|
فدك في التاريخ
الحلقة الخامسة والعشرين
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
(موقف الخليفة من مسألة الميراث)
1- يجب الان توضيح موقف الخليفة تجاه الزهراء في مسألة الميراث وتحديد
رأيه فيها - بعد أن أوضحنا حظ الصيغ السابقة من وضوح المعنى وخفائه -
وهو موقف لا يخلو من تعقيد إذا تعمقنا شيئا ما في درس المستندات
التاريخية للقضية . ومع أن المستندات كثيرة فإنها مسألة محيرة أن نعرف
ماذا عسى أن تكون النقطة التي اختلف فيها التنازعان ، ومن الصعوبة
توحيد هذه النقطة . والناس يرون أن مثار الخلاف بين أبي بكر والزهراء
هو مسألة توريث الأنبياء ، فكانت الصديقة تدعي توريثهم ، والخليفة ينكر
ذلك .
وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل السمألة حلا نهائيا ولا يفسر عدة
امور:
(الأول ) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها - وقد طالبته بفدك - :
إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من
أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله ، فلما توفي
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان يليه . فإن هذا
الكلام يدل بوضوح على أنه كان يناقش في أمر آخر غير توريث الأنبياء .
(الثاني ) قوله لفاطمة في محاورة اخرى : ( أبوك والله خير مني وأنت
والله خير من بناتي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا
نورث ما تركناه صدقة يعني هذه الأموال القائمة ، وهذه الجملة التفسيرية
التي ألحقها الخليفة بالحديث تحتاج إلى عناية ، فإنها تفيدنا أن
الخليفة كان يرى أن الحكم الذي تدل عليه عبارة الحديث مختص بالنبي صلى
الله عليه وآله وسلم وليس ثابتا لتركة سائر الأنبياء ولا لتركةسا ئر
المسلمين جميعا ، فحدد التركة التي لا تورث بالأموال القائمة ، وذكر أن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعنيها هي بالحديث . وعلى هذا
التحديد نفهم أن المفهوم للخليفة من الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات ،
لأن هذ ا الحكم عام ، ولا اختصاص له بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فلا يجوز أن يحدد موضوعه بالأموال القائمة بل كان اللازم حينئذ أن يأتي
الخليفة بجملة تطبيقية بأن يقول : إن الأموال القائمة مما ينطبق عليها
الحديث .
كما يتضح لدينا أن الخليفة لم يكن يفسر الحديث بأن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم لا تورث تركته وأملاكه التي يخلفها ، بل تصبح صدقة بعد موته
، لأنه لو كان يذهب هذا المذهب في فهم الحديث لجاء التفسير في كلامه
على اسلوب آخر ، لأن المقصود من موضوع الحديث حينئذ تركة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم على الأطلاق ولا يعني الأموال القائمة التي كانت
تطالب بها الزهراء خاصة .
وأعني بذلك أن هذه الأموال الخاصة لو كانت قد خرجت عن ملك النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قبل وفاته ، لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتا لها
كما أن غيرها من الأحوال لو حصل (للنبي ) لما ورثها آله أيضا .
فعدم توريث التركة النبوية إن ثبت فهو امتياز لكل ما يخلفه النبي صلى
الله عليه وآله وسلم من أملال سواء أكانت هذه التي خلفها أو غيرها .
ولا يصح أن يقال : إنه عنى بالتركة الأموال القائمة التي كانت تطالب
بها الزهراء .
ونظير ذلك قولك لصاحبك : أكرم كل من يزورك الليلة ، ثم يزوره شخصان
فإنك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصة ، وإنما انطبق عليهما الأمر دون
غير هما على سبيل الصدفة.
وعلى اسلوب أوضح ، إن تفسير التركة التي لا تورث بأموال معينة - وهي
الأموال القائمة - يقضي بأن الحكم المدلول عليه بالحديث مختص - عند
المفسر - بهذه الأموال المحدودة . ولا ريب أن تركة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم لو كانت لا تورث لما اختص الحكم بالأموال المعينة المتروكة
بالفعل ، بل لثبت لكل يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يكن
من تلك الأموال .
وأيضا فمن حق البحث أن أتساءل عن فائدة الجملة التفسيرية ، والغرض
المقصود من ورا ئها فيما إذا كان الحكم المفهوم للخليفة من الحديث أن
أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث ، فهل كان صدق التركة على
الأموال القائمة مشكوكا فأراد أن يرفع الشك لينطبق عليها الحديث ،
ويثبت لها الحكم بعدم التور يث ؟ وإذا صح هذا التقدير فالشك المذكور في
صالح الخليفة لأن المال إذا لم يتضح أنه من تركة الميت لا ينتقل إلى ا
لورثة ، فلا يجوز أن يكون الخليفة قد حاول رفع هذا الشك ، ولا يمكن أن
يكون قد قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشة في انطباق الحديث
على ما تطالب به من أموال ، لأنها ما دامت قد طالبت بالأموال القائمة
على وجه الأرث فهي تعترف بأنها من تركة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم .
ولنفترض أن الأموال القائمة قسم من التركة النبوية وليس المقصود منها
مخلفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا - ولعلها عبارة عن
الأموال والعقارا ت الثابتة نحو فدك - فهل يجوز لنا تقدير أن غرض
الخليفة من الجملة تخصيص الأموال التي لا تورث بها ؟ لا أظن ذلك ، لأن
أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تختلف في التوريث وعدمه .
ونخرج من هذه التأملات بنتيجة وهي أن ا لمفهوم من الحديث للخليفة أن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن عدم تملكه للأموال القائمة
، وأشار إليها بوصف التركة فقال : ( ما تركناه صدقة ) ، فشأنه شأن من
يجمع ورثته ثم يقول لهم : إن كل تركتي صدقة ، يحاول بذلك أن يخبرهم
بأنها ليست ملكا له ليرثوها بعده لأن ذلك هو المعنى الذي يمكن أن يختص
بالأموال القائمة ويحدد موضوعه بها .
(الثالث ) جواب الخليفة لرسول أرسلته فاطمة ليطالب بما كان لرسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، إذ قال
له : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا نورث ما تركناه
صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإني والله لا أغير شيئا من
صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإننا إذا افترضنا أن معنى
الحديث في رأي الخليفة عدم توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لأملاكه ، كان كلامه متناقضا ، لأن استدلاله بالحديث في صدر كلامه يدل
حينئذ على أنه يعترف بأن ما تطالب به الزهراء هو من تركة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم وأملاكه التي مات عنها - ليصح انطباق الحديث عليه
- والجملة الأخيرة من كلامه وهي قوله : ( وإني والله لا اغير شيئا من
صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ، تعاكس هذا المعنى ، لأن ما
طلبت الزهراء تغييره عن أيام النبي صلى الله عليه وآ له وسلم - بزعم
الخليفة - هو فدك وعقاراته في المدينة ، وما بقي من خمس خيبر . فأبوبكر
حين يقول : إني والله لا اغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، يعني بها تلك الأموال التي طالبت بها الزهراء ، ورأى معنى
مطالبتها بها تغييرها عن حالها السابقة ، ومعنى تسميته لها بصدقات رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من رأيه أنها ليست ملكا للنبي صلى
الله عليهوآله وسلم بل صدقاته التي كان يتولاها في حياته . ويوضح لنا
هذا أن استدلاله بالحديث في صدر كلامه لم يكن لأثبات أن أملاك النبي
صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث وإنما أراد بذلك توضيح أن الأموال
القائمة ليست من أملاك النبي ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أنها
صدقة .
