الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (897) الثلاثاء 28 ذي القعدة 1430 هـ/17 تشرين الثاني 2009

الثقافية

سياق الوحدة التركيبية في النص الشعري

دراسة نقدية في شرفة المنزل الفقير لسعدي يوسف

علاء هاشم مناف

في هذه المجموعة الشعرية ينتقل سعدي يوسف الى مسار اكثر موائمة في الكشف عن العلاقة الاسطورية للزمكان بأشتعال دقيق لجدلية الرؤية وبلهب أسطوري ساخن يمزج فيه الفعل الفني ببنائية رؤيوية تتطابق مع فرز المحاكاة العليا ومعالجة تتمثل بالبراءة لعصر من الانبعاث الروحي ، وفي مماثلة بالبراءة لخواص المكان يضع سعدي يوسف منعطفاً سحرياً لبطله الذي ينتمي الى عالم البراءة المخلوق من مظهر دانتي والذي ينتمي في الوقت نفسه الى شرفة القمر وقصة الاحتفاظ بجدار النار الذي حرك هذه الثنائية مقهىً على (شط العرب..قد كنت ذّوبت المرارة في فمي مُتَمطِّقاً بالشاي..

كان النهرُ ابيضَ

ثَمَّ أشرعةٌ ، ولمحُ من نوارسَ لا تُطيقُ البحَر

رامبو قال.

كان النهُر أبيضَ

والنخيلُ هو الذي نلقاهُ في اللوحاتِ حسبُ

أتحسبُ الدنيا مضَّيعة ً ؟

أن مواسم الازمنة التي روتها مفاهيم كانت قد تشكلت في حضور المرتكز التاريخي قنوات تامة ومفتوحة ، حيث الاكتمال في انقسامية بالتقاء الماضي والحاضر والتطابق التجريبي في عقل التاريخ واستخدام العصب الروحي من مرتكزه الوسطي وكان للضعف الحتمي حالته التكوينية التي أججها الشبق النفعي الجنوني والصورة الاسطورية للرمز والحلم وبقي البطل الاسطوري يعرض التشخيص الارسطي داخل متون السرد الشعري ، والفكرة هي التشخيص الدقيق للمحاكاة الثنائية للمكان والفعل التركيبي بأستعارته البصرية وصيرورته الفردية ، بقي الحدث التعبيري في هذه الحكاية لانه وثيق الصلة بالرؤية ، والتعبير النظري كان متصلاً بسعة بصرية أضفاها سعدي يوسف على التواصلية للحدث بمشاركة "الزمكان" المتركز في تفاصيل الحدث.

الليل ببغداد يجيئ سريعاً. أسرع من صاروخ قيامتنا ، أسرع حتى من صاعقة الرؤيا ولعل البطل يعرف الانبثاق داخل هذه الانقسامية للمنظور ، فهو يرجع في نظره للرؤية السائدة بوصفها أكتمالا لما ساد من تواصل تكويني في الماضي وشروعاً لتأريخ يأخذ شكل التاريخ العائق للتجريبية التاريخية ، فالفعلة هي تقطيع الاوصال وتشتيت الافكار في شروع لم ياخذ فيه تاريخ ضل وجهته بقطع الحدث المرجو دفعنا الى حدود المنفى وحمل البطل خطواته القصوى في خطورة المنفى بازمنة اسهم فيها في تبيان موقفه السردي المتعامد والمتعاقب داخل اصوات كانت قد شكلت نمطاً متناوبا لذلك المعنى من الرؤية.

لماذا ترخين ضفائرك الابنوسَ على زندي؟

ولماذا يتمشى زندك هذا العاجُ على شفتي َّ ؟

لماذا ترتعشين ؟

قولي : سنسافر ... قولي ان الناس يعيشون على القارات القمرية كالناس.

قولي :ان لديهم أروقة وحدائق ... وسوف تهدهدني كلماتك حتى الموت.

