الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (895) الاحد 26 ذي القعدة 1430 هـ 15 تشرين الثاني 2009

الثقافية

نص (الطيور) للشاعر المصري أمل دنقل

ذياب شاهين

نص «الطيور» للشاعر المصري الراحل أمل دنقل كان قد كُتب في مرحلة عصيبة من حياته، وهي مرحلة مرضه، حيث كتبه الشاعر في العام 1981، أي قبل وفاته بسنتين. ومن هنا تتأتى أهمية النص، بوصفه حالة إسقاطية أو مرآوية لما يحدث في عالم الطيور، فيسقطه الشاعر أو يعكسه على عالمه؛ عالم البشر. والنص مكتوب بطريقة شفافة، وتكاد تكون صادقة؛ فليس أمام إنسان يموت سوى الشفافية واليقينية المبدعة. إن طيور أمل دنقل، وحسب ما سوف نفصله لاحقاً، كناية عن مصير الإنسان ورحلته الوجودية.ما يواجه الطيور يجانس ما يواجهه الإنسان، فالهجرة والتشرد، أو حتى التدجين والقتل والسجن، هي عوالم تعيشها الطيور ويعيشها الإنسان على السواء، وهو ما يلمح إليه النص بلغة شعرية شفيفة. إن شعرنة عالم الطيور بهذه اللغة المبدعة، وإسقاطها على عالم الشاعر، هو ما يلتقطه الشاعر أمل دنقل، وهو ما سنبينه في قراءتنا لهذا النص

النص على مستوى التكنيك متكون من ثلاثة مقاطع مرقمة بالأرقام: 1، 2، 3، على التوالي. المقطع الأول يتكون من جزأين. أما الثاني والثالث فينطوي كل منهما على جزء واحد. ولو بدأنا بالمقطع الأول، سنقرأ عن طيور يسميها الشاعر "مشردة"؛ هذه الطيور المحلقة عالياً، أسراباً أو فرادى، لا وطن لها، وهي مندفعة بشكل غريزي إلى المجهول. إنها مشردة لا مكان لها على الأرض، وبيوتها هناك في أعالي الرياح، حيث الرياح فراش ودثار، والرياح وطن، والصفير قرين. إنها الطيور المهاجرة، حيث العلى والرحيل القصي، هنالك. وإذ تلمحها عين الشاعر، تكون أنامله "طقساً ويلهو على خافقيه المدى". إنها صورة للحراك البشري، في كافة الأزمان والعصور. وهي لم تنزل الأرض للمكوث، بل هي كالفرسان تترجل للاستراحة قليلاً ليس إلا:

الطيور مشردة في السموات

ليس لها أن تحط على الأرض

ليس لها غير أن تتقاذفها فلوات الرياح

ربما تتنزلُ...

كي تستريح دقائق...

الطيور لا يمكنها أن تنزل أنى تشاء، بل هنالك أمكنة معينة يجب أن تقف وتستريح عليها. إن هذه الطيور تختار الأمكنة المرتفعة عن سطح الأرض؛ لأنها الأكثر أمناً لها، لأن دقائق الاستراحة هذه قد تتحول إلى موت أكيد، لذا فهي تقف على التماثيل أو فوق الأشجار أو على سطوح المباني:

فوق النخيل، النجيل، التماثيل

أعمدة الكهرباء

حواف الشبابيك والمشربيات

والأسطح الخرسانية...

إن نزول هذه الطيور يتوسله الشاعر. فهي، بالرغم مما يثيره وجودها من شجن في نفسه، من خلال جمال أشكالها وأصواتها، لن تكون بمنجى عن الأشرار (القطط). إذن فإن نزولها مرغوب به، ليس حباً بها، ولكن هنالك من يستغلها لمآربه:

اهدأ، ليلتقط القلب تنهيدة

والفم العذب تغريدة

والقط الرزق...

إن الشاعر وكأنه يغبط الطيور على ما هي فيه. لكنه يستشعر الخوف الذي تعيشه الطيور المهاجرة وهي تنزل للاستراحة، فهي عندما تنزل عالم البشر فإنها تكون مرتعبة وتفزع من أية حركة غير عادية، سواء كانت خفق حذاء أم حجر تطلقه كف طفل صغير، أو حتى عندما يتحول الظل من حائط إلى آخر، فضلاً على تعالي الأصوات التي يسميها الشاعر "حصوات الصياح":

سرعان ما تتفزعُ...

