الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (892) الثلاثاء 21 ذي القعدة 1430 هـ/10 تشرين الثاني 2009

مشاعل

محطات

العنف والتهديد يطال  الذاكرة التاريخية للعراق

جمال سليم

العنف والارهاب والتهديد لم يدع مجالا في العراق إلا وطاله ابتداءا من مؤسسات التعليم والخدمات والبنى التحتية وانتهاءا بالمكتبات ودور النشر الوثائقي التي تعتبر ذاكرة حية تجسد تاريخ العراق لمئات السنين.وقال المدير العام لدار الكتب والوثائق العراقية إنه يخشى على مجموعة الوثائق التاريخية العراقية التي لا تقدر بثمن بعد ان احتل جنود عراقيون سطح مبنى الدار وهددوا موظفيه.وقال سعد اسكندر إن جنودا عراقيين دخلوا المبنى هذا الاسبوع وحطموا النوافذ وهددوا الموظفين واحتلوا موقعا على السطح لمدة يومين أثناء حظر تجول فرض خلال مراسم دينية شيعية وتضم الدار أكثر من 700 ألف كتاب وملايين الوثائق عن تاريخ العراق خلال العصر العثماني وعصر الاحتلال البريطاني.وحتى الان كانت الدار بمأمن من عمليات النهب التي شملت نفائس تاريخية أخرى في البلد. لكن اسكندر شكا من أن القوات العراقية جعلت من المبنى هدفا باحتلالها السطح.وقال ان الجنود حطموا الابواب والنوافذ وهددوا بالعودة واعتقاله هو وموظفيه.وقال اللواء محمد العسكري المتحدث باسم وزارة الدفاع ان أوامر صدرت لقوات الامن بتأمين جميع المباني في المنطقة بعد تلقي معلومات بأن قناصة ربما يستخدمونها في مهاجمة زوار المقدسات الشيعية.وأضاف أن أحدا لم يدخل المبنى وأن الابواب كانت موصدة ولذا فقد تعين على قوات الامن كسر الاقفال لدخول المبنى كي تصعد الى السطح.وقال انه لم تكن هناك أي أضرار للارشيف باستثناء الاقفال. وأضاف أن قوات الامن اعتذرت للموظفين وتعهدت بدفع ثمن الاقفال التالفة.وقال اسكندر انه يخشى من أن تظن الجماعات المسلحة أنه تعاون مع الجنود ودعاهم لاستخدام سطح مبنى الدار الامر الذي يجعلها عرضة لهجوم. أضاف لرويترز أنه يخشى من أن تتعرض الدار للنهب ولاسيما في ظل وجود الات قيمتها مئات الالاف من الدولارات في المبنى.وأكد على أن الدار ليست جزءا من العنف الطائفي وأن المجموعة التي تضمها الدار لها أهمية تاريخية بالغة بالنسبة للعراقيين.وأضاف أن المحفوظات الوطنية تمثل الذاكرة التاريخية للعراق المعاصر وانه لو دمرت المحفوظات الوطنية فستمحى ذاكرة العراق. ونقلت صحيفة الجارديان عن مدير المكتبة الوطنية العراقية أن آلاف الكتب والمخطوطات النادرة التي تضمها المكتبة معرضة الآن للخطر بعد احتلال قوات الأمن العراقية لسطح المكتبة. وتنقل الصحيفة عن مدير المكتبة المؤرخ الكردي المرموق ٍسعد اسكندر والذي يدير المكتبة منذ عام 2003 إن 20 جنديا عراقيا قد أقاموا لهم موقعا مؤقتا على السطح مما قد يجعل المكتبة هدفا لهجمات المسلحين. وتشير الصحيفة إلى إن المكتبة التي تضم الأرشيف الوطني العراقي قد تتعرض للنهب من قبل الجنود الذين حطموا بعض الأبواب والنوافذ في المكتبة كما قاموا بإزالة البوابة الرئيسية للمكتبة. وتنقل الصحيفة عن اسكندر قوله إننا مثل أغلبية المواطنين العاديين عالقين بين نيران المسلحين والإرهابيين من طرف والجيش وقوات الأمن العراقية والأمريكية. وكانت المكتبة والأرشيف الوطنية العراقي قد تعرضا للنهب والتخريب ويقدر ما المكتبة قد فقد 25 المائة من مجوداتها بينما ضاع 66 بالمائة من الأرشيف الوطني العراقي. ويحظى الدكتور اسكندر باحترام بعد أن تمكن من إعادة بناء وترميم المكتبة وإعادة ترتيب موجوداتها. وتنقل الصحيفة عن اسكندر الذي قاوم الضغوط الطائفية والسياسية ومنعها من التدخل في شؤون عمل المكتبة قوله، لا احد يساعدنا هنا بل هناك عداء لنا في بغداد لان القوى السياسية هنا لا ترغب بقيام أشخاص ليبراليين وعلمانيين بإدارة المؤسسات الثقافية.

 

 

عشتار ومأساة تموز للدكتور فاضل عبد الواحد علي

عرض /كوثر جاسم

احتلت الاساطير رقعة واسعة في النشاط الفكري لسكان العراق القدامى وحظيت الالهة (عشتار) او (اينانا) كما يدعونها السومريون بالنصيب الاوفر بوصفها الهة الخصب والحب والجنس وقد خلفت المدونات المسمارية الكثير عن هذه الالهة وعن زواجها من الاله (تموز) (دموزي) ذلك الزواج الذي غدا طقسا من طقوس الخصب الرئيسية او ما يعرف بالزواج المقدس والكتاب من الحجم الكبير ويتكون من 148 صفحة و قسم الكتاب الى ستة فصول : الاول : الهه واله الخصب : تناول جذور المعتقدات الخاصة بهما في حضارة وادي الرافدين وعبادة الهة واله الخصب عند انسان عصور ما قبل التاريخ واله والهة الخصب عند السومريون والبابليين. الثاني :انانا (عشتار) عبر العصور : يقدم اقدم الادله على عبادة الهة الخصب في عصر الوركاء بأعتبارها مركزا لعبادة انانا ويقدم ايضا اسطورة نقل مقومات الحضارة الى الوركاء على يد الالهة انانا واسطورة انان والشجرة (الخالوب) وعشتار وكلكامش ملك الوركاء وعشتار وسرجون الاكدي وهل كانت ام سرجون الكاهنة العظمى في احدى معابد الهه الخصب عشتار ويقدم اخيرا امثلة توضيحية على استمرار عبادة الالهه عشتار في العصور التاريخية اللاحقة العصر البابلي القديم والعصر الكيشي والعصر الاشوري والعصر البابلي الحديث.. الثالث : انانا (عشتار) الهة الحب والجنس :تناول مغامراتها العاطفية مع الراعي والفلاح (اسطورة انانا والفلاح سوكالبتودو، انانا بين الفلاح والراعي ) وهل تتزوج من انكيدو ام من الراعي دموزي. الرابع : نزول انانا (عشتار) الى العالم الاسفل وضم بحثا تفصيليا مقارنا بين النسختين السومرية والاشورية من هذه الرحلة والهدف من رحلة الالهه الى عالم الاموات. الخامس : اعراس دموزي (تموز) والزواج المقدس : ضم زواج دموزي من انانا ومدلولاته الدينية وانعكاسه في طقوس الخصب والمعروفة بالزواج المقدس.. السادس : مأساة دموزي (تموز) والحزن الجماعي (ضم موت دموزي والاثر الذي تركه في معتقدات سكان وادي الرافدين والمناحات عليه ، ومقارنة بين الهة النبات التي تشترك في صفة الموت والبعث في الحضارات القديمة والاثر الذي تركه موت دموزي في تراث الامم القديمة والمعاصرة عن مجلة روافد ثقافية العدد (45).