حين يتعاقب الحس الصوتي سيكولوجياً يبدأ التناوب داخل بصيرة عقلية وبحس بلاغي متفحص من قبل تشكيل المعنى ، ثم يعود بنا الى السياق الذهني في الصياغات الابداعية ، والبطل الاسطوري حدد التركيب الثلاثي للابداع في الجرس والصياغات الفكرية القبلية والجانب التخييلي والتصويري وفق استعمالات تتصل بحركة التاريخ وحركة الاشياء وبانفتاحات منظورة تلتقي بالماضي وتعرج على الحاضر بفاعلية جمعية تنبثق وفق منظورات مختلفة ومنقسمة لانها تكتمل بواقعية ومشروع مستقبلي لحركة التاريخ الاجتماعي ، هنا يلأتي الخيط الرابط في المنحى المتعدد التصورات ، ولد الزمكان في خاصرة الاشكال الفلسفي ومساره كان انماطاً في التعبير وفي الاشياء في مقهى" سيدوري.

في مقهىً سيدوري على البحر

السفائن القت المرساة فجراً ، وهي تنتظر المسار ليلتقي البحارة الحكماء تحت سقيفة المقهى . وسيدوري تهيئ منذ أزمانٍ ، موائدها ، وتمشط شعرها ، وتحاور المرآة..

سيدوري سمة بنائية ونزعة تكوينية سيكولوجية في مشروع العصر الاجرائي ، والشاعر كونه بنسق من النواة الاكثر صرامة ونزوعاً للعلو ، انها مقهى الفعل التعييني ورابطته التي مثلت التقاء الوعي بعلامات التجسيد اللساني الساخن للبحارة ، انها تفسير نهائي لطبيعة اللقاء في ازمان مختلفة وحوارات توليفية في اللفظ وعشق سماوي يعيد مفهوم التقدير والتأمل في امتزاج انعكاسي مكون بالوعي وبأدراك للبنية الاجرائية تنعكس باللفظ لتلقي بأبخرة السفن وبتوافقية تركيبية كانت قد تمثلت بالمفارقة والمحافظة على مستوياتها المنكشفة للخطابات عند البحارة حيث تعمل هذه الخطابات على التجاوز والتفرد بالخصوصية البنائية ، لان هذا التكوين من المكان يتعدى التكريس للبنية في اطار الحدث باتجاه السيطرة للارتقاء بحركة المعنى بطريقة تدلل على الخاصية التعريفية (لمقهى سيدوري ) المتماسك في اشيائه وبنائه اللغوي ومستواه الجمالي الذي يمتلك الوشيجة التحديثية على مستوى الوحدات التكوينية للحدث ، ويأتي التشكيل للماهيات بالوصف لقصب السقيفة الذي كان مظفورا مثلما تظفر لغة الشعر وحتى الامساك بالخاصية الثنائية في خمور الجرار لان سيدوري بقيت تهيئ موائدها وتعدها لتتطابق مع هذا الاكسير من الترميز للعالم الاخر او العالم التأملي الذي لا يكتشف الا بالقدرة والصيرورة الواعية التي كونها هذا التطابق الروحي في هذه الثنائية في الجمال الساكن في ساقية البحارة الحكماء في الازمنة المتناهية في فضائها التجريبي ، وبقيت سيدوري هي (الزمكان) والغموض والفناء لتلك التوقفات وبقيت سيدوري تقاوم الانزلاقات نحو نزعة يوتوبية تصور الحاضر باحساساته ، فاراد الشاعر ان يقرب هذا المشروع اليوتوبي (في سيدوري) وهو المشروع الحلمي في انسانيته.

سوف تكون ربّتهُ

وساقية ً تجالس ُ آهلهُ البحّارةَ الحكماءَ

سوف تقول سيدوري نبؤتها

وتعلن صوتها

أعلى من الصفصافة الاولى

وأعلى من سلالم ذلك الافق البعيد..

