|
فدك في التاريخ
الحلقة الحادية والعشرين
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
الفصل الخامس محكمة الكتاب
(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن
تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) النساء
/85.
موقف الخليفة الأول من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
تمهيد
إذا أردنا أن نرتفع بمستوى دراستنا إلى مصاف الدراسات الدقيقة ، فلا بد
أن نأخذ أ نفسنا بمناهج البحث العلمي في درس ناحيتين : الناحية الاولى
: موقف الخليفة تجاه ميراث الزهراء الذي كان يستند فيه إلى ما روا ه عن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الميراث بأساليب متعددة
وصور مختلفة لتعددد مواجهات الخصمين ، فجاءت الأحاديث التي تنقل روايته
وهي لا تتفق على حد تعبير واحد ، ولا تجمع على لفظ معين ، لاختلاف
المشاهد التي ترويها ، واختصاص كل منها بصيغة خاصة للحديث على حسب ما
كان يحضر الخليفة من عبائر أو تعدد الروايات التي رواها في المسألة.
وقبل كل شئ نريد أن نلاحظ مقدار تأكد الخليفة من صحة الحديث الذي رآه
دالا على نفي توريث التركة النبوية واطمئنانه إلى سماع ذلك من رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثباته عليه . ويمكننا فهم ذلك مما
تحدثنا به الروايات من أن الخليفة سلم فدك للحوراء وكاد الأمر أن يتم
لولا أن دخل عمر وقال له : ( ما هذا ؟ فقال له : كتاب كتبته لفاطمة
ميثراثها من أبيها ، فقال : ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب
كما ترى ثم أخذ الكتاب فشقه).
ونحن ننقل هذه الرواية في تحفظ وإن كنا نستقرب صحتها ، لأن كل شئ كان
يشجع على عدم حكاية هذه القصة لو لم يكن لها نصيب من الواقع ، وإذا صحت
ففي تدل على أن أمر التسليم وقع بعد الخطبة الفاطمية الخالدة ونقل
الخليفة لحديث نفي الأرث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن
حروب الردة التي أشار إليها عمر في كلامه ابتدأت بعد يوم السقيفة بعشرة
أيام، وخطبة الزهراء قد كانت في اليوم العاشر أيضا كما سبق.
2- وقد أظهر الخليفة الندم في ساعة وفاته على عدم تسليم فدك لفاطمة،
وقد بلغ به التأثر حينا أن قال للناس وقد اجتمعوا حوله : أقيلوني بيعتي
. وندرك من هذا أن الخليفة كان يطوي نفسه على قلق عظيم عظيم مرده إلى
الشعور بنقص مادي في حكمه على فاطمة وضعف في المدرك الذي استند إليه ،
ويثور به ضميره أحيانا فلا يجد في مستنداته ما يهدئ نفسه المضطربة وقد
ضاق بهذه الحالة المريرة ، فطفحت نفسه في الساعة الأخيرة بكلام يندم
فيه على موقفه من الزهراء ، تلك الساعة الحرجة التي يتمثل فيها للأنسان
ما مثله على مسرح
الحياة من فصل أو شك الستار أن يسدل عليها ، وتجتمع في ذاكرته خيوط حيا
ته بألوانها المختلفة التي آن لها أن تنقطع ، فلا يبقى منها إلا
التبعات.
3- ولا ننسى أن أبا بكر أوصى ( 1 ) أن يدفن إلى جوار رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، ولا يصح ذلك إلا إذا كان قد عدل عن اعتبار
روايته مدركا قانونيا في الموضوع ، واستأذن ابنته في أن يدفن فيما
ورثته من أرض الحجرة - إذا كان للزوجة نصيب في الأرض ، وكان نصيب عائشة
يسع ذلك - ولو كان يرى أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة
مشتركة بين المسلمين عامة ، للزمه الاستئذان منهم . وهب أن البالغين
أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممن كانوا في ذلك الحين؟!.