 

 

ما قصة تمثال (العبوديات) في جانب الكرخ

عبد الكريم الوائلي

كانت جريدة (لواء الاستقلال) لسان حال حزب الاستقلال تنشر بين الحين والاخر ، بعض المقاطع من الشعر للشاعر الناشيء و المبدع حينذاك السيد عند الحسن زلزلة بتوقيع (صقر) يشير فيها المشاعر الوطنية والقومية . فنشر ذات يوم في احد اعداد هذه الجريدة كالعاده مقطوعة يخاطب بها (تمثال العبوديات) في جانب الكرخ فأقامت الحكومة الدعوى على مدير تحرير الجريدة المسؤول السيد (قاسم حمودي) على اعتبار ان المقصود بالتمثال الذي ذكره الشاعر هو تمثال (الملك فصيل) وليس تمثال (مود) ويبدوا ان الحكومة قد ساءها ان يهان تمثال (مود) فاتح بغداد واحد قادة حلفاءها الانكليز المرموقين او ان السفير البريطاني في العراق قد احتج على ما اصاب تمثال القائد الكبير من (اهانة) فلم تجرؤ تجاه الراي العام ان تتجنب الاجراءات لمعاقبة مدير الجريدة المسؤول على تعرض جريدته لتمثال (مود) فتحولت تهمة الاهانة الى الملك (فيصل) وقد كان لهذه المحاكمة دويها واثرا سيء لدى الاوساط الوطنية والراي العام ..

وكانت ساحة المحاكم تزدحم بالمواطنين اثناء اجراء المحكمة ولم تعد تأكيدات السيد قاسم حمودي بان المقصود بتمثال العبوديات هو تمثال (مود)وليس تمثال الملك (فيصل)وقد اختارت المحكمة بعض المحكمين من الشعراء والادباء لايضاح مدلول هذه المقطوعة وهل معناها ينصرف الى تمثال (مود)او تمثال الملك (فيصل) اذكر منهم الحاج (عبد الحسين الازري) والاستاذ (صادق الملائكة) والاستاذ (احمد حامد العراف)وغيرهم فاجمع رأي المحاكمين سواءا من ادلى منهم برأيه في المحكمة او من ارسل ايضاحه اليها على ان المقصود في المقطوعه الشعرية هو تمثال (مود) ومع ذلك فقد حكمت المحكمة على السيد قاسم حمودي بالسجن مدة سنة امضى منها قرابة ثلاثة اشهر واعفى من المدة الباقية وهذه القصيدة المنشورة في مذكرات محمد مهدي كبه والتي تقول : لمن التمثال

لمن التمثال في الكرخ … تباهى وتبختر

وازدرى بالشعب .. فاستعلى عليه وتكبر

انت رمز للعبوديات ..والحق والمعفر

ان تكبرن على مجد هوى ..

فالله اكبر

 

 

دعوة لاسترجاع قلادة نذرية السومرية

سلام خماط

في جلسة مسائية على ضفاف شط الشطرة المتفرع من نهر الغراف قررت واصدقائي زيارة مدينة أور الأثرية بعد استلامها من القوات المتعددة الجنسيات من قبل الحكومة المحلية في محافظة ذي قار ,وبعد وصولنا لمدينة الناصرية اتصلنا بالأستاذ أمير دوشي احد المختصين بهذا الشأن والذي سهل لنا مهمة الزيارة بعد اخذ الموافقات الرسمية من الأستاذ عبد الأمير الحمداني مدير السياحة والآثار في المحافظة.. تعتبر محافظة ذي قار حاضنة لحضارة وادي الرافدين وخاصة حضارة سومر العريقة بسلالاتها الثلاث الممتدة إلى 5 آلاف عام ق.م ,وأور بالإضافة لما تمثله من كونها منطقة سياحة أثرية فهي كذلك منطقة مقدسة ويمكن ان تتحول السياحة فيها إلى سياحة دينية بسبب وجود بيت نبي الله إبراهيم (ع) والذي يعتبر أبو الأنبياء أي أبو الديانات السماوية الثلاث ,فقد تشير أكثر المصادر بان الخليل (ع) قد ولد هنا وان بيته لازال شاخصا للعيان.. لقد حققت الحضارة السومرية تطورا في مجال التشريعات سبقت تشريعات حمورابيب500 عام وكانت أول مسلة للتشريعات قد وضعها الملك اورنمو,أما في ميدان الفنون الكتابة فقد انطلق الحرف الأول منها ليشع على العالم بنور المعرفة وبداية لانطلاقة الفنون.. التقينا السيد ضايف محسن نعيس الذي يعمل حارسا في هذه المنطقة إلا انه في الحقيقة من انجح الإدلاء السياحيين الذين عرفتهم وطرحت عليه جملة من الأسئلة . - ما هو الدافع الذي جعلك تعمل في هذه المنطقة الأثرية البعيدة عن مركز المدينة؟ أنا انتمي إلى عائلة من عشيرة آل غزي ,نسكن هذه المنطقة منذ عام 1922 فقد عمل جدي لوالدتي كحارس في هذه المنطقة منذ التاريخ أعلاه ثم جاء والدي ليحمل محله بعد وفاته وألان جاء دوري لأخلف والدي في حراسة الزقورة وما يحيط بها من منطقة أثرية ,لقد تم تعييني  قبل 11 عام بصفة حارس ولم تتغير هذه الصفة الوظيفية رغم أنني حاصل على شهادة إعدادية الصناعة وكذلك شهادة الإعدادية الفرع الأدبي عن طريق الامتحان الخارجي ,وأنا الآن أقوم بمهمة الدليل السياحي كوني ولدت هنا واعرف كل مكان فيها وأجيد أربعة لغات منها الانكليزية والألمانية والفرنسية واللغة اليابانية.. كان الرجل يحمل العديد من الخرائط التي  ثبتت عليها أهم المعابد والقبور والبيوت حيث أرشدنا إليها جميعا ,يقول أن زقورة أور تعد من أقدم المعابد في التاريخ وهي معبد الإله سين أي اله القمر كما تشير المصادر التاريخية ,وقد سكن هذه الأرض السومرية العديد من الأقوام منهم الكلدانيين والسومريين والبابليين خلال الألف الرابع قبل الميلاد ,إلا أن سكان أور قد  هجروها عام 500 ق.م بسبب تغير طرا على مجرى نهر الفرات , والزقورة مكونه من ثلاثة طبقات من الطين  ويبلغ ارتفاعها 35/37 م  وقد ازدهرت أور  في زمن الملك أور نمو مؤسس السلالة الثالثة  لكن اسمها يعود الى ما قبل السومريون.. أخر عالم أثار  نقب في مدينة أور هو البريطاني السير لينارد  وولي عام 1922 وكان هذا العالم قد احدث  خرابا في هذه المنطقة بسبب تنقيباته العشوائية التي لا تزال أثارها قائمة حتى الآن إلا انه اكتشف المقبرة الملكية والتي عثر فيها على قبر الأمير شولكي والملكة شبعاد مع قيثارتها الذهبية , تحيط بالزقورة عدة مواقع أثرية منها أريدو التي تبعد عنها بمسافة 25 كم جنوبا ولا رسا والدحيلة , وفي  عام  1961 شهدت أور عملية صيانة اشرف عليها عالم الآثار العراقي طه باقر حيث قام بترميم الزقوره وحافظ على أجزائها  القديمة .ثم عرج بنا الحارس (الدليل السياحي ) إلى معبد (أي دب لأل ماخ ) وهذا هو اسمه وهو معبد خاص بالكهنة والكاهنات السومريات حسب  شرح الدليل ,وقد استفز ذاكرتي حادث ظل مترنحا لا يغادرها وهو الحادث الذي روته الفنانة التشكيلية والباحثة الفولكلورية أمل بورتر عندما استضافها مركز الدراسات الإستراتيجية ..ان شهادة الفنانة أمل بورتر لم تجد لها الآذان الصاغية لا من وزارة الثقافة ولا من وزارة السياحة والآثار ولا من الحكومة العراقية ,من هنا أوجه نداء لكل من له شان بإقامة دعوة قضائية ضد زوجة الدكتاتور المقبور من اجل استرجاع هذه القلادة التي لوثها جيد ساجدة خير الله ,وهي دعوة صادقة لاسترجاع ما سرق من ارثنا الحضاري والثقافي من أيدي المتخلفين والسراق..

 

 

العراق في الحربين..رسائل ضابط انكليزي

مازن لطيف

 لا تزال رسائل المس بيل مصدرًا مهمًا من تاريخ العراق؛ قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية، وستظل مادة أساسيّة لقراءة تاريخ العراق المعاصر، وهذا الضرب من المنتج الفكري والأدبي والتاريخي التوثيقي يدعى بـ«أدب الرسائل»، وهو ما زال شحيحًا في الثقافة العربية. بيد أن ثمة استثناءات صادرة، كما هو حال رسائل الضابط الإنكليزي سيرل بورتر الذي وضع أقدامه على أرض العراق مع جحافل الجيش الإنكليزي المهاجم من الفاو إبّان أحداث الحرب العالمية الأولى في العام 1914. ويبدو أنه غرس أقدامه بقوة في الأرض التي وطئها، فشغف بأهلها وهام بسياقات حياتها، وغمرته أحداثها، حتى تاق إلى نقل تلك الأحاسيس المرهفة إلى شقيقته دورا القاطنة في بنكلور المدينة الواقعة جنوبيّ الهند حيث مكث وعائلته منذ عقود خلت من وجود الإنكليز في الهند..

سرد سيرل بورتر باسلوب مشوق ولماح، ووصف العراق والعراقيين وتقاليدهم وأدق تفاصيل حياتهم في رسائله. وحدث أن جمعت دورا الرسائل التي حصل عليها بعد وفاتها المفاجئة في بورتسموث في العام 1947، بعدما وصلتها قادمة بسفينة من الهند. ثم حدث أن شغفت بالعناية بها وجمعها وتبويبها ثم تعريبها ابنته أمل التي كانت نتاج زواج سيرل من لولو البغدادية العراقية رغم ما حل ببعض الرسائل من مصير مجهول بين رزم ما صودر من أوراق للسيدة أمل، وأمسى جزءاً من غنائم قبوات أجهزة مخابرات السلطة البائدة. وهكذا يمكن حصر أحداث الرسائل بين أعوام 1914و1947.. آل بورتر وأمل بورتر من الشخصيات النافذة في الثقافة العراقية. فولادتها ونشأتها عراقيتان، وثقافتها موسوعية متعددة المصادر، وسيان عندها الخبرة في اللغتين الإنكليزية والعربية، وهو أمر نادر الحدوث. الأستاذة أمل قامت بتعريب وتبويب رسائل والدها في الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار ميزوبوتاميا في بغداد، في طبعة أنيقة. كان قد شغف بتلك الرسائل الدكتور المعمار علي ثويني، وساهم في التعريف بالرسائل منذ سنوات عدة، وقدم للكتاب ذاكرا: سيرل بورتر (بورتر تعني باللاتينية البواب)، عاش في الفترة نفسها التي عاشت خلالها الخاتون (بيل) حتى وفاتها المفاجئة في العام 1926. وكان يشكو من عنجهيتها وطبعها البورجوازي والرجولي، وذكر أنه كان يشاهدها تمتطي حصانها على شاطئ دجلة، متمشية مع عشيقها العراقي الشاب (ناجي الكرادي). وربما يكون هذا الاسم هو المصدر في التسمية التي أطلقها العراقيون على الانكليزي (أبو ناجي). وسيرل بورتر (بريطانيا 1895-بغداد 1967) شخصية تناستها الأحداث، لا سيما بعد المناخات التي غطت على العراق بعد ثورة تموز 1958، وقد قام، في أثناء مكوثه في العراق، بتأسيس منظومات الكهرباء فيه، فهو من أسس أولى محطات توزيع الكهرباء في بغداد وكركوك، وكم أتمنى أن يكون لدينا مثله ليجد لنا حلا سحريا اليوم. لقد مكث بعد رحيل جُلّ الجالية الإنكليزية، التي لم يكن يهتم بطقوسها، وربما يكون هذا السبب وراء قطيعته للمجتمع المخملي البريطاني الذي كان يعيش مترفعا على سواد العراقيين. مردّ ذلك ربما إلى سجية متواضعة، ودمثة وشغوف بطبقات الناس الدنيا وعامتهم، ونزعة إنسانية جعلته يندب ويبكي بشدة استغربها حتى أولاده حينما اغتيل المهاتما غاندي (1869-1948)، وهو يصرخ: بابي. بابي. لقد قتلوا الإنسانية في قتلك. وعكس سيرل صدق مشاعره وتوجهاته الفكرية الإنسانية الوسطية التي تتبنى هموم الناس وترسم احلامهم في الخلاص والقسطاس.. خزعليّة العراق نجد في الرسائل فضاءً رحباً وعفوية في البوح، من دون تكلف أو محاباة أو طلب إعجاب ممّن يطلع عليها، فلم يدُرْ في خلده أن رسائله ستكون محل حظوة ابنته، ثم لتكون مقروءة بعد وفاته بأربعة عقود ونيف، وستؤرخ لمرحلة تأسيس العراق الذي مكث شاكيًا باكيًا من الاستلابات المتكررة والانكسارات المتراكمة. والأهم أن في ثنايا السرد يمكث الكثير من العظة التي يوجهها لمن أحبهم صادقا، في عراق كان يحلم في أن يكون مضيئا ويانعا. كان مغرما بعيون النساء ورقة طبعهن، حتى القرويات منهن وإحداهن (خزعلية) الجميلة المدبرة التي تشع كلماته شغفا وعشقا وإعجابا بتلك المعيدية التي لم تأخذ قسطها من التعليم، لكن سمات التجمل والجمال والخبرة الشهرزادية كامنة حية فيها منذ أنانا وعشتار. ففي إحدى رسائله يذكر: انني عاشق الهندسة والرياضيات وأصبحت دانتي القرن العشرين... لن أؤلف كتابا أهم من الكوميديا الإلهية، بل سأقوم بعمل جبار وعظيم جدا وهو خلق سجادة طائرة، وسأنتج منها الآلاف وأعممها لكل أهالي بغداد. إنني الآن أحلق عاليا في السماء، على بساط سندسي، لم أسرقه من علاء الدين، ولم يجلبه لي الجني، ولم تمنحني إياه شهرزاد، بل أوحته لي بياتريس العراقية الرائعة. وفي إحدى رسائله يصف لأخته أزقة بغداد وجماليتها يذكر: أزقة بغداد الضيقة لها جماليتها العالية، لا أعتقد ان من شقها قد تجاهل ذلك، وكما يقول سكانها أن هذه الأزقة تمتد عميقا في التاريخ ولا فضل للعصملي فيها أبدا، لقد أهمل الأتراك هذه البلاد تماما. ويتناقل القوم طرفة تحكى عن الحاكم التركي المنقول حديثا إلى بغداد، بعد أن غضب عليه أسياده هناك، حينما كانت ولاية بغداد منفى للمغضوب عليهم. ويصف سيرل الحياة البغدادية فيذكر أن صاحب محل البقالة يصنع في بيته، أو يشتري ممن يصنع في حقله اللبن والجبن والقيمر (بالمناسبة هل حكيت لك عن القيمر أم لا قولي لي لأحدثك عن ألذ ما أكلت طوال عمري الذي عشته في الهند أو أوروبا) لا أفران للخبز بالشكل الذي قد اعتدنا عليه، فكل عائلة توفر لنفسها خبزها، الحياة هنا رائعة، لم تفسد بعد، كل شيء لم تمسه يد الصناعة، هل ستبقى هذه الواحة الصحراوية لي كما أراها الآن... أكاد أسمعك تقولين: يالرومانسية! نعم أشعر بالرومانسية والفوضى تغمرانني الآن. تحاول إدارة القوات إيجاد حكومة مناسبة، وتضارب الآراء والمصالح يعيق كل شيء، وهذا البلد مقسم في أفكاره وتطلعاته, لقد انتهت الاضطرابات الآن، وكانت في أوجها في شهري حزيران وتموز. نجد في ثنايا الرسائل الكثير مما يمكن أن نطبقه على أحوال اليوم، فالعراق لم يتبدل رغم تلون المناخات، والناس هم الناس.. الإنكليزي العراقي لقد تناست الأحداث هذا الرجل وغاب مثلما الكثير من المشاريع البشرية التي طوتها الأحداث والأيام، ولاسيما بعد ثورة تموز 1958، بعد أن طفحت طبقات جديدة على سطح المجتمع؛ كان مصدرها الريف، بخلاف الطبقات المخملية السابقة المنحدرة من بيوتات الذوات، وطبقات السلطة الوارثة والمورثة بعضها للبعض، وسادت، بعد تأسيس الدولة العراقية، ثم بادت. ويبدو أن الدولة التي نقلتها الخاتون بيل مسطرة على الورق إلى تجسيدها كدولة منعكسة في النفوس والضمائر، لم تكن متجانسة البتة، وربما أريد لها أن تكون كذلك مثلما هو حادث اليوم، فثمة من مكث يحمل الضغينة على المسحوقين أو يجهلهم، وشعر بعلياء منزلته وقامته فوق قامات أهل البلاد، وهذا ما ازدراه سيرل بورتر بدون مهادنة، بعدما سكنته ملائكة العراق فأحبه وأهله وثقافته، وعشق الحياة الوادعة فيه وطرائق العيش والأكل وتزوج مرتين من سيدتين عراقيتين. بعد وفاة الأولى اقترن بالثانية، ومكث يلهج لأبنائه بمحبة العراق، وأنه أحسن من بريطانيا، وأن أناسه هم الأطيب الذين يمكن العيش بينهم، وحين سألوه عن السبب وراء عدم رغبته في العيش في بريطانيا، كان يجيبهم بعفوية: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا. وتقمصته الثقافة العربية، ولم يزدرها كما البعض، حتى كان يصحح المفردات لأبنائه. تحكي أمل أنها حينما كانت صغيرة وهي خارجة بمعيته من الدار أطلقت كلمة «زبل» على ركام البناء في الخارج، فقال لها «ليس زبل وإنما أنقاض». كان يحضر صخب الجالغي ويهيم في طرب سليمة مراد ومجالس الأنس البغدادية وشط دجلة، وسرد خواطره عن أرشد العمري الذي اعتمده في مشاريعه، والشاي المهيل من يد خزعلية، ومفارقات الحياة في كركوك المزدانة بتلاوينها، وكلها خواطر جديرة بالتأمل والإيحاء والقراءة النفسية والاجتماعية. توفى سيرل الإنكليزي البغدادي في العام 1967 وكان يوصي بأنه لا يبرح ثراها، فدفن في بغداد ليكون روحا وجسدا فيها.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق