|
قراءة نقدية لقصة زيد مطيع دماج “المدفع الأصفر”
د. عبدالرضا علي
قصة زيد مطيع دماج “المدفع الأصفر” واحدةٌ من القصص المهمة في فنه
السردي، فهي تشكل منجزاً جمالياً ثرياً في ملمحها الرمزي العميق،
وانعطافة دالة على تطور تقنيته السردية، وأهمية اختيار المناسب منها في
تنمية الأحداث، وصولاً إلى النهاية المفتوحة. يتسلم القارئ هذه القصة
عن طريق الراوية، وهذا الراوية ليس شخصاً من شخصيات القصة، وليس لما
يرويه علاقة مباشرة، من قريب أو بعيد، بشخصية كاتبها، ولا بأحداث مرت
به؛ لأنها ليست لوناً من ألوان السيرة الذاتية، ولا شهادة منه على
أحداثها؛ لذلك تسمى هذه التقنية بـ”تقنية الراوي العليم”.
والراوي العليم وصَّاف خارجي، يطرح ثقله على الأحداث بوصفه مراقباً
خارجياً قادراً على الإجابة على كل ما يدور في القصة، فهو يرى ما لا
يراه القارئ، ويسمع ما لا يسمعه، ويعرف النهاية وحده، وتتجلى فيه
الموضوعية في تقديم الأحداث، وتصوير ما يراه خليقاً بالذكر أولاً،
وتأخير ما حقه التقديم ثانياً. وهذه الطريقة في السرد هي التي يطلق
عليها عادة بـ"السرد الموضوعي"، وهي طريقة زيد في معظم ما كتب.
في هذه القصة شخصياتٌ فرديةٌ وجماعيةٌ. ومع أن الإجماع يكاد ينعقد على
أن الشخصية تشكل نقطة الارتكاز في أي عمل ناجح، إلا أن القاص لم يركز
فيها إلا على المرأة العجوز المعمرة، والشابين الجريئين، والطبشي. أما
سكان القرية فإن ذكرهم يمر من خلال الأحداث مروراً عادياً، كذكر جنود
الحامية المرتحلين.
إن شخصية الطبشي (الجندي) هي الشخصيةُ المحوريةُ التي قدمتها القصة،
وأدارت الأحداث المحورية حولها، لذلك كان لزاماً على القاص أن يرسم
للمتلقي أبعادها المختلفة: الإنسانية، الفكرية، والنفسية، وما يرتبط
بتلك الأبعاد من مزاجية، وانفعال وجداني، فضلاً عن تقديم شيء من
تاريخها المرتبط بالمكان (القلعة) عملاً وحياة، كي تبقى تلك الأبعاد
شاخصة لدى المتلقي وهو يتابع حركتها في أحداث القصة دون أن تغيب عنه
لحظة واحدة، فكانت ريشته قد رسمت تلك الأبعاد قائلة:
ما زال يرتدي حلته العسكرية الرثة.. وعلى رأسه طربوشه الأحمر بزره
الأسود المتدلي خلف رأسه، أو أعلى يمينه، بحسب وضع الطربوش. ورغم أن
الشمس قد أكلت من الطربوش لونه فأصبح باهتاً، إلا أنه ما زال مهيباً،
متوسط القامة، قوي البنية، ارتسمت تجاعيد قليلة على وجهه الأحمر الذي
جعلته حرارة الشمس وقسوة البرد يميلُ إلى السمرةِ.
ذو شارب عسلي اللون، كث في وسطه، ومبروم من أطرافه إلى أعلى، يعطيه
مهابة زائدة! وبحاجبين كثين... وعينين تبرقان كعيني صقر... لونهما أزرق
مشوب بخضرة داكنة.
ويمكن تلخيص "المدفع الأصفر" في أن طبشياً (جندياً) يؤدي خدمته مع
زملاء له من جنود و"طبشية" وضباط في واحد من الحصون المنيعة في أعلى
قمة جبلية، يجد نفسه فجأة وحيداً في ذلك الحصن ذي المنشآت الكثيرة،
الذي يرتفعُ فوق السحب، والضباب، والجبال المحيطة، فيحار في إيجاد
تفسير لوحدته، وتسبيب لمغادرة الآخرين للحصن دونه.
