|
الاسطورة في شعر الجواهري دراسة نقدية
علاء هاشم مناف
ان الادارة المنهجية للكشف عن نقطة الانطلاق المهمة في تأسيس المفاهيم
المركزية والضرورة لفهم وتوضيح المنطق اليقيني في حدود الوعي وانتقاله
في حدود الشعور .. وهو النداء الخفي الذي يتهدج بألق داخلي حدوده
الحرارة ، والبراءة ، والالم وبواعث للايمان والرؤيا الدقيقة لحركة
الواقع الدفينة ، والنضوج في حدود الاضاءة لمساحات واسعة من الحياة ..
وهدوء العاصفة فيها ، وهي الاستثناء في شخصية الشاعر .. حيث الوتيرة
المتصاعدة في اشكالية التحولات والحوافز في العمل في سيرة من التعبير
المعرفي وقد افضى هذا التوتر العلائقي الى نتائج من المستوات المهمة
انتهت بالتجسيد الحي - والتاريخي لفعل التعبير - والسيرة في رحلة
التفجير الشامخة ، وهي تشبه في ميسمها .. تفجر الثورة الابدية في
العراق .. فكانت الولادة في البيت الشعري بشكله العمودي المتجدد ..
صاحب الفعل المنجز ودلالته وضوء الذي شع فأنار الطريق الذي تكامل بفعل
الصدق في التعبير عن بدء من الداخل وهو (( الهدف والمعنى )) والمسلمة
الراجحة داخل مرآة صافية بعمق صفاء شاعرنا المبدع.
والاسطورة عند الجواهري تنطوي عند معنى لا يتحدد بعناصر مصنوعة او
معرفة .. بل هي الرؤية والطريقة التي تقوم بعملية التنسيق بعدد من
العناصر. والاسطورة عند الجواهري دائماً تتعلق بعناصر الجمال من اللغة
والبلاغة وهي مفاهيم تشكل الخلاصة لنتائج دقيقة في الصياغات الاسطورية
في البحث عن خصائص عديدة تتجاوز في محركاتها .. خصائص اللغة والبلاغة.
والاسطورة عند الجواهري كائن حي ومتحرك يتكون من عدة تشكيلات في
الوحدات الاجتماعية والصوتية والنحوية والصرفية والبلاغية والدلالية
حيث يكون ( المفهوم اللغوي ) مفهوم اولي لعدة عينات وكيانات لمنطق
السني ، وهو المقوم الجدلي للكليات ، لكنه خارج اطار عملية الوعي
الارادي.
يقول الجواهري:
فرّ ليلي من يد الظلم
فتخطاني ولم انم
كلما اوغلت في حلمي
خلتني اهوى على صنم
يستمد الوحي من المي
وينث الروح في قلمي
آه يا احبولة الفكر
كم هفا طير ولم يطر
فالبناء اللغوي ينمو وينهض في حركات حية ومحكومة بحركة ( زمكانية )
للاسطورة يعزف لحناً حزيناً وبفاعلية روحية تحلق عالياً متسامية لتضيء
المكان بفاعلية التراكيب والتغيير الذي يحدث في الدلالة بفعل الهواجس
والمعني في مدارات من الفكر.
واللغة عن الجواهري تقوم على اشكالية عقلية وحيثيات منطقية قائمة على
النفس البلاغي والثروة اللغوية جاءت عبر الدراسة الدقيقة لمكونات النص
الشعري وتعاليقه المتجددة نلاحظ ان هنالك مراحل في طريقة البناء الفكري
تعتمد على:
المنطق الروحي + عملية التفكير ومضامينها وما يتعلق بهذا التفكير من حس
اجتماعي وسياسي دفين وعبر مضامين منطقية تحددها التشكيلات الاسطورية.
