تدقيق وتمحيص الاحاديث والروايات الواردة عن أهم وأدق
الاحداث المفصلية الهامة في تارخ الرسالة الاسلامية, أي منذ ولادة
الرسالة وحتى ما بعد وفاة الرسول الاعظم (ص).
ولا ريب أيضاً في أنهم قد استطاعوا بعد أن اجلسوا العقل على كرسي
القاضي وأخرجوا العاطفة من محكمة العقل, أن يميزوا الاحاديث التي قالها
الرسول المصطفى (ص) حقاً من الاحاديث التي وضعت على لسانه في أوائل عهد
المحنة الاسلامية الثانية, محنة استلام الامويين للحكم وتحكمهم
بالعبادة وتسلطهم على الرقاب, وهي المحنة الثانية التي أعقبت محنة
الاسلام الاولى, ونقصد بذلك الاجتماع في سقيفة بني ساعد الذي أدى الى
حرف الاسلام الذي جاء به المصطفى (ص) عن مساره الصحيح وعن غاياته
الالهية المنشودة.
وبعد أن أنتهى أولئك الفكرون المسيحيون من عملية التحقيق والتدقيق
وسمحوا للعقل بالنطق بالحكم, وقف ذلك العقل المسيحي المحايد ليطلق حكمه
قائلاً:
إذا كان مفهوم الاسلام قد ارتبط بالتصديق بمحمد (ص), فان مفهوم الايمان
قد ارتبط بولاية الامام علي أبن ابي طالب الذي كرم الله وجهه.
والحقيقة, إن هذه النتيجة التي خرج بها المفكرون المسيحيون لم تأت من
فراغ ولم تبن على أوهام, بل أتت من حقائق ثابتة مبنية على أسس راسخة
وحجج مقنعة لا تقبل الرد أو الطعن. ويكفي أن نقول ان المفكرين والادباء
المسيحين لم يأتوا بحججهم القوية إلا من القران الكريم أولاً, ومن
الاحاديث النبوية الشريفة ثانياً.
وعلى سبيل المثال, ماذا سيقول الباحث المسيحي عندما يقرأ ما نقله أبو
سعيد الخدري عن رسول الله (ص) في علي: "حبك ايمان, وبغضك نفاق, وأول من
يدخل الجنة محبك وأول من يدخل النار مبغضك"؟!
وماذا سيقول أيضاً عندما يقرأ ما نقله أنس بن مالك عن رسول الله (ص)
عندما قال أمام أصحابه: "عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب"؟!
بل, وما هو الموقف الذي سيتخذه عندما يقرأ عشرات الاحاديث النبوية
الشريفة التي قيلت في أهل البيت عليهم السلام عموماً, وفي علي أمير
المؤمنين خصوصاً؟!
ثم, لو أن ذلك الاديب أو الباحث المسيحي وقف وتمعن في قراءة تفاسير
معظم الايات القرأنية الشريفة التي تخاطب المؤمنين, كقوله: "يا ايها
الذين امنو.. ", ألن يرى فيها الشيء العجيب والمثير نتيجة تبيان الله
سبحانه وتعالى لفضائل الامام علي وأهل بيته الاطهار الكرام؟!
وعلى أية حال, دعونا الان – أيها الاحبة القراء – نقوم بجولة خاطفة
جداً مع باقة صغيرة من الاحاديث الهامة التي جاءت تصف مكانة الامام علي
وأهل بيته, والتي كان لها الدور البارز في جعل الكتاب المسيحيين يشمرون
عن سواعدهم ويجادهون بأقلامهم ومدادهم من أجل إجلاء الغبار عن وجه بعض
الحقائق الهامة, ومن اجل مساندة الحق منطلقين في ذلك من قوله رسول الله
الانسانية الكريم, محمد بن عبد الله (ص): "مداد العلماء خير من دماء
الشهداء" ومن قوله المشهور أيضاً: "العلماء مصابيح الارض وخلفاء
الانبياء وورثتي وورقة الانبياء”.
وانطلاقاً من ذلك, فما من مفكر مسيحي الا وكان له رأي خاص مبني على عدة
عوامل, ومن هذه العوامل جملة الاحاديث النبوية الشريفة المنتشرة في كتب
السنة والشيعة على حد سواء. ومن هذه الاحاديث النبوية الشريفة بشأن
مكانة الامام علي وأهل بيته الكرام عليهم السلام يمكننا ان نذكر هذه
الباقة الصغيرة منها, والتي أخذناها من كتب المسلمين السنة, وكان لها
الدور البارز في دراسة وتحليل واستنتاجات المفكرين المسيحيين عن
المكانة الحقيقية للامام علي "كرم الله وجهه”.
فقد روى الحافظ أبو جعفر أحمد بن عبد الله الشهير بالمحب الطبري في
كتابه "الرياض النضرة" أنه قال: وعن أبي بكر قال: رأيت رسول الله (ص)
خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية, وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن
والحسين "عليهم السلام", فقال: "معاشر المسلمين, أنا سلم لمن سالم أهل
الخيمة, حرب لمن حاربهم, ولي لمن والاهم, لا يحبهم إلا سعيد الجد, طيب
المولد, ولا يبغضهم إلا شقي الجد, رديء الولادة”.
أما الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي فينقل لنا في كتابه "إسعاف
الراغبين في سيرة المصطفى" أن الرسول (ص) قال: " لايؤمن عبد حتى أكون
أحب اليه من نفسه وتكون عترتي أحب اليه من عترته, وأهلي أحب اليه من
أهله, وذاتي أحب اليه من ذاته". وأورد الصبان الشافعي في كتابه
المذكور, أيضاً, قوله (ص): "من أبغض أهل البيت فهو منافق”.
ولا ريب في أن أولئك الباحثين والمفكرين المسيحيين قد قرأوا الكثير مما
جاء في كتاب "نور الابصار" للشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي الشافعي حيث روى
عن الرسول المصطفى (ص) قوله الشريف: "من مات على حب ال محمد مات
شهيداً, ألا ومن مات على حب ال محمد مات مغوراً له, ألا من مات على حب
ال محمد مات تائباً, ألا ومن مات على حب ال محمد مات مؤمناً مستكمل
الايمان, ألا ومن مات على حب ال محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى
بيت زوجها, ألا ومن مات على حب ال فتح له في قبره بابان الى الجنة, ألا
ومن مات على حب ال محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة... ألا ومن
مات على بغض ال محمد مات كافراً, ألا ومن مات على بغض ال محمد لم يشم
رائحة الجنة”.
التطور الديمقراطي ومقومات التنمية السياسية
حميد حسين كاظم الشمري
إنّ عملية التنمية السياسية بوجه عام تخلق الظروف والشروط الملائمة
للتطور الديمقراطي، فالتنمية السياسية تهدف في النهاية إلى بناء النظام
السياسي، وإجراء عمليات التحديث عليه ليصبح نظاماً عصرياً ومتطوراً
وديمقراطياً، فالتنمية السياسية بذلك تفترض التخلص من بقايا السلطات
التقليدية بخصائصها التي لم تعد تناسب البناء الجديد، وهذه الحالة
تتطلب وجود عملية مواجهة مستمرة مع البقايا الراسخة التي ما تزال تؤثر
سلباً في اتجاهات الأفراد والمجتمع.
ومثال على ذلك، لابدّ من قيام بعملية نفسية وإجرائية لجعل الأفراد
يؤمنون بأن الحكومة هي آلية من آليات تحقيق أهدافهم ومصالحهم
وطموحاتهم. وهنا من المفروض أن يتسع المجال للتغيير المؤسسي واستمرارية
تغيير النظام السياسي، بحيث يكون لدى الأفراد القابلية للموافقة على
الأشكال الجديدة للسلطة التنظيمات والطرق الجديدة لتداول السلطة.
ومن أجل التطبيق الفعلي للديمقراطية يجب التركيز على مقومات التنمية
السياسية، ونذكر منها:
1.
المشاركة السياسية.
2.
التعددية السياسية.
3. التداول السلمي للسلطة.
4. حماية واحترام حقوق الإنسان.
وسنأتي لاحقاً إلى توضيح هذه المقومات وبشكل مختصر، وسنبين دورها في
تحقيق الديمقراطية والمساواة بين أفراد المجتمع.
أولاً: المشاركة السياسية
المفهوم العام والبسيط للمشاركة السياسية هو حق المواطن في أن يؤدي
دوراً معيناً في عملية صنع القرارات السياسية، هذا في أوسع معانيها،
وفي أضيق معانيها تعني حق ذلك المواطن في أن يراقب تلك القرارات
بالتقويم والضبط عقب صدورها من الحاكم، وهي تعني، عند صموئيل هنتنكتون
وجون نيلسون، "ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون بقصد
التأثير في عملية صنع قرار الحكومة، سواء أكان هذا النشاط فردياً أو
جماعياً، منظماً أو عفوياً، متواصلاً أو منقطعاً، سلمياً أم عنيفاَ،
شرعياً أو غير شرعي، فعالاً أم غير فعال"، وهذا ما ذهب إليه
د.عبدالمنعم المشاط، حيث عرّفها بأنها "شكل من الممارسة السياسية يتعلق
ببنية النظام السياسي وآليات عملياتهُ المختلفة، إذ يكمن موقعها داخل
النظام السياسي في المدخلات سواء كانت التأييد والمساندة أو المعارضة،
ولكنها تستهدف تغيير مخرجات النظام السياسي بالصورة التي تلاءم مطالب
الأفراد والجماعات الذين يقدمون عليها".
والمعنى الأكثر تداولاً لمفهوم المشاركة السياسية هو "قدرة المواطن على
التعبير العلني والتأثير في اتخاذ القرارات سواء بشكل مباشر أو عن طريق
ممثلين يفعلون ذلك".
وهناك نفراً من الباحثين استخدم مفهوم المشاركة السياسية بمعنى "أن
تصدر القرارات العليا تعبيراً عن رغبة المجتمع، ولهذا تتطلب الأمور
ظهور التنفيذ النيابي، ونظم الانتخابات والاستفتاء والاستعانة
بالخبراء".
إنّ العملية السياسية تتم عن طريق ممارسة أعداد كبيرة من اللاصفوة
السياسية، العمل السياسي والاندماج السايكلوجي في العملية السياسية،
وهذا يعني إشراك الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الأثنية والعرقية في
الحياة السياسية العامة، وتمكينهم من أن يلعبوا دوراً واضحاً في
العملية السياسية، أي تكون السلطة عن طريق التمثيل فيها.
وتعتبر المشاركة السياسية بُعداً أساسياً من أبعاد التنمية البشرية،
حيث عرّفها إعلان "الحق في التنمية" الذي أقرتهُ الأمم المتحدة عام
1986 عملية التنمية بأنها عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية
وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان
وكل الأفراد، التي يمكن عن طريقها أعمال حقوق الإنسان وحرياتهُ
الأساسية.
يتضح مما سبق إنّ العلاقة بين المشاركة السياسية والتنمية البشرية، هو
إن الأولى لازمة لتحقيق الثانية، إذ لا يمكن تحقيق أهداف التنمية، بدون
مشاركة فعلية وحقيقية من قبل شرائح المجتمع وبمختلف انتماءاتهم الأثنية
والإقليمية والاجتماعية.
وعليهِ يمكن القول إن المشاركة السياسية تعتبر المظهر الرئيسي
للديمقراطية، حيث إن ازدياد المشاركة السياسية من قبل الشعب في العملية
السياسية يمثل التعبير الحقيقي عن الديمقراطية، ولكن من أجل تحقيق
مشاركة سياسية فعالة يتطلب تواجد مجموعة من الشروط لتحقيق ذلك، منها
رفع درجة الوعي الإسلامي من خلال القضاء على الأمية والتخلف، وحرية
وسائل الإعلام، وحرية الرأي والتعبير، وتقوية وتفعيل التنظيمات
السياسية الوسيطة من الأحزاب وجماعات مصالح وجماعات ضغط وتفعيل دور
المؤسسات والهيئات في الدولة، كمؤسسات المجتمع المدني باعتبارها أداة
مهمة من أدواة مراقبة أعمال الحكومة، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي داخل
المجتمع، وبناء المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب القوى السياسية
الراغبة في المشاركة السياسية، وعند توفير الشروط المذكورة آنفاً فمن
الممكن الحديث عن وجود مشاركة سياسية فعالة من قبل الجماهير، وهذه
المشاركة سوف تعود على المجتمع بعدة فوائد يمكن استخلاصها في هذا الصدد
كما يلي:
1. إنّ المشاركة تعني تحقيق مساهمة
أوسع للشعب في رسم السياسات العامة وصنع القرارات واتخاذها وتنفيذها.
2. إنّ المشاركة تعني إعادة هيكلة
وتنظيم بنية النظام السياسي ومؤسساتهُ وعلاقته بما يتلاءم وصيغة
المشاركة الأوسع للشعب في العملية السياسية وفعالياتها.
3.
إنّ
المشاركة السياسية أضحت أحد المعايير الرئيسية لشرعية السلطة السياسية
في أي مجتمع.
4. إنّ المشاركة السياسية توفر للسلطة
فرص التعرف على رأي الشعب ورغباته واتجاهاته.
5. إنّ المشاركة السياسية توفر الأمن
والاستقرار داخل المجتمع.
6. إنّ المشاركة السياسية تمثل
الإرادة العامة للشعب.
7. إنّ المشاركة السياسية تعني القضاء
على الاستبداد والتسلط والانفراد بالسلطة.
8. إنّ المشاركة السياسية تمثل شرطاً
أساسياً لتحقيق التنمية في المجتمع.
9. إنّ المشاركة السياسية تلعب دوراً
كبيراً في بناء وتحقيق الوحدة الوطنية بين الجميع.
يتضح مما تقدم إن إتاحة الفرصة لجميع سكان الدولة للمشاركة الشعبية
باتخاذ القرارات وإدارة شؤون البلاد، سواء بشكل مباشر أو عن طريق
ممثلين عنهم، أي بمعنى الإسهام في الحياة العامة، يولد الأمن
والاستقرار السياسي داخل البلاد، لأن المشاركة السياسية هي إحدى الشروط
الأساسية للقدرة على رص الصفوف لتحقيق الوحدة الوطنية، وكذلك تحقيق
أهدف التنمية السياسية.
ثانياً: التعددية السياسية
إنّ التعددية السياسية ظاهرة ليست بالجديدة في المجتمع الواحد وإنما هي
ظاهرة قديمة وخير دليل على ذلك في الآيتين الكريمتين، (12، 13 من سورة
الأحزاب)، حيث نجد قول الله سبحانهُ وتعالى (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد
وفرعون ذو الأوتاد)، (وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب)،
والتعددية الحزبية وجدت قبل البعثة النبوية وخلالها، حيث كان المجتمع
المكي هو الوعاء الذي يستوعب جميع الذين يعيشون فيهِ، حيث كانت كل
قبيلة من القبائل تشكل حزباً قائماً بحد ذاتهِ ومستقلاً عن الأحزاب
الأخرى، وكانت الزعامة أي السلطة يتم توزيعها عن طريق الاتفاق بين
الأحزاب أو الكتل التي كانت موجودة آنذاك والدليل على ذلك قول الله
سبحانهُ وتعالى في الآيتين الكريمتين (20 و22) من سورة الأحزاب:
(يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو إنهم بادون في
الأعراب يسألون عن أنبائهم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً)،
(ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسولهُ وصدق الله
ورسولهُ وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً)، الأحزاب المعنية في السورتين
المذكورتين أعلاه هي الكتائب التي كونت جيش مكة المشرك الذي تجحفل لحرب
المسلمين في غزوة الخندق، وقد أشار الرسول محمد(ص) إلى وجود التعددية
الحزبية عند اليهود والنصارى، حيث أكد على إن اليهود تفرقوا على إحدى
وسبعين فرقة وتفرق النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.
ومن خلال الاستعراض السريع لتاريخ التعددية السياسية الذي يهمنا هنا هو
تعريف ظاهرة التعددية الحزبية، فيعرفها د. سعدالدين إبراهيم على إنها
"مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن
نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها.
بينما يعرفها د. محمد عابد الجابري بأنها "مظهر من مظاهر الحداثة
السياسية التي هي أولاً وقبل كل شيء وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس
الناس فيه "الحرب" عن طريق السياسة أو بواسطة الحوار والنقد والاعتراض
والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار السلم القائم على الحلول
الوسطية".
والخلاصة التي نستطيع أن نحددها إجمالاً إنّ التعددية السياسية لها
نماذج عدة، فمنها التعددية الحقيقية ومنها التعددية الشكلية، فالتعددية
الحقيقية قائمة على وجود أحزاب مختلفة من البرامج والأيديولوجيات، وهذه
الأحزاب تتنافس فيما بينها عن طريق الانتخابات الحرة التي تحري بصورة
دورية، أما التعددية الشكلية فهي في إطارها الخارجي تحمل مظاهر
التعددية السياسية، أي تكون من عدة أحزاب، ولكن النظام القائم أقرب إلى
نظام الحزب القائم، وهو الحزب المسيطر، ومن هذا فإن التعددية السياسية
تعني الاختلاف في الرأي والطروحات الفكرية واختلاف في البرامج
والأيديولوجيات والمصالح والتكوينات الاجتماعية والديموغرافية
والاقتصادية.
وعليهِ فمن الممكن أن نميز بين التعددية السياسية والتعددية الحزبية،
فالتعددية السياسية تتصف بالشمولية، أي إنها يجب أن تتضمن تعددية
حزبية، لأنها تمثل قوة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية مختلفة، أما
التعددية الحزبية لا تعني تعددية سياسية، إذا كانت هناك سيطرة كاملة
لحزب واحد وتهميش للأحزاب الأخرى، أي إن التعددية الحزبية جزء مكمل
للتعددية السياسية. |