قال لنفسه: لا يمكن لأية قوة أن تقتحم الحصن، أو تستطيع كسر أبوابه
المصنوعة من الخشب والنحاس والحديد. ومع وجود عدد من أبراج الحراسة عند
كل بوابة لا يمكن أن يحدث ذلك مطلقاً. حدث نفسه بذلك وقال بصوتٍ مرتفع:
ليس هنالك أي أثر لمعركةٍ حدثت، وإن حدثت لا بد أن يُسمع دويها.
ومن مناجاته لنفسه نفهم أن لهذا الجندي مخبأ سرياً في كهف صغير يقع خلف
الحصن، وأن هذا المخبأ ظل مجهولاً لم يكتشفه أحد سواه، لوعورة الممر
المؤدي إليه، فهو لا يخلو من خطورة، وكثيراً ما كان يتسلل إليه هارباً
من مناكدة بعضهم له وسماجة مزاحهم معه، ولا يعود إليهم وإلى الحصن إلا
بعد أن يزول غضبه، وتنطفئ جذوة زعله المتقد.
منادماتهم الساذجة المبتذلة.. كانت تدفعه للهروب منهم أياماً بلياليها
إلى مخبئه السري المجهول في كهفٍ صغيرٍ خلف الحصن من الجانب الآخر،
الذي لم يكتشفه أحدٌ سواه، لوعورة الطريق المؤدية إليه، والتي كانت لا
تسمح إلا بصعوبة لوضع القدم، وعلى الشخص الذي يجتازها ألا ينظر إلى
الهاوية السحيقة، والسير ببطء متجهاً بوجهه ويديه نحو الصخر.
وحين عاد في المرة الأخيرة من الحصن وجد أن الحامية قد غادرته وحملت
معها ما خف حمله وغلى ثمنه، فهالهُ الأمر، ولم يجد بداً من البقاء فيه،
فقد ارتبط بهذا الحصن أمداً طويلاً، واقتصرت حياته على حياته، وكوَّنَ
عالمه المحدود على وفق عالم الحصن، ولم يكن يطمح إلى أكثر من أن يحيا
حياته تلك مع أصدقائه وزملاء مهنته التي حددها وأحبها، فحددت هي بدورها
أفكاره وعوالمه البسيطة.
لقد حاول هذا الجندي أن يعيش وحيداً منعزلاً عن العالم في ذلك الحصن
العالي، فتوسل بمدفعه، فاستجابت القرية لأصوات قذائفه، وقدمت له الطعام
والحطب، فانتشى راضياً مدة من الزمن، فالطعام كثير وأصنافه عديدة ولا
أحد يشاركه فيه، وحزم الحطب زادت عن حاجته لها، وأهل المدينة على أهبة
الاستعداد لتقديم المزيد منها... لكن أمر الرضا لم يدم طويلاً، إذ
سرعان ما عاد إليه قلقه، فحاول مداراته بالهروب إلى مخبئه السري كما
كان يفعل سابقاً، غير أنه حين حل فيه "لم يشعر بالارتياح كعادته في
السابق، بل شعر بالضيق والملل، وأسرع عائداً عبر طريقه الوعر.
لكنه حين دخل الحصن دخله مبتئساً حزيناً، ولم يكن منشرحاً، فقد ذكره
شريط ذكرياته بأيامه التي قضاها مع زملائه، وبإخلاصهم في عملهم حد
التفاني، فترقرقت في مقلتيه دموع كثيرة، فأجهش باكياً، وتمنى أن يكون
زملاؤه الجنود معه، على الرغم من مساوئهم الحقيرة.
لقد أحس أن الوحدة أو العزلة حولت الحصن إلى سجنٍ واسع، "لكنه ضيق
(مطبق) سجن انفرادي"، فقرر إذَّاك أن يضع حداً لقلقه المشوب بالحزن،
فأسرع إلى مدفعه و"لقَّمةُ قذيفة وأتبعها بأخرى، وبثالثة، ورابعة..."،
ثم غطى ماسورة مدفعه العملاق بطربوشه الرث، واختفى دون رسم أو أثر،
فظلت السلة في مكانها دون أن تتدلى.
عالجت "المدفع الأصفر" أموراً عديدة، وأوحت بأخرى في البعدين:
الموضوعي، والفني. ففي الموضوعي ناصبت القصة العزلة العداوة، وأقامتها
عليها، وبينت أن الابتعاد عن الجماعة، واتخاذ العزلة منهجاً للعيش دون
الاقتراب من الآخرين، والانزواء عنهم، سواء أكان في حصن منيع، أم في
كهف سري، أسلوبٌ مرفوضٌ حيوياً، ومحكوم عليه بالجنون، فكان لا بد لبطل
القصة (الطبشي) من رفضه، فأوحت قذائفه الأخيرة بهذا الرفض، فهي لم
تُطلق في الهواء جزافاً، إنما كانت تُطلق على العزلة المقيتة، وتهزمها
إنسانياً بالإيحاء لا المباشرة. ومثل هذا الموقف وإن بدا فردياً في
العمل الفني، لصيقاً بذات البطل وشخصيته، إلا أنه تعبيرٌ عن موقف جماعي
للناس قاطبة، فـ"الفردي وحده –كما يرى النقد الحديث- يثير اهتمام الفن
عندما يكون فيه شيء يعبر عن العام فيعكسه"(1)، وتلك قدرة القاص المبدع.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التحدث عن الحرب، أو عن أهل الحصن، أو أهل
المدينة، أو غير ذلك، لم يكن من هموم القاص، لكونها أموراً لا يحتاج
إليها في حبكته، ولا علاقة لها بما تهدف إليه القصة، لذا لم يمعن القاص
بأية أحداث جانبية تضر بالسرد، وتفكك بناء الحبكة.
أما في البعد الفني فقد أوحت بالرمز -تلميحاً- لتستثير به أخيلة
المتلقي الجاد الذي يحسنُ التأويل، ويكشف عن دلالات النص الخفية.
فالرمز يدل على معانٍ مختبئة في نفس المبدع، لا يريدُ التصريح بها،
وإنما يقوده إليها لا وعيه، وأحلامه الباطنيةُ، وتكون مهمة النقد
أساساً في تحليل تلك الرموز، وتفسير اتجاهات اللاشعور، على وفق ما
يعتقده الناقد صواباً في كشفه للألفاظ الموحية، وعلاقة تلك الألفاظ
بعوالم الأعماق الغامضة.
تلك هي الرموز التي تجيء غفلاً من مبدعها. أما الرموز التي يسعى إليها
المبدع سعياً، فإنها -وإن اختلفت عوامل استخدامها- تبقى رموزاً
مصنوعة، لا دور لعالم الأعماق في تفجيرها وإطلاقها. فتستحيل إذَّاك
أساليب تعبيرية يجنح إليها المبدع على وفق ما يمليه عليه خياله فنياً،
وهو الأكثر استخداماً، أو يدعوه إليه الموقف فكرياً، وهو الأقل
استخداماً(2). وواضح أن رموز زيد هي من النوع الأول، التي يكون للخيال
فيها السطوة الأخيرة.
إن النفس تبيح للذات أن تعبر عن دواخلها بالأساليب الغامضة أو الرمزية،
لذلك ترى نازك الملائكة ألاَّ مفر من مواجهة تلك الأساليب إذا أردنا
فناً يصف النفس، ويلمس حياتها لمساً دقيقاً.
وعلى وفق ما مر فإن القارئ الجاد يمكن أن يجد في هذه القصة رموزاً خاصة
أوحى بها العمل عن وعي حرفي، كأن تكون العجوز المعمرة رمزاً غير مباشر
للأمة التعبى التي تستطيع -رغم ما أصابها من إنهاك- أن تجد حلولاً
لمشاكل أبنائها، لهذا كان الناس وجلين منها في آخر القصة، كما جاء على
لسان شابين ممن امتثلوا لأمرها: "كيف نقابل العجوز..؟ ماذا نقول لها؟
أنقول لها إننا جبناء!؟.
كما يمكن أن تكون "الأضرحة السبعة" رمزاً للماضي المجيد، المضمخ بعبق
الإخلاص، والتضحية، والشهادة من أجل الآخرين؛ لأن قداسة الرقم توحي
بالكثير، فالسماوات سبع، والله جلَّت قدرته قد استوى على العرش في
اليوم السابع، وبنات نعش سبع، والسنوات العجاف سبعٌ... إلخ، لهذا ليس
جزافاً أن يرد هذا الرقم عند زيد رمزاً للقيم المقدسة، فقد استخدمه
الكثير من المبدعين في آثارهم، الرسمية والشعبية، وما زال صوت المرأة
في ريف اليمن يردد منتظراً عودة المهاجر:
سبعة نجوم عديتهم بالفرد
هاتوا لي المحبوب قد هزني البرد
وما زلنا نتذكر هذا الرقم في قصيدة محمد حسين هيثم الدرامية "بنو عمي"،
فقد كان عدد أبناء العم سبعة، وإن أضحوا غباراً.
ولما كان الرمز في هذه القصة تلميحاً إلى الأشياء في حَدِّه الأقصى،
فإن بإمكان القارئ أن يجعل حبل السلة المتين رمزاً موحياً بحبل الحياة،
الذي يسبب انقطاعه موتها المؤكد.
لقد ترك القاص نهاية القصة مفتوحة، حين أخفى بطلها عن مسرح الحياة، فلم
يقل لنا إن كان قد عاد إلى كهفه، أم هرب إلى مكان معين، أم ألقى بنفسه
من أعلى قمة الحصن، أم غير ذلك؛ لأنه أراد من كل واحد من قراء قصته تلك
أن يعيش تصوره الخاص في عملية الاختفاء، كي تبقى "المدفع الأصفر" قصتهم
جميعاً، حين يطلقون قذيفة الخلاص على العزلة المقيتة ليعيشوا ملتصقين
بالجماعة حياة لا انفصام عنها.
وبعد، فقد قلتها سابقاً، وأكررها اليوم: إن كتابات زيد مطيع دماج
القصصية تتصف بقدرتها على النفاذ إلى داخل نفس المتلقي دون استئذان،
لكونها تمتلك لغةً جميلةً، وحبكة مؤثرة، يستقبلها القارئ بترحاب مشوب
بإعجاب ومحبة. فهو يكتب بلغة صافية، بعيدة عن كل توعر أو ضبابية أو
ارتباكٍ، مما يتيح لمتلقيه متعة الانسجام مع أحداث قصصه، وحركة
شخصياتها، وعوالمها، الظاهرة والخفية، فضلاً عن أنه يعي دور السرد،
وأهميته في تنمية الأحداث، لذلك لا ينبو السرد في آثاره عما جيء به من
أجله، فلا يطنب فيترهل الوصف، ولا يوجز تقصيراً فيربكُ النص.
شعراء السبعينيات وفوضاهم الشعرية الخلاقة
حاتم الصكگر
يتناول الناقد والأكاديمي الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه الجديد
ظاهرة شعر السبعينيات كما استقر في المصطلح النقدي المتداول وهو جيل
يقول عنه إن شعراءه (يهاجروا من التفعيلة إلى قصيدة النثر مشكلين في
مصر خاصة حلفين هما إضاءة 77 التي ضمت حلمي سالم وحسن طلب ورفعت سلام
وجمال القصاص وحلف أصوات الذي ضم أحمد طه وعبد المنعم رمضان ومحمد
سليمان ومحمد عيد إبراهيم وعبد المقصود عبد الكريم بينما خرج من
التكتلات الفنية تلك جمع ترد فيه تجارب رفعت سلام وعلاء عبد الهادي
ومحمد آدم وأحمد الشهاوي وسواهم ممن أضافوا لتجربة قصيدة النثر
السبعينية وحظوا بالدراسة والاستقصاء النقدي في الكتاب الذي تعرض لبعض
التجارب العربية في قصيدة النثر كدراسته عن ديوان لميسون صقر وقاسم
حداد والشاعر اليمني الراحل محمد حسين هيثم لكن ما تصدر الكتاب من
دراسة نظرية لقصيدة النثر يأخذ أهمية اكبر لما يشخص في هذه القصيدة
نظريا وفي نماذجها النصية من مزايا وعيوب وما يمكن ان يكون دفاعا عن
فوضاها الظاهرة كرد فعل يرصد عبد المطلب حلقاته المتتابعة في الشعرية
العربية التي كونتها سلسلة من ردود الأفعال البناءة والمنتجة والتي
خلقت هذا التميوز الداعي للتفاؤل والذي تمثل في خصوبة وغنى تجارب هذا
الجيل الذي أثار عربيا كما في مصر الكثير من الجدل والدراسات والتحليل
كونه يعتمد في شعريته على ما دعاه الكاتب (الغنوض الخلاق والعتمة
المضيئة) مشيرا إلى ما في نصوص السبعينيات الشعرية من تعامل جديد مع
اللغة لا بكونها عنصرا مشتركا فقط مع المتلقي بل بكونها جسدهم الذي لا
يشاركهم فيه احد بعباراته.
ومن خصائص السبعينيات نفور شعرائها من النخبوية غم ميله إلى بلاغة
مفارقة ودلالة عصية فكان هجرهم للعروض وتمردهم على الموسيقى التقليدية
من أبرز ملامح حداثتهم.
لقد كان الكاتب موفقا في ملاحقة تلك الملامح التي تظهر دون شك بأشكال
متفاوتة يجمعها نوع شعري مشاغب بهو قصيدة النثر التي يرى عبد المطلب
أنها ٍرغم اعتمادها الظاهري على الفوضى الموسيقية نجحت في خلق إيقاع
بديل فانتهت فوضاهم التدميرية إلى الفوضى الخلاقة التي اقترنت بعنوان
الدراسة ( شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة) وتأكدت في عنوان الدراسة
التي ختم بها الكاتب كتابه وخص بها الشاعر الراحل محمد حسين هيثم عبر
دواوينه حتى قصيدته على بعد ذئب التي صارت عنوانا لاخر دواوينه الذي
صدر بعد رحيله ملتفتا إلى سمة الحوار مع المتلقي في شعره وتداخل الغموض
الخلاق والفوضى الخلاقة بمفهوم الكاتب الذي تابع شعرية هيثم في مراحله
الوزنية والنثرية متوقفا عند حداثته التي راهن على أنها قد وضعت في قمة
أعلام اشعر الحداثة في اليمن بل الحداثة العربية.
قصة قصيرة
مليون عصفور يسكنني
نضال ريان
تجنح بي عصافيري الملونة بألوان قوس قزح، عالياً في عنان السماء. يتربص
بها واقعي، الذي يُنصّب نفسه -عنوة- حكماً بيننا ولا يرضيه انطلاقها أو
حتى مجرد امتلاكها لأجنحة تمكنها من الخلاص من قبضته الخانقة، هادفاً
إلى اقتناصها عصفوراً تلو عصفور. أحاول قدر طاقتي التفاهم مع عصافيري
على أن يتم تحليقها بهدوء بعيداً عن إثارة أي ضوضاء قد تستفز عفونة
واقعي، التي يتقوقع حولها في أعماق سقر ومنذ غابر العصور، إلى درجة ألف
عندها التنفس في اللاهواء، وألف في الوقت نفسه التمويه عن عفونته،
بالتربص بأسراب عصافيري النافرة، النازعة دوماً صوب المساحات الخضراء
وحدائق الجمال الوردية المشرعة على رحاب الحب والعدل والسلام، في
محاولة منه الانتصار لألسنة لهبه المستعرة، ولهف فرص الحياة المتجددة
أمام عصافيري، والممتدة بامتداد صفحة السماء وآفاقها اللامتناهية. أنجح
أحياناً في تدجين عصافيري العنيدة الصعبة المراس، حتى لا تلهمها ألسنة
ذلك الجحيم الدائم الاستعار، كما تلتهم النار الفراشة الراقصة حولها،
وأعدها أن أحقق أحلامها المشروعة في الانطلاق بفضائها الواسع الرحيب،
عبر مراحل لا دفعة واحدة. غير أن مجهودي العظيم، الذي لا يعلم قدر
عظمته غير عصافيري وأنا، يواجه بأفواه بنادق واقعي الصدئة المصوبة
صوبها، تصب عليها وابل نيرانها العمياء، غير مفرقة بين صغارها وكبارها،
ولا معترفة بعامل الزمن والعمر الافتراضي الذي يُفترض أن تُمنح عصافيري
كامل إرادتها وحريتها فيه. ولكم هو مؤلم أن أجدها تتساقط تباعاً ليستمر
سقوطي مع كل واحد منها، مضرجة بدموعها ودمي! فأنا لا أحتمل أبداً أن
أرى عصفوراً من ملايين عصافيري الجميلة يهوي ويسقط، لا ليموت ويستريح
وأستريح معه وله، بل ليسجن مكسور الجناح والساق في قفص من جحيم إلى
الأبد، يظل يستمد دواء جروحه من نخاعي ودمي، عبر تغاريده الحزينة التي
يرسلها من خلف القضبان اللاهبة، متوسلة للنجدة والغوث. فعصافيري لم
تخلق لتموت، لأنها الحياة عينها. وهنا تكمن مشكلتي معها ومع واقعي
المتحجر العقلية، الذي يقع دائماً -رغم التنازلات الكثيرة- في مواجهة
عنيفة معها، إلى درجة أفقد عندها توازني وقدرتي على التوفيق بين
النقيضين ؛ بسبب استمرار تجاهله لحشرجات عصافيري المخنوقة وتوسلاتها
المستجدية لحقها المشروع في الوجود والحياة والتنفس بسلام.
