|
تخطيطات المكان المرئي والمتخيل
منظومة القراءة... قراءة في مفهوم المكان
عزيز التميمي
من أين يبدأ المكان في مدينة شيدت مرات ومرات ، ودمرت وخربت مرات ومرات
؟ ولو أعدنا السؤال بشكل آخر : من يستطيع أن يدرك حدود بصرياثا ؟ تلك
المدينة التي ولدت من رحم كف محمد خضير ، ربما يقول قائل كتعليق أولي :
أن حدود البصرة الاسم الآخر لبصرياثا عند عين الجمل التي سماها
المسافرون والغزاة وربما قطاع الطرق ب الزبير ومن قبل قال عنها عجوز
هرم أنها ما بين الحوئب ووادي الخريب ، وربما أكد آخرون أن عين الجمل
كانت مجرد فكرة مليحة استفزت ذاكرة الفتى الذي عشق طفلة صغيرة من أطفال
البدو الرحّل ودفعه حلمه المجنون إلى تأسيس مدينة ذات سمات أسطورية
إرضاءاً لغرور العاشق العذري ، هذا من جهة الصحراء
أما إذا أردنا أن نتلمس حدود المدينة من جهة الماء ، فنجد أن غابات
النخيل التي دفنت قاماتها في قرص الشمس لحظة إنبلاجه لاتؤدي بنا إلى
نتائج مقنعة عن حدود بصرياثا مدينة الرمل والطين ، والتوابل والحناء ،
مدينة الملح والخضار ، مدينة الماء والبترول ، مدينة الحسن البصري
والخليل بن أحمد أو مدينة أبو الأسود وواصل بن عطاء ، وإذا أردنا أن
نضيف نقول مدينة السياب والبريكان في زمن الانفجار.
فالحدود مع الإسترسال في البحث والكلام تتلاشى وراء ضباب الإحتمالات ،
والمكان الذي تكلم عنه القاص محمد خضير ربما لم يكن ضمن مخيلة العرافة
التي قالت عن حدود البصرة أو كوثا السومرية بأنها بنت الماء والصحراء ،
وحين يتداعى المكان بتسمياته نتذكر أبو الخصيب مع الزبير ، نتذكر شط
العرب مع الفاو ، نتذكر جيكور والنخيل وقامة السياب التي توحي لطلاب
البصرة أنهم هناك وراء رموش النخيل يولدون من جديد ، ومع يوتوبيات
المكان نجد أن هناك حدود وهمية أظهرتها صورة فوتوغرافية لمشهد ضم غابة
نخيل ومجموعة نساء يرتدين العباءة كزي شعبي ، مع بروز نسق إشاري يوحي
أن المكان لم يكن أكثر من ذاكرة لرائحة الأنثى المتمثلة بالمرأة
والنخلة وإشراقات حلم إنساني تمثل بطفل رضيع وثلة سعفات خضر تمايلن مع
الريح ، وينتهي المشهد بغيوم بعيدة وسرب طيور يقصد حدود الصورة.
من يدري ربما أن مكيدة الصورة الفوتوغرافية هي ذاتها التي علقها رسام
إستشراقي وقف وسط ساحة أم البروم ونسج لوحة من خيال ربما لم يعد مناسب
لحجم العمارة في ذات الساحة ، وجعل المارة الذين كانوا يمثلون بائعين
خضار وتجار جِمال وتمور وربما مسافرين نزلوا للتسوق وهم في طريقهم إلى
مكة ، جعل كل هؤلاء يقفون دون وعي منهم ليرسم لهم مشهداً قرأته فيما
بعد ذاكرة مؤرخ مغمور أو ربما تناوله موظف يعمل في مديرية الآثار وتحت
ضغط الحاجة إلى الفلوس باع إرث الرسام الذي أتهم بالجنون وحوكم وأعدم
في نفس الساحة في وقت كان الخليفة العباسي الموفق يقسم أن قامات النخيل
زنت بقامات الزنوج فأنتجت التمرد.
ولو حاولنا أن نتصور المكان كمفهوم جغرافي لاستطعنا أن نميز مآرب
الكاتب وهو يقف عند حافات الصحراء ليصوب نظره إلى حدود المدينة التي
رسمها بقلم الكرافيت في دفتر يومياته ، ويخط كلمات "بصرياثا .. صورة
المدينة " صورة المدينة التي رآها ضمن مجموعة صور عرضها عليه أحد
المستشرقين الذين كتب عن المدينة أكثر مما تنفس من هوائها في فترة بحثه
في آثار مدينة البصرة القديمة والتي تحاط اليوم بسور من أسلاك
prc
لتضم ميدان معركة الجمل وسوق المدينة القديم شمال الساحة الميدان وكذلك
جامع الإمام علي بن أبي طالب ، ومجموعة آبار دفنت بحطام البيوت الطينية
آنذاك ، ويعلن أن هذه المدينة لا تاريخ لها بالرغم من تسربلها بالحوادث
، ويدع التأويل لك عزيزي القارئ أن تضع تاريخاً من حيث ابتدأت مع هذه
المدينة ، وبالتالي فلك الحق أن ترفض الحكايات التي تؤكد حدودها
الحالية ، أو تتجاوز رفضك بالإدعاء بالزيف لكل هذه المقولات التي تجعل
من بصرياثا جسد دون أذرع.
ولأن الحكاية تداولتها الألسن وبدل القوّال الواحد صاروا عشرات والمنبر
صار لايتسع لمن يقول فإن حدود المدينة ما عادت خاضعة لكتّاب التاريخ
ودارسي الأدب والسير ، وهكذا يودع كاتبنا بذرة الشك في نفوسنا وهو يبدأ
من هذا الكتيب المكسر الأوراق ، ليقول من ضمن ما قال عن المدينة ، إن
حدودها لم تكن موجودة وكل ما قيل عن المكان في هذه المدينة خرافة ،
فالأرض التي تتكون من التراب والطين والماء والشجر والكائنات الأخرى
ليست لها دخل في تسمية مكانية هذه المدينة التي جاءت قبل أن يكتب
التاريخ ، وقبل أن تكن بصرياثا تحمل إسمها الحالي ، فالمدينة لم يجزم
أحد بأنها كانت موجودة في زمن الأسفار المعلبة والحكايات التي تلد الجن
بعد غروب الشمس ، ولا أحد يستطيع أيضاً أن ينفي ملامحها التي جاءت
موثقة في حكايات من يدعون أنهم يعلنون بداية التاريخ ، وكثيرة الأسئلة
التي تستفهم عن حقيقة المكان والحدود في هذه المدينة التي كانت ولم تكن
، وينبهنا الكاتب في كلماته عن اليوتوبيا أن لا حدود تفصل بين تسمية
الـ هنا وتسمية ألـ هناك ، وكل ما يقال عن حقيقة مكان معين هو بالأحرى
تأكيد لتسمية مكان ما ، رقعة من الأرض سميت هنا بصرياثا وأخرى هناك
سميت نيويورك ، إنما المعني بهذا الترميز هو صورة المكان المتخيلة ،
الصورة التي تمثل المكان المرئي لحظة تدوين الحدث ، وما المسافة
الجغرافية إلاّ تعبير مجازي يؤدي بالإشارة إلى مدلولها الحقيقي ، أي
تحصيل الصورة المزدوجة للمكان والتي تتواجد في نفس اللحظة ، الصورة
الحقيقية للمكان الميكانيكي والأخرى المثالية التي تحمل سمات المكان
نفسه ، الصورة المرئية التي تواجهك في الواقع والأخرى التي تراها
مقلوبة في المرآة والتي تنطق بسمات الأولى بوهمية معلنة ، ومثلما أعلن
ميشيل فوكو رؤيته للمكان .. أي اشتراك الأمكنة بسمات وعلائق متناقضة ،
التنويعات المكانية التي تجهد نفسك حتى تقترب من حقيقتها ، والاحتمالات
الشائكة التي تؤدي بنا إلى التزام حالة الصمت متى دعينا إلى تحديد ولو
بشكل هلامي حدود مدينة كانت هي ذاتها خارج إمكانية التسمية ، فالمكان
القسري الذي أنت فيه لحظة الإحساس بالمكان قد لا يكون هو المكان المعني