2 -ونستطيع أن نتبين من بعض روايات الموضوع أن الخليفة ناقش
في توريث الأنبياء لأملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحية السابقة ، فإن
الرواية ا لتي تحدثنا بخطبة الزهراء واستدلال أبي بكر بما رواه عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث
. . . الخ ) واعتراض الزهراءعيله بالايات العامة المشرعة للميراث
والايات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء تكشف عن جانب جديد من
المنازعة إذ ينكر أبو بكر توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمواله
، ويستند إلى الحديث في ذلك ، ويلح في الأنكار كما تلح فاطمة في
مناقشته والتشبت بوجهة نظرها في المسأ لة.
التفسير.. أشرف العلوم الشرعية
ايمان الخشاب
لا شك أن قيمة أي علم وأهميته تقاس بأهمية المعلوم منه، وحاجة العباد
إلى ذلك العلم وضرورته لهم، ومن هنا جاءت الحاجة الملحة لعلم هام جداً
لدنيانا وآخرتنا وهو “علم التفسير” أي تفسير القرآن الكريم، والذي
يعتبر من أعظم علوم الشريعة لأنه يفسر كلام الله تعالى ويبين لنا كل
فضيلة ويساعدنا على الاعتصام بحبل الله والتمسك بمنهجه والوصول إلى
السعادة الحقيقية.
والمقصود بالتفسير لغوياً، كما يوضح لنا الدكتور أحمد السايح أستاذ
الفقه المقارن بجامعة الأزهر، هو الإيضاح والكشف عن الشيء، ففسر الشيء
إذا بان وظهر، والمقصود به اصطلاحاً: كما قال الزركشي (رحمه الله) في
البرهان: "هو علم يفهم به كتاب الله المنزّل على نبيه محمد (ص) وبيان
معانيه واستخراج أحكامه وحكمه".
فعلم التفسير من العلوم المقصودة لذاتها ولغيرها، وقد أمرنا المولى جل
وعلا بتدبر كتابه، فقال: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى
قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد/ 24، فكلام الله تعالى لا يزال المصدر
الأول لكل علم من علوم الدنيا والآخرة.
ويضيف دكتور السايح: لذلك نجد أن الصحابة (رضوان الله عليهم) حرصوا كل
الحرص على الجمع بين حفظ القرآن وفهمه، روى الإمام أحمد (رضي الله
عنه): "حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
(ص) أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) عَشْرَ
آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا
مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا
الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ".
كما روى مالك ان عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) قال لأحدهم: "إِنَّكَ
فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ..وَسَيَأْتِي
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُه".
ويقول الشيخ فرحات السعيد المنجي من علماء الأزهر: ببساطة شديدة علم
التفسير يعد أحد العلوم الشرعية الأساسية المتعلقة بالقرآن الكريم، فهو
يساعدنا على استنباط الأحكام الشرعية بصورة صحيحة، إضافة إلى تذكير
المخلوق بحق الخالق وتنبيه العابد للاستعداد إلى يوم المعاد.
ويجب أن نعلم ان أول مَن أظهر تفسير القرآن وأوضح للبشرية معانيه رسول
الله (ص)، وكان هو أعلم الناس بمعاني كتاب الله وإدراك أسراره ومعرفة
مقاصده، يقول ابن خلدون في مقدمته: فكان النبي (ص) يبين المجمل ويميز
الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات
ومقتضى الحال منها منقولاً عنه.
وكتب التفسير كثيرة لا حصر لها ومتنوعة وهذا بالتأكيد دليل على اهتمام
وانشغال الأمة الإسلامية بكتاب ربها، أما إذا تحدثنا على أنواع التفسير
سنقول ان هناك التفسير بالمأثور أي تفسير القرآن بالقرآن نفسه أو
بالسنة النبوية أو ما نقله الصحابة ومن ثم التابعين، مثلاً تفسير
الطبري، وتفسير بحر العلوم للسمرقندي، وتفسير ابن كثير.
وهناك النوع الثاني من التفسير وهو التفسير بالرأي أي تفسير القرآن
باجتهاد المفسر معتمداً على أسباب النزول ودلالة كلمات الآيات وغير ذلك
من أدوات التفسير، ونؤكد على أن التفسير بالرأي إن لم يتقيد بشروط
وضوابط التفسير يصبح خطراً كبيراًً ويمكن أن يخرج بكلام الله عن
مقصوده، وللعلم من أشهر كتب التفسير بالرأي "مفاتيح الغيب" للرازي،
و"أنوار التنزيل" للبيضاوي.
و"أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان هي تفسير القرآن الكريم"، حسبما قال
الدكتور طه الدسوقي حبيشي أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، وذلك نقلاً عن
الاصفهاني، مضيفاً: "ذلك لأن شرف الصناعة يكون إما بشرف موضوعها أو
بشرف غرضها أو بشدة الحاجة إليها، والتفسير قد حاز الشرف من الجهات
الثلاث فموضوعه كلام الله تعالى، والغرض منه الوصول إلى السعادة
الحقيقية التي لا تفنى، وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو
دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي
متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى".
ويضيف الدكتور حبيشي: فالتفسير مأخوذ من الفسر الذي هو كشف المغطى،
والهدف منه بيان كلام الله أو أنه المبين لألفاظ القرآن الكريم
ومفهوماتها وقد نقل السيوطي في كتابه الإتقان ان بعض العلماء عرفوه
بأنه: علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها ثم
ترتيب مكيها ومدنيها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها.
وكان التفسير زمان الصحابة والتابعين يروى ويحفظ في الصدور ثم بعد عصر
الصحابة والتابعين تم تدوين الحديث الشريف متضمناً التفسير، و في أواخر
عهد الأمويين بداية عهد العباسيين وضع التفسير لكل آية من القرآن
الكريم على حسب ترتيب المصحف وذلك بواسطة مجموعة من العلماء منهم ابن
ماجه وابن جرير الطبري.
فهو علم موضوعه كلام الله جل وعلا، ومعرفة هداية الله في العقائد
والعبادات والمعاملات والأخلاق وهي الفوائد الجمة التي نجنيها منه، حتى
نفوز بخيري الدنيا والآخرة، وعن فضل هذا العلم حدثنا الطبري قائلاً:
"اعلموا عباد الله أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية وبلغت في معرفته
الغاية ما كان لله في العلم به رضا وللعالم به إلى سبيل الرشد هدى وأن
أجمع ذلك لباغيه كتاب الله الذي لا ريب فيه وتنزيله الذي لا مرية فيه
الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد”.
الرِّسالات..بين الأصالة والتحريف
اعداد: الدعوة
لقد واجهت الرسالات والدعوات الإلهيّة محاولات جاهليّة متعدِّدة لطمس
معالمها، وتشويه مبادئها، وإقامة الحواجز والموانع أمامها؛ لإعاقة
مسيرتها، والحيلولة دون انتشار دعوتها.. وإفراغها من محتواها الإصلاحي،
ليتسنّى لأولئك الجاهليّين الالتفاف على تلك المبادئ، والتآمر على دعوة
الانقاذ والاخلاص. ولعلّ أخطر ما واجهته الرسالات من عمليات الطمس
والمحاربة هو عملية التزييف، والتحريف تنفيذاً لأهواء حفنة من الجاهلين
المتسلطين، والمنتفعين الذين أرادوا أن يخضعوا الدين لأهوائهم،
ويستهلكوا أهدافه في إطار مصالحهم. وقد لعب كثير من علماء اليهود
(الأحبار) وعلماء النصارى (القساوسة والرهبان والآباء) دوراً خطيراً في
تزييف الرسالتين اليهوديّة والمسيحيّة، حتى حوّلوها إلى ديانات شبه
وثنيّة، وطمسوا صفاتها الإلهيّة، فأخضعوا الدين لأهوائهم ومصالحهم،
وأدخلوا عليه رواسب أفكارهم المنحرفة، فغذا الدين صيغة مشوّهة من
الخرافات، والأساطير التي يرفضها العقل السليم، ويسخر منها العلم
الصحيح.
فأساؤوا بهذا التزييف والتحريف إلى دعوة الدين والإيمان.. فلم يعد
الإنسان يواجه في هذه الصورة الدينية التي رسمتها تصوّرات الأحبار
والقساوسة غير الخرافات والأساطير.. وغير الدعوة إلى التحجُّر والركود،
وتركيع الإنسان بين يدي الطغاة والمستبدّين.. فكانت هذه الصورة سبباً
للنفور من الإيمان، ومشجّعاً لإعلان الحرب والمعاداة ضد فكرة الدين.
والإنسان على حق عندما يتخذ هذا الموقف من تلك التصوّرات الزائفة
المحرّفة، وعندما ينفر من هذا الفهم المتحجِّر المشوِّه لرسالة الدين
بعد أن أفرغت من محتواها الإلهي الحق، وبعد أن غدت صيغة مشوّهة لا
تمثِّل فكرة الإيمان، ولا تعبِّر عن دعوة الأنبياء.
وقد تحدّث القرآن الكريم كثيراً عن هذا التحريف والتزييف، وبيّنه في
مواضع كثيرة من آياته المقدّسة، في معرض حديثه عن اليهود والنصارى،
فقال: (لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ
ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا
اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِك بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا للظّالِمِينَ
مِنْ أنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ
ثَلاَ ثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهُ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ
يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة/ 72-73).
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِك قَوْلُهُم بِأفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئونَ
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أنّى
يُؤفَكُونَ) (التوبة/30).
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ
اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدوا
إِلهاً وَاحِداً لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ) (التوبة/31).
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
يَكْسِبُونُ) (البقرة/ 79).
وهكذا يوضِّح لنا القرآن الكريم صورة الانحراف التي أحدثها أحبار
اليهود ورهبان النصارى في العقيدة والتشريع، وفي الفهم الإيماني الذي
دعت إليه التوراة والإنجيل فاشترعوا القوانين والأنظمة، وفلسفوا
الحياة، وعرضوا صورة العقيدة اليهوديّة والمسيحيّة بالطريقة التي تخدم
مصالحهم، وتتناسب ومستوى وعيهم وتصوّرهم الخرافي المتحجِّر، فأحدثوا
منعطفاً خطراً في مسيرة هاتين الرسالتين الإلهيّتين.. ساهم في حرف
وتضليل قطّاع كبير من أجيال البشرية، وأبنائها؛ فاتّخذ هذا التحريف
صيغة المعتقد، واحتلّ موقع الدين في نفوس المنتمين إليه والاتباع دونما
وعي، أو تعامل عقلي ونقدي سليم، بل عدّوا تلك المفاهيم والمعتقدات من
المسلّمات، والمعارف الإلهيّة التي لا تقبل الجدل.
وإن نحن حاولنا دراسة التوراة والأناجيل المتداولة بين أيدي أصحابها،
وقمنا بنقدها ومناقشتها على أساس الفكر الديني الصحيح، لوجدنا صورة
خرافيّة بعيدة كلّ البُعد عن روح التوراة المنزّلة على موسى (ع)،
والإنجيل المنزّل على عيسى (ع)، والشواهد كثيرة على ذلك، والأدلّة
عديدة، نذكر منها:
1- يتداول المسيحيّون الآن أربعة أناجيل، يختلف الواحد منها عن الآخر،
اختلافاً كبيراً، ويتناقض معه تناقضاً واضحاً. ونحن نعلم أنّ الله
سبحانه وتعالى أنزل كتاباً واحداً إلى عيسى (ع)، ولم ينزِّل كتباً
وأناجيل متعدِّدة، فمن أين جاء هذا التعدُّد؟ وكيف نشأ هذا الاختلاف؟!
إنّ التفسير الوحيد الذي لا يقبل الشك لهذه الظاهرة هو التحريف
والتزييف الذي تعرّضت له الكتب الإلهيّة (التوراة) و(الإنجيل) فضاعت
أصالتها، وفقدت سلامة وجودها.
2- من المسلّم به أنّ الأديان كلّها صادرة عن الله تعالى وكلّها تؤمن
بتوحيد الله، وتنزهه عن صفات البشر جميعاً، في حين نشاهد التوراة
المتداولة بين أيدي اليهود الآن تخرج بشكل سافر على عقيدة التوحيد،
وتشوّه هذا المبدأ الأساسي في رسالات الأنبياء جميعاً مدّعية أنّ عزير
ابن الله، كما تدّعي الأناجيل الموضوعة نفس الدعوة، فتعتقد أنّ المسيح
هو ابن الله، وأنّ المسيح يحمل طبيعة إلهيّة، إلى جانب طبيعته البشرية،
وهو متحد مع الله، فهو الإله بصورة بشر.
وقد حملت التوراة والأناجيل تناقضات سافرة في الأقوال حول الله تعالى،
فهي تثبت إنّ الله إله واحد والله لا إله سواه، وإنّ الله لم يره أحد
قط، ولكنّها في موارد أخرى تنسف هذا التوحيد وتأتي بأفكار واضحة الشرك
تؤكد الدسّ والتحريف فتقول إنّ الآلهة متعددة، وإنّ موسى وهارون ومَن
معهما من
شيوخ بني إسرائيل قد رأوا الله في جبل سيناء، ورآه قبل ذلك يعقوب وجهاً
لوجه، وصارعه ليلة كاملة، وظهر لإبراهيم عند بلوطات حمرا وفي أمكنة
أخرى، ورآه قبل جميع هؤلاء آدم في الجنّة وكانت له مع جميعهم شؤون.
وواضح كلّ الوضوح لدى الفهم الديني السليم أنّ هذا التفكير تفكير
محرّف، واعتقاد وثني شاذ، ومنحرف عن مبادئ الدين الذي جاء به موسى
وعيسى (ع).
3- إنّ هذه الكتب الموجودة الآن في أيدي اليهود والمسيحيين تتهم
الأنبياء بالزِّنا، وشرب الخمر، والاحتيال، والتزييف.. فتضع الأنبياء ـ
وهم المقدّسون الذين يمثّلون السموّ الأخلاقي والاستقامة السلوكيّة ـ
في صفوف المنحرفين والمجرمين، وقد حفلت التوراة، والأناجيل المحرّفة
التي تدين محرِّفيها ومزوِّري دعوتها بالعديد من هذه الدعاوي الباطلة،
التي تتهم الأنبياء، والمرسلين المطهرين من الذنوب والآثام بشتى صنوف
الرذيلة، والمفارقات المحرّمة.
فقد ورد في التوراة، في الاصحاح التاسع عشر من سفر التكوين، قصّة لوط
(ع) مع ابنتيه في الجبل، إنّ الكبيرة قالت لأختها: "أبونا قد شاخ، وليس
في الأرض رجل ليدخل علينا، هلمّي نسقي أبانا خمراً، ونضطجع معه، فنحيي
من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، واضطجعت معه
الكبرى. وفي الليلة الثانية سقتاه خمراً أيضاً ودخلت معه الصغيرة
فحملتا منه، وولدت البكر ابناً وسمّته (موأب) وهو أب الموأبيّين، وولدت
الصغيرة ابناً فسمّته (بن عمي) وهو أبو بني عمون".
وفي الإصحاحين الحادي والثاني عشر من صوموئيل الثاني: "إنّ داود النبيّ
زنى بامرأة أوريان المجاهد المؤمن معه، وحينما أراد أن يتخلّص منه
أرسله إلى الحرب، وجعله في المقدّمة، فقتل ثمّ استولى على زوجته”. |