|
المرجعية الدينية وخيار القائمة المفتوحة
احمد عبد الرحمن
التأكيدات المتكررة للمرجعيات الدينية المباركة حول ضرورة اعتماد نظام
القوائم المفتوحة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، يعكس في جانب منه
الاهمية الكبرى لتلك الانتخابات بالنسبة لكل العراقيين على مختلف
الاصعدة والمستويات. وفي جانب اخر منه يعكس حقيقة ان التجربة السابقة
شابتها اخطاء وسلبيات يعود بعضها الى طبيعة النظام الذي تم اتباعه في
الانتخابات البرلمانية السابقة قبل اربعة اعوام.
ان المرجعية الدينية المباركة بعنوانها الواسع والعريض، اظهرت خلال
الفترة الاخيرة وكما هو دأبها دائما حرصا كبيرا على تشخيص الامور،
وتوجيهها بمساراتها الصحيحة والصائبة، انطلاقا من مسؤوليتها التأريخية
العظيمة، وموقعها الابوي، وادراكها لحساسية الاوضاع في البلد، واهمية
المحافظة على المنجزات والمكاسب المتحققة خلال الاعوام الستة الاخيرة
بفضل دماء وتضحيات ابناء الشعب العراقي بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم.
ان من يدعي اليوم، ومن ادعى في السابق، بأن المرجعية الدينية تقف الى
جانب هذا الطرف او ذاك، على حساب الاطراف الاخرى، انما يريد خلط
الاوراق وتشويه صورة المرجعية، والتقليل من اهمية دورها المحوري في كل
المنعطفات والتحديات الحساسة والخطيرة التي واجهتها العملية السياسية.
وقلناها سابقا ونقولها الان انه لولا حكمة المرجعية في التعاطي
والتعامل مع مختلف الوقائع والمواقف والاحداث لانزلق الجميع الى اوضاع
وظروف خطيرة وسيئة ولما تمكنا من تجاوز مخططات الفتنة الطائفية ومشاريع
الحرب الاهلية.
وليس غريبا ان تقول المرجعية اليوم كلمتها وتؤكد موقفها بصراحة
وشفافية، وهي تدرك وتقدر اهمية وضرورة ووجوب ذلك الامر ، اكثر من اي
وقت مضى.
وليس غريبا ايضا ان نسمع اصواتا نشاز تحاول النيل منها والاساءة اليها
والتشهير بها، لاهداف ودوافع لم تعد خافية على كل ذي لب سليم.
الى الوهابية: اللصوص يدخلون الدار من السطوح
سامي جواد كاظم
منذ ان شرّع محمد بن عبد الوهاب الفكر التكفيري لم يدر في خلده سلوك
الطرق المشروعة لنشر ما ينادي به لانه على يقين بفساد افكاره لهذا غير
الاعتداء على المدن والقرى المجاورة لاسبيل لتثبيته والمتتبع لتاريخ
الوهابية سيلحظ غاراتهم على جيرانهم واستباحة اموالهم ودمائهم تحت غطاء
التوحيد ، بل الاتعس من هذا هو تبريرهم لاعمالهم هذه من خلال تنسيب
اعمال على غرار اجرامهم هذا لرسول الله (ص).
خلال العصر النبوي لم تدخل كلمة لا اله الا الله في أي دار الا من
بابها وبارادة صاحب الدار ولا يوجد مدينة واحدة ارغمها رسول الله على
الدخول في الاسلام بل وحتى القران يحث على احترام الاديان مع الاشارة
الى افضلية الدين الاسلامي.
سابقا كانت الغارات التي يقوم بها النجديون هو سبيلهم الوحيد لنشر
فكرهم ظاهرا والقتل والسلب غايتهم الباطنية ومع تطور الحياة تطورت
اساليبهم وجاء اكتشاف مصادر الطاقة ليفتح لهم منافذ اخرى يعملون من
خلالها على نشر الفكر التكفيري
.
اختاروا في بداية الامر الدول الفقيرة والاغداق عليهم بالمال مع شرط
اعتناق فكرهم التكفيري وكان لهم ذلك في اغلب البلدان الافريقية التي
تعاني من الفقر والحرمان وتطورت لتمارس الارهاب في الدول الغنية
والملاحظ ان محاولتهم لنشر فكرهم لا تاتي بطرق مشروعة فاما من خلال
شراء ذمم الرجال بالمال او التفجيرات والارهاب او شراء من ينوب عنهم
بالعمل الاجرامي
ولو ارادوا الدخول لاي دولة في العالم وبشكل علني ورسمي يطلبون فيه نشر
الثقافة الوهابية في الكلام والحوارانا اجزم ولا دولة في العالم ستمانع
والوهابية تعلم ذلك وتعلم انها تفشل في كسب الاخر بالطرق الشرعية
الفكرية .
ونظرة سريعة على المناطق المضطربة في العالم سنجد فيها خيوط وهابية بل
وحتى زاد على ذلك استخدام الارهاب الالكتروني ولنستعرض البعض من
اساليبهم التي افصحت عن هويتهم الفاشلة
.
لعلكم تذكرون عندما تم اختراق اكثر من 300 موقع تابع للامامية بحجة
انهم يسبون الصحابة ولان الفشل صفتهم لجأوا الى هذا الاسلوب والا كان
الاجدر بهم مناقشة الحجة بالحجة ، وتطور هذا الامر ليشمل ضخ الاموال من
اجل تاسيس مراكز اعلامية لانتقاص الاخر وليس لاعلام العالم عن
امتيازاتهم لانهم يعلمون لا امتياز لهم خذوا قناة الصفا التي عندما
اشاهدها واشاهد عرور في لقطات سريعة حيث لا وقت لي لكي اضيعه على هكذا
تفاهات فاني اسقط على ظهري من الضحك خصوصا تلك الجمل الركيكة التي تظهر
من على التايتل التي لم تترك ولا صفة رذيلة الا وتقمصتها فكلها كذب
وركاكة في الكلام واخطاء كلامية واملائية ولغوية ونحوية بل ولا حرف
فيها يستحق الرد .
وحركت اجندتها تحت ذريعتين ذريعة المد الشيعي وذريعة سب الصحابة واحد
هذه الابواق الكلب العاوي يوسف القرضاوي حسب ما يصفونه هم لا غيرهم
واجهدت حناجر وسائل الاعلام لتهويل الامر واخيرا اتضح لهم انهم يجمعون
الماء في الغربال .
اسلوب اخر اتخذوه هو من خلال صرف الاموال على اجندة ارهابية تدعي
المهدوية حتى تتمكن من خدش ما يؤمن به الامامية بعقيدة الامام المهدي (
عج) وانه حي وسيظهر في أي لحظة ليقضي على الرؤوس العفنة التي تعبش
بالبشرية .
احدث اسلوب اتخذوه في الاونة الاخيرة هو تحويل مشاكلهم السياسية الى
طائفية واعطاء صبغة على الاحداث على ان سببها هو الكره الرافضي لاتباع
محمد ليس النبي ولكن ابن عبد الوهاب وياليته لو كان الملحن لكان افضل
لهم ، ومن هذه الاحداث ما يجري في اليمن ونقولها للاسف سكوت الجامعة
العربية وحكام العرب خاصة ومنظمة الدول الاسلامية والامم المتحدة
المتشدقة بحقوق الانسان ساكتة عما يجري على الحوثيين في اليمن بمساعدة
الوهابية التي لا تعرف ان تدخل من الباب فقد ساعدت قوات ولدهم علي عبد
الله صالح في ضرب الحوثيين من خلال الطيران والايحاء للراي العام
العالمي ان سبب الحرب هو طائفي وليس سياسي جاء بسبب حماقة واعتداء صالح
على احد الحوثيين في البرلمان اليمني
وبعد فشلهم في مسعاهم سمحت السعودية للقوات اليمنية باستخدام اراضيها
للالتفات على القوات الحوثية ولكن نباهة الحوثيين وعلمهم المسبق بخباثة
وتامر الوهابية مع الرئيس اليمني ضدهم جعلهم بمنتهى الحذر من الحدود
السعودية فعندما جاء الجيش اليمني المهزوز اهتز اكثر لما راى تاهب
الحوثيين ولما بدات المعارك لحق بهم الحوثيين شر هزيمة ولاحقوهم بعد
هزيمتهم ومن الطبيعي الارض التي دخلها الحوثيين في ملاحقة اقزام صالح
هي الارض السعودية ولانهم لا يستطيعوا ان يقروا بسماحهم لعبد الله صالح
في استخدام ارضهم فقد اشاعوا ان الحوثيون اعتدوا على اراضيهم حتى
يألبوا السعوديين اولا ويغطوا على فضائحهم ثانية ولكن هذا الامر لم
ينطلي على المتابع للاحداث لانه لو اراد الحوثيون الدخول للاراضي
السعودية لاستطاعوا ذلك منذ بداية المعركة بل يصلون حتى الرياض ولا
يستطيع الجيش السعودي مقاومتهم ولكن لا شغل للحوثيين مع الوهابية
.
الذي كشف التامر السعودي اليمني بشكل موثق مع الافلام هي قناة العالم
وحتى لا تزداد الفضحية فقد اشتروا ذمة الحكومة المصرية لتغطية عارهم
بغلق قناة العالم وهذا جزاء من يدخل الدار من السطح فالباب مفتوح حتى
لا يحتاج الى طرقه .
لو كانت الولايات المتحدة الامريكية معتدلة في سياستها اتجاه المنطقة
العربية لاتخذت قرارها الصحيح بعد احداث سبتنمبر والقائهم القبض على
الخلية التي نفذت التفجيرات والتي اتضح ان اغلبهم سعوديين هذا بالاضافة
الى اكتشافهم مدارس سعودية في واشنطن تحث على كراهية البشر والاقدام
على الاعمال الارهابية بالاضافة الى اكتشافها لاكثر من منظمة سعودية
على اساس انها خيرية اتضح انها تمول الارهاب ، لم تتخذ أي اجراء لانه
يعد انتهاك للمواثيق والعهود التي قطعت مع ملك سعود عندما اتفق مع ابن
عبد الوهاب في حكم نجد والحجاز وباشراف اليهود تحت الاقنعة الانكليزية
والامريكية.
البرادعي وطموحه الرئاسي
عمر ناجي
لا يواجه انصار توريث الحكم من الآباء الى الأبناء اي مشكلة حقيقية،
باستثناء بعض المقالات المعارضة في الصحف او المشاركات في برامج
المحطات الفضائية النقاشية، بينما المشكلة تبدو اكثر تعقيداً في الجهة
الاخرى وتنحصر في انعدام البدائل او تضاؤل فرص نجاحها في حال ايجادها.
المسألة نسبية دون ادنى شك، والتعميم غير وارد، لان ظروف التوريث
وملابساته تختلف بين دولة واخرى، فبينما تسير بشكل يسير في دول مثل
اليمن وليبيا على غرار ما حدث في سورية، فان الوضع يبدو متعثراً، ولو
من الناحية الشكلية، في مصر بسبب الهامش الديمقراطي المحدود اولاً،
ووجود نخبة سياسية نشطة لها جذور مازالت قوية نتيجة التجربة المصرية
ذات الطابع اليساري او القومي او الاثنين معاً.
معارضو التوريث في مصر يتوحدون في جبهة واحدة ضد هذه السابقة المراد
لها ان تتجذر في مصر من قبل الحزب الحاكم وانصاره، ولكنهم يختلفون على
البدائل وطبيعتها، فالاسماء المطروحة في بورصة التداول ما زالت موضع
اخذ ورد، بين متحمس ومتردد.
نقول هذا الكلام بمناسبة اعلان الدكتور محمد البرادعي المدير العام
للهيئة الدولية للطاقة الذرية عن عدم معارضته خوض انتخابات الرئاسة
المقبلة في مصر اذا توفر شرط نزاهتها مسبقاً، ووجود ضمانات بعدم حدوث
اي عمليات تزوير فيها.
شرط الدكتور البرادعي يبدو تعجيزياً، لان مسألة تزوير الانتخابات في
العالم الثالث، وفي مصر على وجه الخصوص، باتت واحدة من السنن المتبعة،
حتى ان السلطات الحاكمة في مصر باتت ترسل خبراء في التزوير الى
زميلاتها، التي هي بحاجة اليهم، اي خبراء التزوير، في بعض الدول
العربية والافريقية.
فالتزوير لم يعد مقتصراً على تزوير نتائج الانتخابات مثل اصدار بطاقات
انتخابية للاموات، او اقدام البعض على التصويت اكثر من مرة، او تغيير
الحدود الجغرافية للدوائر الانتخابية بطريقة تحتم فوز مرشحين معينين او
اللجوء الى اعمال البلطجة المعروفة، بل امتدت الى استبدال صناديق
اقتراع باخرى في وضح النهار، ووضع قيود دستورية تغلق الابواب امام اي
مرشح كفوء قادر على منافسة ولي العهد المهيأ لهذه المهمة.
لا شك ان الدكتور البرادعي يملك خبرة علمية وادارية عالية تؤهله لخوض
تجربة الانتخابات الرئاسية كمرشح جدي، وهو اكثر جدارة بالمنصب في حال
فوزه به من السيد جمال مبارك، لما يحظ به من احترام في اوساط الشعب
المصري، كشخص جاء من الطبقة الوسطى، ووصل الى مواقعه الدولية بالكفاءة
والمثابرة، ولكن مصر ليست سويسرا او السويد تختار رئيسها او قادتها وفق
هذه المعايير.
الخلافات التي شاهدناها في اليومين الماضيين داخل اوساط جبهة معارضة
التوريث، وما تمخضت عنه من انسحابات وتلاسن بين رموزها المعروفة، تعكس
مأزق النخبة السياسية في مصر، وعجزها عن ادارة معركة معارضة التوريث
بكفاءة وقدرة والحد الادنى من الادارة الجيدة.
انصار التوريث وادواتهم الاعلامية والسياسية الجبارة سيستغلون هذه
الانقسامات بشكل بشع لتعزيز وجهة نظرهم، وزيادة حظوظ مرشحهم، والتقليل
من صوابية منهج الآخرين ان لم يكن نسفه من اساسه.
يظل هذا الحراك المصري تجاه مسألة التوريث حراكا صحيا يمكن ان تستفيد
من نتائجه شعوب اخرى، فاذا فشلت عملية التوريث في مصر فهذا قد يعرقل
مثيلاتها في دول اخرى، واذا نجحت فان تلك الشعوب ونخبها يمكن ان تتعلم
من دروس الفشل من حيث تجنب الاخطاء مبكرا.
الإخفاق التاريخي.. لماذا فشل الفلسطينيون في الحصول على دولة؟
صقر ابو فخر
في سنة 2008 تداول الإعلام الأميركي كثيراً اسم رشيد الخالدي الذي كان
أصدر في سنة 2006 بالانكليزية كتابه
«The Iron cage»
الذي نال قدراً مهماً من الاهتمام في
الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأميركية([).
لا يتحدث هذا الكتاب عن الصراع الفلسطيني ـ
الإسرائيلي، بل عن أسباب فشل الفلسطينيين في إقامة دولة لهم. ويلاحظ
الخالدي أن الدول التي عملت على تأسيس دولة لليهود في فلسطين، أي
الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والاتحاد السوفياتي وفرنسا،
صوّتت في الأمم المتحدة سنة 1947 على إقامة دولة عربية في فلسطين إلى
جانب الدولة اليهودية. لكن هذه الدول نفسها التي اندفعت بحمية إلى دعم
دولة إسرائيل، أدارت ظهورها، في الوقت نفسه، وبلا اكتراث، لما قامت به
إسرائيل، أي منع قيام دولة عربية للفلسطينيين.
تشدد هذه الدراسة، على فشل الفلسطينيين في إقامة
دولة وطنية خاصة بهم. غير أن المؤلف لم يرغب في مقارنة المجتمع
الفلسطيني بالمجتمع اليهودي، بل رغب في مقارنته بالمجتمعات العربية
المجاورة، فوجد أن المجتمع الفلسطيني كان متقدما على جيرانه إن لم
يتفوق عليهم. وكان للمجتمع الفلسطيني «شعور متطور للغاية» بهويته
الوطنية منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي (ص 35 ـ 36)، ومع ذلك فشل
المجتمع الفلسطيني في تحقيق طموحاته الوطنية، بينما تمكنت الشعوب
المجاورة، بما في ذلك اليهود، من تحقيق تلك الطموحات.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن الشعور بالهوية
الوطنية الفلسطينية لم يتبلور تماماً في فلسطين إلا بعد انحسار ثورة
1936. قبل ذلك كانت مطالب الحركة الوطنية الفلسطينية كما وردت في ميثاق
1919، وفي مقررات المؤتمر السوري العام سنة 1920، وفي قرارات المؤتمرات
القومية في فلسطين، فضلاً عن مواثيق بعض الأحزاب، تتلخص في ثلاث نقاط
هي التالية: إنهاء الانتداب البريطاني، وقف الهجرة اليهودية، الانضمام
إلى الوطن الأم سوريا. لكن وفي سنة 1936 تراجعت «الكتلة الوطنية»
السورية، جراء إغراء المعاهدة السورية ـ الفرنسية، عن أهدافها القومية
وقبلت استقلال لبنان، وتخلت جزئياً عن ثورة 1936. وكان من عقابيل ذلك
أن بدأت الهوية الوطنية الفلسطينية بالتبلور في مواجهة الهجرة اليهودية
الصهيونية من جهة، وبالتزامن مع ضعف الرابط المباشر بالبلاد السورية.
يتعرض المؤلف بالنقد للرواية الفلسطينية عن النكبة
التي تمادت في الادعاء بأن الفلسطينيين واجهوا قوة أقوى منهم بكثير،
وأن الجيوش العربية تخاذلت، ولا سيما الجيش الأردني، الذي كان يقوده
ضباط إنكليز متواطئون مع الصهيونية (ص45). وهذا الكتاب محاولة نقدية
جادة لتعقب الأسباب العميقة لهذه الكارثة التي دعيت «النكبة».
بريطانيا والإخفاق الفلسطيني
يتساءل الكاتب عما حل بالمجتمع الفلسطيني المدني
والقروي الذي انهار بسرعة أذهلت حتى الصهيونيين في ذلك الحين. وفي
محاولة الإجابة ينقض الرواية الإسرائيلية التي طالما روّجت أن سبب فرار
الفلسطينيين هو أنهم بدأوا حرباً ضد المجتمع اليهودي وخسروها، وأن
الدول العربية قامت كذلك بالهجوم على الدولة الوليدة وخسرت الحرب. وأن
رحيل الفلسطينيين كان النتيجة البدهية لهزيمتهم (ص42). وفي هذا السياق
رأى المؤلف أن أسباب الفشل الفلسطيني في ثورة 1936، ثم في قرار التقسيم
سنة 1947، وكذلك في القتال عامي 1947 و1948، تعود إلى بداية الانتداب
البريطاني وإلى الشروط المجحفة التي وضعتها عصبة الأمم آنذاك. ومن
مفارقات هذه الشروط على سبيل المثال، أن فلسطين، كولاية عثمانية، كانت
إسلامية على الغالب، لكنها كانت تحت سيطرة دولة مسيحية كانت تريد إقامة
وطن قومي يهودي فيها (ص92). ولاحظ الكاتب كيف أن ثلاثة بلدان هي فلسطين
وايرلندا والهند وقعت جميعها تحت سيطرة الانتداب الانكليزي، لكنها خضعت
للتلاعب بالهويات الدينية، ثم للتقسيم بعد أحداث داخلية دامية (ص89).
فشل النخبة
لعل أبرز ما في هذا الكتاب هو دراسة أحوال النخبة السياسية الفلسطينية
وانقساماتها. ويُقصد بالنخبة هنا «الوجهاء» الذين تصدروا الحياة
السياسية في فلسطين في العهدين العثماني والبريطاني أمثال آل الحسيني
والنشاشيبي والخالدي وعبد الهادي والعلمي... الخ. ويستغرب الكاتب كيف
أن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل هو الذي اختار الحاج أمين
الحسيني لمنصب الإفتاء، وهو، على صغر سنّه، لم يتلق معارف دينية إلا
لسنتين في الأزهر، ولم تكن له حماسة دينية. ويعتقد أن اختيار الحاج
أمين الحسيني لمنصب الإفتاء كان القصد منه إضعاف موقع موسى كاظم
الحسيني الذي عُزل من رئاسة بلدية القدس بعد صدامات موسم النبي موسى
بين العرب واليهود في سنة 1920. وسلّط المؤلف الضوء على براعة الحاج
أمين في استخدام المؤسسة الدينية لبناء قاعدة شعبية واسعة من الأتباع
التقليديين لعائلة الحـسيني، ومن الوطنيين الذين رأوا فيه زعيماً
لحركتهم، ومن المنتفعين من شبكة المصالح التي كان يسيطر عليها، وذلك
كله كان معاكسا لما جرى في الدول العربية التي بنى الزعماء حضورهم في
سياق تأسيس أحزاب علمانية مثل سعد زغلول وحزب الوفد في مصــر، وشكري
القوتــلي والكتلة الوطنية وحزب الشعب وعبد الرحــمن الشهبندر في
سوريا... وهكذا (ص 100 ـ 101). ويكشف الكتاب أن الحاج أمين الحسيني ظل
على ولائه للبريطانيين منذ تعـيينه مفتياً في سنة 1921 حتى سنة 1936.
لكن، بعـد اندلاع الثــورة في تلك السنة، وجد انه سيفقد زعامته، إذا لم
ينضم إلى هذه الثورة. وفي ما بعد حينما بات موضوع الوطن القومي اليهودي
أمراً قريب المنال تحوّل المفتي إلى عدو لدود للبريطانيين وللصهيونيين
معاً.
الفشل المتجدد
السؤال الرئيس في هذا الكتاب هو: لماذا فشل
الفلسطينيون في سنة 1948، ولماذا فشلت تجربة منظمة التحرير الفلسطينية،
ثم السلطة الوطنية الفلسطينية في إنشاء شكل ما من أشكال الدولة أو
الكيان الوطني؟
أعتقد أن فشل النخبة الفلسطينية في حماية كيانها في سنة 1948، وفشل
الثورة الفلسطينية المعاصرة في تأسيس كيان سياسي جديد للفلسطينيين،
لهما أسباب أعمق وأبعد غوراً من الأسباب التي عرضها المؤلف في كتابه
الذي بين أيدينا.
وفي هذا الحقل من الجدال السياسي سأتجرأ على
الإجابة بالتالي: إن الصراع في فلسطين حالة خاصة في تاريخ الصراعات في
العالم، وهو يختلف، اختلافا جوهريا، عن أي صراع آخر بين دولتين
متجاورتين. فهو لا يشبه النزاع الهندي ـ الباكستاني على سبيل المثال،
أو حتى صراع المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية. ففي مثل تلك
الصراعات ينتهي الأمر بانتصار أحد الطرفين على خصمه، فيفرض عليه شروط
المنتصر.
أما الصراع في فلسطين فهو ليس صراعاً بين دولتين يمكن حله بمقادير من
التفاوض والحرب، بل هو صراع بشري وجغرافي وسياسي وحضاري وتاريخي في آن
واحد، أي انه صراع ممتد في الزمن بين مجموعتين بشريتين واحدة متسربلة
بالقوة والأخرى متسربلة بالحق، وكل واحدة منهما تستند الى عناصر
تاريخية ودينية وثقافية، أصحيحة كانت هذه العناصر أم زائفة، ولها، في
الوقت نفسه، عمق بشري وسياسي يشد أزرها ويقوي بقاءها. وهذا الأمر يجعل
من المحال إنهاء الصراع إلا بواحدة من نتيجتين: إما الإبادة أو
الترحيل. لكن الصهيونية انتصرت على العرب في سنة 1948 انتصاراً ساحقاً،
فبادرت قواتها الى ترحيل الفلسطينيين عن ديارهم. لكن الترحيل لم ينه
الصراع، بل بدأ بداية جديدة. وبما أن الإبادة باتت من المحال في شروط
عصرنا، فإن الصراع في فلسطين وعلى فلسطين لن ينتهي بفرض شروط المنتصر
على الفلسطينيين، بل ان تفاعلات متمادية من شأنها أن تؤدي الى ظهور حل
مطابق لموازين القوى في لحظة التسوية النهائية. ولعل كثيرين لم يلحظوا
أن أهداف إسرائيل الاستراتيجية تغيرت كثيراً. لقد انتهت، منذ زمن طويل،
استراتيجية التوسع الجغرافي، وفشلت فكرة تجميع يهود العالم كلهم في
فلسطين. ومن المؤكد أن التخلي عن هاتين النقطتين لم يأت عن طيب خاطر،
بل ان أكثر من ستين سنة من المقاومة، وعلى الرغم من الهزائم الكثيرة،
أرغمت اسرائيل على التخلي عن بعض «ثوابتها» الاستراتيجية السابقة.
هل هزمنا حقاً؟
منذ أكثر من مئة سنة لم نكن، فلسطينيين وعرباً، في
وضع الهجوم كي يقال اننا هزمنا. كنا في وضع الدفاع الدائم عن النفس
أمام هجوم استعماري متلاحق. فنحن واقعون في أخطر بقعة في العالم، أي
بين النفط وإسرائيل. وإسرائيل ليست مجرد حدث عابر في تاريخ أوروبا،
انها المسألة اليهودية برمتها. وهي ليست مجرد نتيجة طبيعية لحرب خسرها
العثمانيون في سنة 1918 فصدر إعلان بلفور، أو حرب خسرها العرب في سنة
1948 فظهرت إسرائيل الى الوجود، بل هي، في الجوهر، ذروة صراع ربما بدأ
في منتصف القرن التاسع عشر حينما بدأت محاولات الاختراق الغربي لبلاد
الشام.
هل هناك حل؟
يعتقد رشيد الخالدي أن «حل الدولتين» قد فشل،
ويتوقع أن تتدافع الأمور نحو «حل الدولة الواحدة» تحت حكم إسرائيل، لان
«من المستحيل إبقاء شعبين في بلد صغير منفصلين، أو إبقاء ذلك الكيان
تحت حكم اليهود مثلما تبين في النهاية أن من المستحيل إبقاء جنوب
أفريقيا تحت حكم البيض» (ص 251). ولنا في هذا الشأن رأي: هل «حل الدولة
الواحدة» سينشأ نتيجة التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل، أم نتيجة
الكفاح المتواصل سياسياً وعسكرياً؟ فإذا كان البعض يعتقد أن «حل الدولة
الواحدة» يمكن أن ينشأ نتيجة التفاوض، وجراء اقتناع الطرفين وقبولهما
بهذه الحل فهو ساذج وبلا خبرة سياسية على الإطلاق. أما اذا كان المقصود
التوصل الى هذا الحل من خلال التفاعلات التي ستنجم عن مسيرة طويلة من
الكفاح السياسي والعسكري، والتفاوض في الوقت نفسه، فإن الحل الممكن، في
هذا السياق، هو «حل الدولتين» الذي، وإن لم يتحقق حتى الآن، إلا أنه ما
زال يعتبر الحل الوحيد الواقعي والقابل للتحقق، حتى لو لم يكن هو الحل
التاريخي العادل.
إن تبني فكرة «الدولة الواحدة» نتيجة للاعتقاد أن
«حل الدولتين» قد فشل يعكس تفكيراً ميكانيكياً، لا تفكيراً جدلياً
وتاريخياً، بل انه أقرب الى التأمل السلبي في الوقائع السياسية الجارية
أمام أعيننا. |