وسوف يجلس حولها البحارةُ الحكماء ُ في اسمالهم

وعلى جدائلهم بروق البحر ، والملحُ

ان انكشاف الرؤية عند سعد يوسف يتمثل بالامتزاج المدرك بالرؤية الجمالية واليقظة الحامية في دور البلوغ داخل تجريبية جوهرية تسمو الى مستوى التمثيل في خلق نغمة خاصة تجمع عمليةالتشابه والمشابهه في قصدية مكشوفة للمكان تحكمها استعارات للصورة الشعرية يستخدمها الشاعر لذلك الوصف الذي يثيره الانتباه وفي اجتذاب للتشابه الذي يقبل هذا الغرس حين يظهر عمق الانتماء لهذه الارض لانها رائحة الوجود وعبر الشيء في هذا العالم ، وان الوصول الى هذا التمثيل وفق الحس الوجودي باندحار النظام السياسي واستبداله بالحس الانساني بعد ان تقهقر الاله ومات ولكن الشاعر لم يمت . من هنا اصبح التمرد الذي لازم الشاعر بصمت التفوق الحسي والحاجه الى دين انساني جديد باعادة تشكيل التاريخ من جديد وباختلافية وجودية تناقض منطق الحياة التقليدي انها : (العقبة) هي ايْلةٌ التاريخ وهي الآن إ يلات التي جاءت بها الكبوات واللهجات ُ وهي ، بنطقنا ، وغمام استقتالنا:

العقبة تشُفّ كذرّةِ البلّور أحيان اضطراب النبض ارض مقاتل لصحابةٍ ومجاهدين وواحة مسكينة للسدْر دربا نحو مؤتة والشام وسعدي القى مراسيه في بؤر التحول التاريخي لكي يظفر بالفروض وتشكيلات الاكتمال المتمثلة بالوعي الامكاني للتاريخ ، الا ان سعدي يوسف واصل هذا التمثيل الثنائي بالانفتاح على الاستقلال التاريخي وتوقعاته وجعل هذا الانفتاح حركة كشف لصنع الارادات وتمثلها بالحس الاستدلالي الذي يعني الفعل في حركة التاريخ بمعنى تنشيط الحالة الفعلية للتاريخ بقصدية وصيرورة تؤكد حقيقة الوعي الجدلي التاريخي وفق تقريرية واقعية تتمثل بالموضوعلت القائمة على التجريبية الحسية وبانماط واعراف بنائية تشكل مضمون هذه الواقعية كذلك تفيد التشديد الذي تمثل بالاعراف التصويرية لمرتكز المحاكاة التي افردها المعنى القيمي وترابطاته النظرية التي رجحت التمثيل بالتخريجات المنظورة والمهارات المنجزة سياسيا وتاريخيا.

 

 

الشاعر جان جينيه.. مواطن بدون اوراق ثبوتية

عبد الكريم الوائلي

كانت الحضارة ذات موقف عدائي غاية في العداء من (جان جينيه) ذلك لانه ولد تحت عمود قذر في احد الشوارع؟، ازدحمت طفولته بالسرقات والشذوذ والشر الاجتماعي وفهمته زنزانات السجون فهما عنيفاً وكان يشي برفاقه في السرقة امعانا في تخريب العالم، ولكنه كان صديقا ً عجيبا للفقراء.

كان “جان جينيه” في الواقع عدو قمعي للنقود، ذلك لانه من يستطيع ان يمتلك ذلك القدر من النقود غير البرجوازيين اللئيمين؟ هؤلاء الذين تزداد ثرواتهم بقدر الكوارث التي تحيق بالفقراء.. بقدر ازدياد الفقراء في العالم.

ولد “جانجينيه” عام 1910 على ارصفة احد شوارع باريس عهدت به الحكومة الى ملجا للقطاء.. ثم سلمه المشرفون على الملجأ الى عائلة قروية ونشا جان “جينيه” محطما بلا ذكريات طفولية.. وبلا اوراق ثبوتية منبوذا ليمتهن بعد ذلك السرقة ويسافر في اقاليم السجون حتى عام 1948 وكانت محكومياته العديدة هذه تعرضه الى ان يحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وكان قبل ذلك قد احدث انقلاباً مدهشاً في نفسه بدءا بكتابة قصيدته اللامعة “عقوبة الاعدام” وما اعقب ذلك من تسرب لكتاباته الى خارج السجن لتطبع وليتداولها النقاد والادباء.. هؤلاء الذين وجدوا انفسهم ازاء ظاهرة ادبية فذه..

وهنا حدث ما لم يكن متوقعا بالنسبة لـ”جان جينيه” نفسه على الاقل اذهب (سارتر) و(بيكاسو) و(سيمون دي بوفوار) و(جان كوتو) للمطالبة باطلاق سراحه وذلك بالالتماس من وزير العدل الفرنسي وبالفعل غادر “جان جينيه” سجنه الصغير عام 1948 ولمدة ثمان سنوات اي حتى عام 1956 لم يكتب “جان جينيه” شيئا ولعله كان يسرب من نفسه طبقات الصدأ التي علقتها بقلبه الزنزانات الرطبة تلك التي يصفها في كتاباته وصفا تكاد من خلاله ان تشم رائحتها.

