|
كيف ( غاص الق البراري) في رواية (القلب يطوف حولك)؟
ورود ناجي
تدور احداث رواية (القلب يطوف حولك) في ثمانينات القرن الماضي، في
الحرب العراقية الايرانية، حيث يأتي الحب كبديل عن الحرب، الحرب التي
لم نجن منها الا الدمار والموت، حيث يقع البطل حسام اسير هوى لزميلة
له في الدائرة هي (هدى) التي باتت منقسمة على ذاتها بين تحقيق رغبات
القبيلة وتقاليدها البالية، التي تقضي بالزواج من ابن العم، بالرغم من
عدم وجود التكافؤ المطلوب بينهما! وبين قلبها الذي يميل الى حسام،وهكذا
فقد ظلت بين شد وجذب بين الاثنين، الامر الذي جعلها مترددة في اتخاذ
قرار يحسم الامر، مما حدا بخطيبها على الاقتران من ضفاف موظفة اخرى هي
المطلقة (اثمار) التي تمتلك القدرة على الحسم..!
لكن الروائي (حسن حافظ ومنذ عبارته الاولى في الرواية بهذه الرقية (غاص
الق البراري) وبها ختتم كما وان الرواية تحمل عنوانا اخر ايضاً هو
(الحب والحرب) التي تعكس لنا الاحباط تنوعا ما! وعلى الرغم من ازيز
الرصاص وهدير المدافع ودوي الدبابات والمسرفات، فقد كانت تهزهم، اكثر
اللحظات شاعرية، كلما تسرب اليهم الضعف، تتمثل تلك اللحظات في ذلك
الزهو الجميل، بمراى زهرة تتفتح عند سفح جبل، او نبتصغيرة لشجرة مشمش
اخذت طريقها الى النمو، بعد ان مرت عليها قطرات مطر الربيع، او لدى
سطوع قمر الليل، الذي له معنى اخر لدى المقاتلين او لدى صوت قبرة تهزج
بمقدم نهار جديد غير عابئة بالرصاص، الامر الذي سيعمل على مقل هذه
الاحاسيس من البطل الى رفاقه الاخرين من المقاتلين والذي بدوره سيعمل
على سحب القلق عنهم، نتيجة لعبثية الحرب اللعينة التي يبدو انها لن
تنتهي ولتذكر المقاتلين ان هذه الامور الطبيعية من الزهرة ونبتة انها
لن تنتهي ولتذكر المقاتلين ان هذه الامور الطبيعية من الزهرة ونبته
المشمش الصغيرة وقمر الليل وقبرة الصباح، (وهذه الامور كلها تحتاج الى
حضن هذا الوطن الغالي) حتى اذا ما ذبل الوطن، راحت هذه الاشياء الجميلة
كلها، وذبلت عنها الزهرة واختبأ قمر الليل، وذبلت اغصان النبتة وكفت
قبرة الفجر عن صوت، على حد تعبير الشاعر عيسى حسن الياسري لدى تحليله
لرواية الكاتب في صحيفة تاتو الثقافية الصادرة في 15/ 3/ 2009 بعددها
الاول ويمكننا ان نضيف الى ذلك هو هذا (التوحد) بين الموجودات، الذي
يمكن ان نجده لدى اصغر الاشياء وابسطها، كما يذهب الى ذلك الكاتب
الامريكي (والتر سكوت) اذ يقول هذا الكاتب: اذا اردت ان تبحث عن وجود
الجميل، فابحث عنه، اذ انك تستطيع ان تبث عواطفك حتى للعشب او للتراب
الذي تدوس عليه والذي قد تجده تحت قدمك ولم لا؟ اليس هذا التراب جزءاً
من وجودك الجميل؟
ولابد من التذكير بثيمة احد الافلام الرائعة الفائز بستة من جوائز
الاوسكار ذلك هو فلم (رجل وامراة) حيث يتعرف والد طفل على ابنتها كل
ظهيرة امام باب المدرسة، وكانت قصة الفلم تنتهي بقطعة موسيقية جميلة مع
لقطة رائعة على شاطيء البحر حيث كانت امواج البحر تداعب قدمي العاشقين
الحافية ومعهما ذلك الكلب الجميل، الذي كان يتناغم معها على مويجات
البحر المنساب نحو الشاطيء بهدوء، والى القرب منهما كانت تنتصب بشموخ
بضعة شجيرات، واضافة الى جمال البحر فهناك الافق اللازوردي، وكأن
المخرج يريد ان يخبرنا اننا نحلم بمثل هذه السمفونية الطبيعية والتي
تأتي بمثل هذه الحياة الجميلة، حيث يشترك في صنعها كلا من الانسان رجلا
وامراة، والحيوان والنبات، والبحر والارض والسماء في هارموني بديع، قل
له نظير!! وبمثل هذا حاول الكاتب حسن حافظ التعبير في روايته تلك، على
الرغم من فساد الدائرة التي يعمل بها حسام بطل الرواية، مع الاجواء غير
الطبيعية المحيطة بالابطال، وعلى حد تعبير الناقد الشاعر الياسري كما
جاء بعنوانه الموسوم (محاولة ترميم الخراب) بطريقة رومانسية عوضا عن
تلك الاطلاقات التي تبحث عن جماجم البشر، والتي تأتي لتجهض كل احلام
الناس، وهذا هو خط الرواية الاول.. اما خط الرواية الثاني.