يتساءل كثيرون عن سبب ظهور ملامح النحول المرسومة على جسدي، التي
تظهرني كما لو كنت طفلة صغيرة. بدوري أستغرب سؤالهم كثيراً، خاصة أولئك
الذين يدّعون معرفتهم بي، لأنهم لو كانوا يعرفونني حقاً، لما استغربوا
هزال جسدي. لا أجيبهم، وأتجاهل سؤالهم غير المشروع أصلاً، لكنني في
الوقت نفسه أسأل نفسي: هل هم بلا أرواح حالمة، حتى يسقطون عليّ ذلك
ويرونني محض جسد؟! أم أن الأنانية والأثرة استحكمت بنفوسهم الجدباء
والمعدمة إلى درجة ينكرون عندها حقي في الانتماء إلى عالم الإنسان
وتمتعي بكامل صحتي وعافيتي، وحق عصافيري في الحياة الحرة الكريمة
والتغريد في الفضاء الرحب الملوّن والجميل.
حقيقة لا أعلم حتى الآن إجابة لتساؤلي السابق، وإن كانت بوادر الإجابة
عن تساؤلهم تلمع في مخيلتي؛ فمن أين لجسد سلبت منه حواسه ومنعت حقها
الطبيعي في الأخذ والعطاء، وحيل بينه وبين عقله بسياج مكهرب منيع، أن
ينمو ويزدهر؟! فمنذ أن وعيت وأنا أجدني مسلوبة الحواس والعقل، شُيدت
على مساحتهما حواس أخرى عاطلة وأفكار عقيمة لا تنتمي لأيّ من دمي أو دم
عصافيري. وكلما سلبت مني حواسي وعقلي هزل جسدي، حتى وقف نموه تماماً،
ليصبح مثل: "حنظلة" ناجي العلي، مضرباً عن النمو والازدهار حتى يستعيد
حريته واستقلاله. وإن كانت عصافيري -في المقابل- تزداد نمواً وتنوعاً
-رغم توقف نمو جسدي- حتى أوشكت على أن تجنح بي وأجنح معها في رحلة
مؤبدة خالدة، نرفل معاً في عالمنا الحر الطليق، الذي سنمتلك فيه حريتنا
في التنفس والاختيار، بعد أن تحررنا من متاهة: واقعي، جسدي، حواسي،
عصافيري... تلك المعادلة الصعبة غير القابلة للحل في المستقبل المنظور
والبعيد على حد سواء.
على طريق المدينة
علياء المالكي
الكل أضاع الطريق إلى مدينتنا
الشوارع معبدة ٌ بالليل
العشاق رحلوا
لم يبق مكان ٌ
كي تكتبَ الذكرى
لتكسر الأحلام
صوتُ انفجار
للضوء المنبعث من حرائقنا
همس ُ اشتعالات البقاء
وجوهٌ أخرى للخوف المعتق في بوصلتي
**
مدينتي
رغم شحوب فجرك المرهق بالحزن
رغم نحول يديك الملوحتين بالحب
ستنامين معي
هذه الليلة لن يرحلَ احد ٌعن عالمنا
مدينتي
استرخي على سمائي السابعة
سأكون جوارَ جداولك البيض
أنهلُ من حلم لا ينتهي
ترتفع الدنيا
تنبثق السلالم المؤدية ُ إلى طريق العاصفة
تأخذنا .. إلى هناك
عند القمر المطري
قبل أن تقطف زهور ذاكرتي
قبل أن اجمع مدني
في حقيبة راحلة
**
أغنيات ٌ تنتظرُ
على شرفة الماضي
رقصة َ العيد
إيقاع ٌ يتمشى
في قلب شوارعنا .. همسا ً
يخافُ الاغتيال
سؤال
وسؤال..
في آخر المذنب الملتهب ِ
آلافُ الأسئلة
في كتب الوراقين
في نزهة الحبر المترسبْ
في شيخوخة الزمن الآتي |