وان نحس بالرعشة الغامضة ونحن نلحق به داخل الازقة المعتمة حيث اللصوص يتربصون في كل منعطف.

وفي عام 1956 عاود “جان جينيه” الكتابة بطريقة غاية في الحماس فطبعت له عدة مسرحيات وقصص اشهرها مسرحية “الشرفة” ومسرحية “السود والوصيفتان” اما اول نتاج نثري لـ”جان جينيه” فهي (قصة سيدتنا صاحبة الزهور) التي قال عنها “سارتر” بانها قصة كتبت بالدموع وذلك في كتابه “جان جينيه” لصا وقديسا، وهو كتاب ضخم يضم 600 صفحة.. وقصة سيدتنا صاحبة الزهور تروي سلسلة من الاحداث التي مرت بـ”جين جينيه” سواء في طفولته الحرة الفقيرة او داخل السجون.

وبعد ذلك فان للقصة قيمة فنية وادبية كبيرة، ذلك لانها تروي في الواقع احداث الرحلات القاسية التي انجزتها “الحضارة” في داخل “جان جينيه” وبواسطة العربة الثقيلة التي عبرت مرارا فوق جثة طفولته.. وسني رشده المحطمة تماما، وكان “جان جينيه” نفسه رفيقا لهذا المسافر العجيب الذي يصطحب معه عادة الكثير من الحقائب التدميرية المخربة ويعبر “جان جينيه” في سيدتنا صاحبة الزهور عن مشاق هذه الاسفار الملعونة وفي قصيدة له “السفر العقلي” حيث يقول

سافرت في ارض البشر

الرجال ارض الرجال

والنساء ايضا

وسمعت ورأيت اشياء غريبة لم يعرف عنها شيئاً لم يحطم “جان جينيه” علاقته بحضارة الغرب جزافا، ذلك لان مثل “جان جينيه” يجد في النهاية من ينتمي اليه باخلاص مميت.

وهكذا وجدت فيه حركة الفهود السود بامريكا الفكر الوحيد الذي يعتمد عليه.. وكانت جولته داخل معسكرات الفدائيين الفلسطينيين ورقة ثبوتية بالغة الانسانية.. غاية في الثورة يرفعها “جان جينيه” بوجه الذين حطموا اوراقه الثبوتية على رصيف احد شوارع باريس.

لقد كتب “جان جينيه” عن الفقراء والمضطهدين وبعداء ابدي للنقود وللبرجوازيين اللؤماء.

هذا شيء من اشياء “جان جينيه”.. المعبأ بالتدمير والانسانية لان الحضارة الامبريالية لا ينتمي لها الفقراء بشيء..

ولا يدينون لها بشيء على الاطلاق.

 

 