4- ونحن نعلم أيضا أن الخليفة لم ينتزع من نساء النبي بيوتهن ومساكنهن
التي كن يسكن فيها في حياد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فما
عساه أن يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من الزهراء وتخصيص
حاصلاتها للمصالح العامة وإبقاء بيوت نساء النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك في ماله حتى تستأذن عائشة في
الدفن في حجرتها ؟ أكان الحكم بعدم التوريث مختصا ببضعة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ؟ ! أو أن بيوت الزوجات كانت نحلة لهن ؟ فلنا أن نستفهم
عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم قتم بينة ، عليه ولا ادعته واحدة منهن ،
وليست حيازتهن للبيوت في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهدا
على ملكيتهن لها ، لأنها ليست حيازة استقلالية ، بل من شؤون حيازة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ككل زوجة بالنسبة إلى زوجها ؟كما أن
نسبة البيوت إليهن في الاية الكريمة : ( وقرن في بيوتكن )، لا يدل على
ذلك ، لأن الأضافة يكفي في صحتها أدنى ملابسة ، وقد نسبت إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بعد تلك الاية بمقدا ر قليل إذ
قال الله تبارك وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي
إلا أن يؤذن لكم ).
فإذا كان الترتيب ا لقرآني حجة ، لزم الأخذ بما تدل عليه هذه الاية .
وورد في صحاح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسناد البيت
إليه في قوله : ( إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).
5- ولنتساءل عما إذا كان الحكم بعدم توريث الأنبياء الذي ذهب إليه
الخليفة مما اختزنه الوحي الخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ،
واقتضت المصلحة تأخيره عن وقت الحاجة ، وإ جراءة على الصديقة دون سائر
ورثة الأنبياء ؟ أو أن الرسل السابقين قد أهملوا تبليغه وتعريف
خلفائهم وورثتهم به طمعا بالمادة الزائفة ، واستبقاء لها في أولادهم
وآلهم ؟ أو أنهم كانوا قد انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التور
يث ، ومع ذلك لم يؤثر في التواريخ جميعا ؟ أو أن السياسة السائدة يو
مذاك هي التي أشأت هذا الحكم ؟.
ومن جهة اخرى هل يمكننا أن نقبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يجر على أحب الناس إليه وأقربهم منه البلايا والشدائد وهي التي يغضب
لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها، ولم يكن ليكلفه دفع هذه لمحن
عنها اكثر من إعلامها بحقيقة الأمر لئلا تطلب ما ليس لها بحق ، وكأن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذ له أن ترزى ابنته ، ثم تتسع هذه
الرزية فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين عامة ، وهو الذي ارسل رحمة
للعالمين ، فبقي مصرا على كتمان الخبر عنها مع الأسرار به إلى أبي بكر.
ظهور الإسلام وانطلاق الحضارة العربية الإسلامية
د. بشير رمضان التليسي - د. جمال هاشم الذويب
وُلِدَ محمد بن عبدالله (ص) في مدينة مكة يوم الإثنين الثاني عشر من
شهر ربيع الأول في عام الفيل، وهي السنة التي غزا فيها أبرهة الحبشي
مكة بهدف هدم الكعبة، لكن شاءت الإرادة الإلهية حماية البيت الحرام
وإبادة أبرهة وحملته. وينتسب النبي الكريم إلى قبيلة قريش فهو محمد بن
عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي إلى أن يصل نسبه إلى
إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ويعود نسب والدته آمنة بنت وهب إلى قريش
أيضاً، وبذلك فإن شرف بيوت العرب نسباً من جهة الأب والأم قد تمثلت به.
تميزت حياة النبي الكريم بالمصاعب منذ بدايتها، وكان ذلك إختباراً
وإعداداً لتحمّل أمانة حمل الرسالة الاسلامية، فقد ولد يتيماً، إذ توفي
والده عبدالله قبل أن يبصر نور الدنيا. وعاش بعد ولادته في البادية تحت
رعاية مرضعته حليمة السعدية، ولم يهنأ طويلاً بمصاحبة أمّه، إذ توفيت
وعمره ست سنوات ليكفله جدّه عبدالمطلب سيد قريش ويغمره بعناية أبوية
فاقت اهتمامه بأولاده. ولم يطل المقام بعبدالمطلب، إذ توفي بعد أعوام
قليلة موصياً ابنه أبا طالب بكفالة ابن أخيه.
مارس الرسول الكريم العديد من الأعمال منذ طفولته، فرافق عمّه أبا طالب
في تجارة إلى الشام حيث حذره الراهب بحيرى من غدر اليهود به لأنه توسم
فيه علامات النبوة. ومن الأعمال الأخرى رعي الأغنام كحال الأنبياء
الآخرين الذين اشتهروا بالقيام بهذا العمل. ومع السمعة العطرة التي
اكتسبها من خلال أخلاقه الكريمة واتصافه بالأمانة والعفة والصدق
والابتعاد عن عبادة الأصنام، ازدادت ثقة أهل مكة به وبأمانته ودفع إحدى
سيدات المجتمع المكي وهي السيدة خديجة بنت خويلد أن تبعثه بتجارة لها
ثم تطلبه للزواج. فتزوج منها وهو ابن خمس وعشرين سنة في حين بلغ عمرها
آنذاك أربعين سنة.
وعندما بلغ الرسول الكريم الأربعين من عمره نزل عليه الوحي في غار حراء
حيث كان يتعبد هناك كعادته شهراً كل عام ويخلو إلى نفسه للتفكير في
خالق الكون، لتبدأ بذلك الدعوة إلى الدين الإسلامي. ومرت الدعوة
الاسلامية بمرحلتين: المرحلة السريّة التي استمرت ثلاث سنوات وتمت فيها
الدعوة إلى الدين الجديد وترك عبادة الأصنام والأوثان سرّاً. وآمن في
هذه المرحلة أهل بيت الرسول (ص) وفي مقدمتهم زوجته خديجة بنت خويلد،
وابن عمه علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة. أما المرحلة العلنية
فانطلقت فيها الدعوة عامة نحو قريش والقبائل الأخرى، والتي واجهت
المسلمين باستخدام أنواع الاضطهاد والعذاب. فبعد فشل محاولات قريش في
إغراء النبي بالأموال والمناصب، عمد المشركون إلى التشكيك بقدراته
العقلية، وإيذائه بالكلام مروراً بالتعذيب الجسدي للمسلمين، وحصارهم في
شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات وقاطعوهم مقاطعة تامة. واضطر الكثير من
المسلمين للهجرة إلى الحبشة تخلصاً من الأذى الذي ألحقته بهم قريش
حفاظاً على دينهم، إلا أن دخول عدد من أفراد قبيلتي الأوس والخزرج في
الاسلام ومبايعتهم للرسول الكريم في بيعتي العقبة الأولى والثانية قد
غيّر الموازين لصالح المسلمين.
وحدث انقلاب خطير في حياة الاسلام والمسلمين عندما بدأ المسلمون
بالهجرة من مكة إلى يثرب، فانتقل الاسلام من مرحلة الدعوة إلى الدولة،
وفسح المجال لتطبيق مبادئ الاسلام عملياً وبناء نواة الدولة الاسلامية.
وقد حفلت السنوات الباقية من حياة الرسول الكريم بأحداث جسام، فقام
بالعديد من الخطوات لبناء المجتمع الاسلامي في يثرب - التي تحول اسمها
إلى المدينة المنورة - فبني المسجد، وأعلنت المؤاخاة بين الأنصار
والمهاجرين، وتم تحديد العلاقة بين المسلمين واليهود. وتصدى - من جهة
أخرى - إلى المخاطر التي مثلتها قبيلة قريش، واشتبك معها بالعديد من
الحروب ابتداءً من معركة بدر الكبرى مروراً بمعارك أُحُد والخندق حتى
تم فتح مكة في العام الثامن للهجرة.
ولم يهمل النبي الكريم دعوة حُكّام المناطق المجاورة إلى الاسلام،
فاستجاب القليل منهم ورفض أكثرهم، ولكن دخل معظم شبه الجزيرة العربية
في الاسلام. وبعد أن أكمل الرسول إبلاغ رسالته، ونزلت الآية الكريمة
(اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي ورَضِيتُ
لَكُمُ الإسلامَ دِيناً) (المائدة/ 3)، وخطبته الجامعة في حجة الوداع
عام 10 للهجرة التي حدّد فيها أركان الاسلام وحقوق المسلمين وواجباتهم،
اختاره الله تعالى إلى جواره عام 10 هجرية بعد أن وصلت تعاليم الاسلام
إلى معظم شبه الجزيرة العربية وطرقت أبواب المناطق المجاورة.
مصادر التشريع في الإسلام:
1- القرآن الكريم: وهو المصدر الأول من مصادر التشريع الاسلامي أنزل
باللغة العربية على النبي محمد بن عبدالله (ص) منجماً، أي متدرجاً وليس
دفعة واحدة لمدة ثلاث وعشرين عاماً. وكانت آيات القرآن تنزل إجابة عن
سؤال، أو شرح لواقعة معينة، أو إقرار لتشريع. وأول آية أنزلت هي:
(إقرَأ بِاسمِ ربِّكَ الذي خَلَق) (العلق/ 1)، وختم بآية: (اليَومَ
أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ
الإسلامَ دِيناً) (المائدة/ 3).
2- السنّة النبويّة: وهي كل ما قاله الرسول (ص)، أو فعله، أو رأى فعلاً
وأقرّه. وقد أمر الله تعالى في القرآن الكريم المسلمين باتباع أوامر
النبي، فهي إذاً واجبة الاتباع على المسلمين. وبذلك أصبحت السنّة
النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، ومن
الطبيعي أن تجد العناية من قبل المسلمين لفهم أركان دينهم.
3- الإجماع: ونعني به إجماع المجتهدين من المسلمين في عصر ما على حكم
شرعي لم يرد صراحة في القرآن الكريم أو السنّة النبوية. وللإجماع شروط
عديدة فيجب توفر شروط الفقيه والمجتهد في الأشخاص الذين يصورون الحكم،
وأن لا يتنافى الحكم الذي يتفق عليه المجتهدون مع القرآن أو السنّة
النبوية. وإجماع المجتهدين واجب النفاذ على المسلمين ولا يجوز مخالفته
لأن القرآن الكريم والسنّة النبوية قد أكدا على ضرورة عدم الاختلاف بين
المسلمين، وأنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة.
4- القياس: القياس في اللغة تقدير الشيء بشيء آخر أو تسويته، ويقصد به
شرعاً الحكم في أمر لم يرد ذكره في القرآن الكريم أو السنّة النبوية أو
الإجماع استناداً إلى حكم آخر ورد في القرآن أو السنّة ويشتركان في
العلة. فقد ورد مثلاً في القرآن الكريم حكم تحريم الخمر، وهو اسم لمسكر
يستخرج من عصير العنب غير المطبوخ بالنار. ولم تتناول الآية المسكرات
الأخرى التي تشترك مع الخمر في علة التحريم من مفاسد ورجس وتغييب
للعقل، لذلك حرمت الأنواع الأخرى من المسكرات بالقياس إلى آية تحريم
الخمر. وكذلك ورد في الحديث النبوي تحريم قيام شخص بخطبته امرأة سبقه
إليها شخص آخر لأن هذا التصرف يؤدي إلى الإيذاء والعداوة والبغضاء،
وقياساً عليه حرم على الأشخاص استئجار منزل أو محل سبقه شخص آخر إليه
للعلة نفسها.
- أثر الاسلام على العرب:
من الصعب حصر الآثار الكثيرة التي خلّفها الاسلام على حياة العرب بسبب
شموليتها لمختلف أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والدينية والفكرية، فكان عرب ما قبل الاسلام عبارة عن قبائل متفرقة
يغزو بعضها بعضاً، ولولا الصحراء القاسية التي كانت بمثابة مانع طبيعي
مسخّر لحمايتهم لنالوا نصيباً وافراً من الغزو الخارجي مثلما كان الحال
لأطراف شبه الجزيرة العربية. وتحولت هذه القبائل المتفرقة، بفضل
الاسلام الذي ألف بين قلوب معتنقيه، إلى قوة ضاربة جعلت من شبه الجزيرة
العربية نواة لامبراطورية واسعة امتدت خلال قرن من الزمن من الصين
شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وإسبانيا وجنوب فرنسا شمالاً.
