|
قراءة لغوية في شعر بلند الحيدري
احمد جواد العتابي
بلند الحيدري شاعر استقل بمساحة لا يمكن تجاهلها في خارطة شعرنا
المعاصر, وحضوره الشعري لا يقل عن حضور غيره من شعراء جيله, إذ يبدو
ذلك واضحاً خلال طريقته وأسلوبه في بناء قصيدته, بدءاً من بناء جمتله
الشعرية وانتهاءً بموضوعاته ونظرته إلى الحياة والموت وموقفه من العالم
والكون. تسعى هذه القراءة إلى النظر إلى النص على أنه ليس مجموعة من
الألفاظ والكلمات, إنما تنظر إليه على أنه مجموعة تراكيب مؤلفة من
ألفاظ تربطها علاقات معينة وانساق متنوعة قائمة على نظام لغوي عام
قوامه الصرف والنحو والصوت والدلالة ترتبط جميعها بشبكة من العلاقات
الداخلية التي لا تتقبل الفصل إلا على حساب وحدة النص وبنائه وتماسك
عناصره إذ إن الفصل بين المستويات شاع في السنوات الأخيرة ولا سيما في
الدراسات الأكاديمية التي تتصدى لدراسة النص الشعري أو النص القرآني.
إن هذه القراءة تتوخى النظر إلى النص بوصفه بناءً لغويّاً أفرغ فيه
الشاعر - عن وعي - كلّ ما عنده من معرفة بواسطة اللغة, نحوها وصرفها
ومعجمها فضلا عن معارفه الثقافية والاجتماعية والفنية. سأعرض لنماذج من
قصائده, لتكون محور القراءة اللغوية التي يقوم عليها البحث.
وسرت ْ نسمة ٌ
فهَشّ ستار ٌ
واستحفته ضحكة ُ التغرير ِ
فتنزّى عن غرفة ٍ
وسريرٍ كان يبحثو في قلبها المخدور ِ
فهذه الجمل المتتابعة مبنيّة على الفعل الماضي (صيغة) لا (زمناً) وهي
متصلة بواسطة حرفي العطف (الواو والفاء) على التوالي. أي أن هشاشة
الستار جاءت بسبب سريان النسمة, ولذلك جاء العطف بالفاء, وفي اسناد
الفعل (هش) إلى (ستار) دلالة على معنى (رقّ) و (انشرح) وتقول: هشّ
العودُ: تكسّر, رقّ, جفّ ويبدو أن لفظة (ستارٌ) ترمز إلى الشاعر الذي
لم يظهر نفسه في النص كلّه, فاتخذهُ قناعاً إذ إن ما بقي من أفعال
كلّها تسند إليه. أي إلى (ستارٌ), ففي قوله: فاستخفته ضحكة التغرير.
فإن الهاء تعود على (ستارٌ) ومعنى استخفّ: أي استفزّ، ومعنى التغرير من
غرّ به تغريراً أي عرّضه للهلكة أي فاستفزته ضحكة التغرير.
وأضافة (الضحكة) إلى التغرير, للدلالة على مكرها وخبثها. ولذلك جاءت
الجملة التي بعدها معطوفة بالفاء الدالة على التعقيب والسببية في قوله
(فتنزّى عن غرفةٍ), إذ فيه ضمير يعود على (ستارٌ) الذي يرمز إلى الشاعر
كما ذكرنا, والتنزّي معناه التوثّب والتسرّع وقد عدّاه الشاعر بحرف
الجر(عن) الذي يدل على المجاوزة إذ ضمّنه معنى (تكشّف) لأنه في الأصل
يتعدى ب (إلى), يقال: تنزّى إليه بمعنى توثّب وتسرّع ويلاحظ في النص أن
التنكير هو الغالب (نسمة, ستارٌ, عرفةٍ وسريرٍ) إذ إن وظيفته جاءت
للتخصيص . إذ المراد ب (نسمة, وستار, وغرفة وسرير) نسمة معروفة عند
الشاعر ومثلها ستارٌ معروف وغرفة وسريرٌ فالنص الشعري كلّه مبنيّ على
الحركة وتصاعدها بدلالة استعمال الشاعر للافعال (اقشعرّ- سَرتْ - هشّ -
استخفّ - تنزّى) إذ إن الحركة في تصاعد فهي تبدو هادئة في (اقشعرتْ -
وسرتْ) ثم تصاعد في (هشّ) و (استخفّ) حتى تبلغ مداها في (تنزّى) ثم
تنتهي بانكسارها وتراجعها في الفعل (يجثو) الذي يدل على التوقف عن
الحركة ثم تلاشيها في (قلبها المخدور) إذ إن (خَدَرَ) معناه انعدام
الحركة والفتور والاسترخاء.
ويلاحظ أيضاً أنْ ليس لليل مقابل دلالي أو لفظي, فلا أثر للنور إلا في
قوله (باللظى), الذي ليس له نورٌ لأنه مصاب بالخُمار الذي يحاصره.
وبسبب هذا النور المغيّب أصيبت معالم الديجور بالاقشعرار الذي من
معانيه انقطاع المطر, (اقشعرت الأرض: لم ينزل عليها مطر, واقشعر النبات
لم يُصب رِيّا, واقشعرت السنة ُ: قَحَلتْ).
فهذه المعاني يجمعها معنى الجدب والقحط والانقطاع. والجملة الشعرية قد
تحتمل هذه المعاني كلّها. في مقطع آخر من القصيدة نفسها, يقول الشاعر:
ورأى الليلُ شمعة ً تتلاشى
في دموع تمرغت بالنور
أطلقت ضوءها الكئيب. فأغفى
فوق ظلين
هوّما في السرير.
ويلاحظ في النص ما يأتي: نَسَب الشاعرُ الرؤية إلى (الليل) للدلالة على
أن النور مازال له حضور متمثل ب (شمعة), إذ كشف هذا النور عن (د موعٍ)
تمرغت فيه تكابد ألم الانتظار الثقيل (للظل) الآتي في جنح الضوء الكئيب
إذ سيتلاقى الظلان في تهويمة السرير. بناء النص قائم على جمل فعلية
ترتبط برباط التابع (النعت) إلى المنعوت. الاسم النكرة (شمعةً) . فجملة
(تتلاشى) نعت (للشمعة) وجملة (تمرغتْ) نعت للاسم النكرة (دموعٍ). وجملة
(أطلقت ضوءها) نعت ثان ل (شمعة), وجملة (هوّما) نعت للاسم النكرة
(ظلين). هذه العلاقة التابعية النعتية أغنت الشاعر عن استعمال حروف
العطف لربط جملة، ولذلك لا نجد في النص إلا حرف واحد, في قوله (فأغفى)
للدلالة على التعقيب والسببية. إن وظيفة النعت هنا هي توضيح صفة من
صفات المنعوت وإبرازها والتأكيد عليها. إذ دلت أفعالها على تقضي الحدث
شيئاً فشيئاً بين الاستمرار والتجدد.
ويلاحظ في النص أيضاً أن لفظة (الليل) ولدت مجموعتين من الألفاظ دخلت
معها في علاقات تقابلية. فألفاظ المجموعة الأولى (شمعة, النور، الضوء)
وألفاظ المجموعة الثانية (تتلاشى, تمرغت, الكئيب, أغفى ظلين, هوّما).
أي أن النص ينقسم على نفسه, على نحو حقلين دلاليين أحدهما يمثله الليل
وما اتصل به من ألفاظ, والآخر تمثله (الشمعة) وما اتصل بها من ألفاظ.