فقد كان يتمثل بذلك الصراع العنيف الذي يعانيه البطل حسام مع خطيبته
هدى، من جهة ومن جهة اخرى صراع البطلة هدى مع توجهات القبيلة، فيما
يطلق عليه (بالنهوة العشائرية) فقد جاء هذا الصراع اشبه بلعبة جر
الحبل، فهذا يشدها من هنا وذاك يشدها من هناك حيث كان ابناء القبيلة
وابنعمها بالذات، يرفض هذا (الغريب) من الدخول الى عالمهم عن طريق
(المصاهرة) واذا كانت الحرب ذات طاقة تدميرية هائلة، نجد كذلك بعضا من
تقاليد القبيلة تلك، والتي محصلتها النهائية هي نشف كل ما هو جميل في
الحياة، في الوقت الذي نجد فيه البطل حسام يدعو فيها الى التمرد على
تقاليد القبيلة ضد (النهوة) واستعداده الى الزواج ممن يحب، بمسؤولية
عالية، مع تحميل النتائج كافة والناجمة عن ذلك التحدي الكبير.
وهكذا يتحدث الينا الكاتب في هذه الرواية بصورة شعرية انسيابية تنثال
فيها الكلمات رقراقة مثل مويجات الماء كبديل للحرب، وباسلوب حديث حيث
يكتب فيها بطريقة (تيار الشعور) تارة، وتارة يلجأ الكاتب الى استرجاع
ذكرياته مع الحرب والخطيبة بومضات من المضاي، حيث يتوقف الكاتب عن حديث
الحرب، بما يطلق عليه في الفن اذ ينقلنا من قعقعة السلاح في الحرب،
وازيز الاطلاقات وهدير المدافع الى تلك المشاعر الجميل، في استرجاع
جميل لذكرياته التي يكنها للحبيبة هدى، (كبديل موضوعي) للحرب ولصخب
الحياة، اشبه بوقفة الشاعر عنترة وهو يتذكر حبيبته (عبلة) حيث يتغنى
بها وهو في اشد حالات المعارك ضراوة، وهو ينزف دما، اذ نراه ينشد:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف.. لانها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وهكذا نجد الكاتب يتنقل بنا من موضع الى اخر، وهو معبأ بمشاعر ضاغطة
احيانا، عندما يلتحق بالجبهة مرغماً، والتي قد لا يعود منها حيا الى
خطيبته التي تتركه في حالة يرثى له من الصراع، بناء على هذا التردد
والتمزق التي تعانيه وحريتها الكبرى بين التوفيق بين مشاعرها، وبين
طاعتها العمياء لتقاليد القبيلة.. وعى العكس من تلك الروايات التي كبت
في زمن الحرب وكان هدفها (التعباة الحربية) لسوق الناس كالنعاج الى حرب
غير مبررة، الا اننا هنا نجد البطل ليس ذاك الانسان (السوبرمان) الخارق
للعادة، فهو يحمل بين جنبيه كأي مقاتل خوف انساني مشروع، ففي لحظات
الضعف يلجأ الى بارئه وخالقه او الى نبيه الكريم، وهو يردد: اجب يا
سيدي وشفيعي.. اجب، او ين يردد بوجل ايات الحفظ التي استلها من كتاب
الله المجيد.. ولقد تناول الكاتب الاساليب الحديثة في الكتابة فمرة
ياتي الحديث بصيغة المتكلم على لسان البطل، وتارة عن طريق المخاطب،
وثالثة عن طريق الضمير الغائب.. واذا كانت الرواية- كما مر بنا- تبدأ
بعبارة (غاص الق البراري) وتنتهي بذات العبارة، فكأن الراوي يريد ان
يقول لنا: بداية الرواية الالم، ونهاية الرواية الالم، فالانسان يولد
وهو يملأ الدنيا عويلا وصراخاًن ويغادرها الاخرون يصرخون عليه، وهكذا
كان شعور الكاتب واحساساته التي تأتي لتتواءم مع ذلك الشاعر الذي كتب
قصيدته ليلا وعندما قرأها في الصباح، اكتشف انه لم يضع فيها كل كا يفكر
فيه.. وعندما حاول اعادة كتابتها عجز عن تحقيق ذلك.. بل انه عجز حتى عن
كتابة قصيدة جديدة، وهنا -وفي حالة رمزية- يشير لنا الكاتب الى ما ما
خربته الحرب لم يكن قابلا للاصلاح بسهولة، وهي اكبر من اعادة بناء
جسرمن طابقين، او اعادة بناء مصنع مدمر، انما هذه الحرب اللعينة التي
تاتي على الاخضر واليابس تجاوزت ذلك الى ابعد من ذلك، الا وهو العمل
على هدم الانسان من (الداخل) نفسيا وروحيا، ويمكننا مقارنة ذلك الان في
هذا الوطن المحتل،الوطن الذي تعصف به رياح العنف والموت المجاني، واذا
كانت هذه الحرب تنتهي بالعود الى اتفاقية 1975 التي تقضي بتقسيم شط
العرب بيننا وبين ايران مناصفة، فلماذا كانت هذه الحرب التي طالت لتصل
الى سنوات ثمان عجاف.
وهناك سؤال خفي فات على الكثير من النقاد يطرحه هنا الكاتب: لماذا اذن
كانت هذه الحرب اللعينة التي جرت الى حرب اخرى، وعلى حد تعبير احدهم
(حرب تلد اخرى).
فهل كانت للقتل من اجل القتل مع ترك الالاف من الشهداء والاسرى
والارامل والمعوقين لنعود ثانية الى (المربع الاول) على حد تعبير
الدبلوماسيين والسياسيين، شانها شان البطل حسام مع خطيبته، فبعد هذا
الود الحميمي والتلاحم نجد ان هدى المترددة والتي لاتستطيع ان تتخذ
قارارا على الرغم من ان حسام قد استطاع كسب قبيلتها ال جانبه، فاذا بها
تتخلى عنه، الامر الذي يضطره الى الاقتران من ضفاف امراة اخرى، بعد ان
ادرك انهما خطان متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، لكن هذه المراة
البديلة كانت (مطلقة) بعد ان اعيته الحجة في السير مع هدى الى نهاية
الاشواط كلها، كلها، شانها شان (لعبة البريد) التي لابد وان يقوم
الراكضون بتسليم العصا من مرحلة الى اخرى، ولابد لكل من يجري يتعين
عليه ان يسلم العصا لمن ياتي بعده، وحتى نهاية الاشواط كلها، فاذا ما
تعثر احدهم او ابطأ خسر اللعبة وضاعت عليه فرصة الفوز. ولئن يذهب
الناقد الدكتور سعد مطر، لدى تقييمه للرواية ذاتها، الى انها خرجت من
مدارها الحكائي الواحد، بل تشعبت الى مدارات انسانية تكشف عن معاناة
وازمات مر بها البطل وخرج المتن الحكائي من الاطار التقليدي الضيق الى
فضاء الحداثة المنفتح من خلال التوفيق بين الرومانسية الواقعية (جريدة
التاخي الغراء في عددها الصادر 548 في 1/ 12/ 2008 في ندوة خاصة عن
الرواية/ اقامتها منظمة المستقبل الثقافي) ولابد لنا ان نطرح الان
السؤال: لماذا لجأ الكاتب الى الاسلوب الرومانسي؟ ويرد علينا الشاعر
(شيللر) قائلا: انني انتمي الى قرون قادمة.. انني احلم بمستقبل يبدأ
غدا صباحا) فهكذا تاتي الرومانسية تدعو الى اضفاء الزهو على الفرد
والذاتية، مع الخيال والعفوية، والعاطفة الانسانية النبيلة، بعيدا عن
الصراعات المختلفة.. سواء اتم هذا عن طريق الفن ام الموسيقى ام في
الشعر والادب، وبقية مجالات التعبير الاخرى، فهل حقاً، غاص الق
البراري؟ كما يزعم الكاتب/ حسن حافظ.