به ، وبالتالي فالانجراف وراء محاولة من شأنها أن تعطينا حدود مقنعة
لمدينة مثل بصرياثا ربما تؤدي بنا إلى متاهة ، ولذلك نجد أن شكل
المدينة اتخذ عدة استحالات ضمن مخيلة الكاتب ، منها عين الجمل التي
أقرّ بها عند حافة الصحراء ، وأم البروم وليمة في مقبرة ، وحلم النهر ،
وعطايا الجمعة انتهاءاً بالمدينة المتنقلة ، وطريق الحكايات ، ومن ثم
هذه المفاهيمية التي جاءت على هامش الحرب والتكوينات القصصية التي مثلت
ارتجافات في لحظة اكتشاف ، فالمكان ينبثق ضمن لحظة إكتشافه الأولى ومن
ثم يعاود الانبثاق حينما يتم أكتشافه مرة أخرى ، وفي كل مرة يتم إنتاج
صورة مثالية للمكان تتيح لنا قراءة حدود المدينة ضمن وعي معين ،
وبالتالي لايمكن الإعتقاد بحقيقة مكان بعيداً عن الدورة التاريخية التي
تشمل المكان والوعي في آن ، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقترب من مفهوم
الكاتب حول صورة المكان الحقيقية ، فالمكان الحقيقي في ذاكرة محمد خضير
هو المكان الجزئي ، الذي يخضع لصيرورة التاريخ والزمن وهو جزء من كل ،
أما المكان الذي تنشأ عليه المدينة الفاضلة ، المدينة التي تؤدي بنا
إلى الكلي فهو مجرد أنموذج يسكن المخيلة ، ومن الممكن أن تنتج تكرارية
الصور أنماط مدن متشابهة خارج حدود الواقع المرئي ، فالمثال الذي تطرق
إليه فوكو في تقسيم المكان حسب ضرورته ينتج تصورات مختلفة للمكان من
خلال الصورة المنشأة في الذهن ، فالتصور الناتج لدى سكان السجن غير
التصور لدى سكان أو مرتادي الملهى ، والتصورات في ملجأ الأيتام غير
التي في الصحراء ، فالمدينة تنشأ ضمن حدود البعد الممكن للوعي وحتى
اللاوعي ، وهكذا تختلف صورة المكان الذي يمثل بصرياثا ، تختلف من حيث
نقطة الابتداء ، وحينما نقرأ إستحالات المكان أو صورة المدينة في ساحة
أم البروم التي نعتها الكاتب ب(وليمة في مقبرة ) ، نجد أن وعي القارئ
ينسجم مع فكرة الشاعر كاظم الحجاج عن تكوين الصورة الذهنية في لحظة
معينة ، لحظة فجر طائشة ينسكب فيها الشارع في الساحة ، وصحوة الناس
حينما تمر السيارة ، هذه التكوينات المكانية والحسية تنسج صورة الساحة
كولادة ذهنية أولاً ثم تصور جغرافي ثانياً ، أي تكوين الصيرورات
المتتالية ، فمن صورة المقبرة إلى ساحة الملك غازي إلى الاسم الأموي
للساحة (أم البروم ) ، فالمكان في تسمية أم البروم دائماً وليد دورة
زمنية وتاريخية فتخطيطات الأمس المرئية ليست هي المتخيلة اليوم ،
ومرئية اليوم ليست متخيلة الأمس ، وأم البروم كصورة معلنة هي خارج حدود
الواقعي ، وقد تكون مكان تم رصده في مدينة أخرى سميت بصرياثا ، لأن
التسمية المعلنة لبصرياثا هي " صورة مدينة " وتسمية الساحة تجاوزت
الفهم العام ، فالكاتب يذكرها مرة قلب المدينة ومرة أخرى أنفها ومعدتها
، أو مسجدها ، كتفها أو ماخورها ، ويتمادى في سرد مسميات الساحة حتى
نستنتج أنها هي صورة المدينة التي ذكرها له القصّة خون ، وهي ذاتها
التي تعاقب على ذكرها الرواة ، ولو بحثنا عن أم البروم الحقيقية بعد كل
ما ذكر عنها في كل مدن العالم سوف لن نجد منها سوى كلمات محمد خضير وهو
يقف في نقطة عند حافات الصحراء ليعلن لنا أن العالم بكل مجراته وأفلاكه
يدور حوله وهو المشغول بطيف طيبوثة الذي استفحل في رأسه.
قصة قصيرة
كاردينيا
ايناس البدران
هكذا وجدت نفسها موزعة بين هنا وهناك ، دون ان يكون لمشاعرها دور يذكر
، تتابع الوجوه النحيلة ذات السواعد المعروقة وهي تمارس طقسها الأزلي
المقدس في وصل شرايين الحياة ومد جسورها كجنود مجهولة بأنفاس مقطوعة
وصبر لا يصدق.وهي لاتدري على وجه التحديد أكان حسن الطالع ام سيؤه ذاك
الذي نجاها لأكثر من مرة من قبضة التهشيم الهمجية . فقد رأت هناك
أنطفاءات الحياة في عيون الخيول وألأ فراس البرية ، وكيف كانت تكبح
انطلاقاتها بأسرجة وأعنة وسياط جهنمية نتجت عن تراكم خبرات في المراوغة
والعسف والتسويف.وكيف تستحيل جمار الاماني رمادا يهدد بألأختناق وينذر
بالموت البطيء ، كل هذا دفعها للتفكير مليا بالذين يقضون خلف القضبان
الصماء دون ان يتسنى لأي منهم ايصال صرخات غضبه واستغاثاته وشتائمه ..
لتستحيل مع الوقت انينا مكبوتا لا معنى له.نعم .. لم تكن الألفة ما
دفعها للحنين الى ذلك الجزء القصي من البيت القديم حد الكآبة ، انما
الأعتياد ، ذلك الشعور الذي يشبه التسليم بأمر واقع وجد قبلنا او ولد
معنا .. شعور يفرض التعايش معه سلميا أو سلبيا وقياس الأمور وفق مسلمات
قدرية يمكن لمجرد التفكير في تغييرها أن يوهن الأرادة ويذيب
الحماس.تقبلت حياتها هناك الشبيهه بالدورة الكامله لأصداف البحر حيث
الأنزواء حد السكون ، والأكتفاء بالنظر الى الحياة من بعيد ، مثلما
يتقبل المؤمن قضاءه وقدره وأسباب سعده وشقائه في الدنيا.سنين وهي مسمره
مكانها لا تبارحه كمسمار علق في لوح منخور ، يتابع ضربات المطرقه
اللجوج على رأسه بغضب مشلول كان الزمن يمر بجانبها ويتحول عنها .. كل
هذا لم يفلح في وأد بصيص حنين الى شيء مجهول في الجهة الاخرى من الحياة
، ما أنفك يشدها الى رحيل من نوع ما لتترك كل شيء وراءها في موضعه
بأنتظار اوبة مزعومة .. لتنسلخ عن جلد هو ليس جلدها ، لتفارق وجوها
ألفتها وأخرى لم تكترث لها ، أو حتى لم تعلم بوجودها .. الى اخرى
جديدة.حاجة ظلت تراودها للأرتماء في احضان مجهول غير مبال لتعيش لحظات
بلا ذاكرة مشدودة الى نهاية مبهرة حد الذعر ، هربا من نحيب مكتوم
لأصداف لم تعد قادرة على ادعاء الحياة.أعتادت أن تلوذ بحديقة الدار
القديمة من عزلة فرضت عليها ردحا حتى استحالت أختيارية بمضي الوقت !