لم يقتصر فضل الاسلام في توحيد العرب على الجزيرة فقط، بل أنقذ العرب
في المناطق الأخرى من سيطرة القوى الأجنبية، فحطّم وإلى الأبد
الامبراطورية الساسانية الفارسية التي كانت تهيمن على العراق واليمن،
وطرد الروم البيزنطيين من سوريا ومصر وشمال افريقيا فحقق بذلك وحدة
الناطقين باللغة العربية لأول مرة، ورسّخ وجودهم من خلال الهجرات التي
انطلقت شرقاً وغرباً حملت معها المجاهدين وأسرهم.
من جهة أخرى، أرسى الاسلام قيماً اجتماعية جديدة ومبادئ خلقية فاضلة،
فعلى الرغم من تمتع العرب قبل الاسلام بالكثير من القيم الأخلاقية
السامية ولكن شابتها بعض الممارسات والأنماط السلوكية الخاطئة فجاء
الاسلام ليقضي عليها مثل وأد البنات والعصبية القبلية والثأر وغيرها.
مناهج التقريب
ملاحظات نقدية وآفاق مستقبلية
د. احسان الأمين
في الوقت الذي تمر فيه عشرات السنين على طرح فكرة "التقريب بين
المذاهب"، والتي ظهرت بصورة "مجمع التقريب" بالقاهرة، لازالت فكرة
التقريب تواجه الكثير من التحديات، وحتى التراجعات عن بعض خطواتها
وإنجازاتها الأولى، مما يستدعي وقفة نقدية جادّة ومراجعة حقيقية، فما
الذي حرّك دعوات التكفير؟ وما الذي هيّج غرائز العنف والمواجهات
الطائفية في أكثر من موقع من عالمنا الاسلامي؟
إنّ القول أنّ وراء هذه الدعوات أيادٍ خبيثة ومخططات أجنبية، قول سهل
وجواب بديهي؛ ولكن السؤال يبقى قائماً وملحاً، وهو: ما الذي جعل البلاد
والعباد لتكون أرضية رحبة لإستقبال وإحتضان مثل تلك الدعوات والإستجابة
لتلك النزوات الشيطانية؟
ولماذا بعد عشرات السنين من دعوة خيّرة وبنّاءة، حققت الكثير من
العطاءات، لماذا نجدها تتعثر وتتلكأ، بل تردّ وتبدّل بدعوات تكفير
وتفسيق وتهم بالردّة والشرك والضلال؟ يجنّد لها وسائل إعلام كبيرة
وتيارات دعوية واسعة أججت نيران حروب ومقاتل في بلاد كانت آمنة وبين
طوائف كانت متعايشة وكل ذلك في عصر العولمة والتعددية والتنوع والتغيّر
المستمر؟
إنّ هذا الواقع الجاهلي الذي نواجهه هنا وهناك من التعصّب والتخندق
والدعوة للإبادة وتطهير الأرض من الآخرين، إنّ هذا الواقع لابدّ أن
يدعونا إلى إعادة النظر في مشروع التقريب وجوداً واستمراراً، ابتداءً
من فكرته، حتى منهجيته وآلياته وانتهاءً بأهدافه وغاياته، لا لغرض
التراجع عنه وقد قرَّبَ ما قرَّبَ بين متباعدين وبَعَّد ما بَعَّد من
ظنون وفتن؛ ولكن لغرض البحث عن رؤية جديدة تعطي للمشروع فاعلية أكبر
تمكنه من مواجهة التحديات الطائفية والمؤامرات الإنشقاقية التي باتت
كالألغام المدمرة تتفجر كل يوم هنا وهناك وجعلت المقربين ينؤون بأنفسهم
عنها والمكفِّرون يحرِّكونها كل حين.
- حول فكرة التقريب:
التقريب لغة: يعني العمل على الدنو بين طرفين أو أطراف، ليكون بعضها
قريباً من بعض، لا بعيداً عنه. والقُرب قد يكون في المكان، وفي الزمان،
وفي النسبة، وفي الخطوة، والرعاية، والقدرة.
واستعمل القُرب في القرآن الكريم بمعنى القُرب في الأفكار أو القلوب،
أو المواقف والإتجاهات، كقوله تعالى: (هم للكفر يومئد أقرب منهم
للإيمان...) (آل عمران/ 167)، وقوله تعالى: (ولتجدنّ أقربهم مودّة
للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) (المائدة/ 82).
وبالتالي، فهل يراد بالتقريب العمل على تقريب الأفكار، من خلال التأكيد
على المشتركات وتقريب المواقف في المختلف فيها، مما يتطلب ذلك جهداً
ثقافياً مستمراً لتعريف بعض المسلمين ببعضهم الآخر، من خلال بيان
الأصول المشتركة والراسخة في جميع المذاهب، حتى يتعارفوا فلا يتناكروا،
فإن الناس أعداء ما جهلوا، وكثيراً من التباغض والتباعد إنما بُني على
جبال من الوهم والظن وتحميل هذا المذهب أو ذاك ما لا يؤمن به أو ما لا
يلتزم ولا يعمل به، كما هو الحال في توريث الإباضية أفكار الخوارج،
وتحميل الشيعة آراء الروافض، ومتابعة السنة بما قاله بعض الأشاعرة
السابقون وغير ذلك، فإذا ما نفض الغبار وأزيح التراكم التاريخي ولم
تبنى المواقف على أفكار مسبقة ومتوارثة، واستقصي رأي القوم منهم، لا من
خصومهم، فإن هذا التعارف سيؤدي إلى التقارب والتآلف، لأننا سنجد أن ما
تشترك فيه المذاهب، على اختلافها، كثير، ولا خلاف في أصول الاسلام
وأركانه، وأن ما اختلفت فيه يشبه في الكثير منه اختلاف المجتهدين داخل
المذهب الواحد، بل اختلاف الرأي عند إمام واحد، كما ينقل عن الإمام
الشافعي - إمام المذهب السني - في آرائه القديمة واللاحقة، تبعاً
لاختلاف رأيه في كتبه أو في ما نقل عنه، أو اختلاف الرأي عند الطوسي
والحلي والعاملي - من أعلام الشيعة ـ في كتبهم المختلفة وتغيّر نظرهم
في بعض المسائل، من كتاب لآخر من كتب عالم واحد، والشواهد في ذلك
كثيرة.
والهدف الآخر للتقريب الفكري، هو الحوار العلمي الهادئ والموضوعي
للوصول إلى مواقف مشتركة، خصوصاً في مجالات الحياة العملية من خلال
البحث الأصولي والفقهي، وهو ما نجد مصاديقه في المجمع الفقهي لمنظمة
المؤتمر الاسلامي بجدّة، وما صدر عنه من آراء وفتاوى بشأن مسائل فقهية
مهمة، في الاقتصاد والبنوك، وبعض المسائل الشخصية وغيرها، وإشترك في
ذلك علماء من مختلف المذاهب سنة وشيعة واتفقوا فيها على جلّ المسائل،
وهذا ما يقرّب الآراء والمواقف في آن واحد، خصوصاً أن بعض هذه المسائل
حساسة ولها مساحة يومية من حياة المسلم المعاصر.
وكل ذلك نماذج من مساعي التقريب الفكري، فهل المطلوب ذلك، أم يراد
بالتقريب، التقارب القلبي وإزالة العوائق النفسية المانعة من تعارف
وتآلف المسلمين، وبالتالي إرساء أسس المودة بينهم، مما يساهم في تمتين
وحدتهم ورفعة عزتهم وتعاونهم وتكاملهم في بناء المجتمع، واتحادهم في
مواجهة أعدائه، ويكون ذلك حتى مع اختلاف آرائهم وتشعّب أقوالهم،
فالتقريب هنا بمعنى التأليف، بين القلوب أكثر مما هو بين العقول، فقد
يكون الأخوة في الأسرة الواحدة مختلفي المشارب والمذاهب، ولكنهم يبقون
قريبين من بعضهم البعض ومتعايشين مع بعضهم، تربطهم مصالح الأسرة
الواحدة التي يستظلون بظلالها ويحتمون بها.
والذي يبدو أن دعوة التقريب، التي أطلقها مجمع التقريب في القاهرة،
كانت في مبدئها ومنطلقها قائمة على هذا الأساس أكثر مما هو التقريب
الفكري، بل هي قائمة على أساس الاعتراف بالاختلاف، ولكن مع ذلك التقارب
والائتلاف، فإن المؤسسين لذلك المجمع الكريم قد اتفقوا على قاعدة
ذهبية، يمكن أن يترفعوا من خلالها عن كل اختلاف، مع وجوده واستمراره،
وهي: "أن نجتمع فيما اتفقنا عليه وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا
فيه".
والمهم في هذه المقولة شطرها الثاني، فالأول تحصيل حاصل، ولكن الثاني
هو الأمر المشكل الذي يولد المشاكل، فإن القاعدة هنا تقرّ بالاختلاف
ومع ذلك تؤسس للائتلاف، بأن يعذر البعض الآخر فيما اختلف فيه، وهذا
أساس ركين لفكرة التسامح والتعايش والسلم الأهلي.
وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وهو من مؤسسي مجمع
التقريب بالقاهرة، قال في مقال له بعنوان بيان للمسلمين: "نعم، إنه
(رفع الخلاف) لمن المستحيل إن لم يكن عقلاً فعادةً: إذ لو كان الغرض هو
إزالة الخلاف بين المذاهب الاسلامية، وجعلها مذهباً واحداً سنياً فقط،
أو شيعياً فقط، أو وهابياً، كيف واختلاف الرأي والخلاف في الجملة
طبيعية ارتكابه في البشر، ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى: (ولا يزالون
مختلفين إلا مَن رحم ربك ولذلك خلقهم) (هود/ 118)، أي للرحمة أو
للاختلاف على الخلاف!!
ولكن ينبغي أن يكون من المتيقن به أنه ليس المراد من "التقريب بين
المذاهب الاسلامية" إزالة الخلاف بينها، بل أقصى المراد وجُلّ الغرض هو
إزالة أن يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد
والتضارب، بالإخاء والتقارب، فإن المسلمين جميعاً مهما اختلفوا في
أشياء من الأصول والفروع، فإنهم قد اتفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع
عندهم بصحتها من "أن مَن شهد الشهادتين واتخذ الاسلام ديناً له، فقد
حَرُم دمه وماله وعرضه، والمسلم أخ المسلم، وأنّ مَن صلّى إلى قبلتنا،
وأكل ذبيحتنا، ولم يتديّن بغير ديننا فهو منّا، له مالنا وعليه ما
علينا".
ولكن جماعة التقريب بالقاهرة لم تغفل أهمية التقارب الفكري، خصوصاً في
مجال التعارف وتأكيد المشتركات، ولذا فإنها أسست مجلة (رسالة الإسلام)
والتي عملت طوال سنوات صدورها على عرض الأفكار والآراء، من السنة
والشيعة، مع التأكيد على الأسس والمساحات المشتركة.
ولكن حيثما كان التقريب أساسه التأليف بين القلوب، قبل الأفكار، والتي
قد تبقى مختلفة، وقد اختلفت لمئين من السنين، فإن ذلك الاختلاف لا يضر
مع صفاء القلوب وحسن النوايا، وكما قيل، فإن الاختلاف في الرأي لا يفسد
في الودّ قضية.
ومما يؤكد أهمية التقريب القلبي وأسبقيته عن التقريب الفكري، هو أن
العالم يتجه نحو مزيد من الاختلاف الفكري والتنوع الثقافي والتعددية في
الرأي والمعتقد، حتى كأن الاختلاف سنة من سنن الخلق والتكوين جبل عليها
الانسان ولا انفكاك له عنها. قال تعالى: (ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة
واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا مَن رحم ربّك ولذلك خلقهم...) (هود/
118 – 119)
على أن منحى التقريب قد اجتذبته الآراء، عبر تلك السنوات الطويلة،
ليتمظهر في مشاريع ونظريات، غلب عليها طابع التقريب الفكري، أكثر من
الجانب القلبي، وهذه المساعي - رغم نبل أصحابها وشرف غاياتها – إلا
أنها قد تميل بمشروع التقريب عن جادته الأصلية، أو قد تبطئ من حركته
الأساسية، ولا تبلغ به غاياته، خصوصاً إذا طرحت كبديل تام لمشروع
التقريب وشكلت محور حركته، وسنقف عند بعض هذه الأطروحات وقفة نقد
وتأمل، لا بهدف إبطالها، وإنما بهدف تسديدها وإرفادها، إن شاء الله
وبعونه. |