الـــجـــائـــزة
ضمد كاظم وسمي
إشرأبت الاغنام برؤوسها الى شفير الوادي .. وهي تتشوف الى خطر غشوم .
غلالة كثيفة من دخان الرعب تتصاعد امام اعينها .. الوادي المعشوشب
ارتدى ثوباً كأنه الشفق .. شواظ مثل اشواك العقارب تنغرز في شغاف
قلوبها . ما ان عسعس الذئب بملامحه المنقبضة حتى تصارمت الضأن ..
وتصدعت قلوبها ، وشغر الوادي منها .. فيما انجلت الغبرة عن كبش أقرن
يعدو بأجناب تهتز من الفزع في اثر الذئب المنطلق كالسهم . الراعي اعتقل
لسانه .. حملق في الهول المرعب بعينين متورمتين صعدت الدموع اليها ..
وانفجرت شفتاه عن كلمات صامتة كريح عقيم .. راحت قواه تخور مثلما يحترق
عود جاف من التبغ .. وعصاه التي كان يهش بها على غنمه ، صارت هشة
لاتنفع حتى في المهارشة.
انطلقت رصاصة من بندقية فارس مستطرق ! .. فنكص الذئب على عقبيه هارباً
.. والكبش لما يزل يهرع اليه اينما ولّى ! .. طلقة ثانية حسبها اصابت
من الذئب مقتلاً .. تركته كومة بلا حراك ، لكن الخروف (( المسبوع ))
لايني يجري بلا هوادة كسيل منحدر .. حتى ارتطم بجثة الذئب .. وقف
واجماً كمن اعضله أمر .. جاء الراعي بعينين ستجحظان خارج رأسه في اية
لحظة ! .. فيما زادت شرايين رقبته انتفاخاً واستدارة .. حط الفارس على
رؤوسهم كقدر .. فتح الذئب اشفار عينيه .. ارتال من الابر المدببة تخترق
صدغي الراعي المعقربتين .. اراد ان يتعاقل ، لكنهما انتفضا عدواً
باتجاه الجبل المطل على الوادي .. ومـا ان حلّ الذئب بوكره حتى أومأ
الى الراعي الذي جلس القرفصاء مرتعداً .. الى جنب الذئب الذي غطّ في
نوم عميق بعد جهد وتعب شديدين .. ربما لم يكن الذئب جائعاً .. فيما راح
الراعي يدور بعينيه دون ان ينبس ببنت شفة .. دون ان يريم مكانه كقعدد.
بهت الفارس .. ثم طفق يقلب الرأي طويلاً .. وبعد ان زالت عنه غمة
الدهشة .. استعاد اتزانه .. بل نكأ جواده بمهماز .. سائقا الكبش
المذهول امامه .. واعاد لقطيع الغنم روعه ونزل به في الوادي المعشوشب
.. ثم عاد ادراجه صوب الجبل بحثا عن الراعي الذي اسّره الذئب !..حيث
لايدري ما وطّن الذئب عليه العزم : ايهصر الراعي بين ذراعين .. ام يفتت
رأسه بضربة ناب قاتلة ؟ .. وما ان صار الفارس على باب المغارة حتى اطلق
في الهواء رصاصة مدوية .. نهض الذئب مكشراً .. وبدت شرايينه المنتفخة
في رقبته متصلبة مثل حبل مشدود من الطرفين .. لكنه توارى في دهاليز
المغارة المتشعبة .. فأبتسم الفارس في اغتباط عندما رأي الراعي في
مكانه لم يبرحه .. وقد حط عليه الرعب ، وملأ عينيه النوم . ولكن ما ان
جأر به حتى فزع وهرب مسابقاً للريح باتجاه الوادي .. اراد الفارس ان
يودعه بعد ان اطمأن عليه وعلى قطيعه ، فثارت في نفس الراعي رغبة ملحة
لمكافأة الفارس على صنيعه الجميل .. بيد انه كلما اقدم على امر كهذا
اسقط بيده .. وأخيراً قرر على مضض اهداءه الكبش (( المسبوع )) .. فتمنع
الفارس كثيرا في قبوله .. ثم اخذه بعد كثر الحاح وتوسل .. وسار به الى
حيث موطنه .. طالعته بعد طول مسير اضواء النجوم تتلألأ على صفحة ماء
النهر كسرب من الفراشات المتراقصة .. اراد الكبش ان يعب الماء فانهارت
به ضفة النهر لينزلق الى الاعماق .. ترجل الفارس من جواده وردد حكمته
المعهودة.
ليس من الضروري ان يكون الفارس عبداً لسلاحه في كل مرة.
تجرد من اثوابه وبندقيته ونط الى اعماق النهر لانتشال الكبش .. وما ان
صعد به الى سطح الماء حتى قفز الكبش ، وبنطحه مباغته على ام رأس الفارس
.. ارسله الى قاع النهر البعيد واسدل على حياته النهاية الابدية .. خرج
الكبش من الماء يرقص وينتفض مولياً وجهه شطر الوادي .. استقبله الراعي
بابتهاج وانتزع من قرنيه المدماتين شوكة الموت .. وقال في نفسه.
فما املته وانتظرته حدث بالفعل.
الشعر العراقي في المنفى 1958 -2003
عبد الكريم الوائلي
قبل الخوض في دواعي ارتحال الشعراء الى المنفة وابرز الشعراء الذين
خرجوا من العراق تحت ظل الظروف القسرية، تقف عند دلالة مصطلح المنفى او
النفي الذي شرعت الباحثة (هند ياسين الجزائري) ووصفته عنوان رسالتها
الشعر العراقي في المنفى 1985-2003فالنفي عن البلد هو (التغريب)
والغريب هو البعيد عن الوطن والشاعر يصدق عليه النفي حين يضطر الى
اختياره تحت ظروف قسرية قاهرة تحول دون تمتعه بالحرية التي ينبغي في
وطنه والمضايقات التي تنال الشاعر من قبل السلطة فيلجأ الى المنفى
للخلاص من تلك المضايقات وحرمان الشاعر مما يجول في خاطره من شعر
وكتابات ثقافية يضطر خلالها الهروب الى وطن اخر حفاظا على نفسه وعلى
كرامته من تلك السلطات الجائة.. كما ان الهجرة عدة دلالات ففيها من
الترك والرفض والاضطرار اكثر مما فيها من معاني والارتحال والبحث.
قسمت رسالة الى ثلاثة فصول: كان الفصل الاول عن دراسة دواعي الارتحال
المنفى، ودراسة التجمعات الادبية في المنفى، اما الفصل الثاني: فقد
تناولت موضوع الوطن وما يرتبط من الحنين والشكوى من الغربة والذكريات
المرنة التي هاجروا منها والتي هاجروا اليها. واختص الموضوع الثاني من
موضوع المراة بما هي حبيبة وام وزوجة واخت او بنت، وما قد توجه بعضهن
كناية عن الارض التي هي الوطن وما يرتبط من حنين والشكوى من الغربة ..
امام الفصل الثالث.. فقد تناولت الباحثة فيه الخصائص الفنية فقد كانت
موضوعاتها عن البناء والصورة الشعرية واثر التراث في شعر بعض الشعراء
المفارقة لتصويرية واللغة الشعرية.. فقد ركزت الباحثة هند على هذه
الظاهرة ظاهرة اللغة اليومية والعامية في اشعارهم وكيفية توظيفها.. ثم
نوع الموسيقى وابرز الاوزان والتكرار والتداخل.
لقد واجهت الباحثة عن تحضيرها لهذه الرسالة عدة صعوبات ومن هذه
الصعوبات غزارة الشعر العراقي في المنفى وتنوعه بين العمودي الحديث
المتمثل بقصيدة الشعر الحر وقصيدة النثر,.
وكذلك عدم توفر دواوين الشعراء التي طبع معضمها في المنفى وبنسخ محدودة
مما صعب على الباحثة الحصول عليها ولندرتها الا عن طريق الاتصال
بالشاعر او احد اصدقائه او المقربين منه وكذلك صعوبة الموضوع الذي
يعتبر موضوعاً معاصراً كما تقول الباحثة..
لقد تعاون مع الباحثة الدكتور محمد بحر العلوم وكذلك الشاعر محمد مظلوم
والشاعر شاكر لعيبي.
ان اشهر الاسباب التي ادت الى ارتحال الشعراء الى المنفى هو كبت الجهات
الثقافية الادبية والارهاب والقمع الذي مارسته السلطات ضد الشعراء
والمتمثلة بالسجن والاعتقالات لكل من يخالفها الراي والافكار والتوجهات
وكذلك التسفيرات عن طريق انتساب الشعراء وانتمائهم الى احزاب وتيارات
اخرى مخالفة بارائها وتطلعاتها للحزب الحاكم.
وكذلك الحروب التيدخلها العراق وهي الحرب العراقية الايرانية وحرب
الكويت وما اعقب ذلك اجتياح السلطة الحاكمة باستخدام الطائرات والاسلحة
الثقيلة للبلاد لكبت الانتفاضة وما زال ذلك تشريد وقتل وقمع الالاف
وتهديم المنازل التي شملت غالبية المواطنين والشعراء. وبهذا تولى البعث
السلطة في العراق فهي وان شهدت عودة شاعرين كبيرين في هذه الفترة
تحديدا محمد مهدي الجواهري والشاعر عبد الوهاب البياتي.الا ان بعض
الشعراء خرجوا من العراق ومنهم محمد بحر العلوم والشاعر العراقي الكبير
عضو مجلس النواب والشاعر المرحوم بلند الحيدري والشاعر عبد القادر
الجنابي وعباس ترجمان والشاعرة لميعة عباس عمارة وبعدها في بداية
السبعينات نوري كريم وفاضل العزاوي فمنهم من خرج بصورة رسمية اما بعد
عام 1978 وتحيدا بعد انفكاك الجبهة الوطنية التقدمية، اما في عام 1980
فقد شهدت اقوى موجة لهجرة الشعراء الى المنافي فكان ابرزهم الشاعر سعدي
يوسف الذي كانت له هجرات متعددة قبل هذا التاريخ والشاعر عبد الكريم
كاد وهاشم شفيق وهاتف الجنابي وحميد العقابي وعبد الباقي وفرات الاسدي
وخلدون جاويد ومدينة الموسوي ومهدي حميد العقابي والشاعر محمد سعيد
الصكار واحمد مطر جليل حيدر وشوقي عبد الامير واحمد الوائلي ومصطفى
جمال الدين لقد كانت رسالة هند الجزائري من الرسائل المهمةالتي تضاف
الى المكتبة العراقية والعربية خدمة للباحثين وطلاب العلم وتعتبر هذه
الدراسة مصدراً لطلاب الجامعة.. ومن الله التوفيق.
هـــمس الـــرؤيـــا
ابراهيم الزبيدي
غدا رايت الريح
تعصف في الحقول
غدا صديقا قال لي
ريحا اتت تهب الجفاف
تداهم الشطآن حينا
ثم تجتاح الضفاف
قرب الجداول عصفها سما زعاف
رأيت العصف يضرب من راى
وثغر الارض يهمس للسما
والباسقات من النخيل
رايتها تحن بظلها فوق الفسيل
وحضائر الفلاح والريف الحزين
عطشى تحاصرها الاوجاع
يضنيها الانين
فقت من رعب الكابوس ايقظني الاسى
افتش حولي ما جرى
لكن رؤيا فوق راسي حلقت
همست بصمت
يا فتى اني ارى
مالا ترى
وصحوت من دنيا المنام
افتش عن مأوى وعن ارض للسلام |