من نقلة الرجل

من نبلة الطفل

من ميلة الظل عبر الحوائط

من حصوات الصياح

في الجزء الثاني يلتفت الشاعر إلى نوع ثانٍ من الطيور، وهو الطيور الباقية في بلدانها، ويصفها بـ "الطيور المعلقة في السماء":

الطيور معلقة في السماوات

ما بين أنسجة العنكبوت الفضائي للريح

مرشوقة في امتداد السهام المضيئة

للشمس...

إن هذه الطيور، والتي ليس لها القدرة على الهجرة، هي طيور معلقة في سماء بلدانها، وكأنها ثريات تتلاعب بها الأنسجة العنكبوتية للريح، وتتقافز من على أجسادها السهام المضيئة لأشعة الشمس. إن هذا النوع من الطيور كناية عن الناس التي لا تستطيع مغادرة أوطانها، فهي لا تستطيع أن تعيش في وطن آخر، إما لضيق ذات اليد وإما حباً في البقاء في وطنها الأم؛ ولكن مع ذلك فإن الشاعر يطالبها بالحركة والطيران:

(رفرفْ...

فليس أمامك

-والبشر المستبيحون

والمستباحون صاحون-

ليس أمامك غير الفرار...

الفرار الذي يتجدد كل صباح).

إن المقطع أعلاه مكتوب بين قوسين، وهو كمن يخاطب نفسه عندما وجد نفسه بين أناس ارتضت أن تكون ما بين مستبيح ومستباح. إن الشاعر وجد ألاَّ طائل من مصير ليس له القدرة على تغييره، وليس هنالك سوى الفرار، وهو قرار يكاد يتجدد كل صباح. على المستوى التقني نقرأ تشاكلاً بين جزأي المقطع الأول، فهنالك وصف ثم استدراك، أي هنالك إخبار عن حالة ثم استدراك بصيغة المخاطب، وهو متمثل في المقطعين اللذين يبدآن بفعلي الأمر "اهدأ" وكذلك "رفرفْ". ولكن كما أسلفنا فإن المقطع الأول يتكلم عن طيور مشردة (مهاجرة) ليس لها وطن، أو لفظتها أوطانها. وفي الجزء الثاني يتكلم عن طيور معلقة لا تبارح مكانها، ولكنها تمارس لعبة مزرية بحق نفسها تتناوب فيها على دور الجلاد والضحية.

 في المقطع الثاني نقرأ عن طيور من نوع آخر، وهي طيور لا تطير وليس لها القدرة على الطيران؛ هذه الطيور هي الطيور الداجنة، وهي ليس لها قدرة على تغيير مصيرها، إذ إن مصيرها بيد الآخرين، وهي سعيدة بما هي فيه، وراضية بأسرها بسعادة غامرة:

والطيور التي أقعدتها مخالطة الناس

مرت طمأنينة العيش فوق مناسرها...

فانتفخت

وبأعينها... فارتخت

وارتضت أن تقأقئ حول الطعام المتاح.

إن هذا النوع من الطيور هو كناية عن البشر العبيد، والذين ليس لهم القدرة على تغيير واقعهم. إن الشاعر أمل دنقل لم يعطهم اسماً، بل أعطاهم صفة تأتي بعد أداة وصل؛ تصغيراً لهم. إن هذا النوع من الطيور ارتضى مخالطة الناس (كناية عن السادة والأقوياء)، وبالتالي ارتضوا ما يجود به عليهم هؤلاء الأقوياء، إذ إن مناسرها (مناقيرها) مطمئنة، فلن تستخدمها في صيد الغذاء، بل تستخدمها فقط في تناول الغذاء الذي يأتي إليها جاهزاً وما عليها سوى أن تقأقئ حوله إلى أن يحين موعد ذبحها:

ما الذي يتبقى لها غير سكينة الذبح

غير انتظـــار النهـايـــة؟

إن اليد الآدمية... واهبة القمح

تعرف كيف تسن السلاح

إن هكذا نوع من الطيور ليس له وظيفة سوى أن يكون طعاماً، هي طيور ليست كأي طيور، كما أن خير نهاية لها أن تموت ذبحاً، إذ إن اليد الآدمية التي تطش القمح لها كل يوم هي ذاتها اليد التي ستمرر السكين على رقبتها ذات يوم. والشاعر أمل دنقل لا يريد للبشر بأية حال من الأحوال أن يكونوا من هذا النوع من الطيور، إذ إن الروح الشاعرة والمتوثبة فيه تقول له: "رفرف"، فمكان الشاعر بين الأرض والسماء، أو كما يقول هيدجر، في "البين بين".

في المقطع الثالث والأخير من هذا النص، يلخص الشاعر الدراما الوجودية للمخلوقات متمثلة بالطيور، والتي هي قطعاً تشاكل الدراما الإنسانية في تفاصيلها، حيث يقول:

الطيور... الطيور

تحتوي الأرض جثمانها...

في السقوط الأخير

والطيور التي لا تطير...

طوت الريش واستسلمت.

إن ما يطلق عليه الشاعر -بكل حب- "الطيور... الطيور" في المقطع أعلاه، هي الطيور التي لا يأكلها أحد، ولن تكون بأي حال من الأحوال طعاماً للآخرين، هي الطيور الحرة السعيدة بحريتها بالرغم مما تعانيه في تفاصيل حياتها، هي الطيور التي تموت في الفضاء وتسقط كمحارب شجاع في رحلتها الحياتية الأسطورية. هذه الطيور سترحب بها الأرض، وتدفن كما يدفن الفرسان. وعلى عكسها، هنالك الطيور التي لا تطير، فهذه طيور داجنة ومستسلمة ومذعنة، وليس لها مكان لتدفن فيه، بل هي ستصير طعاماً للآخرين. إن الشاعر ليتساءل هنا عن هذا الاختلاف بين فصيلتين من الطيور، حين يقول:

هل ترى علمت

أن عمر الجناح قصيرٌ... قصيرْ؟!

إنه تساؤل وجودي عميق يطلقه أمل دنقل، وهو كناية عن قصر الحياة وتهافتها. ولما كانت الحياة قصيرة، أليس الأجدى أن نعيش حياتنا بطريقة محترمة وغير مهينة؟! وما المانع إذا كان لكل طائر جناح؟!

الجناح حياة

الجناح ردى

والجناح نجاة

والجناحُ... سدى

إذاً، فالجناح يمثل مصيراً للطائر، وهو كناية عن قدرة الإنسان وطموحه. فقد يكون هذا الجناح حياة كريمة أو لا يكون، وقد يكون ميتة كريمة أو يكون ميتة حقيرة، قد يكون نجاة وقلوعاً نحو المجد. إذن فالجناح حسب أمل دنقل يمثل ثوباً (سدى) نلبسه وننزعه بأيدينا، وكل سيختار الميتة التي تناسبه، مع الإقرار بحقيقة أنها قد لا تكون الميتة التي ستحدث فعلاً. في الأخير نقول إن هذا النص المرهف للشاعر أمل دنقل يع عن صراع الإنسان مع الحياة. وإذا علمنا أن الشاعر كان قد كتبه في أيام محنته ومرضه، فهو يحيل إلى رسالة يريد الشاعر إيصالها للمتلقي والقارئ في كل حين، وهي رسالة معبرة وتدل على روح شاعرة وشفافة تصارع الموت بكل نبل. إن الشاعر أمل دنقل كان طائراً محلقاً ومرفرفاً في سماء مصر، عاش ومات فيها، إلا أن عمر جناحه قصير، فأورثه حياة بعد حياته، ومكانة يستحقها.

 

 

بلاغة التحليل الفلسفي بين شعرية اللغة وانسجام الخطاب

محمد شداد 

لا تستهدف هذه الورقة تقديم تلخيص للمفاهيم التي يعالجها الدكتور علي القاسمي في مؤلَّفه " مفاهيم العقل العربي "، ولا تتغيا عرض مضامينها أو الوقوف عند القضايا المتعالقة معها، معرفياً وروحياً، وذلك لسببين: يتصل أولهما بطبيعة الكتاب الذي يتميز بغزارة الأفكار المنتقاة بعناية فائقة من مظانها المتنوعة، والمُثـبَّـتة بمهارة متناهية في سبائك المنتوج التحليلي المشخِّص لطبيعة المفاهيم، والمساهِم في تأصيل أنساقها الثقافية العاكسة لحركية العقل العربي وخصوبته. ويتمثل ثاني السببين في ضرورة احترام القارئ بالسعي إلى تحريك وعيه باتجاه قراءة الكتاب، بدل المصادرة على المطلوب من خلال تركيب النتائج التي أسفرت عنها مجهودات المؤلِّف في التنقيب والعرض والتحليل والتقويم، وتقديمها جاهزة للاستهلاك خارج مدارها الحيوي. فمن شأن هذا الوسيط أن يتحول إلى حجاب قد يؤدي إلى إعفاء خاطر المتلقي وقتل روحه الإنتاجية. وبإشراكه في إحياء طقوس الاحتفال بأعراس الفكر، والاستمتاع بمعاناة اجتراح حقيقة المفاهيم من جسد الكتابة، انتصارٌ للقراءة وتبديدٌ للوهم بجدوى ما يمكن أن يقوم بديلاً عنها.

كما أن هذه الورقة لا تروم الاقتراب النقدي من الكتاب، بالكشف عن خلفياته المعرفية الكامنة وراء تحديد مفهوم العقل الذي استوت في كنفه المفاهيم مدار المعالجة التحليلية ـ التركيبية.

ولذلك، ارتأيتُ تأجيل استشكال العلاقات الناسجة لشبكة توليد المفاهيم في بنية العقل العربي، وردّها إلى منابعها الثقافية التي تمتح منها خيوط المفهوم بنحو ما تتميز بلون خاص يساهم في تكوين الصورة الدلالية على مستوى الشكل والتشكيل معاً.

بعيداً، إذاً، عن المساءلة الإبستمولوجية التي تستهدف اختبار الوضع المعرفي لفلسفة الإطار الذي يصدر عنه الباحث في تشييد تصوراته وتوجيه فعاليتها العلمية نحو ذاتها.. تأتي هذه التأملات في شعرية اللغة وخصوصيات الخطاب الذي صاغ به الدكتور القاسمي مؤلَّفه " مفاهيم العقل العربي " الصادر في شهر يناير 2004 عن دار الثقافة بالدار البيضاء.

ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب تيسيره المعرفة العلمية ببلاغة وظيفية على مستوى الفاعلية والتأثير في المتلقي، لأنه يضايف بين الإقناع والإمتاع بنحو ما تتمفصل عبره العبارة والفكرة في بناء المفهوم؛ فجداول الكلام فيه تجري متدفقة من ينابيع الفكر، مُحوِّلة صحراء التجريد الذهني والتعميم المنطقي إلى بساتينٍ للجمال الحسي، والاستمتاع الروحي والعقلي معاً. وذلك في انسجام يكاد يخفي توتر التحول ومخاض الولادة، تماماً كما تتفاعل الرؤيا الجمالية مع أنظمة التصوير الحسي باللغة، لتستوي في مملكة الإبداع كائناً دينامياً ذا قدرة فائقة على تجديد حياته عبر ما يستضمره من إمكانات تأثيرية متنوعة.

من هنا، تتأكد خصوصيات الكتاب وجدته المنبثقة من جدل التقاطع المعرفي بين بنيتي الإنتاج والتأويل. وهذا يعني أن العمليات التحليلية الموجَّهة لفعل التأويل مُتخلِّقة من رحم السيرورات التركيبية التي يعتمدها العقل في تكوين المفاهيم وإنتاجها.

هكذا تتعاظم قدرة التحليل على التخفف من أثقال البنى التركيبية التي يعتمدها العقل العربي في بلورة المفاهيم، وتحويل المعرفة بها من بنية الغموض العمودية إلى بنية الوضوح الأفقية.

وعلى هذا النحو، تتحرر الكتابة عن المفاهيم من سطوة التجريد الفلسفي، ومن تعقيد البحث الفيلولوجي، لتؤسس من خلال التحليل الثقافي العميق والرصين وجودَها الأصيل بعيداً عن التقعُّر اللغوي، وجلبة الاستهلاك الاصطلاحي الأجوف.

وفي هذا ما يمنح كتابَ " مفاهيم العقل العربي " خاصية جوهرية نادرة، قلما نجدها في مألوف الكتابات النقدية المنشغلة بقضايا العقل، والمتطلعة إلى رصد تمثلاته الوجودية الكبرى. وتتجسد تلك الخاصية الجوهرية، التي يتحلى بها الكتاب، فيما يمكن نعته بشعرية التفكير الفلسفي، حيث التعبير عن مضمرات العقل وتضميناته التركيبية المتطورة بلغة شفّافة تلامس عبر آلياتها الجمالية أسرارَ انبثاق الصور الذهنية من رحم التفاعلات الوجودية المؤسِّسة لحركية الذات، والعاكسة لهندستها الفكرية والنفسية، بنحو ما تضعنا هذه اللغة ـ المشبعة بروح التفكير الحسي المُشخِّص للحالات المختلفة، والمُبيِّن لتحولات المواقف المتباينة ـ (أقول تضعنا هذه اللغة) على طريق الوعي الفعلي بأصالة العقل العربي، وبإسهامه الواضح والمتميز في منجز المعرفة الإنسانية.

وعبر هذه الطريقة المتميزة في عرض مستويات المفهوم وسماته، والأسلوب المحكم في تناول خصائصه الجوهرية والعرضية، يتعاظم سحر اللغة الواصفة، فتحفر أبعادُها التحليلية مسالكَ في وجدان القارئ الذي يكتشف بذائقة ووعي جديدين الإشراقات التنويرية التي تمخّض عنها العقل العربي.

وهذا يعني أن اللغة التحليلية التي صاغ بها الدكتور علي القاسمي مؤلَّفه تتميز بسمة مزدوجة؛ لأنها تعزّز التماسك الداخلي للخطاب وترسي انسجامه على معايير التكافؤ والتكامل بين لغة النصوص الحاضنة لفصوص العقل العربي، وبين اللغة الواصفة بكل أبعادها الكاشفة وتلويناتها النابضة بالحياة. كما أنها لا تكف عن تنشيط ذهن القارئ، وتحريك وعيه باتجاه الاستمتاع الفكري بلحظات الكشف عن المناطق القصية التي لا يطالها الوعي العادي الذي يستعجل مصاحبة النصوص، فيبتعد عن استغوار أعماقها الدلالية. ومن ثمَّ، عجزه عن استسرار لطائفها الروحية، وانصرافه عن استجلاء لُمعها الفكرية، ووقوفه دون الامتياح من فيوضها الوجدانية.

ويبدو أن الدكتور علي القاسمي قد اعتمد في تجسيد الأبعاد الفكرية والرمزية للمفاهيم المستهدفة على مقاربة واضحة في تركيبها، متكاملة في بنائها؛ فهي وإن كانت تسعى إلى أن تكون استقصائية في انفتاحها على أمداء الثقافة العربية الإسلامية، والاستفادة من تلويناتها الجغرافية، استكشافاً لما يبطن في تضاريسها المختلفة، واستثماراً لما تزخر به من مؤهلات تشهد على دينامية العقل العربي، فإنها لا تسقط في آفة التلفيقية التجميعية المفتقرة لما ينظم تراكمها على أساس من الوعي النقدي المطلوب.

وقد تيسر للمؤلف أن يجمع في ضوء هذا الوعي النقدي إلى جانب التمثُّل الفكري المشبع بفلسفة العِلم في الاقتراب من مستويات تكوين المفاهيم، سلامة الذوق الجمالي الكفيل بخلق موقعٍ للتفاعل النقدي مع ما تنطوي عليه النصوص المعالجة من إشراقات روحية، وانزياحات شعرية، وإلماعات فكرية.

وعلى أساس من هذا الوعي النقدي المزدوج، تتكشَّف مضمرات المعرفة المفهومية، فتتعزز أنساقها الذاتية بنحو ما تُدعَّم حقائقُها في بحران المعارف المختلفة التي يستقطرها العقل العربي في إمداد آلياته بأسباب الحياة.

ولما كان الكاتب مدركاً لخطورة ما يقبل عليه، مما يتطلبه موضوعٌ في المعرفة الفلسفية من دقة وتجريد وعمق وخطة منهجية وجهاز مصطلحي...يمكن أن يُجمِّد مياه الاتصال والتواصل مع القارئ غير المتخصص في الفلسفة، فقد توسَّل من أجل تحقيق مرامه بثقافته العميقة والمتنوعة في الدين والآداب والقانون والتربية والفلسفة وعلم اللغة التطبيقي، إضافة إلى خبراته العلمية والمنهجية الغنية في مجال المصطلحية وبناء المعاجم اللغوية العامة والمختصة.

