|
فدك في التاريخ
الحلقة الثالثة والعشرون
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
6- وإذا لاحظنا الأمثلة التي ذكرت في
الرواية الثانية نجد فيها ما يعزز قيمة هذا التفسير ، لأن ذكر الذهب
والفضة والعقار والدار - مع أنها من مهمات التركة - لا يتفق مع تفسير
الحديث بأن لا تورث ، لأن اللازم ذكر أتفه الأشياء لبيان عموم الحكم
بعدم الأرث لسائر مصاديق التركة
.
كما إنا إذا أردنا أن نوضح عدم إرث الكافر لشئ من تركة أبيه لم نقل :
إن الكافر لا يرث ذهبا ولا فضة ولا دارا وإنما نقول : إنه لا يرث تمرة
واحدة من تركة الميت
.
وبتعبير واضح أن الاهتمام بتوضيح عموم الحكم لكل أقسام التركة يقتضي
التصريح ببعض أقسام المال الذي قد يتوهم متوهم عدم اندراجه في التركة
التي لا تورث .
وقولنا : الأنبياء لا يورثون أو أن الكفار لا نصيب لهم من تركة آبائهم
، يدل أول ما يدل على عدم انتقال الدار والعقار و الذهب والفضة وغيرها
من نفيس التركة ومهمها . فذكر هذه الامور في الحديث يرجح أن المقصود
بنفي توريث الأنبياء بيان زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على نفائس
الحياة المحدودة التي يتنافس فيها المتنافسون ، لأن المناسب لهذا الغرض
ذكر الأموال المهمة التي تكون حيازتها وتوريثها منافيا للزهد والمقامات
الروحية العليا . وأما الأخبار عن عدم التوريث في الشر يعة فاللائق به
ذكر التوافه من التركة دون أقسامها الواضحة المهمة
.
7. وأمر آخر يشهد لما ذركناه من
التفسير وهو الجملة الثانية الأيجابية في الحديث أي جملة : ( ولكنا
نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة ) ، فإنها لا تدل على تشريع وراثة
هذه الامور ، بل على توفرها في الأنبياء إلى حد يؤهلهم لنشرها وإشاعتها
بين الناس . فقد نفهم حينئذ أن المراد بالجملة الاولى التي نفت التوريث
، بيان أن الأنبياء لا يسعون للحصول على الذهب والعقار ونحو هما ، ولا
يكون لهم من ذلك شئ ليرثه آلهم
.
8. ولا يجوز لنا أن نقيس عبارة الحديث
المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( إن الناس لا
يورثون الكافر من أقاربهم ، بل يلزمنا أن نفرق بين التعبيرين لأن
المشرع إذا تكلم عمن يشرع لهم أحكامهم كان الظاهر من كلامه أنه يلقي
بذلك عليهم حكما من الأحكام
.
فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم توريث الناس للكافر من
أقاربهم لا يصح تفسيره بأنه إخبار فقط ، بل يدل فوق هذا على أن الكافر
لا يرث في شريعته .
وتختلف عن ذلك العبارة التي نقلها الخليفة ، لأن موضوع الحديث فيها هو
الأنبياء لا جماعة ممن تشملهم تشريعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وأحكامه ، فليس في الأمر ما يدل على حكم وراء الأخبار عن عدم توريثهم
.
9. وليس لك أن تعترض بأن الأنبياء
كثيرا ما يحوزون على شئ مما ذكر في الحديث ، فيلزم على ما ذكرت من
التفسير أن يكون الحديث كاذبا ، لأنك قد تتذكر أن الذي نفي عن الأنبياء
هو التور يث خاصة ، وهو ينطوي على معنى خاص ، وأعني به إسناد الأرث إلى
المورث.
وهذا الأسناد بتوقف على أن يكون المورث قد سعى في سبيل الحصول على
المال الذي تركه ميراثا بعده ، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال
وسائل التهذيب فإذا استطاع شخص أن يقرأ أفكار عالم من علماء الأخلاق ،
ويهذب نفسه على هدى تلك الأفكار ، لم يصح تسمية ذلك العالم مهذبا ، لأن
إيجاد أي شئ سواء أكان تهذيبا أو توريثا أو تعليما أو نحو ذلك لا
يستقيم إسناده إلى شخص إلا إذا كان للشخص عمل إيجابي ، وتأثير ملحوظ في
تحقق ذلك الشئ الموجود
.
والأنبياء وإن حازوا شيئا من العقارات والدور ، ولكن ذلك لم يكن بسعي
منهم وراء المال كما هو شأن الناس جميعا . ونقرر علاوة على هذا أن
المقصود من الكلام ليس هو بيان أن الأنبياء لا يورثون ولا يتركون مالا
، بل ما يدل عليه ذلك من مقامهم واميتازهم
.
وما دامت الجملة كذلك ولم يكن الهدف الحقيقي منها بيان معناها الحرفي ،
فلا يمنع حيازة الأنبياء لبعض تلك الأموال عن صواب التفسير الذي قدمناه
، كما أن من كنى قديما عن الكريم بأنه كثير الرماد لم يكن كاذبا سواء
أكان في بيت الكريم رماد ، أو لا ، لأنه لم يرد نعته بهذا الوصف حقا
وإنما أشار به إلى كرمه ، لان أظهر لوازم الكرم يومذاك كثرة المطابخ
الموجبة لكثرة الرماد
.
وعدم التوريث من أوضح آثار الزهد والورع ، فيجوز أن يكون رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى ورع الأنبياء بقوله : إن الأنبياء لا
يورثون .
10. ولأجل أن نتبيم معنى القسم الثاني
من صيغ الحديث يلزمنا أن نميز بين معان ثلاثة
- :
(الأول ) أن تركة الميت لا تورث ،
ومعنى هذا إن ما كان يملكه إلى حين وفاته ، وتر كه بعده لا ينتقل إلى
آله بل يصبح صدقة حين موته
.
(الثاني) أن ما تصدق به الميت في
حياته ، أو أقفه على جهات معينة لا يورث بل يبقى صدقة ووقفا ، والورثة
إنما يورثون غير الصدقات من الأموال التي كان يملكها الميت إلى حين
وفاته .
(الثالث ) أن الشخص ليس لديه أموال
مملوكة له لتورث ، وكل ما سوف يتكره من أموال إنما هو من الصدقات
والأوقاف .
ومتى عرفنا الفارق بين هذه المعاني يظهر أن صيغة الحديث ليست واضحة كل
الوضوح ولا غنية عن البحث والتمحيص ، بل في طاقتها التعبيرية إمكانيات
التفسير بالمعاني الانفة الذكر جميعا ، فإن النصف الثاني من الحديث وهو
- ما تركناه صدقة-يجوز أن يكون مستقلا في كيانه المعنوي ، مركبا من
مبتدأ وخبر ، ويمكن أن يكون تكملة لجملة لا نورث . ففي الحالة الاولى
يقبل الحديث التفسير بالمعنى الأول والثالث من المعاني السابقة لأن
جملة - ما تركناه صدقة - قد يراد بها أن التركة
لا تنقل من ملك الميت إلى آله وإنما تصبح صدقة بعد
موته ، وقد يقصد بها بيان المعنى الثالث وهو أن جميع التركة صدقة ولم
يكن يملك منها الميت شيئا ليورث كما إذا أشار الأ نشان إلى أمواله وقال
: إن هذه الأموال ليست ملكا لي وإنما هي صدقات أتولاها
.
والحديث على تقدير أن تكون له وحدة معنو ية ، يدل على المعنى الثاني ،
أي أن الصدقات التي تصدق بها الميت في حياته لا تورث دون سائر تركته ،
ويكون الموصول مفعولا لا مبتدأ . ويتضح من الصيغة على هذا التقدير نفس
ما يفهم منها إذا انعكس الترتيب فيها وجاءت هكذا : - ما تركناه صدقة لا
نورثه - فكما يؤتى بهذه الجملة لبيان أن الصدقات لا تور ث ، لا أن كل
أقسام التركة صدقة ، كذلك يصح أن يقصد نفس ذلك المعنى من صيغة الحديث
بترتيبها المأثور .
فتكون دليلا على عدم انتقال الصدقات إلى الورثة على على عدم تشريع
الأرث إطلاقا . وقد يكون من حق سيبويه علينا أن نشير إلى أن قواعد
النحو ترفع كلمة صدقة على تقدير استقلال - ما تركناه صدقة - معنويا
وتنصبها على التقدير الاخر
.
ومن الواضح أن الحركات الاعرابية لا تلحظ في التكلم عادة بالنسبة إلى
الحرف الأخير من حروف الجملة للوقوف عليه المجوز لتسكينه.
مـحـمـّد(ص)..بشارة الأنبياء
أسرة البلاغ
رسالة الأنبياء الكبرى ودعوتهم الجامعة هي “الدين”، فهم جميعاً بعثوا
ليبشِّروا به ديناً واحداً هو دين الإسلام.. دين الخضوع والإستسلام
لأمر الله.. دين الهداية والإنقاذ للبشرية مع تفاوت في درجات التبليغ،
واختلاف في منهج التعبُّد والبناء الاجتماعي. ومع هذا التفاوت في
الرسالات، والدعوات الإلهيّة، فإنّ معالمها الرئيسيّة جميعاً تتركّز في
الرسالة الشاملة لهذا الدين، رسالة محمّد(ص).
فهي جميعاً قبس من أنوار هذا الدين، وتشكيلة عقائدية، وتشريعية من مادة
هذا المنهاج الكبير.. وهي جميعاً تسلك كخطوات تمهيدية، ومبادئ تحضيرية
لإعداد البشرية من أجل حمل رسالة هذا الدين، والإيمان بدعوته.
لذا كان طبيعيّاً أن يوجّه الأنبياء ـ أصحاب الرسالات الكبرى ـ كموسى
وعيسى(ع) أتباعهم إلى انتظار هذا الدين العظيم، لإعتناق دعوته،
والتصديق برسالته، والإيمان بنبيّه محمّد(ص)، فقد أشارت الكتب الإلهيّة
المقدّسة ـ التوراة والإنجيل ـ إلى مجيء هذا النبيّ العظيم، موجهة
أتباعها إلى انتظار الدين، والإنضواء تحت دعوته، والتصديق برسالته.
ولقد كان اليهود ينتظرون بعثة نبيّ يبعثه الله منقذاً وهادياً للبشرية
ويعرفونه في كتبهم وتباشير مستقبلهم، ولقد كانوا يصرِّحون بذلك
وينتظرون بعثته لينتصروا به على العرب من الأوس والخزرج.
ولقد سجّل القرآن هذه الحقيقة وذكّر اليهود بها، فخاطبهم بقوله:
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقُ لِمَا
مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ
كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ
اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ) (البقرة/ 89).
ولقد حدثت أحداث ووقائع تاريخيّة مشهورة في التاريخ اليهودي من قبل
مجيء محمد(ص) دلّت على ذات المعنى الذي أشارت إليه الآية الكريمة من
بعد البعثة (... وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ
كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ).
فقد ورد عن ابن عبّاس في تفسير هذه الآية قوله: "كان اليهود يستفتحون –
أي يستنصرون – على الأوس والخزرج برسول الله (ص) قبل مبعثه، فلمّا بعثه
الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون
فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود
اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد، ونحن أهل الشرك
وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث.فقال سلام بن مِشكم أخو بني النضير: ما
جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه
الآية”.
وروى العياشي بإسناده رفعه إلى أبي بصير عن أبي عبدالله، فقال: "كانت
اليهود تجد في كتبها أنّ مهاجر محمّد رسول الله (ص) ما بين عيَر
واُحُد، فخرجوا يطلبون الموضع فمرّوا بجبل يقال له حداد، فقالوا حداد
وحد سواء فتفرّقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء، وبعضهم بفدك، وبعضهم
بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم فمرّ بهم أعرابيّ من قيس
فتكاروا منه، وقال لهم أمرُّ بكم ما بين عيَر واُحُد فقالوا له إذا
مررت بهما فآذِنّا بهما، فلمّا توسّط بهم أرض المدينة، قال ذلك عيَر،
وهذا اُحُد، فنزلوا عن ظهر إبله، وقالوا له قد أصبنا بغيتنا، فلا حاجة
بنا إلى إبلك، فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر:
إنّا قد أصبنا الموضع، فهلمّوا إلينا، فكتبوا إليهم: إنّا قد استقرّت
بنا الدار، واتخذنا بها الأموال، وما أقربنا منكم، فإذا كان ذلك فما
أسرعنا إليكم، واتخذوا بأرض المدينة أموالاً، فلمّا كثرت أموالهم بلغ
ذلك، تبعاً، فغزاهم، فتحصّنوا منه، فحاصرهم ثمّ أمنهم فنزلوا عليه،
فقال لهم إنّي قد استطبت بلادكم، ولا أراني إلاّ مقيماً فيكم، فقالوا
له: ليس ذلك لك، إنّها مهاجر نبي، وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك. فقال
لهم: فإنّي مخلف فيكم من أُسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره، فخلف حيين
تراهم الأوس والخزرج، فلمّا كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود،
فكانت اليهود تقول لهم: أمّا لو بعث محمّد لنخرجنّكم من ديارنا
وأموالنا، فلمّا بعث الله محمّداً (ص) آمنت به الأنصار، وكفرت به
اليهود”.
وهو قوله تعالى: (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحون عَلَى الَّذِينَ
كَفَرُوا) إلى آخر الآية.
-
بشارة الإنجيل بمجيء رسول الله
محمد(ص).
على الرغم من التحريف الذي تحمله الأناجيل المتداولة، فإنّ ما وصل منها
بأيدينا لازال يحمل البشارة برسول الله محمد(ص)، ومع ذلك فإنّ
المترجمين للأناجيل حاولوا أن يُحرِّفوا ذلك أيضاً، كما سيتّضح فيما
يلي:
جاء في إنجيل يوحنّا: (إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من
الأب فيعطيكم "بار قليط" ـ معزّياً ـ آخر ليمكث معكم إلى الأبد).
(وأمّا المعزي الروح القدس الذي
سيرسله الأب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم).
(لا أتكلّم معكم كثيراً انّ رئيس هذا
العالم يأتي، وليس له فيّ شيء).
(ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا
إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي).
(لكنّي أقول لكم الحقّ، إنّه خير لكم
أن أنطلق، لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله لكم
ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة، أمّا على
خطية فلانّهم لا يؤمنون بي، وأمّا على برّ فلانّي ذاهب إلى ربّي ولا
ترونني أيضاً، وأمّا على دينونة فلانّ رئيس هذا العالم قد دين. إنّ لي
أُموراً كثيراً أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن،
وأمّا متى جاء ذلك روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا
يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمور آتية، ذلك
يمجدني لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم).
وبالتأمل في هذه النصوص نجد أنّها تشير إلى:
1. أنّ المسيح (ع) يوصّي ويبشّر بمجيء
معزٍّ بعده.
2. وأنّ مجيئه مشروط بذهابه.
3. وأنّه مرسل من قبل الله تعالى.
4. وأنّه يعلّم كلّ شيء.
5. وأنّه يذكّر بما قاله المسيح (ع).
6. وأنّه يشهد للمسيح (ع).
7. وأنّ العالم سيتبع دينه.
8. وأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل يتكلّم بما يسمع
9. وأنّه يخبر بأمور آتية.
10. وأنّه يمجد المسيح (ع).
11. وأنّه يبقى معهم إلى الأبد.
وإذا راجعنا صفات رسول الله محمّد (ص) فنجد أنّ هذه تنطبق عليه تماماً،
فإنّه يحمل القرآن الذي هو (تبيان لكلّ شيء)، ويخبّر عن أمور آتية وقعت
بعد نزوله، وأنّه يشهد للمسيح (ع) بالنبوّة، والرسالة، ويمجّد المسيح
(ع)، وهو لا يتحدّث من نفسه بل بما يوحى إليه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) (النجم/ 3-).
وقد انتشر دينه في العالم، وقرآنه حيّ خالد إلى الأبد، ويزداد يقيننا
أكثر إذا علمنا أنّ كلمة المعزى هي ترجمة محرفة لكلمة (بيريكليتوس)
اليونانيّة التي كتب بها إنجيل يوحنّا منذ البداية، وهي تعني في
ترجمتها الدقيقة (أحمد)، وقد حرّفت الكلمة في الأناجيل عند ترجمتها إلى
(باريكليتوس) والتي تعني المعزي.
وذلك ينطبق حرفيّاً مع ما أثبته القرآن من كلام المسيح (ع) إلى بني
إسرائيل: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ
التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَدُ...) (الصّف/ 6).
وقد دفع هذا الاعتقاد بالبعض إلى استغلاله والادّعاء بأنّه هو النبيّ
الموعود منهم (منتسي) الذي كان رجلاً روحانيّاً وادعى في عام (187)
بأنّه هو الرّسول الذي أخبر عنه المسيح وقد تبعه جماعة من الناس. وهذا
بدوره يؤكّد أنّ مسيحيّي القرون الاُولى كانوا يفهمون البارقليط
إنساناً رسولاً سويّاً لا ملاكاً ولا روحاً إلهيّاً، حيث حاول بعض
القسسة تفسير البارقليط بأنّه روح القدس، وأنّه حلّ بعد المسيح على
تلاميذه فأنطقهم بكلّ اللغات!..
كما أنّنا لم نجد في التاريخ ورود معارضة من قبل نصارى صدر الإسلام عند
نزول القرآن وإخباره بأنّ التوراة والإنجيل قد بشّرتا برسول الله محمّد
(ص) ولكن نقلت وقائع تأريخيّة عن نقاش اليهود والنصارى فيما إذا كان
الرّسول الموعود هو هذا أم غيره، ممّا يؤكّد أنّ البشارة الواردة هي
بشارة برسول إنسان يرسل من قبل الله تعالى.. وقد دخل الإسلام كثير من
اليهود والنصارى بسبب تلك البشارة المثبتة في كتبهم.
وقد أشار القرآن إلى هذه الحقائق مثبّتاً إيّاها، ومحتجّاً بها على
اليهود والنصارى بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيِّ
الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّورَاةِ
وَالإنْجِيلِ يَأمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ
الْمُنْكَرِ...) (الأعراف/ 157).
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً
لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرَاً بِرَسُولٍ
يَأتِي مِن بَعْدِي اسْمهُ أَحْمَدُ) (الصّف/ 6).
ولقد تجلّت هذه الحقائق لدى كلّ منصف وباحث عن الحقّ.. يريد الاستجابة
لدعوة الهدى.. كالنجاشي ملك الحبشة المسيحي الذي استجاب لكلمة الحقّ
حينما وجّه إليه رسول الله (ص) كتاباً يدعوه فيه للإيمان ويحثّه على
الدخول في الإسلام، فأسلم، وسجلت كلمته الخالدة التي احتضنها قلب
التاريخ فحفظها شهادة انصاف.. وكلمة منصف لا يتأثّر بموروثات البيئة،
ولا يخضع لضغط الكبرياء والعصبيّة..
قال كلمته الخالدة: "أشهد الله أنّه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب..”.
وهكذا يتّضح لكلّ منصف وباحث عن الحقّ أنّ محمّداً (ص) كان بشارة
الأنبياء ومنتظر الرُّسُل المرجو لإصلاح البشرية وإنقاذها.. يبشّر به
الأنبياء ويدعون الله لبعثته.
فهذا أبو الأنبياء إبراهيم (ع) بشّر قبل موسى وعيسى بالبعثة ودعا ربّه
أن يبعث في هذه الأمّة نبيّاً منها، هادياً ومنقذاً فكانت هذه الدعوة
إشارة إلى مجيء نبيّنا محمّد (ص)، كان القرآن قد كشف عنها، في آيتين
متناسقتين في الصيغة والمعنى، فقال تعالى حاكياً عن لسان إبراهيم
دعاءه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُوا
عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّك أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة/ 129).
فكان هذا الدُّعاء المستجاب بشارة، وإشارة إلى بعثة نبيّ الرّحمة محمّد
(ص) هادياً ومرشداً من ذرِّيّة إبراهيم (ع).
هذا الدعاء الذي وجد جوابه في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
الأُمِّيِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةِ وَإِنْ
كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَ لٍ مُبِينٍ) (الجمعة/ 2).
قال رسول الله (ص): "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى عليهما
السّلام”.
المرأة الداعية كيف تنجح في دعوتها؟
في عصور الإسلام الفاضلة اشتهرت صحابيات وتابعيات ونساء فقيهات عالمات
وأديبات وشاعرات حملن لواء الدعوة والعلم وانطلقن ينشرون في أرجاء
المعمورة فانتفع بعلمهنّ الكثير، فكانوا أقماراً وشموساً في سماء
الإسلام الساطعة.
واستكمالاً للمسيرة الدعوية، نقدِّم للأخت المسلمة الداعية لمحات يسيرة
فيما يجب أن تكون عليه لتنجح دعوتها إلى الله:
1- الداعية الناجحة: تأتلف مع البعيدة
وتربي القريبة وتداوي القلوب.
2- الداعية الناجحة: تظن كل واحدة من
أخواتها بأنها أحب أخت لديها عند لقائها بها، قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي).
3- الداعية الناجحة: عرفت الحق فعرفت
أهله، وإن لم تصورهم الأفلام، أو تمدحهم الأقلام، قال تعالى:
{تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود)..
4- الداعية الناجحة: إذا قرعت فقيرةٌ
بابها ذكرتها بفقرها إلى الله عزوجل، فأحسنت إليها، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ
هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
5- الداعية الناجحة: تعلم أنها
بأخواتها، فإن لم تكن بهن فلن تكون بغيرهن، قال تعالى: {سَنَشُدُّ
عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا).
6- الداعية الناجحة: لا تنتظر المدح
في عملها من أحد، إنما تنظر هل يصلح للآخرة أم لا يصلح.
7- الداعية الناجحة: إذا رأت أختاً
مفتونة لا تسخر منها، فإن للقدر كرات، قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ
ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)،
وليكن شعارك: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”.
8- الداعية الناجحة: ترعى بنات الدعاة
الكبار الذين أوقفوا وقتهم كله للدعوة، والجهاد في سبيل الله، بعيداً
عن الأهل والبيت، قال تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. وفي
الحديث: "مَن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا”.
9- الداعية الناجحة: تجعل من بيتها
مشغلاً صغيراً تنفع به المحتاجين، كأم المساكين زينب (رضي الله عنها).
10- الدعية الناجحة: تعطي حق زوجها،
كما لا تنسى حق دعوتها حتى تكون من صويحبات خديجة (رضي الله عنها)، قال
عنها النبي (ص): "صدقتني إذ كذبني الناس، وآوتني إذ طردني الناس،
وواستني بنفسها ومالها، ورزقني الله منها الولد، ولم يبدلني الله خيراً
منها”.
11- الداعية الناجحة: مصباح خير وهدى
في دروب التائهين، تحرق نفسها في سبيل الله، "لأن يهدي الله بك رجلاً
خير لك من حمر النعم”.
12- الداعية الناجحة: تعلم أن مناهجها
على ورق إن لم تحيها بروحها وحسها وضميرها وصدقها وسلوكها وجهدها
المتواصل.
13- الداعية الناجحة: لا تهدأ من
التفكير في مشاريع الخير التي تنفع المسلمين في الداخل والخارج..
أعمالها تظل إخوانها في كل مكان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
14- الداعية الناجحة: تنقل الأخوات من
الكون إلى مكونه، فلا تكون كبندول الساعة، المكان الذي انطلق منه عاد
فيه.. بل تشعر دائماً أنها وأخواتها في تقدم إلى الله {لِمَنْ شَاءَ
مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ).
15- الداعية الناجحة: تشارك بقلمها في
الجرائد والمجلات الإسلامية والمنتديات، تشترك فيها وتقوم على إهدائها
للأخوات وإرشادهن إلى أهم الموضوعات، والمقال القصير المقروء خير من
الطويل الذي لا يقرأ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ”.
16- الداعية الناجحة: تحقق العلم على
أرض الواقع، كان خلق الرسول الكريم القرآن، فهي تعلم أن العلم بلا عمل
كالشجر بلا ثمر.
17- الداعية الناجحة: تبحث عن الوسائل
الجديدة والمشوقة في تبليغ دعوتها، ولكن في حدود الشرع وسيأتي الزمن
الذي تسود فيه التقنية والمرئيات على الكتب والمؤلفات في اكتساب
المعلومات {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
18- الداعية الناجحة: لها مفكرة تدون
فيها ما يعرض لها من فوائد في كل زمان ومكان "كل علم ليس في قرطاس ضاع”.
19- الداعية الناجحة: تعرف في أخواتها
النشاط وأوقات الفترة فتعطي كل وقت حقه، فلنشاط إقبال تستغل، وللفترة
إدبار تترفق بهن "لكل عمل شرة ولكل شرة فترة”.
20- الداعية الناجحة: غنية بالدعوة
فلا تصرح ولا تلمح بأنها محتاجة لأحد، لقوله تعالى: {يَحْسَبُهُمْ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ
لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا).
21- الداعية الناجحة: تعلم أن المال
قوة فلا تسرف طلباتها لكماليات المنزل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا
أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا}، وتسخر المال في خدمة الإسلام والمسلمين.
22- الداعية الناجحة: تمارس الدعاء
للناس، وليس الدعاء عليهم، لأن القلوب الكبيرة قليلة كما في قوله (ص):
"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، وقد قال تعالى: {قِيلَ ادْخُلْ
الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي
رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ).
23- الداعية الناجحة: إذا نامت أغلب
رؤياها في الدعوة إلى الله فإذا استيقظت جعلت رؤياها حقائق، قال تعالى:
{هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
24- الداعية الناجحة: تطيب حياتها
بالإيمان والعمل الصالح، لا بزخارف الدنيا، قال الله تعالى: {مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
25- الداعية الناجحة: عرفت الله فقرت
عينها بالله، فقرت بها كل عين، وأحبتها كل نفس طيبة، فقدمت إلى الناس
ميراث الأنبياء.
26. الداعية الناجحة: لا تعتذر للباطل
من أجل عملها للحق، وهل يأسف مَن يعمل في سبيل الله؟ {قَالُوا لَنْ
نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا
فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ). |