وتصغي لهمهمات الحياة البسيطة وهي تعلن عن نفسها ببراءة وعفوية ممزوجة
بحفيف ذؤابات الشجر.
لفت نظرها أن اشجار البيت القديم كانت تعبر عن نفسها بلغة بسيطة تفهمها
،أما شجيرات البيت ألجديد فبدت لعينيها نحيلة متباعدة كأنها في حالة
انكماش أو عزوف ، وعزت مشاعرها حينها ألى النفس البشريه وطبيعتها التي
تتوجس خيفة من كل جديد.
وتذكرت ما أخبرها به والدها يومها من أن هذه النبتة دائمة الخضرة تدخر
ازهارها اللؤلؤية لتظهرها مرة واحدة في العام.والفكرة التي عنت لها
حينها هي ان هذه الشجيرة لا تعير التفاتا للبوابة الشرسة ، وانها تخبيء
كل جمالها وأريج أزهارها لتظهره دفعة واحدة كالدنيا تماما.الأمر الذي
دفعها للتساؤل عن امكانية اطلاق رصاصة الرحمة على زمن ولى بكل جراحاته
واخطائه الخرقاء وافكاره الفجه وعن جدوى تغيير الامكنه مع نفس استوطنها
الحزن وأغرقها في لجته.ودت حينها لو تحصي عدد البشر الذين يشاطروها
الهواء لتشاركهم حياتهم الفقيرة الا من فتات احلام وشظايا خيبات امل
ومر صبر ونتف افراح لتعيش من خلالهم اكثر من حياة ربما لتعوض ما فاتها
من تلك الهبه التي لم يقدر لها التمتع بها فتسربت من بين اصابعها
وانسابت انسياب الدم من جرح مميت.شعرت بحواسها تزداد رهافة وهي تبسمل
لتجتاز - بقدمها اليمنى - عتبة الدار الجديدة متجاوزة ذبيحة نحرت
استجلابا للبركة والبهجة لأكباد كانت ترقب المشهد متلهفة تلقف حصتها من
اللحم الطري.نظرت حولها فيما الشمس ترسل آخر شعاعاتها الفضية دفئا عبر
مصاريع النوافذ ممزوجة بزقزقات العصافير، بحثا في الفضاءات المحددة عما
تخبئه الأيام .. تنهدت اذ عبق المكان أريج عطر مسالم ناصع البياض لزهرة
كاردينيا.
لمحة في خصوصية المكان لدى الروائي فؤاد التكرلي
جمال كريم
بدأ فن السرد القصصي والروائي في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي ،
تقليديا من حيث الشكل والمحتوى ، فقصص وروايات ، محمود احمد السيد
وذنون ايوب وشاكر خصباك في بداية مسيرته الادبية وغريهم من مجايليهم ،
لم تخرج من أطر التقليدية ، حيث عالجت أغلب تلك النتاجات موضوعات
اجتماعية عراقية كانت سائدة سنينئذ وباساليب وتقنيات فنية بسيطة
وربما يكون هذا السياق السردي قد ظل ساريا خلال سنوات العقد الرابع من
القرن المذكور ، غير أن اغلب الباحثين والدارسين الذين تناولوا السردية
العراقية الحديثة من حيث النشاة والتطور ،وبخاصة دراسات الراحل
د.عبدالاله احمد ،يذهبون أو يؤرخون لنشاتها الفنية الحديثة ، الى مطلع
العقد الخامس وما تلاه من اعوام ، مع ظهور كتاب بارزين في حداثة هذا
الفن ، امثال عبد الملك نوري ومحمود عبد الوهاب ومحمود الظاهر ونزار
سليم ، والتكرلي وعيسى مهدي الصكر وغيرهم ، وقد كان لكل كاتب موضوعاته
ومعالجاته فضلا عن اسلوبه.
ويذهب بعض النقاد والدارسين الى القول ان الحداثة في القصة العراقية
ارتبطت بكاتبين هما عبد الملك نوري ، وفؤاد التكرلي الذي يتفرد من بين
مجايليه في فن السرد العراقي الحديث ،بنواح تقنية واسلوبية انعكست على
معالجاته التي انصبت على الموضوعة العراقية ، مكانا وكيانات اجتماعية ،
تنتمي اغلبها الى الطبقة البورجوزية الصغيرة والوسطى ، والفئات
الاجتماعية الكادحة والمسحوقة ، ولاغرو في ذلك اذا ما عرفنا ، ان
التكرلي نفسه ، عاش فترة طويلة من حياته في وسط حي شعبي من احياء
بغداد- باب الشيخ - ، فكان قريبا من مخلوقاته الاجتماعية ، متفهما
لمعاناتها ، بل منغمسا في همومها ، وعارفا بتطلعاتها مع أنه كان ينتمي
اجتماعيا الى الطبقة البرجوازية الوسطى ، وهو في كل قصصه ورواياته ،
يتقصى حركة شخوصه القصصية أو الروائية في فضاء مكاني عراقي فحسب ، اذ
قلما تجد ، أوربما ينعدم وجود فضاء مكاني آخر ، غير الفضاء العراقي ،
لكن قد تكون هناك اشارات الى امكنة أخرى وهي لم تتخط حدود الاشارة ،
كما في شخصية "حسين " في رواية الرجع البعديد حيث تشير الرواية انه
سافر في رحلة عمل الى الكويت ومن ثم يعود الى بغداد ، بل الى محلته
الشعبية بالتحديد ، على اية حال ، لو تتبعنا بترو الامكنة والاحداث
وحركة الشخصيات القصصية والروائية للتكرلي ، سنجدها أمكنة عراقية خالصة
، يحرص التكرلي على هندستها بتقنيته السردية المعروفة فنجد شخصية
"منيرة "في رواية الرجع البعيد ، فهي تنتقل من بعقوبة الى بغداد ، او
تتبعه لحركة توفيق لام ،وعائلة عبد المولي ومكونها الاجتماعي في خانقين
وحتى انتقالها الى بغداد في رواية الاوجاع والمسرات ،وكذلك شخصية "محمد
جعفر "في الوجه الاخر ،و"هاشم السليم " في خاتم الرمل ، وغيرها من
الشخصيات الاخرى في مسرح احداث القصص والروايات ،كما أن الحورات
باللهجة الشعبية التي ترد في أكثر نصوصه القصصية والروائية ، تلعب دورا
مهما في الكشف عن هموم ومستويات الرؤى المختلفة لدى شخوص التكرلي ،
فضلا عن الكشف عن أبعاد وتاثيرات المكان من الجانب النفسي والمعيشي على
تلك الشخصيات ، بمعنى ان أمكنة أو مسرح – على سبيل المثال - رواية
الرجع البعيد التي وثقت للمكان والاحداث في حقبة جد مهمة وشائكة من
تاريخ العراق الحديث السياسي والاجتماعي من وجهة نظر روائي محايد
ومتمكن من أدواته فنه السردي كالتكرلي ، الا وهي مرحلة ما بعد ثورة
الرابع عشر من تموز وما خلفت من تداعيات على صعد حياة المجتمع العراقي
أعوامئذ ، بل وما رافقها من صراعات سياسية على دفة الحكم وخزائن الثروة
، فالاحداث والشخصيات المحورية ، بمختلف انتماءاتها الاجتماعية
والسياسية والثقافية ، تتحرك على فضاءات مكانية عراقية ،وبخاصة في
بغداد ، وضمن جغرافيا الاحياء الشعبية ، كباب الشيخ وما يتبعها من ازقة
وحوار ، او شارع الكفاح وما يتماس أو يتقاطع معه من شوارع ومحلات شعبية
،ويحاول التكرلي تبعا لخصوصية هذه الامكنة ، من حيث المشكلات
الاجتماعية ومستويات الفقر ، وعمق معانتاها ، وحدة صراعاتها ، أن
يتعامل معها بمنتهى الواقعية ، فلذلك غالبا ما يوظف المحكيات الشعبية ،
توظيفا فنيا جماليا ، قلما يجاريه في ذلك كاتب عراقي ، اذا ما استثنينا
الروائي الراحل غائب طعمة فرمان الذي وظف هذا المحكي في اغلب رواياته
وبخاصة "النخلة والجيران" ، هذه المحكيات ، سواء ما ورد منها على لسان
الشخصيات في حوراتاها الخارجية أو الداخلية ، او أثناء قصدية السارد
على توظيفها ، كانت بلا شك تعبر عن خصوصية المكان الذي تشكلت وتنوعت في
محيطه.
يصف التكرلي في احدى مقابلاته الكتابة بالقولك"الكتابة عملية غامضة
وومتعة ومحاطة بالمعاناة ...والحرية الداخلية تطلق طاقة الابداع ".
اختزال عميق ، يقدمه التكرلي في رؤيته الى عملية الخلق ةالاصالة في
الكتابة ، وهو بلا يشك ، لن يستثني فضاءات المكان ، باعتبارها مسارح
للاحداث والمعاناة ،وايضا ، فضاء لممارسة تلك الحرية الجوانية التي
يشير اليها التكرلي.
ان لمحة سريعة حول خصوصيات المكان في قصص وروايات التكرلي ، لم تف بكل
تأكيد بالغرض ، فهي تحتاج الى دراسة عميقة وشاملة لتلك الخصوصية.
بعيدا عنهم
سمرقند الجابري
أتساءلُ
أيّهما أكثرُ حكمةً وجنوناً
تحليقكَ في فضاء ِ صمتك المستريب ِ
أمْ سقوطُك المنتظرُ في مصيدةِ قلبي ؟
ماذا لو قصَصْت ُ أجنحتي
ودثرْتك َ بحريرها
بماذا سأحلق إليك ؟
إليك بقيثارتي
سيغار كلكامش منّا
فيتخذ له حبيبة
ضارِبا ً عن عشبةِ الخلود
إدّخَرْت ُ لك حريقا ً في دمي
أذيبُ به ِ جليد وحشتك
وقنديلين في عينيّ
أغسل ُ بضوئهما عتمة َ مسارِبك
فبشّر أصابعَك بأزاميلي
سأعلمك دروسا ً في النحت
لتنجزَ تمثالا من عبيري
سأكرّ عليك
بجيش ٍ من سرايا الوجد
مدجج ٍ بالدفء والندى والشعر
لا تخف ْ
فأنا أريد أنْ أتوّج أنوثتي
ثمة خال على شكل قلب أسود
إدّخرْته لك لتسكب فيه النبض
فيغدو أبيضَ كأجنحة النوارس
أتحججُ بالبرد لأرتدي أصابعك
كتحججك بالمرض لأجسّ جبينك
وبالإحتراق لتسْتظلَ أفياءَ جدائلي
حبك ـ قصائد هوميروس
علمني كيف أغدو إلهة ً أرضية ً
أنشرُ تعاليمي بين الأنهار والطيور ِ والشجر
لك ادّخرت ما تبقى في بستان العمر من شجر
فادّخرْ أمطارك لي
واتخذ من رحيقي مدادا لقصائدك
قصائدك التي ستكون
لي وحدي
وعدت شجري بمطرك
فأنتشت عناقيدي
التصق نداك بلحائي
فاخضرت الارض
قبل أن اطوي سجادتي
يتضرع قلبي
اللهم عجل هودجي
بعودتك لخبائي
أيها النائي كالصباح
عن مقلة ليلي المجنون |