إن البناء اللغوي للنص يدل على شيوع السكون والصمت وانقطاع الحركة إذ
تجسد ذلك في قول الشاعر (فأغفى فوق ظلين, هوّما في السرير) فالإغفاءة
وهي النومة الخفيفة ومثلها التهويم, إذ يقال هوّم: أي نام نوماً
خفيفاً وهزّ رأسه من النعاس(13) فضلا عما توحيه لفظة (الظل) من تراخٍ
وميلٍ إلى الراحة, دلت عليه لفظة (السرير) التي أصبحت ظرفاً لاحتواء
الظلين, بواسطة حرف الجر (في). وفي قصيدة أخرى بعنوان (نشيج), يقول
الشاعر:
يا دمعتي
الليل قد خيمتْ أشباحُه
في غرفتي الباليه
لله
خليني إلى وحدتي
أبث للشمعة أشجانيه
فشمعتي شاعرة طالما
غنت لي النور بأجوائيه
تشكو لي النار وأشكو لها
نارا ً
من الحب بخافقيه
تصارع الليل فما ينتهي
كإنما الظلماء ُ
أياميه
يا شمعتي ماتت عهود الهوى ودفنتها في ليل ِ أوهاميه
النص مبنيّ على النداء (يا دمعتي), وهو أسلوب إفصاحي, إذ إن المقصود هو
الخبر الذي يلي النداء (14). (الليل قد خيمت أشباحه في غرفتي الباليه),
إذ يظهر فيه معنى الانكسار والتراجع, وقد بلغ أشدّه في أسلوب التوسل
والخضوع في قوله (لله خليني إلى وحدتي) وهي عبارة تقترب من الاستعمال
العامي كثيراً, واستعمال الشاعر لها جاء لضرورة نفسية. ويلاحظ في النص
تكرار لفظة (الشمعة) في قوله:
أبثّ للشمعة أشجانيه
فشمعتي شاعره
يا شمعتي ماتت عهود الهوى
كما يلاحظ عودة الضمير في أكثر من موضع (غنتْ لي النور)، (تشكولي
النار)، (أشكو لها)، (تصارع الليل), إذ إن الشمعة في النص تحمل دلالة
الأمل البعيد الذي يندر وقوعه بدلالة ضوئها المتواضع الذي يضفي على
الأشياء هيئة الإشباع ولا سيما في الليل حين تكون الغرفة بالية, فقد
اتخذ من الشمعة أنيساً وجليساً يسعفه أحياناً في محنته, وأحياناً لا
يسعفه فهو يبث لها أشجانه فهي التي أشاعت له النور في أجوائه. ويلاحظ
أيضاً أن الشاعر جعل الشمعة محور بنائه التركيبي, فقد احتلت مكان
(العمدة) في قوله:
فشمعتي شاعرةٌ. وبعودة الضمير المستتر عليها في قوله:
غنتْ لي النور. وقوله: تشكو لي النارَ. وقوله: تصارعُ الليلَ.
أما دلالة (الليل) في النص فهي دلالة سلبيّة تشاؤميّة, إذ اقترنت
بألفاظ مثل (خيّمتْ أشباحُه) و (فما ينتهي) و (كأنما الظلماء أيامية) و
(دفنتها في ليل أوهاميه), فالليل قد ألقى بظلالهِ القاتمة, ولم يستطع
نور الشمعة شقّ سدوله, إذ تحول في نهاية النص إلى مقبرة دفن فيها
الشاعر عهود هواه التي ماتت بسبب محاصرة الليل للشمعة وخنق نورها
فاستحالت أيامه ظلاماً.
إن ألفاظاً مثل (أشباح, أشجان, أجواء, أوهام) التي ترددت في فضاء النص,
كفيلة برسم صورةٍ حزينةٍ غير متفائلة بغدٍ يحلم به الشاعر. ويقول
الشاعر بلند الحيدري في قصيدته (الطبيعة الغاضبة):
الليل ُ جاث ٍ
والظلام مكشرّ عن نابه ْ والرعد يُرعدُ كلّما هتف السناءُ ببابه فكأن ّ
خلف الليل قلبا ً مل ّ طول عذابه
سِئم الدجى , والوحشة ُ الرعناء ُ ملءُ
إهابه
يكثر الشاعر في استعمال لفظة (جاثٍ) إذ تكررت مرات في قصائده والجملة
الإسمية (الليلُ جاثٍ) التي استهل بها القصيدة تدل على ثبات جثو الليل
ودوامه, وقد زاد في هذا الجثو وثباته الجملة الإسمية المعطوفة (والظلام
مكشرّ عن نابه) التي ترسم وحشية هذا الظلام وقسوته ثم تأتي الجملة
الإسمية المركبّة (والرعدُ يُرعُد كلما هتف السناء ببابه) إذ إنها جملة
مركبة من جملة إسمية وأخرى ظرفية شرطية تدل على تكرار الحدث بدلالة
الأداة (كلّما), هذه الجملة المتصلة بعلاقة العطف بواسطة حرف العطف
الواو, شكلت نسيجاً لغوياً لصورة شعرية برزت فيها ألوان الخوف والوحشة
والوحدة ويبرز في النص نسيج لغوي. بدأه الشاعر بحرف العطف الفاء وأداة
التشبيه (فكأن). ودلالة التعقيب والسببية واضحة في (الفاء) أما (كأن)
فلم تتمحض للتشبيه وإنما أفادت معنى الانكار والتعجب من هذا القلب في
تحمله لطول العذاب والوحشة الرعناء. إن التنكير في (قلباً) يدل على
قوّة هذا القلب وانفصاله عن محيطه (الليل والوحشة والعذاب).
يلاحظ في النص أيضاً كثرة الألفاظ التي ولّدها (الليل) فهناك (الظلام)
و (الدجى) والوحشة. أما النور الذي يقابل (الليل) فلم يرد إلا في لفظة
(السناء) الذي بدا منزوياً بسبب سطوة الرعد التي برزت في قوله
(يُرعُد). هذه الصورة الغارقة في الظلمة انعكاس للحالة التي عليها
الشاعر التي أظهرها لنا على نحو نسيج لغوي مبني ّ على العلاقات النحوية
والصرفية والمعجمية التي اختارها الشاعر بوعي على وفق نظام اللغة
ومستوياتها.
إن منهجنا اللغوي في قراءة النص الآدبي شعراً أو نثراً أو نصاً قرآنياً
يكشف عن أشياء كثيرة تحسب للنص الذي هو بناء شيدّه منشئُه عن وعي
بطبيعة النظام اللغوي ودقائقه على وفق مستويات اللغة المعروفة, إذ إن
هذا المنهج يُرجع النص إلى أحضان بيئته اللغوية التي نما وترعرع فيها
فهي تمثل مادة بنائه وركائز هيكله.
قراءة في مجموعة موت قارع الأجراس
حسن لبيب
لمحمد جبريل أكثر من ثلاث وعشرين رواية. ولم يحل هذا الإنتاج الغزير
دون كتابة القصة القصيرة وإصدار تسع مجموعات، آخرها "موت قارع
الأجراس"، تضم أربعا وعشرين قصة تتفاوت بين الطول والقصر، وتتعدد
مستويات الرؤى والموضوعات. لاختيار عنوان المجموعة ـ وهو اسم إحدى
القصص ـ دلالته، إذ يعكس همّ المبدع بالقضية المزمنة، قضية "فلسطين".