يقول الجواهري:
مرحباً يا أيها الأرق
فرشت أنا لك الحدق
لك من عيني منطلق
اذا عيون الناس تنطبق
لك زاد عندي القلق
واليراع النضوو والورق
ان الفضاء الاسطوري عند الجواهري .. هو فرضية محكمة تنتقل من الحس في
الزمان الى المكان المتداخل بصيغة الوعي المعرفي ومن الوعي في
الاستقلالية في التفكير ينمو الموضوع في الصورة دخل النص الشعري ،
فيخرج ايقاعاً متوازناً ومتوازياً مع خصائص الحياة المركبة والمعقدة ..
فالاسطورة عند الجواهري هي شحنات من انسجة ايقاعية تغطي العمود الشعري
وتبرز لفخامته البلاغية والحسية بصيغة وتراكيب وخصائص وقوانين في
سياقات ابتداء النص الشعري عبر محمولها المنطقي وما تحمله البنية
للاسطورة لهذا العمود من احتكام الى تنظيم في الوحدات الصوتية والعلاقة
بينهما.
ان اعتماد الجواهري على امتلاكه للحس التراثي والتشكيل الحداثي راح
يعتمد في نسجه الشعري على منطق الخلق البارع للاسطورة في صورة حسية
اعتمدت المنطق في قياسها وفي علاقة وصيغ ( فينومينولوجيا ) فالجواهري
اعتمد الفحص المستمر حتى للأسس التي تنحو المنحنى العلمي والمعرفي
لقيمة المنطق في نظرته الى الواقع الاجتماعي المعاش.
يقول الجواهري:
أنا عندي من الأسى جبل
يتمشى معي وينتقل
أنا عندي وان خبا أمل
جذوة في الفؤاد تشتعل
انما الفكر عارما يظل
ابد الآبدين يقتتل
قائد ملهم بلا نفر
حسرت عنه راية الظفر
فاذا دققنا في قصائد الجواهري نجد هذا الزخم الهائل والمتحول من الفكرة
الاسطورية الى صور تأخذ قوانينها من قوانين الاسطورة الى الشد الذهني
والجو المشحون بالفكرة الطرية التي يخلقها الشاعر عبر هذه المكونات
الذهنية والتي تفصح عن وحدات تركيبية ( الاسى والجبل يتمشى وينتقل ) ان
الاستقلال اللغوي والبلاغي والذهني الذي شكله النص الشعري اعطانا تنظيم
من العلاقة العضوية في القول والحركة والصورة والاسطورة ، ومن العلاقات
الالسنية في تداخلها التوليدي الذي يحكم الترابط في الوحدات داخل
القصيدة.
فاللغة عند الجواهري هي تحليل ( انثربولوجي ) كما هو عند ( شتراوس )
لانه نمو ينهض بكيان اسطوري عبر شتى التكوينات الطبيعية والاجتماعية.
يقول الجواهري:
يا أم بغداد من عدوى تأنقها
مشى التبغدد حتى في الدهاقين
يا دجلة الخير ما يغليك من حنق
يغلي فؤادي وما يشجيك يشجيني
وتتولد الصورة بهذا التعبير وهذا التغير الذهني في الايقاع الاسطوري
والبيت الواحد من القصيدة يعطيك الصورة المتداخلة من خلال شعاع اسطوري
(لخيال وهتاف) يشد السامع الى وحدة فكرية وهي تحمل عدة تعابير فنية
دقيقة وهي التي يتضمنها التعبير عبر عدة معايير بتحصيل الصيغ المعرفية
بأطر موسيقية متدافعة ومتدفقة داخل البيت الشعري الواحد وهو يتقابل
بلقطات مركزة من الموسيقى الداخلية تطرز البيت بالحان ونغمات تؤطر
التركيبة الحسية للبيت لتنظيف جمالاً اسطورياً غريباً.
