|
فدك في التاريخ
الحلقة الثانية والعشرون
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
روايات الخليفة الأول ومناقشتها
1- لأجل أن نلقي نظرة على الحديث من
الناحية المعنوية بعد الملاحظات التي أسلفنا ها ، نقسم الصيغة التي
جاءت في رواية الموضوع إلى قسمين
: -
)
الأول ) ما جاء في بعضها من أن أبا
بكر بكى لما كلمته فاطمة ثم قال : يا بنت رسول الله ، والله ما ورث
أبوك دينارا ولا درهما ، وإنه قال : إن الأنبياء لا يورثون).
وما ورد في الخطبة من قوله : ( إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا
عقارا ولا دارا لكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة )
(الثاني ) التعبير الذي تنقله عدة
أخبار عن الخليفة وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
( إنا لا نورث ما تركناه صدقة )
.
2- والنقطة المهمة في هدا البحث هي
معرفة ما إذا كانت هذه الصيغ تدل بوضوح لا يقبل تشكيكا ولا تأويلا -
وهو النص
في العرف العلمي - على أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تر كته ، أو ما إذا كانت تصلح
للتعبير بها عن
معنى آخر وإن كانت للتعبير بها عن الحكم بعدم التوريث أصلح - وهو
الظاهر في الاصطلاح - وللمسألة تقدير ثالث وهو أن لا يرجح المعنى الذي
هو في صالح الخليفة على ما قد يؤدي باللفظ من معان اخر - وهو المجمل .
3- إذا لا حظنا القسم الأول من صيغ
الحديث وجدنا رواياته تقبل أن تكون بيانا لعدم تشريع توريث الأنبياء
كما فهمه الخليفة ، ويمكن أن تكون كناية عن معنى أن يقع في نقس رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بيانه ، وهو تعظيم مقام النبوة وتجليل
الأنبياء ، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الألهية
أجلى دلالة وأكثر مادية من الزهد في الدنيا ، ولذائذها الزائفة ،
ومتعها الفانية
فماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن
يشير إلى أن الأنبياء اناس ملائكيون وبشر من الطراز الأسمى الذي لا
تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية ؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من
عناصر السماء - بمعناها الرمزي
-
المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي ، فهم أبدا ودائما منابع
الخير ، والطالعون بالنور ، والمورثون للأيمان والحكمة ، والمركزون
للسلطان الألهي في الأرض . وليسوا مصادر للثروة بمعناها المصطلح عليه
في عرف الناس ، ولا بالساعين وراء نفائسها
.
ولماذا لا يكون قوله : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا
أرضا ولا عقارا ولا دار ا ) كناية عن هذا المعنى ؟ لأن توريثهم لهذه
الأشياء إنما يكون بحيازتهم لها ، وتركهم إياها بعد موتهم وهم منصرفون
عنها ، لا يحسبون لها حسابا ولا يقيمون لها وزنا ليحصلوا على شئ منها
.
فما هو تحت اللفظ نفي التوريث لعدم وجود التركة كما إذا قلنا : إن
الفقراء لا يورثون ، لا أنهم يختصون عن سائر الناس بحكم يقتضي بعدم
جريان أحكام الأرث على تركاتهم
.
والهدف الأصلي من الكلام بيان جلال الأنبياء . وهذا الاسلوب من البيان
مما يتفق مع الأساليب النبوية الرائعة التي تطفح بالمعاني الكبار وتزخر
بأسماها في موجاتها اللفظية القصيرة
.
4- ولكي تتفق معي على تفسير معين
للحديث ، يلزم أن نعرف معنى التوريث لنفهم الجملة النافية له كما يلزم
. و 70 معنى التوريث جعل شئ ميراثا ، فالمورث من يكون سببا لانتقال
المال من الميت إلى قريبه وهذا
الأنتقال يتوقف على أمرين : - ( أحدهما ) وجود التركة . ( والاخر )
القانون الذي يجعل للوارث حصة من مال الميت
.
ويحصل الأول بسبب نفس الميت ، والثان بسبب المشرع الذي وضع قانون
الوراثة سواء أكان فردا أسندت إليه الناس الصلاحيات التشريعية أو هيئة
تقوم على ذلك ، أو نبيا يشرع بوحي من السماء ، فكل من الميت والمشرع له
نصيب من إيجاد التوارث ، ولكن المورث الحقيقي الذي يستحق التعبير عنه
بهذا اللفظ بحق هو الميت الذي أوجد مادة الأرث ، لأنه هو الذي هيا
للأرث شرطه الأخير بما خلفه من ثروة ، وأما المشرع فليس مورثا من ذلك
اطراز لأنه لم يجعل بوضعه للقانون.
ميراثا معينا بالفعل ، بل شرع نظاما يقتضي بأن الميت إذا كان قد ملك
شيئا وخلفه بعد موته فهو لأقاربه . وهذا وحده لا يكفي لأيجاد مال موروث
في الخارج ، بل يتوقف على أن يكون الميت قد أصاب شيئا من المال وخلفه
بعده .
فالواضع التشريعي نظير من يضيف عنصرا خاصا إلى طبيعة من الطبائع ،
فيجعلها قابلة لأحراق ما يلاقيها . فإذا ألقيت إليها بورقد فاحترقت كنت
أنت الذي أحرقتها لا من أضاف ذلك العنصر المحرق إلى الطبيعة ، والقاعدة
التي ذلك ، أن كل شئ يسند بحسب اصول التعبير إلى المؤثر الأخير فيه .
وفي ضوء هذه القاعدة نعر ف أن نسبة التوريث إلى شخص تدل على أنه المؤثر
الأخير في الأرث ، وهو الموروث الذي
أوجد التركة .
فالمفهوم من جملة : أن الأنبياء يورثون ، أنهم
يحصلون على الأموال ويجعلونها تركة من بعدهم ، وإذا نفي التوريث عنهم ،
كان مدلول هذا النفي أنهم لا يهيؤون للأرث شرطه الأخير ، ولا يسعون
وراء الأموال ليتركوها بعد وفاتهم لورثتهم
.
وإذن فليس معنى : أن الأنبياء لا يورثون ، عدم التوريث التشريعي ، ونفي
الحكم بالأرث ، لأن الحكم بالأرث ليس توريثا حقيقيا ، بل التوريث
الحقيقي تهيئة نفس التركة وهذا هو المنفي في الحديث
.
وعلى طراز آخر من البيان أن التوريث الذي نفاه خاتم النبيين عن
الأنبياء ، إن كا ن هو التوريث التشريعي ، كان مفاد النفي إلغاء قانون
الأرث من شرائع السماء ، لأن توريثهم التشريعي لا يختص بورثتهم حتى
يكون المنفي توريثهم خاصة
.
وإن كان هو التوريث الحقيقي ، بمعنى تهيئة الجو المناسب للأرث ، سقطت
العبارة عما أراد لها الصديق من معنى وكان معناها أن الأنبياء لا تركة
لهم لتورث.
5- وفي الرواية الاولى مهد الخليفة
للحديث بقوله : ( والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما ) ، وهذا
التعبير واضح كل الوضوح في نفي التركة وعدم ترك رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم شيئا من المال . فإذا صح للخليفة أن يستعمل تلك الجملة
في هذا المعنى ، فليصح أن تدل صيغة الحديث عليه أيضا ويكون هو المقصود
منها.
التاريخ والتراث والسياسة
دراسـة فـي ثـلاثيـة معـاصرة
يبدأ بعض المفكرين العرب المعاصرين بعدة مقولات تتأسس على مشاريعهم
الفكرية مثل (نقد العقل العربي)، (نقد العقل الاسلامي)، (من التراث إلى
الثورة)، (التراث والتجديد)، ويفضل البعض الآخر البداية ببعض المقولات
الأساسية كنقاط بداية مثل (التاريخ، التراث والسياسة). والغالب على
البعض منها في كلتا الحالتين الإيقاع الثلاثي، إما كبنية طبيعية في
الذهن كما هو الحال عند كانط، أو في الجدل مثل هيجل، أو في الموقف
الحضاري مثل ثلاثية الموروث والوافد والواقع المعيش، ومنها (التاريخ
والتراث والسياسة).
وقد توالت عدة أجيال من المفكرين في المغرب الأقصى عن أصحاب المشاريع
التي بدأت معظمها بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 أو قبلها بقليل مواكبة
للثورة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين ابتداءً من
الخمسينات. ويمكن التعرف على أجيال ثلاثة: الأول جيل محمد عزيز الحبابي
الذي طوّر مشروعه ابتداءً (من الكائن إلى الشخص) انطلاقاً من مونييه
إلى (الشخصانية الإسلامية) لإعادة اكتشاف الشخصانية في الموروث بدلاً
من نقلها من الوافد حتى (العالمية الثالثية) في مراحل ظهور كتلة العالم
الثالث إبان الستينات وصولاً إلى (الغادية) بعد ازدهار علوم
المستقبليات. والثاني جيل عبدالله العروي (1935) الذي تطور أيضاً من
(تاريخ المغرب) إلى (الإيديولوجية العربية المعاصرة) إلى (العرب والفكر
التاريخي) خاصة المثقفون العرب والغرب إلى تحليل المفاهيم مثل:
الإيديولوجيا، والحرية والعقل، والتاريخ. وينضم إليه محمد عابد الجابري
(1936) في رباعية (نقد العقل العربي) التكوين ثم البنية ثم تطبيقهما في
السياسة والأخلاق. والثالث علي أومليل (1940) انطلاقاً من التاريخ
والتراث والسياسة ومعه طه عبد الرحمن (1940) ابتداءً من اللغة والمنطق
والجدل والمناظرة أو نقيضها في الإلهامات الصوفية والإشارات الإلهية
وتحت مصطلحات جديدة مع إزاحة الأجيال السابقة لإفساح المجال للجيل
الجديد لفرض نفسه على الساحة الفكرية والفلسفية. وفي الدول الشابة
تتلاحق الأجيال ربما كل عشر سنوات وليس كل أربعين عاماً كما قال قدماء
اليونان وابن خلدون.
والعنوان (التاريخ والتراث والسياسة) من تطور المؤلفات الستة الرئيسية:
اثنان في التاريخ: (الخطاب التاريخي.. دراسة في منهجية ابن خلدون)
1977، (الإصلاحية العربية والدولة الوطنية) 1985. واثنان في التراث:
(في التراث والتجاوز) 1990، (في شرعية الاختلاف) 1991. واثنان في
السياسة: (السلطة الثقافية والسلطة السياسية) 1996، (مواقف الفكر
العربي من المتغيرات الدولية.. الديمقراطية والعولمة) 1998.
2.التاريخ:
أ) يبدأ التفكير في التاريخ منذ رسالة الدكتوراه الخطاب التاريخي:
دراسة في منهجية ابن خلدون، وهي من أكبر المؤلفات، ويبين فيها العقل في
التاريخ بتعبير هيجل ولكن على أساس نقدي، والعقل في الجغرافيا أي
النظرية الجغرافية المعروفة عند مونتسكيو وهردر. كما يصف أغلاط
المؤرخين السابقين ويبين ضرورة نقد الروايات قبل استعمالها كمصادر
للتاريخ، تحولاً من النص إلى الواقع، ونقد منهج الإسناد الذي يجعل صحة
الخبر مشروطة بصحة الإسناد. وابن خلدون جزء من الثقافة العربية في
المغرب ومنهجية العقلانية التي يتسم بها الفكر المغربي. وتتجاوز
الدراسة عرض المقدمة كما يفعل المشارقة وتكرارها، بل يبين نموذج انبثاق
السياسة من التاريخ والتحول من القبيلة إلى الدولة مع دقة المقاربة في
التحليل والتنظير كما هو الحال عند ابن رشد وابن خلدون، ونموذج
المشارقة ابن سينا والغزالي. وفي نهاية كل فصل (استخلاص)، بالإضافة إلى
الإستخلاص العام الذي في نهاية الدراسة حتى يعي القارئ النتائج الجزئية
والكلية وليس فقط مجرد العرض بطريقة المشارقة.
ويتأكد التركيز على التاريخ في ثنايا الدراسة قبل ابن خلدون وبعده مثل
الرؤية التاريخية للتاريخ عند الطبري، والصلة بين تاريخ المغرب
والتاريخ العام، وما هو الخاص في التاريخ وما هو العام، وأهمية ابن
خلدون في العودة إلى الواقع وإلى التجربة التاريخية ونهاية بتفسير
التاريخ. وتحاول الدراسة إدخال المقدمة في تصنيف العلوم اعتماداً على
إحصاء العلوم للفارابي في إطار علوم الحكمة. وقد بدا ذلك صعباً للغاية
لأن الفارابي لا يدخل التاريخ ضمن إطار علوم الحكمة، كما يصعب اعتبار
التاريخ ضمن هذه العلوم، إنما المقدمة تند عن التصنيف لأنها تعبّر عن
نهاية المرحلة الأولى للحضارة الاسلامية، مرحلة النشأة والتطور
والاكتمال ثم النهاية في القرون السبعة الأولى قبل أن تبدأ المرحلة
الثانية عصر الشروح والملخصات في القرون السبعة التالية والتي انتهت
بعصر الإصلاح الديني والنهضة العربية الأولى قبل أن يَكبُو تدريجياً
حتى هذا الجيل.
وفي الفصل السادس يقدم نموذجاً تطبيقياً لبنية المقدمة ليتحقق من صحتها
انطلاقاً من مسار البدو من القبيلة إلى الدولة والخلافة حتى الحضارة
والتدهور مع التركيز على دور التصوف في التاريخ، وبيان الاستثناءات في
التاريخ، وحدود البنية لرصد وقائع التاريخ الكلي.
ب) الإصلاحية العربية والدولة الوطنية:
وهنا يتم الانتقال من التاريخ القديم إلى التاريخ الحديث، من ابن خلدون
نهاية العصر القديم إلى الإصلاح بداية العصر الحديث، ومن الخلافة إلى
الدولة الوطنية.
كانت هناك مقدمات للإصلاح وذلك بانتشار بعض المفاهيم مثل الدستور
لتقييد سلطة الملك أو الأمير، فأقصى ما كان ينادي به الإصلاح هي
الملكية المقيدة بالدستور، ومثل الاستبداد العادل الذي دافع عنه
الأفغاني كنوع من الإصلاح للدولة العثمانية، ومثل الحسبة، أي الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر عند الإسلاميين كنوع أيضاً من الرقابة على
الحاكم، ويكون المصلحون مثل الغرباء الذين يصلحون في الأرض عند فساد
الناس، هم العلماء ورثة الأنبياء، وهم الذين يبعثهم الله على رأس كل
مائة سنة لتجديد الدين.
ويقوم الإصلاح على تأكيد الفطرة والحالة الطبيعية من أجل إعادة النظر
في نظام المجتمع. ويحال إلى مصادرها القديمة لدى (حي بن يقظان) لابن
طفيل، وابن خلدون، والشاطبي في مقاصد الشريعة، والحُسن والقبح العقليين
عند المعتزلة. فالطبيعة خيرة وعاقلة والتسامح جزء من الفطرة، يعطي حق
الخلاف والاختلاف. وهو ليس مفهوماً محايداً، مجرد تعبير عن الفطرة، بل
هو أساس الإصلاح ضد التسلط والتفرد بالرأي.
وبمجرد أن خبا الإصلاح، نشأ الصراع بين السلفيين والعلمانيين، وبين
السلفيين والليبراليين. حاول الإصلاح الجمع بينهما في سلفية جديدة
قابلة للحداثة، أو علمانية جديدة قابلة للحداثة، أو علمانية جديدة
قابلة لأن تمتد جذورها في الموروث العقلاني الطبيعي القديم. وبالرغم من
دراسة الموضوعات نفسها دون الأشخاص إلا أن علي أومليل يفصّل مشروع طه
حسين العلماني ويبرز التقابل بين الديني والمدني.
ومع الدولة الوطنية بدأ السؤال حول دور الإسلام فيها. فقد خرجت معظم
حركات التحرر الوطني من جبّة الإصلاح الديني. فلما نشأت الدولة الوطنية
تم استبعاد الحركة الاسلامية في خضم الصراع على السلطة. هكذا نشأت
مشكلة الجزائر والحرب الدائرة الآن بين الاسلاميين والدولة. كما نشأت
أيضاً مشكلة الهند وانفصال باكستان باسم الاسلام عن الهند العلمانية.
وما زالت الإصلاحية العربية الليبرالية أو الاسلامية في مشكلة مع
الدولة التي تحكم باسم السلطة ولا تطلب من الناس إلا الطاعة. وهو ما
يرفضه الليبراليون والاسلاميون.
ويظهر ابن خلدون من جديد نموذجاً للمثقف المغربي. ومع ذلك يحضر الغزالي
أيضاً في المغرب العربي وكان المغرب قد جمع بين النقيضين، التصوف للشعب
والعقل والتاريخ للنخبة. كان من الطبيعي أن يلجأ الغزالي إلى التصوف
كحركة إحياء للإيمان في القلوب أثناء الحرب الصليبية الأولى دون ذكرها
أو الإشارة إليها في أي من مصنفاته.
وكما كان المثقف العربي بين ثقافتين العربية والغربية، فقد تمّت
المقارنة بينهما في تحليل الفطرة والإشارة إلى هيجل، وفي تحليل الطبيعة
والإشارة إلى روسو مع تعريب بعض الألفاظ مثل (ريفورم) أي الإصلاح،
و(توليرانس) أي التسامح.
3. التراث:
أ) في التراث والتجاوز (1990):وهي قضية المفكرين العرب المعاصرين. كيف
يمكن تحليل التراث باعتباره مخزوناً نفسياً وموروثاً ثقافياً من أجل
تجاوزه، والتحرر من عقاله، ليصبح باعثاً على التقدم بدلاً من أن يكون
عائقاً عنه؟ يكتفي بعض المفكرين بالوصف والتحليل مثل مشروع (نقد العقل
العربي) و(نقد العقل الإسلامي) دون التجاوز الصريح، وإن كان يمكن
استنباط التجاوز الضمني.
ويعرض أومليل في دراسته عن (التأويل والتوازن عن ابن رشد) لمدى تحقيق
هذا الآخر تجاوزاً للمفاهيم الأساسية في التراث. فإذا كان التراث يقضي
بإرجاع الفرع إلى أصل سابق، وبالتالي يكون الأصل هو الأساس وأن ما اتفق
معه يضم إلى التراث وما اختلف معه يصبح بدعة، فإن التأويل اجتهاد يعتمد
على المقاصد الكلية للشريعة يتجه إلى الأمام وليس إلى الخلف. والأصل
ليس نصاً يختلف عليه المتأولون، بل هو قصد وغاية وقيمة ومبدأ.
وتلك أصالة الفكر الخلدوني. ولما كانت الفلسفة هي أيضاً تأملاً في
المجتمع وتحليلاً له، فإنه تم التركيز عند أومليل على (مفهوم المجتمع
في الفكر العربي) – وهو عنوان أحد أبحاثه – وذلك من خلال الدرس
الاجتماعي في المشرق والمغرب. فقد غاب هذا المفهوم في بداية نشأة
الجامعة المصرية، ثم شاع في منتصف القرن الماضي بالرغم من وجود مفاهيم
الاجتماع والجماعة في الفكر الفلسفي الاسلامي القديم عند الفارابي وابن
سينا وابن باجة وفي الفكر الفقهي. لذلك كان علي أومليل أقرب المفكرين
العرب إلى الفكر الاجتماعي والسياسي.
ب) في شرعية الإختلاف (1991): وهو ما سمي الحق في الاختلاف وعدم شرعية
التفرد بالرأي وضرورة الاستشارة. فالكل راد والكل مردود عليه. وهي دعوة
موجهة للطرفين المتنازعين، للأخوة الأعداء السلفيين والعلمانيين، في
المعارضة أو في الحكم. فالسلفيون يرفضون شرعية الاختلاف، ويحتكرون
الرأي إلى حد قد يصل إلى التكفير، والعلمانيون يخوّنون السلفيين.
والسؤال هو: كيف يكون للفريقين حق الوجود الشرعي والتحرك في إطار
الشرعية؟ إذا كان العلمانيون في الحكم باسم الدولة الوطنية كيف يعطى
للسلفيين في المعارضة حق الشرعية؟ وإذا كان السلفيون في الحكم باسم
الحاكمية كيف تسمح للمعارضة بالوجود الشرعي؟ حق الاختلاف إذن مرفوض في
الحالتين، بمنطق الإبعاد المتبادل، والإقصاء المزدوج لصالح فريق واحد
يدّعي امتلاك الحقيقة كلها دون الآخر الذي هو في ضلال مبين. مَن هي
الفرقة الناجية، وهي في الغالب فرقة السلطان؟ ومَن هي الفرقة الضالة
الآفكة وهي في الغالب أحزاب المعارضة؟ إن حق الاجتهاد مكفول للجميع،
فمن الذين أغلق باب الاجتهاد؟ مَن الذي يملك المفتاح لغلقه أو فتحه؟
4.
السياسة:
أ) السلطة الثقافية والسلطة السياسية (1996):يبدو أن المقولة الثالثة
السياسية هي مركب الموضوع، التاريخ كموضوع والتراث كنقيض موضوع. ويتعرض
المفكر المغربي لموضوع شائك في الفكر العربي المعاصر وتأصيل جذوره في
التراث القديم وهو سلطة المثقف وعلاقته بالسلطة بالتعبير المعاصر، أو
الكاتب بالسلطان بالتعبير القديم. ويعطي نماذج من الماضي سياسة الكتّاب
تجاه السلاطين وسياسة السلاطين تجاه الكتّاب. فقد امتهن الجاحظ مهنة
الكتابة. ووقف التوحيدي على باب الله وعلى باب السلطان في آن واحد.
وأحاط السلاطين أنفسهم بمجالس الفقهاء والأدباء والحكماء والشعراء
والظرفاء. وانتحل الكتّاب عهوداً ورسائل وأشعاراً تبين قدرتهم على
الإبداع.
كل ذلك من أجل الإجابة على سؤال كيف تنشأ السلطة العلمية في المجتمع؟
كان النسق عند القدماء أن الدين والملك توأمان أي الجمع بين السلطتين
الدينية – الثقافية والسياسية، وكما قال الفارابي سواء قلت النبي أو
الملك أو الإمام أو الفيلسوف فإنني أعني الشيء نفسه.
ثم طبق هذا النموذج على الفلاسفة باعتبارهم النموذج القديم للمفكرين
المعاصرين. فقد صاغ بعضهم مدناً مثالية بعيداً عن نقد النظم السياسية
القائمة. فالخيال أفضل من الواقع، في حين آثر ابن رشد نقد ثقافة
السلطان. ودافع عن الفلسفة إيجاباً في (فصل المقال) من أجل التأكيد على
حق النظر ووجوبه بالشرع. كما دافع عنها سلباً في (تهافت التهافت) بعد
أن أقصاها الغزالي لصالح السلطان. ونقد علم الأشعرية وهو الأساس النظري
الذي قامت عليه الدولة الموحدية، وأعاد إقامة الفقه على أسس خلاقة.
وكتب، الكليات في الطب، وفي العلم الخالص، وفي العقل والتجربة كأساسين
للوحي.
ويتم استعراض القضية نفسها ابتداء من التراث الغربي لمعرفة كيفية ظهور
سلطة المثقفين في الغرب، خاصة في فرنسا وألمانيا للمقارنة مع ظهور سلطة
المثقفين في تاريخ العرب الحديث. وتتردد أسماء القدماء أكثر من أسماء
المحدثين مثل المختار السوسي وأبي الحسن اليوسي والرازي وابن باجة
والفارابي وابن سينا وابن رشد ومن قبلهم سقراط.
ومع ذلك تظهر رؤية جديدة لعلاقة المثقف بالسلطة أكثر مما هو معروف في
النظريات الثلاث الشهيرة: المثقف ضحية للسلطة أو عميل لها، أو تجسير
الفجوة بين المثقف والحاكم، أو تجسيرها بين السلطة والشعب لتخفيف أخطار
السلطة وتحقيق ما يمكن ت حقيقه من مصالح الشعب.
الدراسة جديدة تشبه دراسة بعض المفكرين الغربيين المعاصرين مثل دريدا
في علم الكتابة وليست دراسة ميتافيزيقية نظرية خالصة تجمع بين القدماء
والمحدثين، وتقرأ الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر، جمعاً بين
المحلية والعالمية، بين التاريخ الخاص والتاريخ العام.
ب) مواقف الفكر العربي من المتغيرات الدولية والديمقراطية والعولمة:
وأصل هذا الكتاب محاضرة ألقيت في عمان وجمعت الردود والتعقيبات عليها
وتتطرق إلى بعض الموضوعات الجديدة في الفكر العربي المعاصر مثل
التحديث، ودلالة التجربة الاقتصادية الآسيوية. فالتحديث قضية الجميع
والليبرالية نموذجاً لها ومع ذلك هناك فرق بين السوق أي حرية سيولة
البضائع في نظم تقوم على الاقتصاد الحر، وليبرالية الفكر والنظم
السياسية، حرية الفكر وديمقراطية الحكم، وهناك نموذج التجربة الآسيوية
التحديث من خلال الدولة والقيم الآسيوية، والتخطيط الاقتصادي.
وأخيراً، تعرض الدراسة للعولمة ومستقبل الدول القطرية. فالعولمة تقتضي
إسقاط الحدود الجمركية وتقليص سيادة الدولة الوطنية وتنشيط القطاع
الخاص وتقوية مؤسسات المجتمع المدني. فالدولة القطرية ما زالت متمسكة
بسيادتها الوطنية وحماية صناعتها الوطنية والرغبة في المشاركة في السوق
بالإنتاج وليس فقط بالاستهلاك
العالم الإسلامي في خضم الإستراتيجيات الدولية الحديثة
استفاق
العالم الإسلامي من سباته التاريخي الطويل في القرن الثامن عشر ليجد
نفسه أمام وضعية جديدة كليا , وضعية تتسم بالسيطرة الكاملة للغرب على
العالم بفضل تقدمه التقني والعسكري والإقتصادي والفكري وبتحكمه شبه
الكامل فيه.
حدثت هذه اليقظة مع الصدمة الإستعمارية عند مفصل التقاء القرنين السابع
عشر والثامن عشر الميلادي , شكلت فيه الحملة النابوليونية على مصر سنة
1798 لحظة متميزة في سياق اكتساح العالم الإسلامي واحتلاله وتقسيمه بين
الدول الإستعمارية الكبرى , كانت فترة إستعمار العالم الإسلامي فترة
سيطرة سياسية ونهب إقتصادي واستلحاق ثقافي , لكنها كانت أيضا الفترة
التي تمت فيها خدمة للسيطرة والإٍسستغلال والإستلحاق , بداية التحديث
الإقتصادي والسياسي والتقني , وبداية إدماج هذا العالم في مسيرته
الطويلة الشاملة للتحديث الكوني
.
اللحظة الكبرى الثانية في إندراج العالم الإسلامي في الإستراتيجيا
الحديثة التي يتحكم فيها الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي , هي لحظة
الإستقلال عن الدولة الإستعمارية , وخلالها تم إستكمال تقسيم وتفتيت
العالم الإسلامي وإعادة رسم خرائطه وفق تقسيمات جديدة , وزرع كيان جديد
في قلبه حلا للمسألة اليهودية وضمانا لتقسيمه المستديم
.
في هذا الإطار تم استقلال الشعوب الإسلامية , الذي أسهم في تحقيقه
كفاحه المسلح , ويسرته الحروب الداخلية الكبرى في الغرب , الحرب الأولى
عام 1914 ثم الحرب الثانية 1939 , وهما الحربان اللتان مهدتا لنهاية
تفوق اوروبا على الصعيد العالمي , كما ساهمتا في وضع نهاية للنظام
الإستعماري الكلاسيكي.
إلا أن الإستقلال لم يعن الحرية المطلقة بل الإنتقال إلى نظام هيمنة
جديد اختلفت اسماؤه : الأستعمار الجديد , الإمبريالية , العولمة , لكن
قوامه ليس احتلال الأرض وانتهاك السيادات الوطنية بل الهيمنة
الإقتصادية والتبعية السياسية , وخلال نهاية الثمانينات تم تجنيد جزء
من العالم الإسلامي لمحاربة الشيوعية في الأيام الأخيرة للحرب الباردة
, والتي انتهت بالسقوط المروع للأتحاد السوفياتي والكتلة الإشتراكية ,
وبموازاة ذلك تم تشجيع نوع من الإسلام السياسي وتعبئته من طرف الأنظمة
الموالية للغرب لمقاومة التنظيمات والقوى اليسارية.
لقد أثارت هذه الأحداث الإنتباه إلى تلك الإيديولوجيات السياسية
العنيفة التي تقوم على تأويل متشدد ومنغلق للإسلام , وإلى أن ظهور
الطفرة النفطية باستثماراتها الهائلة المسخرة في التنمية المحلية
والتعاطي الواسع مع التقنية , قد حقق تحولات معمارية وتنظيمية وتقنية
كبرى , لكنه في إطار سياسة ثقافية محافظة تقوم على رفض القيم الكونية
والعقل النقدي الحديث , وقد خلق ذلك واقعا سياسيا متصالحا سطحيا وفي
الظاهر مع عصر لكنه في العمق نظام محافظ ومفارق ثقافيا وهذا ما يفرض
ضرورة تحيينه مع المعطيات السياسية والثقافية للعصر الحديث , وذلك
بدفعه إلى الإقرار بحرية الفرد , وحرية الرأي , حرية ممارسة السياسة
والفكرية وتداول الأفكار , وإقرار الديموقراطية وحقوق الإنسان وتطوير
ثقافة عقلانية حديثة. |