يتفاعل الكاتب مع أحداث انتفاضة الأقصى، التي هزتنا جميعا، ولم يهتز
لها العالم بالقدر الكافي، رغم دموية المحتل وجبروته، في التعامل مع
شعب أعزل طالته الدبابات والطائرات، فطفق يدافع عن نفسه بصدوره
المكشوفة ورءوسه العارية، يضرب مثلا للبطولة والتضحية والفداء. اهتز
الكاتب لعمق المأساة، لكنه لم يشأ أن تحتد نغمة الآه المخزونة في
حناياه، وإنما أطلقها من خلال حس الفنان المرهف، وتناول مشهدا من مشاهد
الانتفاضة، عند محاصرة كنيسة المهد. يتحدث الكاتب بضمير الغائب لشخص لا
نتبين ملامحه أو نتعرف على هويته. جعل الكاتب منه رمزا يفسره القارئ
على هواه. يشبه ملاك الرحمة يأسو الجراح ويخفف الآلام. كما أنه من
منظور آخر يقرع الأجراس منبها بالخطر، محذرا منه. هذا الشخص ربما نطلق
عليه "سوبرمان" ينشكل في صورة ملائكية، يدفع نفسه جهة مجمع الكنيسة،
فينزل على السطح الملاصق للبرج، ويطل على عشرات من الرجال والنساء
والأطفال، وهم يتدافعون نحو الباب الحديدي لساحة الكنيسة. كما أنه يسدي
النصح ـ أيضا ـ بترك السلاح، حتى لا تكون الكنيسة، بما لها من ثقل ديني
مسرحا لعمليات قتالية. وهو أيضا بندس وسط المجموعات المتناثرة في
القاعات والحجرات والردهات. ينزل المدرجات الرخامية لمغارة المهد،
مسترخيا في مدخلها، متخيلا قدوم السيدة العذراء ويوسف النجار. كما أنه
ملاك رحمة يغمغم بدعوات للشاب المريض بالصرع، يمد يده ويمسد رأسه
فيهدأ. وحين دوى انفجار، وتحركت الدبابات، تنقل بين جوانب السطح، محدقا
في الشوارع المفضية إلى الكنيسة، ويتجه إلى البرج. يقول الكاتب في سطور
الختام : " امتدت يده ـ في وقفته ـ إلى الجبال المتصلة بالأجراس أعلى
البرج. توالى هزه للحبال. علت الأجراس، واتسع صداها في فضاءات بعيدة.
زاد من هز الجبال، فامتد قرع الأجراس. وضع قوته فيما يفعله.... ترد
نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الأذان ـ كما حدث في
مرات سابقة ـ من الجوامع وأسطح البيوت.... لم يفطن ـ في انفعاله ـ إلى
الجدار المفتوح في جانب البرج، ولا إلى القناصة الذين رأوا من يحرك
الأجراس، فصوبوا إليه رصاصهم.
أمام قسوة البطش وعمق المأساة، أمام الظلم الممتد لأكثر من خمسين عاما
خلت، لم يجد الكاتب سوى قوة روحية ملائكية تأسو جراح الشعب المقهور.
يتخيلها في صورة شخص أو ملاك يقرع الأجراس، يفيق الغافلين. هنا يتجسد
قارع الأجراس في مخيلة المبدع آدميا يطلق عليه الرصاص، حتى يظل
النائمون في غفوتهم.
قارع الأجراس يتمثله الكاتب بقواه الروحية أشبه بسوبر مان ينطلق في
الأجواءء ويخترق الأمكنة. هو أشبه بالضمير الحي الذي ينصح ويهدي. هو
شاهد عيان لما يلاحظ من انفلات وجبروت. قد يكون قارع الأجراس نذيرا
بخطر محدق للكنيسة وما حولها. قد يكون ملاكا هابطا من السماء بالرحمة
والهداية.
في القصة الأثيرة، جانب معرفي عن الكنيسة وطقوسها والمعالم المسيحية
والإسلامية في بيت لحم. متوددا إلى القارئ كي يتعرف معه على جغرافية
المكان، أو يسرد بعضا من فصول التاريخ القديم، أو يلتقط بيراعه اليقظ
جوانب اجتماعيية مهمة. وهي متعة أخرى يحققها النص الأدبي، وأعتبرها
عنصرا أساسيا من جمالياته.
هذه الشخصية المحورية التي تأسس عليها النص، نتتبعها ونتعرف عليها من
خلال مجموعة من الأفعال، أو الفعل الإيجابي، وسط مجموعة من الفلسطينيين
ونشطاء السلام، اتخذوا من كنيسة المهد ملاذا آمنا، فحاصرتهم قوات البطش
الإسرائيلية، فأصبحوا جميعا رهائن.. رجال الكنيسة والأهالي الذين
احتموا داخلها.. لا تقدر الرهائن على فعل ما، أو تقوى على درء خطر
محدق. وجاءت هذه الشخصية فحفظت التوازن النفسي، من خلال رؤية الكاتب
بأن ثمة رحمة تلوح في الأفق، تسبغ ظلها على هؤلاء المحتجزين..!
نلمس الجانب المعرفي ـ أيضا ـ في قصص مستوحاة من رحلاته إلى عُمان (
قصتا : "الوحدات" و"البيت الفرنسي" )، وتونس ( قصتا : "سندس" و
"القرصان" )، وسوريا (قصة : "الكسوف" ). وهو يقر، من خلال هذه
الكتابات، أن كل ما يراه أو يعيشه المبدع قابل للكتابة. وهي قضية قابلة
للمناقشة والبحث.
وقصة "الوحدات" عن مخيم فلسطيني بهذا الاسم، يقيم فييه صديق الراوي في
عُمان. تبين القصة مدى الضياع الذي يواجه فلسطينيا يحمل وثيقة إقامة،
ولا يملك حرية التنقل.
عن دنو الأجل وإرهاصات ما قبل الموت، تتحدث قصة "العنكبوت". يتبدى
الموت للأب الذي تجاوز الستين في صورة عنكبوت فيدعو من حوله أن يطاردوه
ويزيلوا خيوطه. لكن من حوله لا يروْن ما يراه..!
وفي قصتيْ "البيرق" و "العراف" يحدثنا الكاتب عن الغيبيات التي تؤدي
إلى الانفصال عن الواقع، وتودي بصاحبها إلى التهلكة.
تحتد نبرة الكاتب وهو يتحدث في قصة "الزيف"، عن زيف الشعار وزيف
التعبئة الكلامية الانفعالية. إذا نزعنا قناع الزيف، يتبدى عمق المأساة
العربية. كما تحتد النبرة ـ أيضا ـ في قصة "الخيمة" بما كتبه عن آفة
التراخي والاستكانة. وفي قصة "العراف" تحتد النبرة في الحديث عن
الخيانة تنخر كالسوس في عصب الأمة.
من القصص التي تتميز بالقيمة الجمالية، قصة "ونس"، التي تتحدث عن زوجين
قصدا شاليها خاصا بهما بالعجمي، في عز الشتاء، إيثارا للهدوء
والعزلة!.. لكنهما ضجرا من الصمت المطبق، فإذا ما تبين لهما شعاع ضوء
يبين من أسفل الباب المغلق، سرى الدفء التلقائي في قلوبهم، ووشت موسيقى
خافتة وضحكات عن وجود بشر!.. فتهمس الزوجة لزوجها : "هل نطرق الباب؟".
حاجة الإنسان إلى الونس تفوق حاجته إلى الهدوء. هذا ما تقوله القصة
بشفافية وإيحاء مؤثر.
قصة قصيرة
الأبـــــوة
ابراهيم كولان
أخذت تنشج بشهقات الموت.. لقد فقدت الشعور بالإحساس, فعندما شددتها من
شعرها لم تقف ولم تعد تحس بكفي المنطبقة على كتفها.. صرخت في وجهها من
بين الدموع..
يكفي هذا! أخذت تندب وتتقيأ الكلمات من بين فكيها مريرة ملتاعة..
واتجهت تجمع ثيابها بدون وعي.. إلى أين؟
لن أبقى هنا حتى يذبحني!. أمسكت بيدها بقوة, أوقفتها, وشفتاي ترتجفان
هلعا.
-لم فعلت هذا أيتها الغبية؟
-الكلب الحقير
-لقد وعدك بالزواج!! المجرم! لن يفلت من وجه العدالة
-لقد هرب!! وقفت أمامها وأنا وجهي, فدفعتني واتجهت نحو الباب
-حطمت شرفه ولن يغفر لي..
-لكنه بمثابة أبيك..
-ولهذا سيقتلني بدم بارد! فلن يكون له حنان الأب, دعيني اخرج.. مسكت
مقبض الباب بكل قوتي سحبتها من ثيابها وهي تقاوم بشراسة المستميت, فما
عساي اصنع حين يأتي.. وفجأة, وجها لوجه مع زوجي.. يا للكارثة.. وقفت
أمام الباب انظر الى عينيها وهي تستعطفان الحياة, منسحقة النفس تأمل
الموت خلاصا من الفضيحة, وأمها تنظر إلي نظرات غريق يستنجد.. كانت في
الثانية من عمرها حين مات أبوها, وكانت أمها في غاية الجمال, لا اعرف
كيف يحضى المتوحشون بالملائكة.. حقا كنت احسده عليها, لهذا الجمال.
فتداعت الأيام لترتب الحلم, الفتاة الصغيرة لم تكمل الثالثة, أحببت
الصغيرة من كل قلبي, ألاعبها, أدللها, فأحبتني أكثر من حبها لأبيها
الجلف, لما رأته مني من حنان الأبوة, لكن القدر كان لي بالمرصاد هذه
المرة.. أي عاصفة حمقاء تريد أن تعكر صفو الحياة! هي ليست من صلبي فلم
أتحمل المأساة الآن؟.. إنني لا اشعر بالذنب او التقصير.. ولكن هل من
تبريرات تخفف وقع الكارثة؟. أية قوة من بلازما العقل تقف امام العاطفة؟
أية كتلة من سمو النفس يجب ان تقف امام الكبرياء؟. وها هي امها تنظر
إلي وتنتظر لما تنبس شفتاي من أمر.. والفتاة وهي تنشج ملتاعة.. انهما
تنتظران حكمي.. وهي تعض شفتيها ندما ومهانة وانسحاق.. وابنة تتمنى
الموت خلاصا... دمعت عيناي بحجم الورطة المهينة والقاسية, وتمتمت
بكلمات فارغة لم أحس بوقعها.. وكأنها تخرج من حنجرة أخرى!!
-لن تخرج الفتاة من البيت حتى نتلافى الفضيحة وبعدها سنرى.. بدهشة
مفاجأة, ودموع فرح احتضنتني أمها بقوة من بين الدموع.
حمدا لله انك أنت أباها.
ازقــــة
سمرقند الجابري
للمدن أزقتها
ولــــي خطاي
**
الوجد تركني نصفين
الاول سمر
والثاني قند
أيهما الان أنا ؟
(1)
بي من بحر حبك ما يطفيء نار جهنم
نخلةً لا أنام
لأستضيء بظلك
لك السر ولهم خليج الظلام
بذاتك لذتُ كي لا أسقط في العدم
فزدتُ الآفاق حمائم نور
أصبحت أُسمي الاوجاع شهدي
وصار لي خبرة ألف عام في الاغنيات
غسلت يومي بزهر خطاك ليطهر
لان كل النهارات ملوثة بالتكرار
سأرفض مناطق رمادية بين نعم ولا
لاني ما رأيت شيئا إلا وكان الله فيه
فصار حبك هديتي من السماء
ما عدتُ انا لأني ارتويك
وأسمي حصى الدار طيور الكلمات
فديتك فقد رسمتني نقية كالحقيقة
لا تمسني شُبه الخواطر والظنون
ذكاء مني اذ ابقيت عمري بذرة لانمو فيك
وكان بعدي عنهم اكبر نعمتي
ليكون قربي منك عين المكان
اعياهم الوجود وربحت شفاء الحيرة
اربعة منك تزيل وحشة الاسئلة
تلطّفْ عليّ وتجلَ لهم
ليكفروا جملة ، وأدخل الجنة وحدي
قبل ان ينفخ اسرافيل في الصور
(2)
قرط ماسي في علبة حمراء
معه منديل يحمل دموعك
فلا تقل لي كيف هجرت العذاب
اعطيتك كلي واكتفيت ببعضك
رأيت يقينك فصرت عصيّة على الاوهام
سرقتني من كل الاماكن
فصارت (أيـن) تستجدي خطاي
حبك اوجدني قبل آدم
لذا عذرت غيرة الكائنات مني
لا تفسدها الخشية عاصفتي
احببتك فأمنت الفناء
ما بين يومي والقيامة ان اهيم بك
زهرة لا اشبه بستاني
لأنقاد لفصولك دائمة الخضرة
بين ان ادرك حبي وان ابوح به الف عام
فتقدّسَ صمتي ليطيعني البر والبحر
فقيرة في عشقك لاني
علمت ان عين الله على الفقراء |