يقول الجواهري:
يا دجلة الخير ادري بالذي طفحت
به مجاريك من فوق الى دون
ادري على أي قيثار قد انفجرت
انفاسك السمر عن أَنات محزون
أَدري بأنك من الف مضت دهراً
للآن تهزين من حكم السلاطين
يا دجلة الخير كم من كنز موهبة
لديك في القمم المسحور مخزون
لعل تلك العفاريت التي احتجرت
محملات على اكتاف دولفين
والملفت للنظر ان الجواهري ينشد عملية التكرار وهذا يأتي تأكيداً
للصياغات الصورية والايقاعية ، فهو منطق من العفوية الحسية الناضجة في
شبكة القصيدة ، وهذا الموضوع قد ساعد في عملية التوتر والشد العاطفي
الذي يأخذ شكله المتصاعد ليعطي اللغة الشعرية معياراً من النمو
المتزايد والذي أَشره ( دي سوسير ) عبر الدراسات المتعاقبة للصيغ
اللغوية وعبر الكشف الدقيق لقوانين البنية الشعرية ومداخلاتها
الاسطورية داخل الانظمة الالسنية والصوتية وداخل نظم من المفردات
الشعرية التي تجمعها مخيلة الشاعر لعدة من الصياغات والاطر الجديدة في
القصيدة.
من جانب اخر فان التناظر والتحول لم يكن غائباً عن المفاهيم المقومة
للشعر وان بؤر الاهتمام في العلاقة بين التراكب اللغوية والاسطورية هي
في علاقة هذه التراكيب الحية وعلاقة الشاعر بالنص وهذا الرأي حدده (ورد
زورث) و ( كولردج ) واتفاق مسبق مع ارسطو في ان موضوع الشعر هو موضوع
الحقيقة حيث حدد كولردج في الصياغة الجديدة لهذه الحقيقة قائلاً ( ان
الشعر يمثل واسطة عادية بين اطراف العالم والمألوف من جهة والمفردة
الجديدة من جهة اخرى ) ويؤكد في جانب اخر وبمنطق اخر ويسميه ( الالتحام
والتسوية في الاشياء المختلفة ) . والخلاصة في هذا الموضوع هو خضوع
الكون لقضية الفرد الاجتماعي وهذا كما يعتقد ( هوسرل ) ان المنحى
الفكري يتضمن معايير معرفية تتميز به وتميز الحق عن الباطل وهي نتائج
لتفكير منطقي يقوم على أسس نفسية وهو الجانب الذي اكده هوسرل كذلك ،
وهو ليس الجانب السايكولوجي الساذج بل القصدي منه والذي يعتمد على
الدراسة الالسنية التعادلية وتداخلها في النية القصدية والشعر هو
المنظم الاول اللاصوت في الطبيعة وهو المقوم مع التنظيمات المستمرة في
عمليات التخيل وهو الاستعداد والاستجابة للعمل السلوكي ، واللغة كانت
عند الجواهري عبارة عن تراكيب منطقية وحسية بلاغية ورومانيكية وفي هذا
المجال يقول ( ريتشاردز ) ان اللغة هي ليست مجرد نظام لتنظيم الاشارات
بل هي مقدّم حقيقي للأشياء.
يقول الجواهري:
اطلت الشوط من عمري
اطال الله من عمرك
وما بلغت بالسر
ولا بالسوء من خبرك
والحلم الرومانتيكي عند الجواهري … هو منهج ذاتي - موضوعي تحكمه صلات
جدلية تحقق التفاعل المتوازن في تأكيده على المنهج الادراكي في دراسة
البنية … ووحدة المستويات او الكليات في الادب والشعر بشكل خاص … وفي
اطار الموازنة والمقارنة في اول مسرحية " الفرس " ( لاسخيلوس ) هناك
حوار حول حلم شاهدته " اتوسا" ارمل " داريوس " ويذكر " لاسخيلوس " "
العقل ذو عيون حين ينام صاحبه وهو اعمى حين يستيقظ ومسرحية " بوليوكت "
تأتي خلاصة التأكيد على الجانب السيكولوجي حين تحلم " بولين " (( حلماً
مزعجاً ترى زوجها يموت بالحرب))..
ان صيغة التنظيم في الاشارات المبينة … هو التأكيد المنطقي الذي أشره
الجواهري … ودلل عليه " ريشاردز " في انتقالية حية عند " موريس " انه
يتحدث عن غياب الاحاسيس : والاحاسيس والاستجابات عند السيد " موريس "
هو الاحساس والاشارات الايقونية للاكتمال الذي حققته اللغة عبر الحس
الاسطوري بعد ان يكون الاحساس اخذ يضرب بالماوراء الالهام الموضوعي.
المعرفة الحسية عند الجواهري … هي عقل مدرك مكتمل بالمفردة الحسية
الانسانية ، وفي هذه الفقرة يقتبس " ريتشاردز " عن " كولردج نص قوله:
(اليست الكلمات اجزاء - وبذوراً ؟ وما هو قانون نموها ؟ بشيء في مثل …
هذا سوف احطم التناقض القديم القائم بين الكلمات والاشياء "؟)
وارتفع بالكلمة - كما هو الامكر الى مستوى الاشياء الحية منها.
وقد اضفى الجواهري على لغته الشعرية عبر قدرة على الاحاطة بالمتناقضات
المتشابكة داخل المجتمع وبين ما هو موضوعي ومرتبط بقوانين الصراع
التاريخي. وريتشاردز " عالج هذا الموضوع .. بوصفه حد فاصل بينم "
كولردج " و " الكلاسيكية الجديدة " وكان فصل ( قيثارة الريح ) وهو
الدليل على خصوصية ها التناقض:
يقول الجواهري:
مشى وخط المشيب بمفرقيه
وراحت من زهاها امس حباً
تبدل غير رونقه ولاحت
رماداً خلته لولا البقايا
اهذا من به فتنت كعاب
اهذا تائهاً من نقلته
ومن اوصبى " فلانة" ! وهي خدر
ومنزوفاً كأن يد الليالي
ويا سيفاً نجر حمالتيه
وطار غراب سعد من يديه
تقول اليوم: واسفي عليه
تضاريس السنين بأخدعيه
توقد جمرتين بمقلتيه
ومن سحر الندى باصغريه
على الاحداق احلى خطوتيه
دم العشاق يصبغ وجنتيه
بمبضعها تفصد اكحليه
وقد اقضى هذا الشد في الفهم الدقيق إسطورة في اساسها التعبيري والصوري
وهو يفضي الى عدة مناهج : ونتائج الزمن عند الشاعر ، وتأكيده واحتكامه
الى الحكمة الفنية والانجاز الفكري الذي يشع بتجسيداته لعملية الابداع
التي تكونت بالحافز المتفجر وهو يشبه الولادة في جملته التعبيرية في
اطار التجلي الابداعي والرفض لكل التراكيب والدلالات ( الفيزيقية )
داخل العملية الجدلية - وداخل عملية التشكيل الفكري والاجتماعي الذي
يضع الابداع في المقدمة منه من خلال الدلالات الاجتماعية والفرز
للتصورات - الاتجاهات التجريبية ، وهي متوحدة في النص الشعري . كما
وضحه ( ماثيوارنولد ) باعتباره معارضاً ( للديالكتيك ) باعتباره الاطار
الموضوعي للقانون الذي هو خارج العملية اللغوية وباعتباره ايضاً موروث
عن الكلاسيكية.
جلال الخياط.. ناقداً
عبد الكريم الوائلي
يعد جلال الخياط واحدا من النقاد العراقيين الاكاديميين والبارزين
الذين ساهموا في واقع النقد العراقي بسمات خاصة لا يمكن تناسيها، او
اغفالها او التقليل من شانها، ولاهمية الناقد الخياط التي انطوت عليها
دراساته النقدية النظرية والتطبيقية وتعدد مجالاتها بين التراث
والمعاصر.
واذا ما اراد الباحث في اعلام النقد العراقي الحديث ان يسجل ابرزهم فلن
يكون الخياط من ذلك الا في الصدارة ضمن العقد الخمسين من عقود النقد
العراقي الحديث. وان صحت مقولة الاجيال على النقاد فهو من اهم نقاد
الخمسينات العراقيين الذين انعكست في نقدهم مظاهر جللهم النقدية
وابرزها الانطباعية والتاريخية ومن النقاد المجايلين للخياط الناقد
الدكتور المرحوم عناد غزوان والدكتور علي عباس علوان ومن الاكاديميين
غير الجبار عباس والناقد المرحوم عبد الجبار البصري وكذلك المرحوم يوسف
نمر ذياب وغيرهم.
لقد تناول الطالب هشام في دراسته هذه عن ناقد مهم كرس جهده بالقضايا
النقدية المهمة التي عني الناقد بها والاحاطة الشمولية باراء الناقد
وافكاره هذا من جانب ومن جانب اخر استنباط المعالم البارزة في نقده
المعبر عن اهتمامات الناقد الراسخة ووضعها في موضعها المناسب بما يشكل
نظرة نقدية كلية تعبر عن هوية الناقد الحقيقية واسلوبه النقدي المتفرد.
تألفت رسالة الطالب هشام قاسم عيسى من مقدمة وثلاث فصول وخاتمة بدأ
لباحث في الفصل الاول.. الاسس النظرية في نقد جلال الخياط التي تقوم
على فكرة نبذ القيد النظري المنهجي واقصائه والتركيز على اعتماد توجه
منهجي خاص بالناقد قد يقوم على ما هو ذاتي وابداعي.
اما الفصل الثاني.. فقد تناول الباحث النقد التطبيقي وخيارات المعجم..
وقد دار حول اجراءات الخياط النقدية وهو يعالج النصوص الشعرية المختلفة
وكانت مراجعات الطالب لدلالات القصيدة ومطابقتها مع حياة الشاعر او
بالعكس هي الحدود النقدية لتطبيقاته وتناول فيه المؤلف ايضاً المعجم
النقدي لاستخدام الناقد في نقده التطبيقي.
وبعد ان عني الفصلان الاول والثاني بالنظري والتطبيقي كان عنوان الفصل
الثالث والاخير.. هو مدارات الفكر النقدي عند جلال الخياط وعالج فيه
المؤلف الفكر النقدي لدى جلال الخياط في ضوء تلك المدارات والمحاور
التي عرف بها نقده. فكانت تلك المدارات بمثابة المادة النقدية التي حفل
بها نقده وهي تمثل اشعاع الفكر النقدي فقد حاز عل تلك المدارات من خلال
احتكاكاته بالشعراء واراء النقاد قديماً وحديثاً.
واخيراً فان رسالة الباحث هشام قاسم عيسى تعد من الرسائل المهمة التي
تناول فيها المرحوم جلال الخياط.. خدمة للباحثين والمطالعين لتضاف الى
المكتبة العربية والعراقية..
رسالة دكتوراه/ هشام قاسم عيسى
الجامعة المستنصرية 2009.
قصة قصيرة
مُشعِل الحرائق
باسم عبد العباس الجنابي
ما أن أزاح الظلام أضوية المساء، الذي صار مهيمناً، حتى انهينا سهرتنا،
التي هزلت فيها اعصاب جاري المولع برسم الخط التاريخي، فحملته برفقة
زوجته الى مدينتي بغداد، حاولت النوم، أبت عيناي إلا السهر، كأنهما على
موعد مع القلق، فقد هبت عاصفة كادت تقلع بيتي الخشبي، وباتت حبيبات
الرمال ترتطم بالجدران وزجاج النوافذ، أسمع طرقات منخفضة على الباب، لم
أتصور أن تصل الى هذه الدرجة من الجرأة والسذاجة.
أذكر حين لجأت الى هذا المنفى، الذي لا زرع فيه ولا جداول، هارباً من
قصة حب عاثرة، مستصحبا معي زوجتي، مدرسة الفنية، المدمنة على رسم
القباب الذهبية، لأعمل أمين مخزن في مجمع التجارة الاستراتيجي القريب
من ناحية (كرمة الفلوجة)، فحصلت على سكن مجاني، في المجمع الملحق، الذي
يحوي عشرين كرفاناً، شيّدت بشكل هندسي منتظم، مؤثثة ومجهزة بكل ما
تحتاجه العائلة، مذ وطأت قدمي المكان، حاولت ان أتأقلم، حفرت امام داري
نصف متر عمقاً لمساحة مائة متر مربع، استغرقت فيها العديد من الايام،
أثناءها تعرفت على جاري الذي رجاني ان نجعل الحديقة شراكة بيننا،
ساعدني بفرش ما جلبته من تراب كبديل للرمال، واصبحنا نتناوب على غرسها
بالاشجار، والاثل والزهور، وسقايتها، حتى اضحت روضة غنّاء في هذا
القفر، ولما توطدت علاقتنا، سافرنا في نزهة الى بحيرة الثرثار، كان
النهار مشمساً، لم نجلب أية مظلة رغم شدة الهجير الذي يلفح الوجه الا
ان نداء العودة صدمنا، منذ تلك الرحلة، التي خرقت بها ما عاهدت نفسي
،بعدم ارتكاب اي زلل، كان الحدث عنيفاً وقوياً، فادركت انني على شفى
الهزيمة او الانحدار نحو هاوية الماضي، الذي مازلت أتكتم على جرحه
العميق، لكني اسمع دقات سريعة على شباك غرفة نومي، لا يمكن لاصرارها
خداعي، لا يفصلني عن ساعة الوباء إلا ستارة معتمة، ما ان ارفعها، حتى
اواجه الخطر، مع ان النافذة تفتح الى الخارج، وهي مصممة بحيث لا يمكن
لاي لص الدخول منها، فالمسافة ضيقة بحجم اختناق الوقت، انها تطلب
المستحيل، كنت متيقناً من محاولاتي استدراجها لعالمي، فأعرتها روايات
البرتومورافيا ومكسيم غوركي وارنست همنغواي، الا انها لم تنقطع عن
ملاحقتي، طلبت منها ان تقرأ نقد ماركس وجلال العظم والوردي، حينما
أعادتها، ناقشتها، فعلمت وقتها بفشلي .هي تعلم علم اليقين بموعد رحيلي
الى الابد، فلماذا تتشبث بما لا يليق بها ؟ وسامتي، ثقافتي لا تعنيان
ارتكابي للاخطاء، وان الاعتذار عن الخطايا بعد تدنيسها يعد ذلاً، ولا
أرضى بالخضوع أو التعسف، فكيف اتخلص من هذا الموقف العصيب؟.
هناك في دواخلي بقايا حزن وانتقام تطالبني بالمتعة، إلا أن نسبتها الى
سعة السعادة، تمنعني، ترى ماذا ستفعل لو ازحت الستارة؟ أصغي الى
محاولاتها كسر زجاج النافذة، هذ المرأة، لا تقوى على تحطيمها، انها
ليست ضعيفة، ولم أكن قوياً بما فيه الكفاية، وتساءلت هل انا الحبيس ام
هي الحرة ،وأي منا يتبادل الادوار؟ قررت اللجوء الى الحوار، وفكرت بان
هذا الامر يحتاج صفاء ذهن وبصيرة، وهما مفقودان في هذا الوقت الحرج،
الذي لم يبق فيه على سطوع الفجر سوى ساعتين. حين واجهتها، كانت تقف خلف
جاري، الذي ودعني بابتسامة رقيقة، ووعد بزيارتي، هي تلكأت، حين صعدتُ
في سيارة نقل أثاث بيتي صباحاً، اقتربت لتودعني قائلة: تركتني كالندى،
احترم هروبك الى المستقبل، ولكن تذكر ألا تمارس إشعال الحرائق مجدداً.
نحو المجهول
ستار جبار الدراجي
كيف ستكون الأحرف بين يديه
كيف سيكون الصمت بين شفتيه
هل سيأتي محملاً بسرفات
الشعر الأخضر
هل سيمر
كأشجار الجوز
أزهار القرنفل
تضيق المسافات
تشكل الغصون بين الجبال
هو الصخر يرتمي في أحضان
الحدائق وجذوع الصنوبر
ورقات الصباح الثرية
عند طريق النياسم
كأن يحتوي الفردوس
عن حلم ضاع..... مضى كخيوط
الشمس
كعشب سحقته حوافر
الحديد
هل ستراهم..... يملئن
الأفق..... كنوارس البحر
يطرقون النوافذ التي..... تعلقت بذيول الأفاعي |