قصة قصيرة

الـغــــفـران

علي خضر الساعدي

أختلى عزيز بنفسه شارد الذهن , محاولاً طرد الشكوك المحتدمة في مخيلته , كي يتخذ قراراً بصدد موافقته على زواج والدته من محمود المحامي . فقد منحته يوماً لأتخاذ قراره و ألا عقدت قرانها عليه ... كان محمود صديقاً لوالدي , أعزب على عتبة الأربعين من عمره ثرياً بزأ أقرانه في المهنة التقى في مكتبه بالسيدة ( زكية ) عندما حضرت لتدفع مؤخر الأتعاب في قضية طلاقها من زوجها ( أسطة حاتم ) تاجر الأقمشة , و ما أن سقطت نظراته على قدها الأهيف  حتى أعجبَ بجمالها , فعرض عليها فكرة الزواج منه , فوافقت .. و قد تحررت من معاملته السيئة  و قيوده القاسية .. و تزوجها بعد أنتهاء العدة .. و بعد عام ونَيف , رُزقا بيّ . و لحبه و حرصه علينا أشترى لنا داراً كبيرة وسط المدينة . كان و زوجه الدميمة , كثيرا التردد علينا . على ما أظن كانت في منتصف العقد الرابع من العمر . و كان الميراث هو السبب في زواجه منها . كانت مشاغله في السوق مع الزبائن تبعده عنا طوال النهار , و لم نشعر معه بأي نوع من الألفة و الترابط الأسري , كان الفتور يلف حياتنا ... و هو عائد ذات يوم , أطلق عليه مجهول ثلاث رصاصات فأردته قتيلاً - عندها بدأت تتكشف ليّ الحقيقة المرة و سمعت من معارفه المقربين , أن أبي (الأسطة حاتم ) كان مخادعاً , يراوغ مع زبائنه لا يعرف الرحمة , و لم يكن هذا المجهول ( القاتل ) سوى أحد هولاء الذين خدعهم و تحايل عليهم , فنال عقابه ... أنتهت مراسيم الحداد , فتكفل بنا محمود و تولى كل أمورنا . كنت حينها دون الخامسة عشر . فأصبحت أمي وصية عليّ . حتى أنهيتُ دراستي في الجامعة . و عينتُ مهندساً .. مضت الأيام مسرعة , فطلبت أمي من محمود أن يسرع برفع الوصاية عني . و بعد وفاة زوجه الدميمة , زارنا متذرعاً بتبصيري بكل ما يتعلق بثروتي التي ستؤول اليً .

كان يتوخى التأنق في ملبَسه , متصابي , رغم بداية عامه الستين ... و ذات يوم , أنفرد بيّ  و فاجأني قائلاً : عزيز , ليّ طلب عندك .. ما رأيك ؟ أن أطلب يد ( زكية ) منك ؟! . فأنتابني شعور هزني من الأعماق  , كأن أحدهم ضربني بجمعه على أم رأسي , و طلبتُ منه أن يمهلني حتى أسأل والدتي , فهز رأسه مبتسماً بثقة , و عند مفاتحتي لها هالني العجبُ مستنكراً قبولها لهذا الطلب . ولما حاولتُ الأعتراض قاطعتني قائلة : يا أبني , الزواج حَلَلَهُ الشرع .. و محمود رجل طيب , و من يوم وفاة أبوك , لَم نرَ منه الأ العطف و الأحسان .. ولما وجَدتْ مني أصرارا تكلل بنوع من الفتوربيني و بينهاً , هَربتُ بجلدي , وقد ضاق الأفق في محجرَيّ , منزوياً في خلوتي أسأل نفسي : ترُى لماذا أعترض على هذا الزواج ؟ . و أنا أعامله مثل أبي . وقد أنذرتني بأنها سوف تتزوجه , سواءً رضيت أم أبيت . و أنها في أنتظار رُدي و قلتُ لنفسي أليس الزواج أشرف من علاقة آثمة قد تدفع الناس للخوض في سيرتنا ؟ و طردتُ أفكار البَلَهْ و الجنون من يافوخي . ألم تصرح لي أنها تحبه  و أتخذتُ قراري بالموافقة وقمتُ متثاقلاً مرغماً , و أبلغتُها موافقتي . فقبلتني و ضمتني الى صدرها بحنان و فرح , و قررت أن أقيم معهما . حيث أباشر بناء الوحدة الصحية  التي تبرعتُ بأرضها التي تركها لي المدعو والدي .. و هناك ألتقيت ب( فدوى ) زميلتي في العمل . ونحن نعاين و نجري الترميمات الأخيرة لأكمال الوحدة . فشعرت بحبلٍ شديد الفتل يربطني بها. كانت جميلة رقيقة الحس , بقدٍ أهيف . ولم تخن الشجاعة بأن أصارحها برغبتي في الزواج منها فوجدتُ منها رفضاً مقنعاً . وفي الطريق لتسليم الوحدة الصحية . ألتقيتُ بصديقي ( حامد ) وكان يعرف علاقتي بفدوى , فدهشت حين قال لي : عزيز , أنسى حبك لفدوى ؟! . فقلتُ : كيف ؟ و لماذا ؟ و أستطرد قائلاً : أنها أبنة الرجل الذي قتل أباك !! . فأرتعدت فرائصي و أدركتُ حينها سر رَفضها الأقتران بي . و أنا أعيد رباطةُ جأشي , و راحت الذكريات تلاحقني .. أبي .. جشعه .. قسوته ... الرصاصات الثلاث التي نامت في صدره , و الفاعل مجهول .. فدوى أيّ ذنب ٍ جَنت ؟! أنه سوء طالعنا لنكون بعيدين عن بعضنا . لقد فضحتها دموعها التي ترقرقت من مآقيها ولكن كيف ؟ يمكن أن أربط مصيري بأنسانة , ما زالت يد أبيها مخضبة بدم أبي . سوف لن أراها ثانيةً . كان موقفنا لا يحُتمل , وبدت مضطربة الأنفاس , دامعة العينين . فلازمني دوار شديد , أقعدني بالفراش ثلاثة أيام . و زاد في هزالي و ضعفي , و أرتفعت سخونة جسدي , وتقرر نقلي الى دار الشفاء للعلاج . و أهتم محمود بيّ . و زارني حامد و أخذ يُسري عني بحضور أمي , وهي تبتسم و تتجاذب معه أطراف الحديث . و بعد أنصرافه سألتني : من هي فدوى التي ذكرها حامد في حديثه معي ؟ فأبلغتها بمدى تعلقي بها و أنها سبب علتي , و أن أباها هو قاتل ( حاتم ) . و عاودتني النوبة , فشعرت أمي بالخطر الذي يهددني , فأنصرفت . حتى دخل محمود فرحاً بحصول الموافقة على ذهابه و أمي لتأدية فريضة الحج .. و بعد خروجها , همس في أذني : أبني عزيز , أريد أن أحدثك بسر , أن أمك بعد أن تزوجت ( حاتم ) ظلت عامين دون نسل , و هددها بالطلاق , فقلقت . ولما كنت صديقاً مقرباً لهما , عرفتني بهذه الحقيقة المؤلمة , و كانت حينها صغيرة جميلة , مما دفعني و أنا زوج لأمرأةٍ دميمة . أن أستدرجها في ساعةِ ضعف الى مكتبي و كنتَ أنتَ ثمرة تلك الخطيئة . فعلمت سبب أهتمامه بي في مرضي , فتيقنت به و أدركت أن جشع ( حاتم ) أبي المزعوم . قد وصل به لحد التحدي لأرادة الله .. ثم أردف : كان لزاماً عليّ أن أصارحك الحقيقة يا ولدي . بعد أن تقرر ذهابنا الى الحج . لعلنا نكفر عن أثم قد أقترفناه . منذ خمسة و عشرين عاماً .. أن الله غفور رحيم .. وقد تماثلتَ للشفاء , و مرت لحظة صمت , و أذا بالباب ينفرج , و دخلت أمي وما أن رأتنا في هذه الحال , حتى هللت و كبرت , و أبرز لها والدي بعض الأوراق لتوقعها متنازلةً عن حصتها في أموال حاتم لبناء مسجد في المدينة  و قالت لي : أنظر تجاه الباب . و نظرت لأجد فدوى تقف ضاحكة بعد أن عرفت كل شئ من أمي . و أوصياني وهما يغادران الغرفة , أن نهتم باًمرنا و على الفور جلستُ و فدوى نرسم طريق المستقبل , و أتفقنا على موعد لأتمام الزواج . و بينما نحن نخطط لأحلامنا , نظرت فدوى في ساعتها , و طلبت مني الأنصراف على عجل كي تلحق بأبيها الضرير , لتساعده في أنهاء جواز سفره كي يتمكن من الحج تكفيراً عن ذنوبه . أن الله غفور رحيم.

 

 

مثل أيامي

ابتسام المتوكل

شاعرة من اليمن

الغريب أتى

غامضاً كالصدى

لا تمس الحروف حقيقته

أو تحيط به المفردة

الغريب الذي أشتهيه أنا

وتحن إليه الأصابع

واحدةً

واحدة

الغريب الذي سال من شرفتي

دافئاً كليالي الهوى

حطَّ في غربتي

لوحة مفردة

الغريب الذي مرَّ كالأمسِ

آهِ

آهِ! ما أبعده

الغريب الذي قال: نامي هنا

وارتمي في ضباب الغياب

بقسوته الباردة

الغريب هنا

والغريب هناك

كالقصيدة جامعةً

مجهدة

الغريب دمي

والغريب أساك

الغريب الندى

والغريب الشراك

والغريب مضى

مثل أيامي الشاردة

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق