|
فدك في التاريخ
الحلقة الرابعة والعشرون
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
11-وإذن فقد وضعنا بين يدي الحديث عدة
من المعاني في سبيل البحث عن مدلوله . وليس من الأسراف في القول أن
نقرر أن تفسير الحديث بما يدل على أن أموال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم تكون صدقة بعد موته ، لا يرجح على المعنيين
الاخرين ، بل قد نتبين لونا من الرجحان للمعنى الثاني - وهو أن المتروك
صدقة لا يورث - دون سائر التركة إذا تأملنا ضمير الجمع في الحديث ، وهو
النون ، وهضمنا دلالته كما يجب لأن استعماله في شصخه الكريم خاصة لا
يصح إلا على
سبيل المجاز ، ثم هو بعد ذلك بعيد كل البعد عن تواضع رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله . فالظواهر تجمع على أن النون قد
استعملت في جماعة ، وإن الحكم الذي تقرره العبارة ثابت لها وليس مختصا
بالنبي صلى الله عليه
وآله وسلم ، والأوفق باصول التعبير أن تكون الجماعة جماعة المسلمين لا
الأنبياء ، لأن 73 الحديث مجرد عن قرينة تعين هؤلاء ، ولم يسبق بعهد
يدل عليهم . وليس لك أن تعترض بأن صيغة الحديث يجوز أنها كانت مقترنة
حال صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة أو مسبوقة بعهد
يدل على أن
مراده من الضمير جماعة الأنبياء ، لأن اللازم أن تعتبر عدم ذكر الخليفة
لشئ من ذلك - مع أن الراوي لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما
يصلح لتفسيره - دليلا على سقوط هذا الاعتراض
.
وأضف إلى هذا أن إغفال ذلك لم يكن من صالحه ، وإذن فليكن الواقع اللفظي
للحديث هو الواقع المأثور عن الخليفة بحدوده الخاصة بلا زيادة ولا
نقيضة .
والمفهوم من الضمير حينئذ جماعة المسلمين لحضورهم ذاتا عند صدور
العبارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقد جرت عادة المتكلمين
على أنهم إذا أوردوا جملة في مجتمع من الناس ، وأ درجوا فيها ضمير
المتكلم الموضوع للجماعة
¡
أن يريدوا بالضمير الجماعة الحاضرة . فلو أن شخصا من العلماء اجتمع
عنده جماعة من أصدقائه ، وأخذ يحدثهم وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع
للجمع بلا سبق ذكر العلماء ، لفهم من الضمير أن المتكلم يعني بالجماعة
نفسه مع أصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين يندرج فيهم ، ولو أراد
جماعة غير اولئك الحاضرين لم يكن مبينا بل ملغزا
.
وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا الحكم الذي أثبته الحديث
للمسلمين - الذين قد عرفنا أن الضمير يدل عليهم - هل يجوز أن يكون
عبارة عن عدم توريث المسلم لتركته ؟ أو أن الأموال التي عند كل مسلم
ليست ملكا له وإنما هي من
الصدقات ؟ كلا ! فإن هذا لا يتفق مع الضروري من تشريع الأسلام ، لأن
المسلم في عرف القرآن يملك بألوان متعددة من أسباب الملك عند الناس ،
ويورث ما يتركه من أموال ( بعد وصية يوصي بها أو دين ) . وأنت ترى
معي الان بوضوح أن الحكم ليس إلا أن الصدقة لا تورث ، فإن هذا أمر عام
لا يختص بصدقة دون صدقة بل يطرد في سائر صدقات المسلمين
.
ولا غرابة في بيان الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع مع
وضوحه الان ، لأن قواعد الشريعة وأحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين
المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والأوقاف بموت المالك ورجوعها
إلى الورثة متسع ، ولا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الز هراء له
واعتراضها به على الخليفة
.
أما أولا : فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهرء في ساعتها الشديدة لم
يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة ، حيث أن السلطة الحاكمة التي
كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم
لا يقبلان جدالا ¡
ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء
على الدعوى الصارمة إذ يقول : ( هكذا هو ) - كما في طبقات ابن سعد -
فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في ا لثورة بنصيب إلا
الرد والفشل .
وأما ثانيا : فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي
كان يتلخص في القضاء على جهاز الخلافة الجديدة كلها ، فمن الطبيعي أن
تقتصر على الأساليب التي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض
فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس وقلوبهم معا ، ولكنها
لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب أن يستنكر
اغضاء الخليفة عنها كل أحد ، ويجر ذلك الاستنكار إلى معارضة حامية .
فقد نفت وجود سند لحكم
الخليفة من الكتاب الكريم ، ثم ذكرت ما يخالفه من الايات العامة
المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين ، والايات الخاصة الدالة على توريث
بعض الأنبياء كيحيى وداود عليهما السلام ، ثم عرضت المسألة على وجه آخر
وهو : إن ما حكم
به الخليفة لو كان حقا للزم أن يكون أعلم من رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ووصيه ، لأنهما لم يخبراها بالخبر مع أنهما لو كانا على علم
به لأخبر اها به ، ومن الواضح أن الصديق لا يمكن أن يكون أعلم بحكم
التركة النبوية من النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أو علي الذي ثبتت وصايته لرسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم وذلك في قولها : ( يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث
أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله
ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول : ( وورث سليمان داود ) وقال فيما اقتص
من خبر يحيى بن زكريا
:
أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، ألأن مات رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أمتم دينه ؟ ! ها إن موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم
فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض له ، خشعت الجبا ل ، وأكدت الامال
.
اضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، واذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن
بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قيل وفاته ، فقال : ( وما محمد
إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم
ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) إيها
بني قيلة ! هتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة ، ويشملكم
الصوت ، وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله
التي انتخب وخيرته التي اختار . . . الخ )
وإذن فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات
الحاكمة ، ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها . وهذا
يفسر لنا عدم تعرضها للنحلة في خطابها أيضا.
شفاء النفوس من خلال الهدى القرآني
د.
عبد الرحمن محمد العيسوي
الإيمان الروحي الإسلامي يؤدي بصاحبه إلى التمتع بالصحة النفسية الجيدة
ويحميه من الإصابة بالأمراض والأعراض والأزمات والمشاكل والتوترات
والصراعات والقلاقل النفسية والإجتماعية فيصبح راضيا عن نفسه وعن
المجتمع الذي يعيش في كنفه من جراء التزامه بالقيم الإسلامية العظيمة
التي تحفظ على الإنسان دينه ودنياه وآخرته وتعمل على تحسين علاقته مع
الناس مع المجتمع. وتمتاز النفس، في الإطار الإسلامي، بالصفاء النقاء
والطهارة والعفة والسمو الشفافية والتحرر من الغل والحقد والحسد
والغيرة.. فالإسلام دني الدنيا والآخرة والفرد والجماعة ويدعونا إلى
الإحساس إلى الناس وإلى اتقان الأعمال النافعة وتجويدها وتحسينها إلى
المثالية في كل شيء فهو الخالد حتى قيام الساعة.
وقوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفعا) الكهف
(31).
-
وفي بيان فضل الإحساس والإتقان
والأخلاص والتفاني في العمل والتدريب الجيد على أدائه. يقول تعالى:
(إنا نضيع أجر من أحسن عملا) الكهف (30).
وهذا ما يسعى إليه فرع تطبيقي من فروع علم النفس هو علم النفس المهني
الذي يدعو إلى حسن التدريب والإتقان والإخلاص في العمل والميل إليه
وعدم كراهيته.
كما يقول تعالى: (ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك)
القصص (77).
تعبيرا عن الوسطية والإعتدالية والحكمة والروية في الإسلام فلا ينسى
الإنسان نصيبه من الدنيا ولا يهمل أمور آخرته.
يقول تعالى: (أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) الإسراء (7).
فالإحسان في المحل الأول يرتد على صاحبه ثم على من حوله من أبناء
المجتمع والإحساس يشعر صاحبه بالسعادة والغبطة والرضا.
كما في قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) يونس (26).
وقوله تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) القصص (77).
وللإحسان أجر عظيم في الآخرة وله أثره النفسي والخلقي والإجتماعي
والأسري في هذه الحياة كما جاء في الهدى القرآني الخالد..
(والله عنده حسن الثواب) آل عمران
(195).
وقوله (وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) البقرة (83).
وللصلاة آثار نفسية عظيمة فهي تدفع الشعور بالراحة وبالقرب من الله
والإتصال به فهي مناجاة روحية بين العبد وربه وفيها مرضاة الله تعالى..
وقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) العنكبوت (8).
فالإسلام يحرص على سلامة الأسرة وحماية القيم ومن أعظمها قيمة احترام
الوالدين والعطف عليهما والإحساس إليهما.
وقوله: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) الشورى (23).
وللإحساس أجر عظيم عند الله تعالى كقوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله
قرضا حسنا فيضاعفه له) البقرة (245).
وفي الدعوة للإحساس والإنفاق في وجوه الخير يقول تعالى:
(ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق
منه سرا وجهرا) النحل (75).
وفي بيان القيمة النفسية والروحية والإيمانية والأخلاقية للإحسان يقول
تعالى:
(والذين جاجروا في سبيل الله ثم قتلوا
أو ماتوا ليرزقهم الله رزقا حسنا) الحج (58).
وقوله تعالى: (ومنهم من يقول ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار) البقرة (201).
فالقرآن الكريم يضع أمام الإنسان صورة للحياة المتكاملة والمتوازنة بين
الدنيا والآخرة.
كما في قوله: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) النساء
(40).
(ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك
من سيئة فمن نفسك) النساء (79).
بين لتحمل الإنسان مسؤولية سيئاته وبيان فضل الله على عباده.
والإحساس منهج عام كما في قوله: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)
النساء (85).
وقوله في مضاعفة أجر الإحساس (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الأنعام
(160).
وقال عز وجل: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك)
الأعراف (156).
قال: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون
ويؤتون الزكاة هم باياتنا يؤمنون) الأعراف (156).
والحسنات يذهبن السيئات حتى يتحرر المسلم، بلغة علم النفس، من مشاعر
الذنب والإثم والخطيئة وإنما يتحرر من هذه المشاعر السالبة لتحل محلها
مشاعر الأمل والرجاء.
يقول تعالى: (ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) الرعد (22).
ويقول في الإحساس في منهج الدعوة وليس العنف أو التهديد أو القوة وإنما
بالحسنى قال تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) النحل
(125).
وخير من يهتدي به المسلم ويتأسى بأعماله ومبادئه وهديه الرسول الكريم
بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب (21).
مما يوضح الرؤية أمام المسلم ويبين معالم الطريق حتى لا يحتويه الشك
والحيرة والضياع لعدم معرفة الحق من الباطل: فلنا في رسول الله أسوة
حسنة وقدوة رائعة.
يقول تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) فصلت (34).
وكذلك قوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) هود (114).
والطهر فضيلة عظيمة وقيمة رائعة يحض الإسلام أبناءه على التمسك بها:
طهارة اليد والقلب والنفس والفؤاد وكل الجوارح..
يقول تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة (103).
وفي الدعوة للطهر يقول الهدي القرآني الخالد (وثيابك فطهر والرجز
فاهجر) المدثر (4).
وينبذ الإسلام كل مظاهر الشذوذ الجنسي وغير الجنسي ويدعو إلى سواء
والفطرة السوية، وسلامة الشخصية وصحتها واعتدالها يقول تعالى:
(اخرجوا ال لوط من قريتكم انهم أناس
يتطهرون) النمل (56).
والمسلم مأمور ومطالب بالتحلي بالطهر والنظافة لأنها شعبة من شعب
لإيمان وعن طريقها يشعر المسلم بالنقاء والصفاء ويفتح الطريق بينه وبين
ربه ويصبح ودعاؤه مقبولا يقول تعالى: (إن كنتم جنبا فاطهروا) المائدة
(6).
وفي بيان فضل الطهر والتوبة يقول الهدي القرآني العظيم:
(إن الله يحب التوابين ويحب
المتطهرين) البقرة (222).
ويسعى الإسلام لشفاء من في قلبه مرض، والمقصود مرض نفسي وإيماني وحالات
من الشك والريبة أو الرفض للدعوة الإسلامية وللقرآن الكريم يقول تعالى:
(في قلوبهم رض فزادهم الله مرضا)
البقرة (10).
ويحذر الإسلام من أن يمتلىء قلب الإنسان بالمرض والشك والريبة وهي من
علامات المرض النفسي والعقلي يقول تعالى:
(وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم
رجسا إلى رجسهم) التوبة (125).
وقوله عز وعلا: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه
من الموت) محمد (20).
يقول القرآن الكريم: (فنرى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) المائدة
(52).
كما يقول: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضا غر هؤلاء دينهم)
الأنفال (49).
ويحث الإسلام المسلمين للبعد عن الهوى والضلال والطياش حيث يقول القرآن
الكريم:
(ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) طه (81).
وكما في قوله تعالى:
(كلما جاءهم رسول الله بما لا تهوى
أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) البقرة (87).
وقوله تعالى: (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ارزقهم من الثمرات)
إبراهيم (37).
ويدعو لتحاشي هوى النفس كما في قوله تعالى:
(فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) النساء
(135)
).
وقوله: (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ص
(26).
وتأكيدا لصدق الرسول (ص) يقول القرآن الكريم:
(وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي
يوحى) النجم (3).
وفي فضل البعد عن هوى النفس يقول القرآن الكريم حتى لا يشعر الإنسان
بالتشتت والضياع وتفترصه الهواجس والوساوس والشكوك يقول القرآن الكريم.
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)
النازعات (40).
وقوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره
فرطا) الكهف (28).
وقوله تعالى: (أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) الفرقان
(43).
وفي الدعوى للتمسك بهدى الله وسنة نبيه يقول القرآن الكريم:
(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من
الله) القصص (50).
وفي النهي عن اتباع الهوى يقول القرآن الكريم:
(ولا تتبع أهواء الذين كذبوا باياتنا)
الأنعام (150).
وقوله أيضا: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا)
المائدة (77).
المساواة أمام القانون في الاسلام
د. محمد فتحي عثمان
تصدّر مواد الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن هيئة الأمم
المتحدة سنة 1948م النص على أن ((جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في
الكرامة والحقوق)) (م1). وقد أكد الإعلان ((المساواة المطلقة من بني
الانسان في التمتع بالحقوق والحريات الواردة في الإعلان دون تمييز بسبب
العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو
الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر)) (م/
2). ثم قرر الإعلان حق كل إنسان أينما وجد ((في أن يعترف بشخصيته
القانونية)) (م/ 6). كما قرر مساواة الجميع أمام القانون وحقهم في
التمتع بحمايته على وجه التكافؤ دون تفرقة وكذلك حقهم في الحماية من أي
تمييز يخل بالإعلان العالمي لحقوق الانسان ومن أي تحريض على هذا
التمييز.
وقد قرّر الاسلام الشخصية القانونية للرجل والمرأة على السواء (للرجال
نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان
والأقربون مما قلّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً) النساء/ 7، (ولا تتمنوا
ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب
مما اكتسبن) النساء/ 32، (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن
أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف.. والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن
بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له
بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور
فلا جناح عليهما) البقرة/ 232 ـ 233، (يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكم
أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن
يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا
شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج
وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً
مبيناً) النساء/ 19 ـ 20.
وقد فصّل الفقهاء أحكام الأهلية المدنية والمسؤولية الجنائية، ولم
يهملوا أهلية الصبي المميز وغير المميز بل وحتى حكم ما يكون للجنين.
وقد تضمنت رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء تعديل
جميع المسلمين بقاعدة أصيلة حيث قررت ((المسلمون عدول بعضهم على بعض
إلا مجلوداً في حد أو مجرّباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو
نسب)) ولقد ورد في القرآن الكريم (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك
هم الفاسقون) النور/ 4.
ويقرر الإمام ابن حزم بأن ((شهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره ويلي
القضاء، وهو كغيره من المسلمين ولا يخلو من أن يكون عدلاً فيقبل فيكون
كسائر العدول أو غير عدل فلا يقبل في شيء أصلاً. ولا نصّ في التفريق
بينه وبين غيره ـ وهو قول أبي حنيفة والشافعي ـ أحمد وإسحاق وأبي
سليمان وهو قول الحسن والشعبي وعطاء بن أبي رباح والزهري وروي عن ابن
عباس. وروي عن نافع: لا تجوز شهادته. وقال مالك والليث: يقبل في كل شيء
إلا في الزنا، وهذا فرق لا نعرفه عن أحد قبلهما. قال الله: (فإن لم
تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم)، (وإذا كانوا إخواننا في
الدين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا))).
ومبدأ المساواة أمام شريعة الله مقرر في الاسلام بأجلى بيان، أخذاً من
المساواة العامة للمسلمين، ومن نصوص أخص. من ذلك حديث رسول الله (ص):
((والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها. إنما أهلك مَن كان
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع
أقاموا عليه الحد)) وكان عليه الصلاة والسلام قد استشفع لديه في عدم
توقيع الحد فاستنكر ذلك وصاح بمحدثه: ((يا أسامة، تشفع في حدّ من حدود
الله؟)).
ومن أحكام القرآن العامة: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط
شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو
فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو
تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً) النساء/ 135، (يا أيها الذين
آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا
تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة/ 8.
ويتمتع أهل الذمة من رعية دولة الاسلام بالمساواة أمام القانون
والقضاء، فقد صرّح الفقهاء بأن الذمي هو ((من أهل دار الاسلام))، ودار
الاسلام هي التي تكون تحت سلطة حاكم الاسلام وشريعة الاسلام ولو كان
أهلها أو غالبهم غير مسلمين إذ ((يكفي كونها في يد الإمام وإسلامه)).
ويجري على أهل الذمة أحكام الاسلام، ويتمتعون بحقوقهم كما يلتزمون
واجباتهم وهم في حماية دولة الاسلام. روى نافع عن ابن عمر قال: كان آخر
ما تكلم به النبي (ص): ((احفظوني في ذمتي)). كما روى عنه ((مَن آذى
ذمياً أو معاهداً فأنا خصمه يوم القيامة)).
وقد ذكر الفقهاء أن أهل الذمة ((إذا تشاجروا في دينهم واختلفوا في
معتقدهم لم يُعارَضوا فيه ولم يُكفوا عنه، وإذا تنازعوا في حق وترافعوا
فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه، فإن ترافعوا فيه إلى حاكمنا حكم بينهم
بما يوجبه دين الاسلام وتقام عليهم الحدود إذا أتوها. ومن نقض منهم
عهده أبلغ مأمنه ثم كان حربياً. ولأهل العهد إذا دخلوا دار الاسلام
الأمان على نفوسهم وأموالهم)). |