وقد أبان الباحث، في جميع مراحل الكتاب، عن اقتدار مدهش على امتلاك ناصية اللغة وتطويعها، عبر صهر تلك الأطر المرجعية، من أجل نقل العمق الفلسفي للمفهوم المشيَّد من قبل العقل العربي، بكل تداعياته الفكرية والنفسية والرمزية، بلغة أنيقة ميسَّرة تنفذ إلى دواخل القارئ فيتمثَّلها عقلُه على أساس من المشاركة الوجدانية المنبثقة من جدل التفاعل السيكولوجي المحفَّز بأسلبة الصور العاطفية للفكر، وإحكامها بنوع التدرُّج التحليلي الذي يستجمع فروع الثقافة باتجاه استكشاف كيفية اشتغال العقل العربي في نزوعه نحو بلورة المفاهيم وتنظيم صورها الذهنية عبر تشييدها ثقافياً.

وتأسيساً على ما سبق، أستطيع القول دون مبالغة ولا مجازفة إن " مفاهيم العقل العربي " للدكتور علي القاسمي كتاب لا بدّ أن يُقرأ.

 

 

القنطرة

طالب عباس الظاهر

أنتصف الليل وساد سكون مطبق والطريق امامي مازال ضيقاً وطويلاً، واعمدة الكهرباء منتصبة على جانبيه وفي اعلاها المصابيح تشع نوراً خافتاً ، كان السهر اضناها واثقل جفونها النعاس تصطف متتالية على طول الطريق المظلل بأشجار الصفصاف العالية المعمرة ، فتتلاعب بأغصانها واوراقها بعض النسائم الليلية الرطبة وفي وسط الطريق اسير، اسمع وقع اقدامي على الاسفلت المتشقق ، تسير خلفي اينما اتجه وبصوت مجسم؛ فألتفت الى الخلف والى ما حولي وادور ادور حول نفسي مرة تلو اخرى ،ابحث عن صاحب هذه الاقدام الثقيلة، فأفقد توازني وأسقط معكراً الصمت الجاثم كالموت أو الموت الجاثم كالصمت..ثم ما البث ان اقف بقدمين متعبتين مستطلعاً ، غير اني لا ارى شيئاً سوى السكون في ظلام ليل موحش وخيالي المترنح بجانبي على الارض ؛ فأزداد وحشة من سطوة الهدوء التام في ذلك الليل البهيم وألمح الطريق فأراه ما زال طويلا لا ينتهي ؛ فتكاد تلتقي في نهايته الاشجار والمصابيح حيث ترقد هناك القنطرة العتيقة ببوابتها الحديدية الصدئة. أهمس لنفسي:- إسمع يازبالة افندي ..هذه الليلة يجب ان تكون الحاسمة. إذ لا مجال للمماطلة اكثر؛ فلم يبق امامك اي خيار آخر، وعذرك الذي تحججت به في الليلة الاولى غدا الآن باطلاً لأن طيورك لن تموت جوعاً وعطشا كما أنبت ضميرك مشفقا من تحمل وزر قتلها بتلك الصورة البشعة ! وقد تركت لها باب (البرج) مفتوحا هذه المرة ، وليس كما في الليلة الاولى حينما نسيته مقفل، وكذلك الحراس الليليون لم ترصدك عيونهم الماكرة كما في محاولة الليلة الثانية الفاشلة ايضا ، إذ لم تحس الا وايديهم الخشنة تقبض على ساعديك بقسوة ظناً منهم بأنك لص تتخفى ، ولم يخلو سبيلك إلا بعد إستجواب طويل مزعج واخذ التعهد الخطي عليك. اما الليلة فالامور كما يبدو تجري على أحسن ما يرام والرياح آتية بما تشتهي السـفن .....! ارفع رأسي المثقل نحو اغصان اشجار الصفصاف الضخمة والمترامية الاطراف ؛ فألمح القـمر مشعاً كأنه يختبئ خلفها بحياء وتكاد تحجب قسماً منه بأثوابها ، اتقدم لأراه يخرج كاملا وهو مازال يطاردني بوجه مشرق جميل .. يبتسم بعذوبة كأم حنون فاض الشوق من قلبها.

اصرخ بألم:- لماذا انت الليلة جميل هكذا يا بدر؟! ثم أدندن مع نفسي بحرقة : (يا گمر إشگد انت حلو الليلة.... يابدر ليش انت حلو الليلة..!!) واأسفاه انه يحاول عبثاً بفيض اشعته الصافية التسلل الى زوايا روحي المعتمة..لا فائدة ، فأهمس بصوت مسموع:- إنسَ يا عزيزي فعلام اتفقنا ؟ إنزع عنك رداء هذا الجسد البالي وأسلخ ذاتك عن تاريخ أساه الرث..الملطخ الوجه بدموع الانكسارات ودمها ، وهل تراه يجدي نفعاً في هذه اللحظات سوى النسيان.. فليحيَ إذن النسيان ورحت اتمايل كغصن رطيب مع نسمات السحر فأُتمتم مع نفسي:- سيان ان نحيا او نموت بالمفرد او بالجملة! بينما راحت تتراقص معي الاشجار والقناديل متمايلة ، وبدت تهتز الارصفة وتستطيل المسافات، فأهمس في سري من جديد:- لأتمتع بها انها ليلتي .. هذه ليلتي ..نعم . هبَّ نسيم منعش من صوب البساتين حاملا معه رائحة المواقد ، ولمحت تناثر النجوم في السماء ، كلآلئ عقد منفرط على بساطها المخملي .. كم جميل ان يستمر الليل والطريق الى ما لا نهاية . مت ايها الالم وانتحري ايتها الاحزان ، أهمس مع نفسي:- إنس يا عزيزي.. ياع ع......! اجل يجب ان انسى وأحيا هذه اللحظات الرائعة؛ فأخلد معنىً ولو تافها ً .. وإلا فأيّ معنى لبقائي هكذا حياً واستمراري على متن هذه الحياة؟ هناك في تلك البقعة جئت الى هذا العالم ، وشهدت هذه الاشجارالضخمة ذاتها صرختي الاولى ، وفي هذا النهرغسلوني وفيه رموا بسري ، فكانت خشية امي لا توصف من إِنزلاقي كسمكة من بين يدي الجدّة الى الماء تحت سيل من  ذلك غير مهم الآن البتة.

هيا تكلمي ايتها الاشجار وانت ايها النهر، فإن كنت كاذباً فليرجمني الرب بغضب منه. هاهي مرابع طفولتي ، وتلك بقايا آثار حروف ساذجة خطتها اناملي على جذوع الاشجار؛ فخلف هذا الصف من البيوتات ضاعت ألذ سنين العمر واطهرها.. أنين المصابيح وصوت الصراصر ذاته الذي كان يؤطر ليالينا المعتمة ، اصرخ بحرقة:- ايها الماضي الطاهر اين انت من لؤم اليوم؟! اين بطولات كلبنا العملاق "كردوس" ووفاؤه حتى الموت؟ اين براءة طفولتنا.. بل اين طهر الحياة ؟! هاقد مرَ أربعون عاماً.. أحقا انها اربعون..فأي شيء فيها لا يشبه اللاشيء.. والمستقبل اين هو هذا المستقبل ! ياليتني لم أعش تلك السنين ، ولم آتِ الى هذه الحياة ؟ سأطرق الابواب والشبابيك والجدران ، اصرخ بآذان الموت:- هل وجدوا شيئاً من بقايانا ، دمعة حزينة.. حلم مؤجل.. أمنية عزيزة.. كركرة بريئة، غافلة عما يضمره غيب هذا المستقبل اللعين..! اسمع نداءات امي لوجبة غذاء فقيرة "لا اشتهي" كم نطقت بها.. كم نطقت بها... آه.. الآن اشتهي لكل تلك الوجبات التي لم اشتهيها لإنغماسي في حمأة اللعب.. اين امي واخي وجدي وجدتي وعمي و..و..؟ اين ذهبوا وتركوني وحيداً في هذا العالم .. تعالوا خذوني اليكم ، فقد ضاقت بي ذرعاً هذي الحياة . كان صوت خرير الماء حينئذ بدأ يعلو شيئاً فشيئاً ؛ كلما صعدت الطريق صوب قنطرة السدة الكونكريتية ، ببوابتها الحديدية الضخمة.. كأن المياه غضبى هنا أو في صراع مستميت فيما بينها او مع كائنات مجهولة ببطون بيضاء لامعة ، ورذاذ الماء يتطاير الى الاعلى ويرشق الوجوه.. بل ويطغى صخب تلاطم المياه أسفل البوابة على جميع الاصوات الاخرى حتى على صوت صفارات الحراس الليليون التي راحت تحتد وتتجاوب فيما بينها وتقترب بسرعة من المكان .. قلت في سري وانا اصارع موجة بكاء عاتية:- لأنفذ قراري الأخير بسرعة ودون تفكير؟ فارتحت كثيراً لهذا الخاطر خاصة وقد صار الظلام دامساً الآن بسبب غياب القـمر او لتكاثف الاغصان ؛ فأستمر في المسير حتى النهاية.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق